انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير القرطبيالآيات 74–94

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير القرطبي.

يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ۝٧٤

أي بنبوّته وهدايته؛ عن الحسن ومجاهد وغيرهما. ٱبن جُريج: بالإسلام والقرآن «من يشاء». قال أبو عثمان: أجمل القول ليبقى معه رجاء الراجي وخوف الخائف، {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}.

وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۝٧٥

فيه ثمان مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} مثل عبدِ الله ابن سَلاَم. {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} وهو فنحاص بن عازوراء اليهوديّ، أودعه رجل ديناراً فخانه. وقيل: كعب بن الأشرف وأصحابه. وقرأ ٱبن وَثّاب والأشهب العقيلي «مَنْ إنْ نِيْمَنْه» على لغة من قرأ «نِستعين» وهي لغةَ بكر وتميم. وفي حرف عبد الله «مالك لاَ تِيْمَنّا على يوسف» والباقون بالألف. وقرأ نافع والكِسائي «يؤدِّ هِي» بياء في الإدراج. قال أبو عبيد: وٱتفق أبو عمرو والأعمش وعاصم وحمزة في رواية أبي بكر على وقف الهاء، فقرءوا «يؤدّهْ إليك». قال النحاس: بإسكان الهاء لا يجوز إلا في الشعر عند بعض النحويين، وبعضهم لا يجيزه ألبتَّةَ ويَرى أنه غلط ممن قرأ به، وأنه توهّم أن الجزم يقع على الهاء، وأبو عمرو أجلّ من أن يجوز عليه مثل هذا. والصحيح عنه أنه كان يكسر الهاء؛ وهي قراءة يزيد بن القَعْقاع. وقال الفرّاء: مذهب بعض العرب يجزمون الهاء إذا تحرك ما قبلها، يقولون: ضربتهْ ضرباً شديداً؛ كما يسكنون ميم أنتم وقمتم وأصلها الرفع؛ كما قال الشاعر:

لما رأى ألاّ دَعَهْ وَلا شِبَعْمال إلى أرْطَاة حِقْفٍ فاضطّجعْ

وقيل: إنما جاز إسكان الهاء في هذا الموضع لأنها وقعت في موضع الجزم وهي الياء الذاهبة. وقرأ أبو المُنْذر سلاّم والزُّهريّ «يؤدّهُ» بضم الهاء بغير واو. وقرأ قَتادة وحُميد ومجاهد «يؤدِّهُو» بواو في الإدراج، ٱختِير لها الواو لأن الواو من الشّفة والهاء بعيدة المخرج. قال سيبويه: الواو في المذكّر بمنزلة الألف في المؤنّث ويبدل منها ياء لأن الياء أخف إذا كان قبلها كسرة أو ياء، وتحذف الياء وتبقى الكسرة لأن الياء قد كانت تحذف والفعل مرفوع فأثبتت بحالها.

الثانية: أخبر تعالى أن في أهل الكتاب الخائنَ والأمينَ، والمؤمنون لا يميزون ذلك، فينبغي ٱجتناب جميعهم. وخصّ أهل الكتاب بالذّكر وإن كان المؤمنون كذلك؛ لأنّ الخيانة فيهم أكثر، فخرج الكلام على الغالب. والله أعلم. وقد مضى تفسير القنطار. وأما الدينار فأربعة وعشرون قيراطاً والقيراط ثلاث حبات من وسط الشعير، فمجموعة ٱثنتان وسبعون حبة، وهو مُجْمَع عليه. ومن حفِظ الكثير وأدّاه فالقليل أوْلى، ومن خان في اليسير أو منعه فذلك في الكثير أكثر. وهذا أدلّ دليل على القول بمفهوم الخطاب. وفيه بين العلماء خلاف (كثير) مذكور في أُصول الفقه. وذكر تعالى قسمين: من يؤدّي ومن لا يؤدّي إلا بالملازمة عليه؛ وقد يكون من الناس من لا يؤدِّي وإن دُمت عليه قائماً. فذكر تعالى القسمين لأنه الغالب والمعتاد والثالث نادر؛ فخرج الكلام على الغالب. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف وأبو عبد الرحمن السُّلمي وغيرهما «دِمت» بكسر الدال وهما لغتان، والكسر لغةُ أزْد السَّراة؛ من «دِمْت تدام» مثل خفت تخاف. وحكى الأخفش دِمت تدوم، شاذّاً.

الثالثة: ٱستدلّ أبو حنيفة على مذهبه في ملازمة الغَريم بقوله تعالى: {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} وأباه سائر العلماء، وقد تقدّم في البقرة. وقد ٱستدل بعض البَغْداديّين (من علمائنا) على حبس المِديان بقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} فإذا كان له ملازمته ومنعه من التصرف، جاز حبسه. وقيل؛ إن معنى «إلا ما دمت عليه قائماً» أي بوجهك فيهَابُك ويستحي منك، فإن الحياء في العينين؛ ألا ترى إلى قول ٱبن عباس رضي الله عنه: لا تطلبوا من الأعمى حاجة فإن الحياء في العينين. وإذا طلبت من أخيك حاجة فانظر إليه بوجهك حتى يستحي فيقضيها. ويقال: «قائماً» أي ملازماً له؛ فإن أنظرته أنكرك. وقيل: أراد بالقيام إدامة المطالبة لا عين القيام. والدِّينار أصله دِنّار فعوّضت من إحدى النونين ياء طلباً للتخفيف لكثرة ٱستعماله. يدل عليه أنه يجمع دنانير ويصغر دُنَيْنِير.

الرابعة: الأمانة عظيمة القَدْر في الدِّين، ومن عِظم قدرها أنها تقوم هي والرَّحِم على جَنَبَتَي الصراط؛ كما في صحيح مسلم. فلا يُمَكّن من الجواز إلا من حفظهما. وروى مسلم عن حذيفة قال حدّثنا النبيّ صلى الله عليه وسلم عن رفع الأمانة، قال:

ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه الحديث. وقد تقدم بكماله أوّل البقرة. وروى ٱبن ماجه حدّثنا محمد ٱبن المُصَفَّى حدّثنا محمد بن حرب عن سعيد بن سِنان عن أبي الزاهريّة عن أبي شجرة كثير ٱبن مُرة عن ٱبن عمر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبداً نزع منه الحياء فإذا نزع منه الحياء لم تَلقه إلا مَقِيتاً مُمْقَتاً فإذا لم تلقه إلا مَقِيتاً مُمْقَتاً نُزعت منه الأمانة فإذا نزعت منه الأمانة لم تَلقه إلا خائناً مُخَوَّناً فإذا لم تلقه إلا خائناً مخوّناً نُزعت منه الرحمة فإذا نُزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجِيماً ملعناً فإذا لم تَلقه إلا رجِيماً مُلْعَناً نزعت منه رِبْقة الإسلام. وقد مضى في البقرة معنى قولِه عليه السلام:أدّ الأمانة إلى من ٱئتمنك ولا تخن من خانك. والله أعلم.

الخامسة: ليس في هذه الآية تعديل لأهل الكتاب ولا لبعضهم خلافاً لمن ذهب إلى ذلك؛ لأن فُسّاق المسلمين يوجد فيهم من يؤدّي الأمانة ويؤمن على المال الكثير ولا يكونون بذلك عدولاً. فطريق العدالة والشهادة ليس يجزىء فيه أداء الأمانة في المال من جهة المعاملة والوديعة؛ ألا ترى قولهم: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} فكيف يعدل من يعتقد ٱستباحة أموالنا وحَريمنا بغير حرج عليه؛ ولو كان ذلك كافياً في تعديلهم لسُمعت شهادتهم على المسلمين.

السادسة: قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ} يعني اليهود {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} قيل: إن اليهود كانوا إذا بايعوا المسلمين يقولون: ليس علينا في الأُمِّيِّينَ سبيل ـ أي حرج في ظلمهم ـ لمخالفتهم إيّانا. وٱدّعوا أن ذلك في كتابهم؛ فأكذبهم الله عز وجل وردّ عليهم فقال: «بلى» أي بَلَى عليهم سبيل العذاب بكذبهم وٱستحلالهم أموال العرب. قال أبو إسحاق الزجاج: وتمّ الكلام. ثم قال {مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى}. ويقال: إن اليهود كانوا قد ٱستدانوا من الأعراب أموالاً فلما أسلم أرباب الحقوق قالت اليهود: ليس لكم علينا شيء، لأنكم تركتم دِينكم فسقط عنا دَينكم. وٱدّعوا أنه حكم التوراة فقال الله تعالى: «بلى» ردّا لقولهم {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ}. أي ليس كما تقولون، ثم ٱستأنف فقال: {مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى} الشركَ فليس من الكاذبين بل يحبه الله ورسوله.

السابعة: قال رجل لابن عباس: إنّا نُصيب في العَمْد من أموال أهل الذمّة الدّجاجة والشاة ونقول: ليس علينا في ذلك بأس. فقال له: هذا كما قال أهل الكتاب {ليس علينا في الأميِّين سبيل} إنهم إذا أدّوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا عن طِيب أنفسهم؛ ذكره عبد الرازق عن معمر عن أبي إسحاق الهَمْدانيّ عن صَعْصعة أن رجلاً قال لابن عباس؛ فذكره.

الثامنة: قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} يدل على أن الكافر لا يُجعل أهلاً لقبول شهادته؛ لأن الله تعالى وصفه بأنه كذاب. وفيه ردّ على الكفرة الذين يحرِّمون ويحلّلون غير تحريم الله وتحليله ويجعلون ذلك من الشرع. قال ابن العربي: ومن هذا يخرج الردّ على من يحكم بالاستحسان من غير دليل، ولست أعلم أحداً من أهل القِبْلة قاله. وفي الخبر: لما نزلت هذه الآية قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

ما شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدميّ إلا الأمانة فإنها مؤدّاة إلى البَرّ والفاجر».

بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ۝٧٦

«من» رفع بالابتداء وهو شرط. و «أوفَى» في موضع جزم. و «ٱتقى» معطوف عليه، أي وٱتقى الله ولم يكْذِب ولم يستحل ما حُرِّم عليه. {فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} أي يُحِب أولئك. وقد تقدّم معنى حب الله لأوليائه. والهاء في قوله «بعهده» راجعة إلى الله عز وجل. وقد جرى ذكره في قوله {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ويجوز أن تعود على الموفيّ ومتّقي الكفر والخيانة ونقض العهد. والعهد مصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُو۟لَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٧٧

فيه مسألتان:

الأولى: روى الأئمة

عن الأشعث بن قيس قال: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدّمته إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل لك بيّنة»؟ قلت لا، قال لليهوديّ: «ٱحلف» قلت: إذاً يحلف فيذهب بمالي؛ فأنزل الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} إلى آخر الآية. وروى الأئمة أيضاً عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ٱقتطع حق ٱمرىء مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة». فقال له رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال: «وإنْ كان قضِيباً من أَرَاك». وقد مضى في البقرة معنى { وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ } [آل عمران: 77].

الثانية: ودلتْ هذه الآية والأحاديثُ أن حكم الحاكم لا يُحلّ المال في الباطن بقضاء الظاهر إذا علم المحكوم له بطلانَه؛ وقد روى الأئمة عن أمّ سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنكم تختصمون إليّ وإنما أنا بشر ولعلّ بعضكم أن يكون ألْحن بحجّته من بعض وإنما أقضي بينكم على نحوٍ مما أسمع منكم فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة. وهذا لا خلاف فيه بين الأئمة، وإنما ناقض أبو حنيفة وغلا وقال: إن حكم الحاكم المبنيّ على الشهادة الباطلة يُحلّ الفرج لمن كان محرّماً عليه؛ كما تقدّم في البقرة. وزعم أنه لو شهد شاهدا زورٍ على رجل بطلاق زوجته وحكم الحاكم بشهادتهما فإن فرجها يحل لمتزوّجها ممن يعلم أن القضية باطل. وقد شُنّع عليه بإعراضه عن هذا الحديث الصحيح الصريح، وبأنه صان الأموال ولم ير ٱستباحتها بالأحكام الفاسدة، ولم يصن الفروج عن ذلك، والفروج أحقُّ أن يحتاط لها وتُصان. وسيأتي بطلان قوله في آية اللعان إن شاء الله تعالى

وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُۥنَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَٰبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۝٧٨

يعني طائفة من اليهود. {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ} وقرأ أبو جعفر وشيْبَة «يُلوُّون» على التكثير. إذا أماله؛ ومنه والمعنى يحرفون الكلم ويعدِلون به عن القصد. وأصل اللّيّ الميل. لَوى بيده، ولَوى برأسه قوله تعالى:

{ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ } [النساء: 46] أي عناداً عن الحق ومَيْلاً عنه إلى غيره. ومعنى { وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ }} [آل عمران: 153] أي لا تَعرُجون عليه؛ يقال لَوَى عليه إذا عرّج وأقام. واللّي المَطْل. لواه بَدينه يَلْوِيه لَيّاً ولِيَاناً مَطَله. قال:

قد كنت داينت بها حسّانامخافة الإفلاس واللّيانَا يحسـن بيـع الأصـل والعيانـا

وقال ذو الرمّة:

تريدين ليّانِي وأنتِ مَلِيّةٌوأحسن يا ذات الوِشاح التّقاضِيَا

وفي الحديث لَيُّ الواجدِ يُحِلّ عِرضَه وعقوبته. وأَلْسنة جمع لسان في لغة من ذكّر، ومن أنّث قال ألسن.

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا۟ عِبَادًا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا۟ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ۝٧٩

{مَا كَانَ} معناه ما ينبغي؛ كما قال:

{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً } [النساء: 92] و { مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ }} [مريم: 35]. و { مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا } [النور: 16] يعني ما ينبغي. والبشر يقع للواحد والجمع لأنه بمنزلة المصدر؛ والمراد به هنا عيسى في قول الضحّاك والسُّدّي. والكتاب: القرآن. والحكم: العلم والفهم. وقيل أيضاً: الأحكام. أي إن الله لا يصطفي لنبوّته الكَذَبة، ولو فعل ذلك بشر لسلبه الله آيات النبوّة وعلاماتها. ونصب «ثم يقولَ» على الاشتراك بين «أن يؤتيه» وبين «يقول» أي لا يجتمع لنبيّ إتيان النبوّة وقوله: {كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ}. {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ} أي ولكن جائز أن يكون النبيّ يقول لهم كونوا ربّانيّين. وهذه الآية قيل إنها نزلت في نصارى نَجْران. وكذلك رُوي أن السورة كلها إلى قوله: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ }} [آل عمران: 121] كان سبب نزولها نصارى نَجْران ولكن مُزِج معهم اليهود؛ لأنهم فعلوا من الجَحْد والعِناد فِعلَهم.

والربَّانِيُّون واحِدهم ربّانِيّ منسوب إلى الرَّبّ. والربّانِيّ الذي يُرَبّي الناس بصغار العلم قبل كباره؛ وكأنه يقتدي بالرب سبحانه في تيسير الأُمور؛ رُوي معناه عن ٱبن عباس. قال بعضهم: كان في الأصل رَبِّيّ فأدخلت الألف والنون للمبالغة؛ كما يقال للعظيم اللحية؛ لِحْيَانِيّ ولعظيم الجُمّة جُمّاني ولغليظ الرَّقبَة رَقَبانيّ. وقال المبرّد: الربّانيون أرباب العلم، واحدهم ربّان، من قولهم: رَبَّه يَرُبّه فهو رَبّان إذا دَبّره وأصلحه؛ فمعناه على هذا يدبّرون أمور الناس ويصلحونها. والألف والنون للمبالغة كما قالوا رَيّان وعطشان، ثم ضمت إليها ياء النسبة كما قيل: لِحيّانيّ ورَقَبانيّ وجمّانيّ. قال الشاعر:

لو كنتُ مُرتَهناً في الجَوِّ أنزلنيمنه الحديث وربَّانيُّ أحباري

فمعنى الربّانِيّ العالم بدين الربّ الذي يعمل بعلمه؛ لأنه إذا لم يعمل بعلمه فليس بعالم. وقد تقدم هذا المعنى في البقرة: وقال أبو رزين: الربانيّ هو العالم الحكيم. وروى شعبة عن عاصم عن زِرٍّ عن عبد الله بن مسعود «ولكن كونوا ربّانيين» قال: حكماء علماء. ٱبن جُبير: حكماء أتقياء. وقال الضحاك: لا ينبغى لأحد أن يدع حفظ القرآن جُهدَه فإن الله تعالى يقول: {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ}. وقال ٱبن زيد: الربانيُّون الولاة، والأحبار العلماء. وقال مجاهد: الربانيون فوق الأحبار. قال النحاس: وهو قول حسن؛ لأن الأحبار هم العلماء. والربانيّ الذي يجمع إلى العلم البصَر بالسياسة؛ مأخوذ من قول العرب: رَبّ أمرَ الناس يَرُبّه إذا أصلحه وقام به، فهو رابُّ وربّانِيّ على التكثير. قال أبو عبيدة: سمعت عالماً يقول: الربانيّ العالمُ بالحلال والحرام والأمر والنهي، العارفُ بأنباء الأمّة وما كان وما يكون. وقال محمد بن الحنفِيّة يوم مات ٱبنُ عباس: اليومَ مات ربانِيُّ هذه الأُمّة. ورُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما من مؤمن ذكر ولا أنثى حرّ ولا مملوك إلا ولله عز وجل عليه حقّ أن يتعلم من القرآن ويتفقّه في دينه ـ ثم تلا هذه الآية ـ {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّين} الآية. رواه ٱبن عباس.

قوله تعالى: {بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} قرأه أبو عمرو وأهل المدينة بالتخفيف من العلم. وٱختار هذه القراءة أبو حاتم. قال أبو عمرو: وتصديقها «تَدْرُسُون» ولم يقل «تُدَرّسون» بالتشديد من التدريس. وقرأ ٱبن عامر وأهل الكوفة «تُعلّمون» بالتشديد من التعليم؛ وٱختارها أبو عبيد. قال لأنها تجمع المعنيين «تَعْلَمون، وتدرسون». قال مَكّيّ: التشديد أبلغ؛ لأن كل معلِّم عالمٌ بمعنى يَعْلم وليس كل من عِلِم شيئاً مُعَلِّماً، فالتشديد يدل على العلم والتعليم، والتخفيف إنما يدل على العلم فقط، فالتعليم أبلغ وأمدح وغيره أبلغ في الذم. ٱحتج من رجح قراءة التخفيف بقول ٱبن مسعود «كونوا ربانيين» قال: حكماء علماء؛ فيبعد أن يقال كونوا فقهاء حكماء علماء بتعليمكم. قال الحسن، كونوا حكماء علماء بعلمكم. وقرأ أبو حَيْوَة «تُدرِسون» من أدرس يُدرس. وقرأ مجاهد «تَعلّمون» بفتح التاء وتشديد اللام، أي تتعلمون.

وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا۟ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ۝٨٠

قرأ ٱبن عامر وعاصم وحمزة بالنصب عطفاً على «أَنْ يُؤْتيَهُ». ويقوّيه أن اليهود قالت للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أتريد أن نتّخذك يا محمد رَبّاً؟ فقال الله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} ـ إلى قوله: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ}. وفيه ضمير البشر، أي ولا يأمركم البشر يعني عيسى وعُزَيراً. وقرأ الباقون بالرفع على الاستئناف والقطع من الكلام الأوّل، وفيه ضمير ٱسم الله عز وجل، أي ولا يأمركم الله أن تتخذوا. ويقوّي هذه القراءة أن في مصحف عبد الله «ولن يأمركم» فهذا يدل على الاستئناف، والضمير أيضاً لله عز وجل؛ ذكره مكِّي، وقاله سيبويه والزجاج. وقال ٱبن جُريج وجماعة: ولا يأمركم محمد عليه السلام. وهذه قراءة أبي عمرو والكسائي وأهل الحرمين. {أَن تَتَّخِذُواْ} أي بأن تتخذوا الملائكة والنبيين أرْبَاباً. وهذا موجود في النصارى يعظّمون الأنبياء والملائكة حتى يجعلوهم لهم أرباباً. {أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} على طريق الإنكار والتعجب؛ فحرّم الله تعالى على الأنبياء أن يتخذوا الناس عباداً يتألّهون لهم ولكن ألزم الخلق حرمتهم. وقد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:

لا يقولنّ أحدكم عَبْدِي وأَمَتِي وليقل فَتايَ وفَتَاتِي ولا يقل أحدكم ربِّي وليقل سَيِّدي. وفي التنزيل { ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ } [يوسف: 42]. وهناك يأتي بيان هذا المعنى إن شاء الله تعالى

وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى قَالُوٓا۟ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ۝٨١

قيل: أخذ الله تعالى ميثاق الأنبياء أن يصدّق بعضهم بعضاً ويأمر بعضهم بالإيمان بعضاً؛ فذلك معنى النُّصرة بالتصديق. وهذا قول سعيد بن جُبير وقَتادة وطاوس والسُّدي والحسن، وهو ظاهر الآية. قال طاوس: أخذ الله ميثاق الأوّل من الأنبياء أن يؤمن بما جاء به الآخِر. وقرأ ٱبن مسعود {وَإِذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}. قال الكسائي: يجوز أن يكون {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} بمعنى وإذ أخذ الله ميثاق الذين مع النبيين. وقال البصريون: إذا أخذ الله ميثاق النبيين فقد أخذ ميثاق الذين معهم؛ لأنهم قد ٱتبعوهم وصدّقوهم. و «ما» في قوله «لَمَا» بمعنى الذي. قال سيبويه: سألت الخليل بن أحمد عن قوله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} فقال: لما بمعنى الذي. قال النحاس: التقدير على قول الخليل للذي آتيتكموه، ثم حذف الهاء لطول الاسم. و «الذي» رفع بالابتداء وخبره «من كتاب وحكمة». و «مِن» لبيان الجنس. وهذا كقول القائل: لزيد أفضل منك؛ وهو قول الأخفش أنها لام الابتداء. قال المَهْدوِيّ: وقوله «ثم جاءكم» وما بعده جملة معطوفة على الصلة، والعائد منها على الموصول محذوف؛ والتقدير ثم جاءكم رسول مصدّق به.

قوله تعالى: {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} الرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم في قول عليّ وٱبن عباس رضي الله عنهما. واللفظ وإن كان نكرة فالإشارة إلى معين؛ كقوله تعالى: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً} ـ إلى قوله

{ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ }} [النحل: 113]. فأخذ الله ميثاق النبيّين أجمعين أن يؤمنوا بمحمد عليه السلام وينصروه إن أدركوه، وأمرهم أن يأخذوا بذلك الميثاقَ على أممهم. واللام من قوله «لتؤمنن به» جواب القسم الذي هو أخذ الميثاق، إذ هو بمنزلة الاستحلاف. وهو كما تقول في الكلام: أخذت ميثاقك لتفعلنّ كذا، كأنك قلت ٱستحلفك، وفصل بين القسم وجوابه بحرف الجر الذي هو «لِما» في قراءة ٱبن كَثير على ما يأتي. ومن فتحها جعلها متلقيةً للقسم الذي هو أخذ الميثاق. واللام في «لتؤمنن به» جواب قسم محذوف، أي والله لتؤمنن به. وقال المبرّد والكسائي والزجاج: «ما» شرط دخلت عليها لام التحقيق كما تدخل على إن، ومعناه (لمهما) آتيتكم؛ فموضع «ما» نصب، وموضع «آتيتكم» جزم، و «ثم جاءكم» معطوف عليه، {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} اللام في قوله «لتؤمنن به» جواب الجزاء؛ كقوله تعالى: { { وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ } [الإسراء: 86] ونحوه. وقال الكسائيّ: لتؤمنن به مُعْتمد القسم فهو متصل بالكلام الأول، وجواب الجزاء قوله {فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ}. ولا يحتاج على هذا الوجه إلى تقدير عائد. وقرأ أهل الكوفة «لِمَا آتيتكم» بكسر اللام، وهي أيضاً بمعنى الذي وهي متعلقة بأخذ، أي أخذ الله ميثاقهم لأجل الذي آتاهم من كتاب وحكمة ثم إن جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننّ به من بعد الميثاق: لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف كما تقدّم. قال النحاس: ولأبي عبيدة في هذا قول حَسَن. قال: المعنى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتؤمننّ به لِما آتيتكم من ذكر التوراة. وقيل: في الكلام حذف، والمعنى وَإذْ أخذ الله ميثاق النبيّين لَتُعَلِّمُنّ الناس لِمَا جاءكم من كتاب وحكمة، ولتأخذنّ على الناس أن يؤمنوا. ودلّ على هذا الحذف {وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي}. وقيل: إن اللام في قولهِ «لِما» في قراءة من كسرها بمعنى بعد، يعني بعد ما آتيتكم من كتاب وحكمة؛ كما قال النابغة:

توهّمتُ آيات لها فعرفتُهالستّةِ أعوام وذا العامُ سابع

أي بعد ستة أعوام. وقرأ سعيد بن جُبير «لمّا» بالتشديد، ومعناه حين آتيتكم. وٱحتمل أن يكون أصلها التخفيف فزيدت «مِن» على مذهب من يرى زيادتها في الواجب فصارت لمن ما، وقلبت النون ميما للإدغام فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الأولى منهن ٱستخفافاً. وقرأ أهل المدينة «آتيناكم» على التعظيم. والباقون «آتيتكم» على لفظ الواحد. ثم كلّ الأنبياء لم يُؤتوا الكتاب وإنما أوتي البعض؛ ولكن الغلبة للذين أوتوا الكتاب. والمراد أخذ ميثاق جميع الأنبياء فمن لم يؤت الكتاب فهو في حكم من أوتي الكتاب لأنه أوتي الحُكْم والنبوّة. وأيضاً من لم يؤت الكتاب أمر بأن يأخذ بكتاب من قبله فدخل تحت صفة من أوتي الكتاب.

قوله تعالى: {أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} «أقررتم» من الإقرار، والإصْر والأَصْر لغتان، وهو العهد. والإصر في اللغة الثِّقْل؛ فَسُمِّي العهد إصراً لأنه مَنْع وتشديد. {قَالَ فَٱشْهَدُواْ} أي ٱعلموا؛ عن ٱبن عباس. الزجاج: بيّنوا لأن الشاهد هو الذي يصحّح دعوى المدّعِي. وقيل: المعنى ٱشهدوا أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم. {وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} عليكم وعليهم. وقال سعيد بن المسيّب: قال الله عز وجل للملائكة فٱشهدوا عليهم، فتكون كناية عن غير مذكور.

فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ ۝٨٢

«مَنْ» شرط. فمن تولّى من أُمم الأنبياء عن الإيمان بعد أخذ الميثاق {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} أي الخارجون عن الإيمان. والفاسق الخارج. وقد تقدّم.

أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُۥٓ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ۝٨٣ قُلْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ ۝٨٤

قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ} قال الكَلْبي: إن كعب بن الأشرف وأصحابه ٱختصموا مع النصارى إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: أيُّنا أحق بدِين إبراهيم؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

كِلاَ الفريقين بريءٌ من دِينه. فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بِدينك؛ فنزل {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ} يعني يطلبون. ونصبت «غير» بيبغون، أي يبغون غير دين الله. وقرأ أبو عمرو وحده «يبغون» بالياء على الخبر «وإليه ترجعون» بالتاء على المخاطبة. قال: لأن الأوّل خاصُّ والثاني عامُّ ففرق بينهما لافتراقهما في المعنى. وقرأ حفص وغيره «يبغون، ويرجعون» بالياء فيهما؛ لقوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}. وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب؛ لقوله { لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ } [آل عمران: 81]. والله أعلم.

قوله تعالى: {وَلَهُ أَسْلَمَ} أي ٱستسلم وٱنقاد وخضع وذلّ، وكل مخلوق فهو منقاد مستسلم؛ لأنه مجبول على ما لا يقدر أن يخرج عنه. قال قتادة: أسلم المؤمن طوعاً والكافر عند موته كرهاً ولا ينفعه ذلك؛ لقوله:

{ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } [غافر: 85]. قال مجاهد: إسلام الكافر كرهاً بسجودِهِ لِغير الله وسجود ظِلّه لله، { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ } [النحل: 48]. { وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ }} [الرعد: 15]. وقيل: المعنى أن الله خلق الخلق على ما أراد منهم؛ فمنهم الحَسَن والقبيح والطويل والقصير والصحيح والمريض وكلهم منقادون ٱضطراراً، فالصحيح منقاد طائع محبّ لذلك، والمريض منقاد خاضع وإن كان كارهاً. والطوع الانقياد والاتباع بسهولة. والكره ما كان بمشقة وإباء من النفس. و {طَوْعاً وَكَرْهاً} مصدران في موضع الحال، أي طائعين ومكرهين. وروى أنس بن مالك قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} قال: الملائكة أطاعوه في السماء والأنصارُ وعبدُ القَيْس في الأرض. وقال عليه السلام: لا تَسُبُّوا أصحابي فإن أصحابي أسلموا من خوف الله وأسلم الناس من خوف السيف. وقال عِكْرمة: «طوعا» مَن أسلم من غير مُحاجّة «وكرهاً» مَن ٱضطرته الحجة إلى التوحيد. يدلّ عليه قوله عز وجل: { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } [الزخرف: 87] { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } [العنكبوت: 61]. قال الحسن: هو عموم معناه الخصوص. وعنه: {أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} وتمّ الكلام. ثم قال: {وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً}. قال: والكاره المنافق لا ينفعه عمله. و «طوعاً وكرهاً» مصدران في موضع الحال. عن مجاهد عن ٱبن عباس قال: إذا ٱستصعبتْ دابّةُ أحدكم أو كانت شَمُوساً فليقرأ فى أذنها هذه الآية: {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} إلى آخر الآية.

وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٨٥

«غير» مفعول بيبتغ، «ديناً» منصوب على التفسير، ويجوز أن ينتصب ديناً بيبتغ، وينتصب «غير» على أنه حال من الدِّين. قال مجاهد والسُّدِّي: نزلت هذه الآية في الحارث بن سُويد أخو الجُلاَس بن سويد، وكان من الأنصار، ٱرتدّ عن الإسلام هو وٱثنا عشر معه ولحقوا بمكة كفاراً، فنزلت هذه الآية، ثم أرسل إلى أخيه يطلب التوبة. ورُوي ذلك عن ٱبن عباس وغيره. قال ٱبن عباس: وأسلم بعد نزول الآيات. {وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} قال هشام: أي وهو خاسر في الآخرة من الخاسرين؛ ولولا هذا لفرقت بين الصلة والموصول. وقال المازني: الألف واللام مثلها في الرجل. وقد تقدّم هذا في البقرة عند قوله: {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ}.

كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَٰنِهِمْ وَشَهِدُوٓا۟ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٨٦

قال ٱبن عباس: إن رجلاً من الأنصار أسلم ثم ٱرتدّ ولحق بالشرك ثم ندم؛ فأرسل إلى قومه: سَلُوا لِي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي مِنْ توبة؟ فجاء قومُه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل له من توبة؟ فنزلت {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} إلى قوله: {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فأرسل إليه فأسلم. أخرجه النسائي. وفي رواية: أن رجلاً من الأنصار ٱرتدّ فلحق بالمشركين، فأنزل الله {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ} إلى قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} فبعث بها قومُه إليه، فلما قرئت عليه قال: والله ما كذَبني قومي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أكذبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله، والله عز وجل أصدق الثلاثة؛ فرجع تائباً، فقبِل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركه. وقال الحسن: نزلت في اليهود لأنهم كانوا يبشِّرون بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ويَسْتَفْتِحون على الذِين كفروا؛ فلما بُعِث عانَدُوا وكفروا، فأنزل الله عز وجل {أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}. ثم قيل: «كيف» لفظة ٱستفهام ومعناه الجحْد، أي لا يهدي الله. ونظيره قوله:

{ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ } [التوبة: 7] أي لا يكون لهم عهد؛ وقال الشاعر:

كيف نومي على الفِراش ولَمَّايشمل القومَ غارةٌ شَعْواءُ

أي لا نوم لي. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} يقال: ظاهر الآية أَنَّ مَن كفر بعد إسلامه لا يهديه الله ومن كان ظالماً، لا يهديه الله؛ وقد رأينا كثيراً من المرتدِّين قد أسلموا وهداهم الله، وكثيراً من الظالمين تابوا عن الظلم. قيل له: معناه لا يهديهم الله ما داموا مقيمين على كفرهم وظلمهم ولا يُقبِلون على الإسلام؛ فأما إذا أسلموا وتابوا فقد وفقهم الله لذلك. والله تعالى أعلم.

أُو۟لَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ۝٨٧ خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ۝٨٨ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٨٩

أي إن داموا على كفرهم. وقد تقدّم معنى لعنة الله والناس في «البقرة» فلا معنى لإعادته. {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي لا يؤخرون ولا يؤجّلون، ثم ٱستثنى التائبين فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} هو الحارث بن سُوَيْد كما تقدّم. ويدخل في الآية بالمعنى كلُّ من راجع الإسلام وأخلص.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ ۝٩٠

قال قتادة وعطاء الخراسانيّ والحسن: نزلت في اليهود كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ٱزدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. وقال أبو العالية: نزلت في اليهود والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بنعته وصفته، {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً} بإقامتهم على كفرهم. وقيل: {ٱزْدَادُواْ كُفْراً} بالذنوب التي ٱكتسبوها. وهذا ٱختيار الطبري، وهي عنده في اليهود. {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} مشكل لقوله:

{ وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ } [الشورى: 25] فقيل: المعنى لن تقبل توبتهم عند الموت. قال النحاس: وهذا قول حسن؛ كما قال عز وجل: { وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ } [النساء: 18]. ورُوي عن الحسن وقتادة وعطاء. وقد قال صلى الله عليه وسلم: إن الله يقبل توبة العبد مالم يُغَرْغر. وسيأتي في «النساء» بيان هذا المعنى. وقيل: {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُم} التي كانوا عليها قبل أن يكفروا؛ لأن الكفر قد أحبطها. وقيل: {لن تقبل توبتهم} إذا تابوا من كفرهم إلى كفر آخر؛ وإنما تقبل توبتهم إذا تابوا إلى الإسلام. وقال قطرب. هذه الآية نزلت في قوم من أهل مكة قالوا: نتربص بمحمد ريب المنون، فإن بدا لنا الرّجعة رجعنا إلى قومنا. فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} أي لن تقبل توبتهم وهم مقيمون على الكفر؛ فسماها توبة غير مقبولة؛ لأنه لم يصح من القوم عزم، والله عز وجل يقبل التوبة كلها إذا صحّ العزم.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ۝٩١

المِلء (بالكسر) مقدار ما يملأ الشيء، والملء (بالفتح) مصدر ملأت الشيء؛ ويقال: أعطني مِلأَه ومِلأيْه وثلاثة أمْلائِه. والواو في {وَلَوِ ٱفْتَدَى بِهِ} قيل: هي مقحمة زائدة؛ المعنى: فلن يقبل من أحدهم مِلء الأرض ذهباً لو ٱفتدى به. وقال أهل النظر من النحويين: لا يجوز أن تكون الواو مقحمة لأنها تدل على معنى. ومعنى الآية: فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً تبرُّعاً ولو ٱفتدى به. و «ذهباً» نصب على التفسير في قول الفرّاء. قال المفضّل: شرط التفسير أن يكون الكلام تامّاً وهو مُبْهَمٌ؛ كقولك عندي عشرون؛ فالعدد معلوم والمعدود مبهم؛ فإذا قلت درهماً فسّرت. وإنما نصب التمييز لأنه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه، وكان النصب أخف الحركات فجُعِل لكل ما لا عامل فيه. وقال الكسائيّ: نصب على إضمار مِنْ، أي من ذهب؛ كقوله:

{ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً } [المائدة: 95] أي من صيام. وفي البخاريّ ومسلم عن قتادة عن أنس بن مالك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به فيقول نعم فيقال له قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك. لفظ البخاري. وقال مسلم بدل «قد كنت؛ كذبتَ، قد سُئلتَ».

لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ ۝٩٢

فيه مسألتان:

الأولى: روى الأئمة واللفظ للنسائي عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} قال أبو طلحة: إن ربنا ليسألنا من أموالنا فأشهدك يا رسول الله أني جعلت أرضي لله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ٱجعلها في قرابتك في حسان بن ثابت وأُبيّ بن كعب. وفي الموطأ «وكانت أحب أمواله إليه بَئرُحَاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيبٍ». وذكر الحديث. ففي هذه الآية دليل على ٱستعمال ظاهر الخطاب وعمومه؛ فإن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لم يفهموا من فحوى الخطاب حين نزلت الآية غير ذلك. ألا ترى أبا طلحة حين سمع {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ} الآية، لم يحتج أن يقف حتى يرد البيان الذي يريد اللَّهُ أن ينفق منه عبادُه بآية أخرى أو سنة مبيِّنة لذلك فإنهم يحبون أشياء كثيرة. وكذلك فعل زيد ٱبن حارثة. عَمِد مما يحب إلى فرس يقال له «سَبَل» وقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إليّ من فرسي هذه؛ فجاء بها (إلى) النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذا في سبيل الله. فقال لأسامة بن زيد «ٱقبضه». فكأنّ زيداً وجد من ذلك في نفسه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إن الله قد قبلها منك. ذكره أسد بن موسى. وأعتق ٱبن عمر نافعاً مولاه، وكان أعطاه فيه عبد الله بن جعفر ألف دينار. قالت صفية بنت أبي عبيد: أظنه تأوّل قول الله عز وجل: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}. وروى شِبل عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سَبْي جَلُولاء يوم فتح مدائنِ كسْرَى؛ فقال سعد بن أبي وقاص، فدعا بها عمر فأعجبته، فقال إن الله عز وجل يقول: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} فأعتقها عمر رضي الله عنه. وروي عن الثوري أنه بلغه أن أمّ ولد الرّبيع بن خَيْثم قالت: كان إذا جاءه السائل يقول لي: يا فلانة أعطي السائل سكراً، فإن الربيع يحب السكر. قال سفيان: يتأوّل قوله جلّ وعز: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يشتري أعدالاً من سكر ويتصدّق بها. فقيل له: هلا تصدّقت بقيمتها؟ فقال: لأن السكر أحب إليّ فأردت أن أنفق مما أحبّ. وقال الحسن: إنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بترك ما تشتهون، ولا تُدركوا ما تأمّلون إلا بالصبر على ما تكرهون.

الثانية: وٱختلفوا في تأويل «البر» فقيل الجنة؛ عن ٱبن مسعود وٱبن عباس وعطاء ومجاهد وعمرو بن ميمون والسدي. والتقدير لن تنالوا ثواب البر حتى تنفقوا مما تحبون. والنَّوَال العطاءُ، من قولك نوّلته تنويلاً أعطيته. ونالني من فلان معروف ينالني، أي وصل إليّ. فالمعنى لن تصلوا إلى الجنة وتعطوها حتى تنفقوا مما تحبون. وقيل: البر العمل الصالح. وفي الحديث الصحيح:

عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر وإنَّ البر يهدي إلى الجنة. وقد مضى في البقرة. قال عطية العوفى: يعني الطاعة. عطاء: لن تنالوا شرف الدين والتقوى حتى تتصدقوا وأنتم أصحاء أشحّاء تأملون العيش وتخشون الفقر. وعن الحسن، «حتى تنفِقوا» هي الزكاة المفروضة. مجاهد والكلبي: هي منسوخة، نسختها آية الزكاة. وقيل: المعنى حتى تنفقوا مما تحبون في سبيل الخير من صدقة أو غيرها من الطاعات، وهذا جامع. وروى النسائيّ عن صعصعة بن معاوية قال: لقِيت أبا ذرٍّ قال: قلت حدّثني قال: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من عبد مسلم ينفق من كل ماله زوجين في سبيل الله إلا ٱستقبلته حجبة الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده. قلت: وكيف ذلك؟ قال: إن كانت إبلاً فبعيرين، وإن كانت بقراً فبقرتين. وقال أبو بكر الورّاق: دلّهم بهذه الآية على الفُتُوَّة. أي لن تنالوا بِرِّي بكم إلا بَبرِّكم بإخوانكم والإنفاق عليهم من أموالكم وجاهكم؛ فإذا فعلتم ذلك نالكم بِري وعطفي. قال مجاهد: وهو مثل قوله: { وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً } [الإنسان: 8]. {وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } أي وإذا علِم جازى عليه.

كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٩٣ فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ۝٩٤

فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {حِـلاًّ} أي حلالاً، ثم ٱستثنى فقال: {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} وهو يعقوب عليه السلام. في الترمذيّ عن ٱبن عباس

أن اليهود قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أخبرنا، ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: «كان يسكن البدو فاشتكى عِرق النَّسَا فلم يجد شيئاً يلائمه إلا لحوم الإبل وألبانها فلذلك حرّمها». قالوا: صدقت. وذكر الحديث. ويقال: (إنه) نذر إن برأ منه ليتركن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام والشراب إليه لحوم الإبل وألبانها. وقال ٱبن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أقبل يعقوب عليه السلام من حرّان يريد بيت المقدس حين هرب من أخيه عِيصو، وكان رجلاً بطشاً قوِيّاً، فلقِيه ملك فظنّ يعقوب أنه لص فعالجه أن يصرعه، فغمز الملك فخذ يعقوب عليه السلام، ثم صعد الملك إلى السماء ويعقوب ينظر إليه فهاج عليه عِرْق النَّسَا، ولقِي من ذلك بلاء شديداً، فكان لا ينام الليل من الوجع ويبيت وله زقَاء أي صياح، فحلف يعقوب عليه السلام إن شفاه الله جل وعز ألاّ يأكل عِرْقاً، ولا يأكل طعاماً فيه عِرق فحرّمها على نفسه؛ فجعل بنوه يتبعون بعد ذلك العروق فيخرجونها من اللحم. وكان سبب غمز المَلك ليعقوب أنه كان نذر إن وهب الله له ٱثنى عشر ولداً وأتى بيت المقدس صحيحاً أن يذبح آخرهم. فكان ذلك للمخرج من نذره؛ عن الضحاك.

الثانية: وٱختلف هل كان التحريم من يعقوب باجتهاد منه أو بإذن من الله تعالى؟ والصحيح الأوّل؛ لأن الله تعالى أضاف التحريم إليه بقوله تعالى: {إلاَّ مَا حَرَّم} وأن النبي إذا أدّاه ٱجتهاده إلى شيء كان دِيناً يلزمنا ٱتباعُه لتقرير الله سبحانه إياه على ذلك. وكما يوحى إليه ويلزم ٱتباعه، كذلك يؤذن له ويجتهد، ويتعين موجب ٱجتهاده إذا قدر عليه، ولولا تقدّم الإذن له في تحريم ذلك ما تسوّر على التحليل والتحريم. وقد حرم نبينا صلى الله عليه وسلم العسل على الرواية الصحيحة، أو خادمه مارية فلم يقرّ الله تحريمه ونزل {لِم تُحَرّمُ مَا أَحَلّ الله لَكَ} على ما يأتي بيانه في «التحريم». قال الكيا الطبري: فيمكن أن يقال: مطلق قوله تعالى:

{ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ }} [التحريم: 1] يقتضي ألا يختص بمارية؛ وقد رأى الشافعيّ أن وجوب الكفارة في ذلك غير معقول المعنى، فجعلها مخصوصاً بموضع النص، وأبو حنيفة رأى ذلك أصلاً في تحريم كل مباح وأجراه مجرى اليمين.

الثالثة: قوله تعالى: {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} قال ٱبن عباس: لما أصاب يعقوب عليه السلام عِرق النَّسا وصف الأطباء له أن يجتنب لحوم الإبل فحرّمها على نفسه. فقالت اليهود: إنما نحرّم على أنفسنا لحوم الإبل؛ لأن يعقوب حرّمها وأنزل الله تحريمها في التوراة؛ فأنزل الله هذه الآية. قال الضحاك: فكذبهم الله وردّ عليهم فقال: يا محمد {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فلم يأتوا. فقال عز وجل: {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} قال الزجاج: في هذه الآية أعظم دلالة لنبوّة محمد نبينا صلى الله عليه وسلم، أخبرهم أنه ليس في كتابهم، وأمرهم أن يأتوا بالتوراة فأبوا؛ يعني عرفوا أنه قال ذلك بالوحي. وقال عطية العوفى: إنما كان ذلك حراماً عليهم بتحريم يعقوب ذلك عليهم. وذلك أن إسرائيل قال حين أصابه عِرق النسا: والله لئن عافاني الله منه لا يأكله لي ولد؛ ولم يكن ذلك محرّماً عليهم. وقال الكلبي: لم يحرمه الله عز وجل في التوراة عليهم وإنما حرمه بعد التوراة بظلمهم وكفرهم، وكانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنباً عظيماً حرم الله تعالى عليهم طعاماً طيباً، أو صب عليهم رجزاً وهو الموت؛ فذلك قوله تعالى:

{ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } [النساء: 160] الآية. وقوله: {وَعَلَى الّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} الآية ـ إلى قوله: { { ذٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ } [الأنعام: 146].

الرابعة: ترجم ٱبن ماجه في سننه «دواء عِرق النسا» حدثنا هشام بن عمار وراشد بن سعيد الرملي قالا حدّثنا الوليد بن مسلم حدّثنا هشام بن حسّان حدّثنا أنس بن سيرين أنه سمع أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

شفاء عِرق النسا ألية شاة (أعرابية) تذاب ثم تُجَزّأ ثلاثة أجزاء ثم يشرب على الريق في كل يوم جزء. وأخرجه الثعلبيّ في تفسيره أيضاً من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرق النسا: تؤخذ ألية كبش عربيّ لا صغير ولا كبير فتقطع صغاراً فتخرج إهالته فتقسم ثلاثة أقسام في كل يوم على ريق النفس ثلثاً قال أنس: فوصفته لأكثر من مائة فبرأ بإذن الله تعالى. شعبة: حدّثني شيخ في زمن الحجاج بن يوسف في عِرق النَّسا: أقسم لك بالله الأعلى لئن لم تنته لأكوينّك بنار أو لأحلقنّك بموسى. قال شعبة: قد جربته، تقوله، وتمسح على ذلك الموضع.
الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ