انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير القرطبيالآيات 162–175

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير القرطبي.

أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ۝١٦٢ هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ۝١٦٣

قوله تعالىٰ: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ} يُريد بتَرِك الغُلُول والصّبر على الجهاد. {كَمَن بَآءَ بِسَخْطٍ مِّنَ ٱللَّهِ} يُريد بكُفْرٍ أو غُلولٍ أو تَولٍّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في الحرب. {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ} أي مَثْوَاه النَّار، أي إن لم يَتُب أو يعفو الله عنهُ. {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي المرجِع. وقرىء رِضُوْانُ بكسر الرّاء وضَمّها كالعُدوان (والعِدوان). ثم قال تعالىٰ: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ ٱللَّهِ} أي ليس من اتّبَع رِضْوان الله كَمَنْ باء بِسَخَطٍ منه. قيل: «هُمْ دَرَجَاتٌ» مُتفاوِتةٌ، أي هم مُختلفُوا المنازِل عند الله؛ فَلِمن اتّبع رضوانه الكَرامةُ والثّوابُ العظيمُ، ولِمن بَاءَ بِسَخَطٍ منه المَهانةُ والعذابُ الأليمُ. ومعنى «هُمْ دَرَجَاتٌ». أي ذَوُو دَرَجاتٍ. أو على دَرَجات، أو في دَرجاتٍ، أو لهم دَرَجاتٌ. وأهل النار أيضاً ذوو دَرَجات؛ كما قال:

وجدته في غَمَرات من النار فأخرجته إلى ضَحْضَاح. فالمؤمن والكافر لا يستويان في الدّرجة؛ ثم المؤمنون يختلفون أيضاً، فبعضهم أرفع درجة من بعض، وكذلك الكفار. والدّرجةُ الرّتبةُ، ومنه الدَّرَج: لأنه يُطوَى رُتْبةً بعد رُتْبةٍ. والأشهر في منازل جهنم دَرَكات؛ كما قال: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ }} [النساء: 145] فلمن لم يَغُلّ درجات في الجنة، ولمن غَلّ دَركاتٌ في النار. قال أبو عبيدة: جهنَّمُ أَدْرَاكٌ، أي منازل؛ يُقال لكل منزل منها: دَرَك ودَرْك. والدّرَكُ إلى أسفل، والدّرجُ إلى أعلىٰ.

لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝١٦٤

بيّن الله تعالىٰ عظيمَ مِنّته عليهم ببعثه محمداً صلى الله عليه وسلم. والمعنى في المِنّة فيه أقوال: منها أن يكون معنى {مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} أي بشرٌ مِثلُهم. فلما أظهر البراهين وهو بشر مثلهم عُلِم أن ذلك من عند الله. وقيل؛ «مِنْ أنْفُسِهِمْ» منهم. فشَرفُوا به صلى الله عليه وسلم، فكانت تلك المنّة. وقيل: «مِن أنْفُسِهِم» ليعرفوا حاله ولا تخفى عليهم طريقته. وإذا كان محله فيهم هذا كانوا أحقَّ بأن يقاتلوا عنه ولا ينهزموا دونه. وقرِىء في الشّواذ «من أنْفَسِهِم» (بفتح الفاء) يعني من أشرفهم؛ لأنه من بني هاشم، وبنو هاشم أفضلُ من قريش، وقريشٌ أفضل من العرب، والعربُ أفضل من غيرهم. ثم قيل: لفظ المؤمنين عامّ ومعناه خاص في العرب؛ لأنه ليس حيّ من أحياء العرب إلا وقد ولَده صلى الله عليه وسلم، ولهم فيه نسب؛ إلا بني تَغْلِب فإنهم كانوا نصارى فطهّره الله من دَنَس النّصرانية. وبيان هذا التأويل قولُه تعالىٰ:

{ هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ } [الجمعة: 2]. وذكر أبو محمد عبد الغني قال: حدّثنا أبو أحمد البصريّ حدّثنا أحمد بن عليّ بن سعيدالقاضي أبو بكر المَرْوَزِي حدّثنا يحيى بن مَعِين حدّثنا هشام بنُ يوسفَ عن عبد الله بن سُلَيمان النّوفَلِي عن الزُّهري عن عُرْوةَ عن عائشة رضي الله عنها: {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} قالت: هذه للعرب خاصّةً: وقال آخرون: أرادَ به المؤمنين كلّهم. ومعنى «مِنْ أَنْفُسِهِمْ» أنّه واحدٌ منهم وَبَشَرٌ مِثْلُهُم، وإنما أمتاز عنهم بالوحي؛ وهو معنى قولِه {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} وخَصّ المؤمنين بالذّكْر لأنهم المُنْتَفِعون به، فالمِنَّةُ عليهم أعْظَم. وقولُه تعالىٰ؛ {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ} «يتلو» في موضِع نَصْب نَعْتٌ لرسُول، ومعناه يَقْرَأُ. والتّلاَوةُ القِرَاءةُ. {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} تقدّم في «البقرة». ومعنى {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ} أي ولقد كانوا من قبل، أي من قبل محمد، وقيل: «إِنْ» بمعنى ما، واللام في الخبر بِمعنى إلاَّ، أي وما كانوا من قبلُ إلاَّ في ضلال مبين. ومثله {وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} أي وما كنتم من قبله إلاَّ من الضَّالِّين. وهذا مذهب الكوفيين. وقد تقدّم في «البقرة» معنى هذه الآية.

أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝١٦٥

الألف للإستفهام، والواو للعطف. {مُّصِيبَةٌ} أي غلبة. {قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا} يوم بَدْر بأن قَتلتم منهم سبعين وأسرتم سبعين. والأسير في حكم المقتول؛ لأن الآسر يقتل أسيره إن أراد. أي فهزمتموهم يوم بَدْر ويوم أُحُد أيضاً في الابتداء، وقتلتم فيه قريباً من عشرين، قتلتم منهم في يومين، ونالوا منكم في يوم أُحُد. {قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا} أي من أين أصابنا هذا الإنهزام والقتل، ونحن نقاتل في سبيل الله، ونحن مسلمون، وفينا النبيّ والوحي، وهم مشكرونٰ. {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} يعني مخالفة الرُّماة. وما من قوم أطاعوا نَبِيَّهم في حرب إلاَّ نُصِروا؛ لأنهم إذا أَطَاعُوا فهم حزب الله، وحزب الله هم الغالبون. وقال قتادة والرّبيع بن أنس: يعني سؤالهم النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يخرج بعد ما أراد الإقامة بالمدينة. وتأوّلها في الرؤيا التي رآها درعاً حصينة. عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: هو اختيارهم الفِداء يوم بَدْر على القتل. وقد قيل لهم: إن فاديتم الأسارى قُتل منكم على عِدّتهم. وروى البَيْهَقِي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال

قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في الأسارى يوم بدر: «إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم وٱستمتعتم بالفداء واستُشهد منكم بعدّتهم». فكان آخرَ السبعين ثابتُ بن قيس قُتل يوم اليمامة. فمعنى {مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} على القولين الأوّلين بذنوبكم. وعلى القول الأخير باختياركم.

وَمَآ أَصَٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٦٦ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ قَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُوا۟ قَالُوا۟ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّٱتَّبَعْنَٰكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَٰنِ يَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ۝١٦٧

يعني يوم أُحُد من القتل والجَرْح والهزيمة {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي بعلمه. وقيل: بقضائه وقَدَره. قال القَفّال: أي فبِتَخْلِيته بينكم وبينهم، لا أنه أراد ذلك. وهذا تأويل المعتزلة. ودخلت الفاء في «فبإذن الله» لأن «ما» بمعنى الذي. أي والذي أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله؛ فأشبه الكلام معنى الشرط، كما قال سيبويه: الذي قام فله درهم. {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} {وَلْيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ} أي ليُمَيّز. وقيل ليرى. وقيل: ليظهر إيمان المؤمنين بثبوتهم في القتال، وليظهر المنافقين بإظهارهم الشّماتة فيعلمون ذلك. والإشارة بقوله: {نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ} هي إلى عبد الله بن أُبي وأصحابهِ الذين ٱنصرفوا معه عن نُصرة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكانوا ثلاثمائة، فمشى في أثرهم عبدُ الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، أبو جابر بن عبد الله، فقال لهم: ٱتّقوا الله ولا تتركوا نبيّكم، وقاتلوا في سبيل الله أو ٱدفعوا، ونحو هذا من القول. فقال له ابن أبيّ: ما أرى أن يكون قِتال، ولو علمنا أن يكون قِتال لكنا معكم. فلما يئس منهم عبد الله قال: ٱذهبوا أعداءَ الله فسيُغنِي اللَّهُ رسولَه عنكم. ومضى مع النبيّ صلى الله عليه وسلم واستُشهد رحمه الله تعالىٰ.

واختلف الناس في معنى قوله: {أَوِ ٱدْفَعُواْ} فقال السُّدِّي وابن جريج وغيرهما: كَثِّروا سوادنا وإن لم تقاتلوا معنا؛ فيكون ذلك دَفْعاً وقَمْعاً للعدوّ؛ فإن السواد إذا كثر حصل دفع العدوّ. وقال أنس بن مالك: رأيت يوم القادِسِيّة عبد الله بن أُمِّ مَكْتُوم الأعمىٰ وعليه دِرْع يجرّ أطرافها، وبيده رايةٌ سوداء؛ فقيل له: (أليس) قد أنزل الله عذرك؟ قال: بلى ولكني أكثِّر (سواد) المسلمين بنفسي. ورُوي عنه أنه قال: فكيف بسوادي في سبيل اللهٰ وقال أبو عون الأنصاري: معنى «أو ٱدفعوا» رابطوا. وهذا قريب من الأوّل. ولا محالة أن المرابط مدافع؛ لأنه لولا مكان المرابطين في الثّغور لجاءها العدوّ. وذهب قوم من المفسرين إلى أن قول عبدِ الله بن عمرو {أو ٱدفعوا} إنما هو ٱستدعاء إلى القتال (حمية؛ لأنه استدعاهم إلى القتال) في سبيل الله، وهي أن تكون كلمة الله هي العليا، فلما رأى أنهم ليسوا على ذلك عرض عليهم الوجه الذي يَحْشِمَهم ويبعث الأَنَفة. أي أو قاتلوا دِفاعاً عن الحَوْزة. ألاَّ ترىٰ أن قُزْمان قال: والله ما قاتلت إلاَّ عن أحساب قومي. وألا ترى أن بعض الأنصار قال يوم أُحُد لما رأى قريشاً قد أرسلت الظَّهر في زروع قَناة، أتُرْعَىٰ زروع بني قَيْلة ولما نضارِب؟ والمعنى إن لم تقاتلوا في سبيل الله فقاتلوا دَفْعاً عن أنفسكم وحَرِيمكم.

قوله تعالىٰ: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ} أي بيَّنوا حالَهم، وهتَكُوا أسْتارَهم، وكشَفُوا عن نفاقِهم لمن كان يُظنّ أنهم مسلمون؛ فصاروا أقربَ إلى الكفر في ظاهر الحال، وإن كانوا كافرين على التحقيق. وقوله تعالىٰ: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} أي أظهَروا الإيمان، وأَضمَرُوا الكفر. وذِكْرُ الأفواه تأكيدٌ؛ مثل قوله: {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}.

ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُوا۟ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا۟ قُلْ فَٱدْرَءُوا۟ عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝١٦٨

قوله تعالى {ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ} معناه لأجل إخوانهم، وهم الشهداء المقتولون من الخَزْرَج؛ وهم إخوة نسب ومجاورة، لا إخوة الدِّين. أي قالوا لهؤلاء الشهداء: لو قعدوا، أي بالمدينة ما قتِلوا. وقيل: قال عبد الله بن أبيّ وأصحابُه لإخوانهم، أي لأشكالهم من المنافقين: لو أطاعونا، هؤلاء الذين قُتِلوا، لمَا قتِلوا. وقوله: {لَوْ أَطَاعُونَا} يريد في ألاّ يخرجوا إلى قريش. وقوله: {وَقَعَدُواْ} أي قالوا هذا القول وقعدوا بأنفسهم عن الجهاد؛ فردّ الله عليهم بقوله: {قُلْ فَادْرَءُوا} أي قل لهم يا محمد: إن صدقتم فادفعوا الموت عن أنفسكم. والدَّرْء الدفعُ. بيّن بهذا أن الحَذَر لا ينفع من القَدَر، وأن المقتولَ يقتل بأجله، وما عَلِم الله وأخبر به كائنٌ لا محالَة. وقيل: مات يومَ قيل هذا، سبعون منافقاً. وقال أبو الليث السَّمْرَقَنْدِيّ: سمعت بعض المفسّرين بسَمْرَقَنْد يقول: لما نزلت الآية {قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ} مات يومئذ سبعون نفساً من المنافقين.

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ۝١٦٩ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا۟ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝١٧٠

وفيه ثمان مسائل:

الأولى: لمّا بيّن الله تعالىٰ أنّ ما جرى يوم أُحُد كان ٱمتحاناً يُميّز المنافق من الصَّادق، بيّن أن من لم ينْهَزِم فقُتل له الكرامةُ والحياةُ عنده. والآية في شُهَداء أُحُد. وقيل: نزلت في شهداء بئر مَعُونة. وقيل: بل هي عامّة في جميع الشهداء. وفي مصنف أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لمّا أُصيب إخوانكم بأُحُد جعل الله أرواحهم في جَوْف طَير خضر تَرِد أنهار الجنة تأكُل من ثمارها وتأوِي إلى قناديلَ من ذهب معلَّقةٍ في ظِلّ العَرْش فلما وجدوا طِيب مأْكَلِهم ومَشْرَبهم ومَقِيلهم قالوا مَن يُبلِّغ إخوانَنَا عنّا أنّا أحياءٌ في الجنة نُرْزَق لئلا يَزْهَدوا في الجهاد ولا يَنْكُلوا عند الحرب فقال الله سبحانه أنا أبلغهم عنكم» ـ قال ـ فأنزل الله {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً} إلى آخر الآيات. وروى بقِيّ بن مَخْلَد عن جابر قال: لقِيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا جابر ما لي أراك مُنَكِّساً مُهْتَمّاً»؟ قلت: يا رسول الله، اسْتُشْهِد أبِي وترك عِيالاً وعليه دَيْنٌ؛ فقال: «ألاَ أُبَشِّرك بما لقي اللَّهُ عزّ وجلّ به أباك»؟ قلت: بلىٰ يا رسول الله. قال: «إن الله أحْيَا أباك وكلمه كِفاحاً وما كلّم أحد قطُّ إلاَّ من وراء حجاب فقال له يا عبدي تَمنّ أُعْطِك قال يا رب فرُدّني إلى الدنيا فأُقْتَل فيك ثانيةً فقال الربّ تبارك وتعالىٰ إنه قد سبق مِني أنهم (إليها) لا يرجعون قال يا ربّ فأبلغ مَن ورائي» فأنزل الله عزّ وجلّ {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} الآية. أخرجه ابن ماجه في سُنَنه، والتَّرمذِيّ في جامعه وقال: هذا حديث حسن غرِيب. وروى وكيع عن سالم بن الأفْطَس عن سعيد بن جبير {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ} قال: لما أُصيب حمزة بن عبد المطّلب ومُصْعَب بن عُمير ورأوا ما رُزقوا من الخير قالوا: ليت إخواننا يعلمون ما أصابنا من الخير كي يزدادوا في الجهاد رَغْبَةً؛ فقال الله تعالىٰ أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله تعالىٰ: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً} ـ إلى قوله: {لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. وقال أبو الضُّحىٰ: نزلت هذه الآية في أهل أُحُد خاصّةً. والحديثُ الأوّل يقتضي صحةَ هذا القول. وقال بعضهم: نزلت في شهداء بَدْر وكانوا أربعة عشر رجلاً؛ ثمانيةٌ من الأنصار، وستة من المهاجرين. وقيل: نزلت في شهداء بئر مَعُونة، وقصتهم مشهورة ذكرها محمد بن إسحاق وغيره. وقال آخرون: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة وسرور تحسّروا وقالوا: نحن في النعمة والسرور، وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور. فأنزل الله تعالىٰ هذه الآية تَنْفِيساً عنهم وإخباراً عن حال قتلاهم.

قلت: وبالجملة وإن كان يحتمل أن يكون النّزول بسبب المجموع فقد أخبر الله تعالىٰ فيها عن الشهداء أنهم أحياءٌ في الجنة يُرزقون، ولا مَحالَة أنهم ماتوا وأن أجسادهم في التراب، وأرواحهم حيّة كأرواح سائر المؤمنين، وفُضّلوا بالرزق في الجنّة من وقت القَتْل حتى كأن حياة الدنيا دائمة لهم.

وقد اختلف العلماء في هذا المعنى. فالذي عليه المعظم هو ما ذكرناه، وأن حياة الشهداء محققة. ثم منهم من يقول: تُردُّ إليهم الأرواح في قبورهم فينعّمون، كما يحيا الكفار في قبورهم فيُعذبون. وقال مجاهد: يرزقون من ثَمَر الجنة، أي يجدون ريحها وليسوا فيها. وصار قوم إلى أن هذا مجاز، والمعنى أنهم في حكم الله مستحقّون للتنعُّم في الجنة. وهو كما يُقال: ما مات فلان، أي ذكْره حيّ؛ كما قيل:

مَوْتُ التّقِيّ حياةٌ لا فناءَ لهاقَدْ مات قومٌ وهُمْ في الناس أحْيَاءُ

فالمعنى أنهم يرزقون الثّناءَ الجميل. وقال آخرون: أرواحهم في أجواف طَيْر خُضْر وأنهم يُرزقون في الجنة ويأكلون ويتنعّمون. وهذا هو الصحيح من الأقوال؛ لأن ما صحّ به النقل فهو الواقع. وحديثُ ابن عباس نصٌّ يرفع الخلاف. وكذلك حديث ابن مسعود خرّجه مسلم. وقد أتينا على هذا المعنى مبيَّناً في كتاب «التّذكِرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة». والحمد لله.

وقد ذكرنا هناك كم الشهداء، وأنهم مختلفو الحال. وأما من تأوّل في الشهداء أنهم أحياء بمعنى أنهم سيحْيَوْن فبعيدٌ يرده القرآن والسنة؛ فإن قوله تعالىٰ: {بَلْ أَحْيَاءٌ} دليل على حياتهم، وأنّهم يرزقون ولا يُرزق إلاَّ حَيّ. وقد قيل: إنه يكتب لهم في كل سَنَة ثوابُ غزوة؛ ويُشركون في ثواب كلّ جهاد كان بعدهم إلى يوم القيامة؛ لأنهم سَنّوا أمر الجهاد. نَظِيره قوله تعالىٰ:

{ مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً } [المائدة: 32]. على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالىٰ. وقيل: لأن أرواحَهم تركَع وتسجُد تحت العرش إلى يوم القيامة، كأرواح الأحياء المؤمنين الذين باتُوا على وُضُوء. وقيل: لأن الشهيد لا يَبلى في القبر ولا تأكُله الأرض. وقد ذكرنا هذا المعنى في «التّذكِرة» وأن الأرض لا تأكل الأنبياء والشهداء والعلماء والمؤذّنين المحتَسبين وحملة القرآن.

الثانية: إذا كان الشَّهيد حيّاً حُكماً فلا يُصلّىٰ عليه، كالحيّ حِسّاً. وقد اختلف العلماء في غُسل الشهداء والصّلاة عليهم؛ فذهب مالك والشافعيّ وأبو حنيفة والثّوْريّ إلى غُسل جميع الشّهداء والصَّلاة عليهم؛ إلاَّ قتيلَ المُعتَرك في قتال العدوّ خاصة؛ لحديث جابر قال قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

«ادفنوهم بدمائهم» يعني يوم أُحُد ولم يُغسِّلهم، رواه البخاريّ. وروى أبو داود عن ابن عباس قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلى أُحُد أن يُنزَع عنهم الحديدُ والجلودُ وأن يُدفَنُوا بِدمائهم وثيابهم. وبهذا قال أحمدُ وإسحاقُ والأوزاعيّ وداود بن عليّ وجماعةُ فُقَهاء الأمصار وأهل الحديث وابنُ عُلَيَّة. وقال سعيد بن المُسَيّب والحَسَن: يُغسّلون. قال أحدهما: إنما لن تُغَسِّل شهداء أُحُد لكثرتهم والشُّغل عن ذلك. قال أبو عُمَر: ولم يقل بقول سعيد والحسن هذا أحد من فقهاء الأمصار إلاَّ عبيد الله بن الحسن العَنْبَري، وليس ما ذكروا من الشُّغل عن غُسل شهداء أُحُد علّة؛ لأن كل واحد منهم كان له وليٌّ يشتَغل به ويقوم بأمره. والعلّة في ذلك ـ والله أعلم ـ. ما جاء في الحديث في دمائهمأنها تأتي يوم القيامة كريح الْمِسك فَبَانَ أن العلّة ليست الشُّغل كما قال من قال في ذلك، وليس لهذه المسألة مدخل في القياس والنظر، وإنما هي مسألة ٱتّباعٍ للأثر الذي نقله الكافّة في قتلى أُحُد لم يُغسّلوا. وقد ٱحتج بعض المتأخرين ممن ذهب مذهب الحسن. بقوله عليه السَّلام في شهداء أُحُد:أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة. قال: وهذا يدل على خصوصهم وأنه لا يَشْرَكهم في ذلك غيرهم. قال أبو عمر: وهذا يشبه الشذوذ، والقول بترك غُسلهم أولى؛ لثبوت ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قَتلى أُحُد وغيرهم. ورَوى أبو داود عن جابر قال: رُمِيَ رجل بسهم في صدره أو في حلقه فمات فأدرِج في ثيابه كما هو. قال: ونحن مع رسول صلى الله عليه وسلم.

الثالثة: وأما الصلاة عليهم فاختلف العلماء في ذلك أيضاً؛ فذهب مالك واللّيث والشافعيّ وأحمد وداود إلى أنه لا يُصلّى عليهم؛ لحديث جابر قال:

كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: «أيُّهما أكثر أخْداً للقرآن»؟ فإذا أُشير له إلى أحدِهما قدّمه في اللَّحد وقال: «أنا شهيدٌ على هؤلاء يوم القيامة» وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يُغسّلوا ولم يُصل عليهم. وقال فقهاء الكوفة والبصرة والشام: يُصلّىٰ عليهم. وروَوْا آثاراً كثيرة أكثرها مراسيل. أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى على حمزة وعلى سائر شهداء أُحد.

الرابعة: وأجمع العلماء على أن الشّهيد إذا حُمل حَيّاً ولم يَمت في الْمعتَرَك وعاش وأكلَ فإنه يُصلّىٰ عليه؛ كما قد صُنع بعمر رضي الله عنه

واختلفوا فيمن قُتل مظلوماً كقتيل الخوارج وقُطّاع الطريق وشبه ذلك؛ فقال أبو حنيفة والثّوري: كل من قتل مظلوماً لم يُغسّل، ولكنه يُصلّىٰ عليه وعلى كل شهيد؛ وهو قول سائر أهلِ العِراق. ورَوَوْا من طُرِق كثيرةٍ صحاح عن زيد بن صُوحان، وكان قتل يوم الجَمَل: لا تَنزِعوا عنّي ثوباً ولا تَغسِلوا عني دَماً. وثبت عن عمار بن ياسر أنه قال مثلَ قول زيد ٱبن صُوحان. وقُتل عمار بن ياسِر بِصفّين ولم يغسّله عليّ. وللشافعي قولان: أحدهما ـ يُغسّل كجميع الموتى إلا من قتله أهل الحرب؛ وهذا قول مالك. قال مالك: لا يُغسّل من قتله الكفار ومات في المُعترك. وكل مقتول غيرِ قتيلِ المُعتَرك ـ قتيل الكفار ـ فإنه يُغسّل ويُصلَّى عليه. وهذا قول أحمد ابن حنبل رضي الله عنه. والقول الآخر للشافعيّ ـ لا يُغسّل قتيل البُغاة. وقول مالك أصحّ؛ فإنّ غُسل الموتى قد ثبت بالإجماع ونَقْلِ الكافّة. فَواجبٌ غُسلُ كلِّ ميت إلا من أخرجه إجماعٌ أو سُنّةٌ ثابتة. وبالله التوفيق.

الخامسة: العدوّ إذا صبّح قوماً في منزلهم ولم يَعلموا به فقتَلَ منهم فهل يكون حكمه حكم قتيل المعتَرك، أو حكم سائر الموتى؛ وهذه المسألة نزلت عندنا بقُرطُبَة أعادها الله: أغَارَ العدوّ ـ قَصَمه الله ـ صَبيحَةَ الثّالثِ من رَمضانَ المُعظّم سنةَ سَبعٍ وعشرين وسِتّمائة والناس في أجْرانهم على غَفلة، فقتَل وأسَر، وكان من جُملة من قُتل والدي رحمه الله؛ فسألت شيخنا المقرىء الأُستاذ أبا جعفر أحمد المعروف بأبي حجة فقال؛ غَسّله وصلّ عليه، فإن أباك لم يُقتَل في المُعتَرك بين الصَّفين. ثم سألت شيخنا ربيعَ بن عبد الرحمن بن أحمد بن ربيع بن أُبيّ فقال: إن حكمه حكم القتلى في المعترك. ثم سألت قاضي الجماعة أبا الحسن عليّ بن قطرال وحوله جماعة من الفقهاء فقالوا: غسّله وكفّنه وصلّ عليه؛ ففعلت. ثم بعد ذلك وقَفتُ على المسألة في «التّبصرة» لأبي الحسن اللّخميّ وغيرها، ولو كان ذلك قبل ذلك ما غسّلته، وكنت دفنته بدمه في ثيابه.

السادسة: هذه الآية تدل على عظيم ثواب القتل في سبيل الله والشهادة فيه حتى أنه يكفر الذنوب؛ كما قال صلى الله عليه وسلم:

القتل في سبيل الله يكفّر كل شيء إلا الدّين كذلك قال لي جبريل عليه السلام آنفاً. قال علماؤنا ذِكر الدَّين تنبيه على ما في معناه من الحقوق المتعلقة بالذمم، كالغصب وأخذ المال بالباطل وقتل العمد وجِراحه وغير ذلك من التَّبِعات، فإن كل هذا أوْلى ألاّ يُغفَر بالجهاد من الدَّين فإنه أشد، والقصاص في هذا كله بالحسنات والسيئات حسبما وردت به السنَّة الثابتة. روى عبد الله بن أُنَيْس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يحشر الله العباد ـ أو قال الناس، شكَّ همّام، وأوْمَأَ بيده إلى الشام ـ عُراة غُرْلا بُهْماً. قلنا: ما بُهْمٌ؟ قال: ليس معهم شيء فيناديهم بصوت يسمعه مَن قَرُب وَمَن بَعُد أنا الملِك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلِمة ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلِمة حتّى اللطْمة. قال قلنا: كيف وإنما نأتي الله حفاة عراة غرلا. قال: بالحسنات والسيئات. أخرجه الحارث بن أبي أسامة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون من المفلِس»؟. قالوا: المفلِس فِينا من لا دِرهم له ولا متاع. فقال: «إن المفْلِس من أُمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شَتَم هذا وقَذَف هذا وأكلَ مالَ هذا وسفكَ دَمَ هذا وضرب هذا فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنِيت حسناته قبل أن يُقْضى ما عليه أخِذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار» وقال صلى الله عليه وسلم:والذي نفسي بيده لو أن رجلاً قُتل في سبيل الله ثم أُحْيَي ثم قتل ثم أُحيي ثم قُتل وعليه دَيْن ما دخل الجنة حتى يُقْضى عنه. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نفس المؤمن معلَّقة ما كان عليه دَيْن. وقال أحمد بن زُهَير: سئل يحيى بن مَعِين عن هذا الحديث فقال: هو صحيح. فإن قيل: فهذا يدل على أن بعض الشهداء لا يدخلون الجنة من حين القتل، ولا تكون أرواحهم في جَوف طيرٍ كما ذكرتم، ولا يكونون في قبورهم، فأيْنَ يكونون؟ قلنا: قد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: أرواح الشهداء على نهر بباب الجنة يقال له بَارِقٌ يخرج عليهم رزقهم من الجنة بُكْرَةً وعَشِيّاً فلعلهم هؤلاء. والله أعلم. ولهذا قال الإمام أبو محمد بن عطية: وهؤلاء طبقات وأحوال مختلفة يجمعها أنهم {يُرْزَقُونَ}. وقد أخرج الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه عن سليم بن عامر قال سمعت أبا أمامة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: شهيد البحر مثلُ شهِيدَيْ البَرِّ والمائدُ في البحر كالمُتَشَحِّط في دَمِه في البر وما بين المَوْجَتين كقاطع الدنيا في طاعة الله وإن الله عزّ وجلّ وكّل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهداء البحر فإنه سبحانه يتولّى قَبضَ أرواحهم ويَغْفِر لشهيد البرّ الذنوبَ كلَّها إلا الدَّين ويغفر لشهيد البحر الذنوب كلها والديْن».

السابعة: الدَّين الذي يُحْبس به صاحبه عن الجنة ـ والله أعلم ـ هو الذي قد ترك وفاء ولم يُوص به. أو قَدر على الأداء فلم يؤدّه، أو ٱدّانه في سَرَف أو في سفهٍ ومات ولم يوفّه. وأما من ٱدّان في حق واجب لِفافةٍ وعُسْر ومات ولم يَتْرُك وفاء فإن الله لا يحبسه عن الجنة إن شاء الله؛ لأن على السلطان فرضاً أن يؤدّيَ عنه دينه، إما من جملة الصدقات، أو من سهم الغارمين، أو من الفَيْء الراجع على المسلمين. قال صلى الله عليه وسلم:

من ترك دَيْناً أو ضَياعاً فعلى الله ورسوله ومن ترك مالاً فلورثته. وقد زدنا هذا الباب بياناً في كتاب (التذكرة) والحمد لله.

الثامنة: قوله تعالى: {عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} فيه حذف مضاف تقديره عند كرامة ربّهم. و «عِند» هنا تقتضي غايةَ القُرْب، فهي كـ (لدى) ولذلك لم تصغر فيقال! عُنيد؛ قاله سيبويه. فهذه عِنْدِيّة الكرامة لا عِنْدِية المسافة والقُرْب. و «يرزقون» هو الرّزق المعروف في العادات. ومن قال: هي حياة الذّكْر قال: يرزقون الثناء الجميل. والأوّل الحقيقة. وقد قيل: إن الأرواح تُدرِك في تلك الحال التي يسرحون فيها من روائح الجنة وطِيبها ونعيمها وسرورها ما يَليق بالأرواح؛ مما ترتزق وتنتعش به. وأما اللذات الجسمانية فإذا أُعيدت تلك الأرواح إلى أجسادها ٱستَوْفت من النعيم جميعَ ما أعدّ الله لها. وهذا قول حسن، وإن كان فيه نوع من المجاز، فهو الموافق لما ٱخترناه. والمُوَفِّق الإلۤه. و {فَرِحِينَ} نصب في موضع الحال من المضمر في «يُرْزَقُونَ». ويجوز في الكلام «فَرِحُون» على النعت لأَحْيَاء. وهو من الفرح بمعنى السرور. والفضْل في هذه الآية هو النّعيمُ المذكور. وقرأ ابن السَّمَيْقَع «فَارِحِين» بالألف وهما لغتان كالفَرِه والفارِه، والحَذِر والحاذِر، والطّمِع والطّامِع، والبَخِل والباخِل. قال النحاس: ويجوز في غير القرآن رَفعُه، يكون نعتاً لأحياء.

قوله تعالى: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ} المعنى لم يلحقوا بهم في الفضل، وإن كان لهم فضل. وأصله من البَشرة؛ لأن الإنسان إذا فَرِح ظهر أثر السّرور في وجهه. وقال السّدّي: يؤتىٰ الشهيد بِكتابٍ فيه ذكرُ من يَقْدَمُ عليه من إخوانه، فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقُدومِه في الدنيا. وقال قَتادةُ وابن جُريْج والرّبيعُ وغيرُهم: استبشارهم بأنهم يقولون: إخواننا الذين تركنا خلفنا في الدنيا يقاتلون في سبيل الله مع نبيّهم، فيستشهدون فينالون من الكرامة مثلَ ما نحن فيه؛ فيسرّون ويفرحون لهم بذلك. وقيل: إن الإشارة بالاستبشار للذين لم يَلحقوا بهم إلى جميع المؤمنين وإن لم يُقتَلوا، ولكنهم لما عاينوا ثواب الله وقع اليقين بأن دِين الإسلام هو الحق الذي يثيب الله عليه؛ فهم فَرِحون لأنفسهم بما آتاهم الله من فضله، مستبشرون للمؤمنين بأن لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. ذهب إلى هذا المعنى الزجّاج وٱبن فُورَك.

يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٧١

أي بجنة من الله. ويقال: بمغفرة من الله. {وَفَضْلٍ} هذا لزيادة البيان. والفضل داخل في النعمة، وفيه دليل على اتساعها، وأنها ليست كنِعَم الدنيا. وقيل: جاء الفضل بعد النعمة على وجه التأكيد؛ روى التِّرمذيّ عن المِقْدام بن مَعْدِيكرِب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

للشَّهيد عند الله ستُّ خِصال ـ كذا في الترمذيّ وابن ماجه «سِتّ»، وهي في العدد سبع ـ يغفر له في أوّل دُفعة ويرى مَقعده من الجنة ويُجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاجُ الوَقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها ويُزوّج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العِين ويُشَفَّع في سبعين من أقاربه قال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وهذا تفسير للنّعمة والفضل. والآثار في هذا المعنى كثيرة. ورُوي عن مجاهد أنه قال: السيوف مفاتيح الجنة. ورُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أكرم الله تعالى الشهداء بخمس كرامات لم يُكرم بها أحداً من الأنبياء ولا أنا أحدها أن جميع الأنبياء قبض أرواحَهم مَلَكُ الموت وهو الذي سيقبض رُوحي وأما الشهداء فالله هو الذي يقبض أرواحهم بقدرته كيف يشاء ولا يُسلّط على أرواحهم مَلَكُ الموت، والثاني أن جميع الأنبياء قد غُسِّلوا بعد الموت وأنا أُغَسَّل بعد الموت والشهداء لا يُغَسَّلُون ولا حاجة لهم إلى ماء الدنيا، والثالث أن جميع الأنبياء قد كُفِّنوا وأنا أُكَفَّن والشهداء لا يُكَفَّنون بل يُدفنون في ثيابهم، والرابع أن الأنبياء لما ماتوا سُمُّوا أمواتا وإذا مِت يقال قد مات والشهداء لا يُسَمَّون مَوْتَى، والخامس أن الأنبياء تُعطَى لهم الشفاعةُ يوم القيامة وشفاعتي أيضاً يوم القيامة وأما الشهداء فإنهم يشفعون في كل يوم فيمن يشفعون».

قوله تعالى: {وَأَنَّ ٱللَّهَ} قرأه الكِسائي بكسر الألف، والباقون بالنصب؛ فمن قرأ بالنصب فمعناه يستبشرون بنعمة من الله ويستبشرون بأن الله لا يضيع أجر المؤمنين. ومن قرأ بالكسر فعلى الابتداء. ودليله قراءة ابن مسعود «وٱللَّهُ لا يضِيع أجر المؤمِنين».

ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْا۟ أَجْرٌ عَظِيمٌ ۝١٧٢

{ٱلَّذِينَ} في موضع رفع على الابتداء، وخبره {مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ}. ويجوز أن يكون في موضع خفض، بدلٌ من المؤمنين، أو من {الّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا}. {ٱسْتَجَابُواْ} بمعنى أجابوا، والسين والتاء زائدتان. ومنه قوله:

فـلم يَسْتَجِبْـه عنـد ذاك مُجِيـبُ

وفي الصحيحين عن عروة بن الزبير قال: قالت لي عائشة رضي الله عنها: كان أبوك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القَرْح. لفظ مسلم. وعنه عن عائشة: يا ٱبن أختى كان أبواك ـ تعنى الزبير وأبا بكر ـ من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القَرْح. وقالت: لما ٱنصرف المشركون من أُحُد وأصاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابَه ما أصابهم خاف أن يرجعوا فقال: «من يَنتدب لهؤلاء حتى يعلموا أن بنا قوّة» قال: فانتَدَب أبو بكر والزُّبير في سبعين؛ فخرجوا في آثار القوم، فسمعوا بهم وٱنصرفوا بنعمة من الله وفضل. وأشارت عائشة رضي الله عنها إلى ما جرى في غَزوة حَمْراء الأسْد، وهي على نحو ثمانية أميال من المدينة.وذلك أنه لما كان في يوم الأحد، وهو الثاني من يوم أُحُد، نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بإتباع المشركين، وقال: «لا يخرج معنا إلا من شهدها بالأمس» فنهض معه مائتا رجل من المؤمنين. في البخاريّ فقال: «من يذهب في إثرهم» فانتدب منهم سبعون رجلاً. قال: كان فيهم أبو بكر والزبير على ما تقدّم، حتى بلغ حمراء الأسْد، مُرْهِباً للعدوّ؛ فرُبّما كان فيهم المُثْقَل بالجراح لا يستطيع المشي ولا يجد مركُوباً، فرُبّما يحمل على الأعناق؛ وكل ذلك ٱمتثالٌ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورغبة في الجهاد. وقيل: إن الآية نزلت في رجلين من بني عبد الأَشْهل كانا مُثْخَنَين بالجراح، يتوكّأ أحدهما على صاحبه، وخرجا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فلما وصلوا حمرَاء الأسد، لقيهم نُعيم بن مسعود فأخبرهم أن أبا سفيان ٱبن حرب ومن معه من قريش قد جَمَعُوا جُموعهم، وأجمعوا رأيهم على أن يأتوا إلى المدينة فيستأصلوا أهلها؛ فقالوا ما أخبرنا الله عنهم: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ}. وبينا قريش قد أجمعوا على ذلك إذ جاءهم مَعْبَد الخُزَاعيّ. وكانت خُزاعةُ حُلفاءَ النبيّ صلى الله عليه وسلم وعَيْبَةَ نُصْحه، وكان قد رأى حال أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وما هم عليه؛ ولما رأى عزمَ قريش على الرجوع ليستأصلوا أهل المدينة احتمله خوفُ ذلك، وخالصُ نصحه للنبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه على أنْ خَوّف قريشاً بأن قال لهم: قد تركت محمداً وأصحابه بحمراء الأسد في جيش عظيم، قد ٱجتمع له من كان تخلّف عنه، وهم قد تحرّقوا عليكم؛ فالنَّجاء النّجاءٰ فإني أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيتُ أن قلتُ فيه أبياتاً من الشعر. قال: وما قلت؟ قال: قلت:

كادت تُهَدُّ من الأصوات راحِلَتِيإذ سالت الأرضُ بالجُرْد الأبابيل تُرْدِي بأُسْدٍ كرامٍ لا تَنابلةٍعند اللّقاء ولا مِيلٍ مَعازيلِ فَظلْتُ عَدْواً أظنّ الأرضَ مائِلةًلمّا سَمَوْا برئيس غير مَخْذُول فقلتُ وَيْلَ ٱبنِ حَرْبٍ من لقائِكُمُإذا تَغَطْمَطَتِ البَطْحاء بالخيلِ إني نذير لأهل البَسْل ضاحيةًلكلّ ذي إِرْبةٍ منهم ومعقول من جيش أحْمَدَ لا وَخْشٌ قَنابِلُهُوليس يُوصَفُ ما أنذرتُ بالقِيلِ

قال: فثَنَى ذلك أبا سُفيان ومن معه، وقذَف الله في قلوبهم الرُّعْب، ورجعوا إلى مكة خائفين مسرعين، ورجع النبيّ صلى الله عليه وسلم في أصحابه إلى المدينة منصوراً؛ كما قال الله تعالى: {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ} أي قتال ورُعْب. وٱستأذن جابر بن عبد الله إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم في الخروج معه فأذن له. وأخبرهم تعالى أن الأجر العظيم قد تَحصّل لهم بهذه القَفْلة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنها غَزْوة». هذا تفسير الجمهور لهذه الآية. وشذّ مجاهد وعِكرمة رحمهما الله تعالى فقالا: إن هذه الآية من قوله: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ... إِلَىٰقَوْلُهُ - عظِيمٌ}. إنما نزلت في خروج النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى بَدْرٍ الصُّغرى. وذلك أنه خرج لميعاد أبي سفيان في أُحد، إذ قال: مَوْعِدنا بَدْرٌ من العام المُقبِل. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «قولوا نعم» فخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل بَدْرٍ، وكان بها سُوق عظيم، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه دراهِم؛ وقَرُب من بَدْرٍ فجاءه نُعيم بن مسعود الأشجَعِيّ، فأخبره أن قريشاً قد ٱجتمعت وأقبلت لحربه هي ومن ٱنضاف إليها، فأشفق المسلمون من ذلك، لكنهم قالوا: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» فصَمّمُوا حتى أتوا بدراً فلم يجدوا أحداً، ووجدوا السُّوق فاشتروا بدراهمهم أُدْماً وتجارة، وٱنقلبوا ولم يَلقُوا كَيْداً، ورَبِحوا في تجارتهم؛ فذلك قوله تعالى: {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ} أي وفضل في تلك التجارات. والله أعلم.

ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَٰنًا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ ۝١٧٣

اختُلف في قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ} فقال مُجاهد ومُقاتِل وعِكرمة والكَلْبيّ: هو نُعيم بن مسعود الأشجعيّ. واللّفظ عامّ ومعناه خاص؛ كقوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. السُّدِّي: هو أعرابيّ جُعِل له جُعْل على ذلك. وقال ٱبن إسحاقَ وجماعةٌ: يريد بالناس ركْبَ عبدِ القيس، مَرُّوا بأبي سفيان فدسّهم إلى المسلمين ليثبّطوهم. وقيل: الناس هنا المنافقون. قال السُّدِّي: لما تجهّز النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه للمسير إلى بَدْرٍ الصغرى لميعاد أبي سفيان أتاهم المنافقون وقالوا: نحن أصحابكم الذين نهيناكم عن الخروج إليهم وعصيتمونا، وقد قاتلوكم في دياركم وظَفِروا؛ فإن أتيتموهم في ديارهم فلا يرجع منكم أحد. فقالوا: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ». وقال أبو مَعْشر: دخل ناس من هُذيل من أهل تِهامة المدينةَ، فسألهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي سفيان فقالوا: {قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} جموعاً كثيرة {فَٱخْشَوْهُمْ} أي فخافوهم وٱحذروهم؛ فإنه لا طاقة لكم بهم. فالناس على هذه الأقوال على بابه من الجمع. والله أعلم.

قوله تعالى: {فَزَادَهُمْ إِيمَاناً} أي فزادهم قولُ الناس إيماناً، أي تصديقاً ويقيناً في دينهم، وإقامةً على نُصرتهم، وقوّةً وجراءة واستعداداً. فزيادة الإيمان على هذا هي في الأعمال. وقد اختلف العلماء في زيادة الإيمان ونقصانه على أقوال. والعقيدة في هذا على أن نفس الإيمان الذي هو تاجٌ واحدٌ، وتصديق واحد بشيء مّا، إنما هو معنًى فَرْدٌ، لا يدخل معه زيادة إذا حصل، ولا يبقى منه شيء إذا زال؛ فلم يبق إلا أن تكون الزيادة والنقصان في متعلَّقاته دون ذاته. فذهب جمع من العلماء إلى أنه يزيد وينقص من حيث الأعمال الصادرة عنه، لا سيما أن كثير من العلماء يوقعون ٱسم الإيمان على الطاعات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:

الإيمان بضع وسبعون باباً فأعلاها قول لا إلۤه إلا اللَّهُ وأدناها إماطة الأذى عن الطريق أخرجه الترمذيّ، وزاد مسلموالحياء شُعْبَةٌ من الإيمان وفي حديث عليّ رضي الله عنه: إن الإيمان ليبدو لُمَظَةً بيضاء في القلب، كلما ٱزداد الإيمان ٱزدادت اللُّمَظَة. وقوله «لمظة» قال الأصمعيّ: اللمظة مثل النُّكْتة ونحوها من البياض؛ ومنه قيل: فرس ألْمَظ، إذا كان بجَحْفَلته شيء من بياض. والمحدّثون يقولون «لمظة» بالفتح. وأما كلام العرب فبالضم؛ مثل شُبهة ودهمة وخُمرة. وفيه حُجّةٌ على من أنكر أن يكون الإيمان يزيد وينقص. ألا تراه يقول؛ كلما ٱزداد النفاق ٱسودّ القلب حتى يسودّ القلب كلّه. ومنهم من قال: إن الإيمان عَرَض، وهو لا يَثْبُتُ زمانين؛ فهو للنبيّ صلى الله عليه وسلم وللصُّلحاء متعاقب، فيزيد باعتبار توالي أمثاله على قلب المؤمن، وباعتبار دوام حضوره. وينقص بتوالي الغَفَلات على قلب المؤمن. أشار إلى هذا أبو المعالي. وهذا المعنى موجود في حديث الشفاعة، حديثِ أبي سعيد الخُدْرِيّ أخرجه مسلم. وفيه:فيقول المؤمنون يا ربَّنا إخواننا كانوا يصومون ويُصلّون ويَحجُّون فيُقال لهم أخرجوا من عرفتم فتُحَرَّم صُورهُم على النار فيُخرجون خلقاً كثيراً قد أخذت النار إلى نِصفِ ساقَيْه وإلى رُكبتيه ثم يقولون رَبَّنا ما بَقِيَ فيها أحدٌ ممن أمرتنا به فيقول ٱرْجعوا فمن وجدتم في قلبه مِثقالَ دينار من خير فأخرجوه فيُخرِجون خلقاً كثيراً ثم يقولون رَبَّنا لم نَذَرْ فيها أحداً ممن أمرتنا ثم يقول ٱرجعوا فمن وجدتم في قلبه مِثقَال نِصفِ دِينار من خير فأخرجوه فيُخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون رَبَّنا لم نَذَرْ فيها ممن أمرتنا أحداً ثم يقول ٱرجِعوا فمن وجدتم في قلبه مِثقَال ذَرَّةٍ من خير فأخرجوهوذكر الحديث. وقد قيل: إن المراد بالإيمان في هذا الحديث أعمالُ القلوب؛ كالنّية والإخلاص والخوف والنصيحة وشبه ذلك. وسمّاها إيماناً لكونها في محل الإيمان أو عنى بالإيمان، على عادة العرب في تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره، أو كان منه بسبب. دليل هذا التأويل قولُ الشافعين بعد إخراج من كان في قلبه مثقالُ ذرّة من خير: «لم نَذَرْ فيها خيراً» مع أنه تعالى يُخرج بعد ذلك جموعاً كثيرة ممن يقول لا إلۤه إلا الله، وهم مؤمنون قطعاً؛ ولو لم يكونوا مؤمنين لما أخرجهم. ثم إن عُدِم الوجود الأوّل الذي يُرَكَّب عليه المِثْل لم تكن زيادةٌ ولا نقصان. وقُدّر ذلك في الحركة. فإن الله سبحانه إذا خَلق علْماً فَرْداً وخلق معه مِثْلَه أو أمثالَه بمعلومات فقد زاد علمه؛ فإن أعدم الله الأمثال فقد نقص، أي زالت الزيادة. وكذلك إذا خلق حركة وخلق معها مثلها أو أمثالها. وذهب قوم من العلماء إلى أن زيادة الإيمان ونقصَه إنما هو من طريق الأدلة، فتزيد الأدلّة عند واحد فيقال في ذلك: إنها زيادة في الإيمان؛ وبهذا المعنى ـ على أحد الأقوال ـ فُضّل الأنبياء على الخلق، فإنهم عَلِموه من وجوه كثيرة، أكثر من الوجوه التي علمه الخلق بها. وهذا القول خارج عن مقتضى الآية؛ إذ لا يُتصوّر أن تكون الزيادة فيها من جهة الأدلة. وذهب قوم: إلى أن الزيادة في الإيمان إنما هي بنزول الفرائض والأخبار في مدّة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفي المعرفة بها بعد الجهل غابرَ الدّهر. وهذا إنما هو زيادة إيمان؛ فالقول فيه إنّ الإيمان يزيد قول مَجازِيّ، ولا يُتصوّر فيه النقص على هذا الحدّ، وإنما يتصوّر بالإضافة إلى من عُلِم. فاعلم.

قوله تعالىٰ: {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} أي كافينا الله. وحسب مأخوذ من الإحساب، وهو الكفاية. قال الشاعر:

فتملأ بيتنا إقْطاً وَسَمْناًوَحَسْبُكَ من غِنًى شِبَعٌ ورِيُّ

روى البخاريّ عن ابن عباس قال في قوله تعالىٰ: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} ـ إلى قوله: ـ {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} قالها إبراهيم الخليل عليه السَّلام حين ألْقِيَ في النَار. وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم. والله أعلم.

فَٱنقَلَبُوا۟ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوٓءٌ وَٱتَّبَعُوا۟ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ۝١٧٤

قال علماؤنا: لما فَوّضوا أمورَهم إليه، وٱعتمدوا بقلوبهم عليه، أعطاهم من الجزاء أربعَة معانٍ: النعمة، والفضل، وصرف السوء، وٱتباع الرضا. فرضَّاهم عنه، ورضِي عنهم.

إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝١٧٥

قال ابن عباس وغيره: المعنى يخوفكم أولياءه؛ أي بأوليائه،أو من أوليائه؛ فحذف حرف الجر ووصل الفعل إلى الاسم فنصب. كما قال تعالىٰ: {لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً} أي لينذركم ببأس شديد؛ أي يخوّف المؤمن بالكافر. وقال الحسن والسُّدِّي: المعنى يخوّف أولياءه المنافقين؛ ليقعدوا عن قتال المشركين. فأما أولياء الله فإنهم لا يخافونه إذا خوّفهم. وقد قيل: إن المراد هذا الذي يخوّفكم بجمع الكفار شيطانٌ من شياطين الإنس؛ إمّا نُعيم بن مسعود أو غيره، على الخلاف في ذلك كما تقدّم. {فَلاَ تَخَافُوهُمْ} أي لا تخافوا الكافرين المذكورين في قوله: {إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ}. أو يرجع إلى الأولياء إن قلت: إن المعنى يخوّف بأوليائه أي يخوّفكم أولياءه.

قوله تعالىٰ: {وَخَافُونِ} أي خافون في ترك أمري إن كنتم مصدّقين بوعدي. والخوف في كلام العرب الذُّعْر. وخَاوَفَنى فلان فَخُفْتُه، أي كنتُ أشدّ خوفاً منه. والخَوفاءُ المَفَازَة لا ماء بها. ويُقال: ناقةٌ خَوْفَاء وهي الجُرْبَاء. والخافة كالخريطة من الأَدَم يُشْتَارُ فيها العَسَل. قال سَهلُ بنُ عبد الله: اجتمع بعض الصدّيقين إلى إبراهيم الخَلِيلِ فقالوا: ما الخوفُ؟ فقال: لا تأمن حتى تبلغ المأمن. قال سهل: وكان الربيع بن خيثم إذا مرَّ بِكِيرٍ يُغْشَى عليه؛ فقيل لعليّ بن أبي طالب ذلك؛ فقال: إذا أصابه ذلك فأعلموني. فأصابه فأعلموه، فجاءه فأدخل يده في قميصه فوجد حركته عالية فقال: أشهد أنّ هذا أخوف (أهل) زمانِكم. فالخائف من الله تعالىٰ هو أن يخَافَ أن يُعاقبَه إمّا في الدنيا وإمّا في الآخرة؛ ولهذا قيل: ليس الخائف الذي يبكي ويمسح عينيه، بل الخائفُ الذي يترك ما يخَافُ أن يُعذَّب عليه. ففرض الله تعالىٰ على العباد أن يخافوه فقال: {وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} وقال: {وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ}. ومدح المؤمنين بالخوف فقال: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ}. ولأرباب الإشارات في الخوف عبارات مرجعها إلى ما ذكرنا. قال الأستاذ أبو عليّ الدَّقاق: دخلت على أبي بكر بن فُورَك رحمه الله عائداً، فلما رآني دَمعتْ عيناه، فقلت له: إنّ الله يعافيك ويَشفِيك. فقال لي: أترى أنِّي أخاف من الموت؟ إنما أخاف مما وراء الموت. وفي سُنن ٱبن ماجه عن أبي ذَرٍّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنّي أرى ما لا تَرَوْن وأسمع ما لا تسمعون أطّت السماء وحُقّ لها أن تَئِط ما فيها موضع أربِع أصابع إلاَّ وَمَلَكٌ واضعٌ جبهتَه ساجداً لله واللَّهِ لو تعلمون ما أعلم لضَحِكتم قليلاً ولبكيَتَمْ كثيراً وما تلذّذتم بالنساء على الفُرُشَات ولخرجتم إلى الصُّعُدات تَجْأَرُون إلى الله واللَّهِ لَودِدْت أني كنت شجرة تُعْضَد. خرّجه الترمذيّ وقال: حديث حسَن غريب. ويُروى من غير هذا الوجه أن أبا ذَرٍّ قال: «لوَدِدْت أنّي كنت شجرة تُعْضَد». والله أعلم.
الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ