انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير القرطبيالآيات 118–127

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير القرطبي.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا۟ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلْـَٔايَٰتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ۝١١٨

فيه ست مسائل:

الأولىٰ: أكّد الله تعالىٰ الزَّجْر عن الركُون إلى الكفار. وهو متصل بما سبق من قوله: {إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}. والبِطَانَةُ مصدر، يُسَمّى به الواحد والجمع. وبِطَانَةُ الرجل خاصَّتُه الذين يستبطنون أمرَه، وأصله من البَطْن الذي هو خلاف الظَّهْر. وبَطن فلان بفلان يبْطُن بُطوناً وبِطَانَةً إذا كان خاصّاً به. قال الشاعر:

أُولٰئِك خُلْصائي نَعْم وَبِطَانَتِيوهم عَيْبَتِي من دون كلّ قَريبِ

الثانية: نهى الله عزّ وجلّ المؤمنين بهذه الآية أن يَتَّخِذوا من الكفار واليهود وأهل الأهْوَاء دُخَلاءَ ووُلَجاء، يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أمورهم. ويُقال: كل من كان على خلاف مَذْهَبك ودينك فلا ينبغي لك أن تحادثه؛ قال الشاعر:

عن الْمَرءِ لاَ تَسْألْ وَسَلْ عن قَرِينهِفَكلُّ قَرِينٍ بِالمُقارن يَقْتَدِي

وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل. وروي عن ٱبن مسعود أنه قال: ٱعتبروا الناس بإخوانهم. ثم بيّن تعالىٰ المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال: {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} يقول فساداً. يعني لا يتركون الجهد في فسادكم، يعني أنهم وإن لم يقاتلوكم في الظاهر فإنهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة، على ما يأتي بيانه. وروي عن أبي أمَامَة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: في قول الله تعالىٰ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} قال: «هم الخوارج». ورُوي أن أبا موسىٰ الأشعري ٱستكتب ذِمّياً فكتب إليه عمر يعنِّفه وتلا عليه هذه الآية. وقدِم أبو موسىٰ الأشعري على عمر رضي الله عنهما بحساب فرفعه إلى عمر فأعجبه، وجاء عمر كتابٌ فقال لأبي موسى: أين كاتبك يقرأ هذا الكتاب على الناس؟ فقال: إنه لا يدخل المسجد. فقال: لِم أجُنُبٌ هو؟ قال: إنه نصراني؛ فانتهره وقال: لا تُدْنِهم وقد أقصاهم الله، ولا تُكرمهم وقد أهانهم الله، ولا تَأْمَنهم وقد خوّنهم الله. وعن عمر رضي الله عنه قال: لا تستعملوا أهل الكتاب إنهم يستحلون الرُّشا، واستعينوا على أموركم وعلى رعيتكم بالذين يخشون الله تعالىٰ. وقيل لعمر رضي الله عنه: إن هٰهنا رجلاً من نصارى الحِيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم أفلا يكتب عنك؟ فقال: لا آخذ بِطانة من دون المؤمنين. فلا يجوز ٱستكتاب أهل الذِّمة، ولا غير ذلك من تصرفاتهم في البيع والشراء والاستنابة إليهم.

قلت: وقد ٱنقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبةً وأمناء وتَسوَّدُوا بذلك عند الجَهَلة الأغْبِياء من الوُلاة والأمراء. روى البخاريّ عن أبي سعيدٍ الخدرِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

ما بعث الله مِن نبيّ ولا ٱستخلف مِن خليفةٍ إلاَّ كانت له بِطانتانِ بِطانة تأمره بالمعروف وتحضُّه عليه وبِطانة تأمره بالشر وتحضّه عليه فالمعصوم من عَصَمَ اللَّهُ تعالىٰ. وروى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لا تستضِيئوا بِنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم عَرَبِيّاً. فسّره الحسن بن أبي الحسن فقال: أراد عليه السَّلام لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم، ولا تنقشوا في خواتيمكم محمداً. قال الحسن: وتصديق ذلك في كتاب اللَّهِ عزّ وجلّ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} الآية.

الثالثة: قوله تعالىٰ: {مِّن دُونِكُمْ} أي من سواكم. قال الفرّاء: {وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ} أي سِوى ذلك. وقيل: {مِن دُونِكم} يعني في السير وحسن المذهب. ومعنى {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} لا يقصِّرون فيما فيه الفسادُ عليكم. وهوفي موضع الصفة لـ {ـبِطَانَةٍ من دُونِكُمْ}. يُقال: لا آلُو جهداً أي لا أقصِّر. وَأَلَوْتُ أُلُوّاً قصرت؛ قال ٱمرؤ القيس:

وما المرءُ ما دامتْ حُشاشَةُ نفسِهِبِمُدْرِكِ أطْرافِ الخُطُوبِ ولا آلِ

والخَبَال: الخَبْل. والخَبْل: الفساد؛ وقد يكون ذلك في الأفعال والأبدان والعقول. وفي الحديث: من أصيب بِدَمٍ أو خَبْل أي جُرْح يُفسد العضو. والخَبْل: فساد الأعضاء، ورجُلٌ خَبْلٌ وَمُخْتَبَلٌ، وخَبَله الحبُّ أي أفسده. قال أوْسٌ:

أبنِي لُبَيْنَى لستُم بِيَدٍإلاَّ يداً مَخْبولَةَ العَضُدِ

أي فاسدة العضد. وأنشد الفرّاء:

نَظَر ٱبنُ سعدٍ نظرةً وَبَّتْ بهاكانت لِصُحْبِك والمطِيِّ خَبَالاَ

أي فساد. وٱنتصب «خَبَالاً» بالمفعول الثاني؛ لأن الاٌّلْوَ يتعدَّىٰ إلى مفعولين، وإن شئت على المصدر، أي يخبلونكم خبالاً: وإن شئت بنزع الخافض، أي بالخبال؛ كما قالوا: أوجعته ضرباً: «وما» في قوله: {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ} مصدرية، أي وَدُّوا عنتكم. أي ما يشق عليكم. والعنت المشقّة، وقد مضى في«البقرة» معناه.

الرابعة: قوله تعالىٰ: {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} يعني ظهرت العداوة والتكذيب لكم من أفواههم. والبغضاء: البغض، وهو ضدّ الحُبِّ. والبغضاء مصدر مؤنث. وخصّ تعالىٰ الأفواه بالذِّكر دون الألسنة إشارةً إلى تَشدُّقهم وثَرْثَرَتهم في أقوالهم هذه، فهم فوق المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه. ومن هذا المعنى نهيه عليه السَّلام أن يشتحِي الرجل فاه في عِرض أخيه. معناه أن يفتح؛ يُقال: شحى الحمار فاه بالنهيق، وشحى الفَمُ نفسه. وشحىٰ اللِّجَامُ فمَ الفرس شَحْياً، وجاءت الخيل شَواحِيَ: فاتحاتٍ أفواهَها. ولا يفهم من هذا الحديث دليلُ خطاب على الجواز فيأخذ أحدٌ في عِرض أخيه هَمْساً؛ فإن ذلك يُحرمُ باتفاق من العلماء. وفي التنزيل

{ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً } [الحجرات: 12] الآية. وقال صلى الله عليه وسلم: إن دِماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام. فذِكر الشَّحْو إنما هو إشارة إلى التشدّق والانبساط، فاعلم.

الخامسة: وفي هذه الآية دليل على أن شهادة العدوّ على عدوّه لا يجوز، وبذلك قال أهل المدينة وأهل الحجاز؛ ورُوي عن أبي حنيفة جواز ذلك. وحكى ٱبن بَطّال عن ٱبن شعبان أنه قال: أجمع العلماء على أنه لا تجوز شهادة العدوّ على عدوّه في شيء وإن كان عدلاً، والعداوة تزيل العدالة فكيف بعداوة كافر.

السادسة: قوله تعالى: {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} إخبار وإعلام بأنهم يُبطنون من البغضاء أكثَر مما يُظهِرون بأفواههم. وقرأ عبد الله بن مسعود: «قد بدأ البغضاءُ» بتذكير الفعل؛ لما كانت البغضاء بمعنى البغض.

هَٰٓأَنتُمْ أُو۟لَآءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ عَضُّوا۟ عَلَيْكُمُ ٱلْأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا۟ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝١١٩

قوله تعالى: {هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ} يعني المنافقين؛ دليله قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا}؛ قاله أبو العالية ومقاتل. والمحبة هنا بمعنى المصافاة، أي أنتم أيها المسلمون تُصافونهم ولا يُصافونكم لنِفاقهم. وقيل: المعنى تريدون لهم الإسلام وهم يريدون لكم الكفر. وقيل: المراد اليهود؛ قاله الأكثر. والكتاب ٱسم جنس؛ قال ٱبن عباس: يعنى بالكُتُب. واليهود يؤمنون بالبعض؛ كما قال تعالى:

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ } [البقرة: 91]. {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا} أي بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وَإِذَا خَلَوْاْ} فيما بينهم {عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ} يعني أطراف الأصابع {مِنَ ٱلْغَيْظِ} والحنق عليكم؛ فيقول بعضهم لبعض: ألا ترون إلى هؤلاء ظهروا وكثروا. والعَضّ عبارة عن شِدّة الغيظ مع عدم القدرة على إنفاذه؛ ومنه قول أبي طالب:

يَعُضُّـونَ غَيْظـاً خَلْفَنَـا بالأَنَامِـلِ

وقال آخر:

إذا رَأونِي أطال الله غيظَهُمعَضُّوا من الغَيْظِ أطْرافَ الأَبَاهِيم

يقال: عَضَّ يُعضّ عَضّاً وعَضِيضاً. والعُضُّ (بضم العين): عَلَف دَوَابّ أهل الأمصار مثل الكُسْب والنَّوَى المرْضُوخ؛ يقال منه: أعَضّ القوم، إذا أكلت إبلهم العض. وبعير عُضَاضِيٌّ، أي سمين كأنه منسوب إليه. والعِضّ (بالكسر): الدّاهي من الرجال والبليغ المَكْر. وعَضّ الأنامل من فعل المُغْضَب الذي فاته ما لا يقدِر عليه، أو نزل به ما لا يقدر على تغييره. وهذا العَضّ هو بالأسنان كعَضّ اليد على فائت قريب الفوات. وكقرع السِّن النادمة، إلى غير ذلك من عدّ الحصى والخَطِّ في الأرض للمهموم. ويكتب هذا العض بالضاد الساقطة، وعَظّ الزمان بالظاء المشالة؛ كما قال:

وعَظُّ زمانٍ يابن مَرْوان لم يَدَعْمن المال إلا مُسْحَتاً أو مُجَلّفُ

وواحد الأنامل أنملة (بضم الميم) ويقال بفتحها، والضّمّ أشهر. وكان أبو الجَوْزاء إذا تلا هذه الآية قال: هم الأباضِية. قال ٱبن عطية: وهذه الصفة قد تترتب في كثير من أهل البدع إلى يوم القيامة.

قوله تعالى: {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} إن قيل: كيف لم يموتوا والله تعالى إذا قال لشيء: كن فيكون. قيل عنه جوابان: أحدهما ـ قال فيه الطبريّ وكثير من المفسرين: هو دعاء عليهم. أي قل يا محمد أدام الله غيظكم إلى أن تموتوا. فعلى هذا يتجه أن يدعو عليهم بهذا مُوَاجهةً وغيرَ مواجهة بخلاف اللّعْنَة.

الثاني: أن المعنى أخبرهم أنهم لا يدركون ما يؤملون، فإن الموت دون ذلك. فعلى هذا المعنى زال معنى الدعاء وبقي معنى التقْرِيع والإغَاظَة. ويجري هذا المعنى مع قول مسافر ٱبن أبي عمرو:

ويتمنّى في أُرُومتناونَفْقَأ عينَ من حسدا

وينظر إلى هذا المعنى قوله تعالى: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ}.

إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا۟ بِهَا وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ۝١٢٠

قوله تعالى: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} قرأ السُّلَميّ بالياء والباقون بالتاء. واللفظ عام في كل ما يحسُن ويسوء. وما ذكره المفسرون من الخِصْب والجَدْب وٱجتماع المؤمنين ودخول الفرقة بينهم إلى غير ذلك من الأقوال أمثلة وليس باختلاف. والمعنى في الآية: أن من كانت هذه صفته من شدّة العداوة والحِقد والفرح بنزول الشدائد على المؤمنين، لم يكن أهلاً لأن يتخذ بطانة، لا سِيما في هذا الأمر الجسيم من الجهاد الذي هو مِلاك الدنيا والآخرة؛ ولقد أحسن القائل في قوله:

كلّ العداوةِ قد تُرجَى إفاقتُهاإلاّ عداوة مَن عاداك مِنْ حسدِ

{وَإِن تَصْبِرُواْ} أي على أذاهم وعلى الطاعة وموالاة المؤمنين. {وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} يقال: ضاره يَضُوره ويَضِيُره ضَيْراً وضَوْراً؛ فشرط تعالى نفي ضررهم بالصبر والتقوى، فكان ذلك تسليةً للمؤمنين وتقويةً لنفوسهم.

قلت: قرأ الْحَرَميّان وأبو عمرو «لاَ يَضْركُمْ» من ضار يضير كما ذكرنا؛ ومنه قوله «لاَ ضَيْرَ»، وحذفت الياء لالتقاء الساكنين؛ لأنك لما حذفت الضمة من الراء بقيت الراء ساكنة والياء ساكنة فحذفت الياء، وكانت أولى بالحذف؛ لأن قبلها ما يدل عليها. وحكى الكسائيّ أنه سمع «ضَارَه يَضُورُه» وأجاز «لا يَضُرْكُم» وزعم أن في قراءة أبَيّ بن كعب «لا يَضْرُرْكُم». (وقرأ الكوفيون: «لا يضركم» بضم الراء وتشديدها من ضَرّ يَضُرّ). ويجوز أن يكون مرفوعاً على تقدير إضمار الفاء؛ والمعنى: فلا يضركم، ومنه قول الشاعر:

مَـن يَفْعـلِ الحسنـاتِ اللَّهُ يَشْكُـرُها

هذا قول الكسائي والفرّاء، أو يكون مرفوعاً على نية التقديم؛ وأنشد سيبويه:

إنـك إن يُصـرَعْ أخـوك تُصْـرَعُ

أي لا يضرّكم أن تصبروا وتتقوا. ويجوز أن يكون مجزوماً، وضمت الراء لالتقاء الساكنين على اتباع الضم. وكذلك قراءة من فتح الراء على أن الفعل مجزوم، وفتح «يَضُرّكم» لالتقاء الساكنين لخفّة الفتح؛ رواه أبو زيد عن المفضّل عن عاصم، حكاه المهْدَوِيّ. وحكى النحاس: وزعم المفضل الضبيّ عن عاصم «لا يضُرِّكم» بكسر الراء لالتقاء الساكنين.

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلْقِتَالِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝١٢١

قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} العامل في «إِذْ» فعل مضمر تقديره: وٱذكر إذ غدوت، يعني خرجت بالصباح. {مِنْ أَهْلِكَ} من منزلك من عند عائشة. {تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} هذه غزوة أحُد وفيها نزلت هذه الآية كلها. وقال مجاهد والحسن ومقاتل والكلبي: هي غزوة الخَنْدَقِ. وعن الحسن أيضاً: يومَ بَدْرٍ. والجمهور على أنها غزوة أحُد؛ يدل عليه قوله تعالى: {إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ} وهذا إنما كان يوم أحد، وكان المشركون قصدوا المدينة في ثلاثة آلاف رجل ليأخذوا بثأْرهم في يوم بدر؛ فنزلوا عند أحُد على شَفِير الوادي بقناةٍ مقابل المدينة، يوم الأربعاء الثاني عشر من شوّال سنة ثلاث من الهِجرة، على رأس أَحَد وثلاثين شهراً من الهجرة، فأقاموا هنالك يوم الخميس والنبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة؛ فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه أن في سيفه ثُلْمَة، وأن بقراً له تُذبح، وأنه أدخل يده في دِرْعٍ حصينة؛ فتأوّلها أن نفراً من أصحابه يُقتلون، وأن رجلاً من أهل بيته يصاب، وأن الدّرع الحصينة المدينة. أخرجه مسلم. فكان كل ذلك على ما هو معروف مشهور من تلك الغزاة. وأصل التبوّء ٱتخاذ المنزل، بوّأته منزلاً إذا أسكنته إياه؛ ومنه قوله عليه السلام:

من كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار أي ليتخذ فيها منزلاً. فمعنى «تبوّىء المؤمنين» تَتّخذ لهم مَصاف. وذكر البيهقِي من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت فيما يرى النائم كأنّي مردِف كبشاً وكأن ظَبّة سيفي ٱنكسرت فأوّلت أني أقتل كبش القوم وأوّلت كسر ظّبِة سيفِي قتل رجل من عِترتيفقُتل حمزة وقَتل رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحةَ، وكان صاحب اللِّواء. وذكر موسى بن عقبة عن ٱبن شهاب: وكان حامل لواء المهاجرين رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا عاصم إن شاء الله لما معي؛ فقال له طلحة بن عثمان أخو سعيد بن عثمان اللخميّ: هل لك يا عاصم في المبارزة؟ قال نعم؛ فبدره ذلك الرجل فضرب بالسيف على رأس طلحة حتى وقع السيف في لحيته فقتله؛ فكان قتل صاحب اللواء تصديقاً لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني مردف كبشاً».

إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ۝١٢٢

العامل في «إذ ـ تبوىء» أو «سميع عليم». والطائفتان: بنو سِلمة من الخزرج، وبنو حارِثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر يوم أحد. ومعنى {أَن تَفْشَلاَ} أن تَجْبُنا. وفي البخاريّ عن جابر قال: فينا نزلت {إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا} قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سِلمة، وما نحِب أنها لم تنزل؛ لقول الله عز وجل: {وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا}. وقيل: هم بنو الحارث وبنو الخزرج وبنو النبِيت، والنّبِيت هو عمرو بن مالك من بني الأوس. والفشل عبارة عن الجبن؛ وكذلك هو في اللغة. والهَمّ من الطائفتين كان بعد الخروج لما رجع عبد الله بن أُبَيّ بمن معه من المنافقين فحفِظ الله قلوبهم فلم يرجعوا؛ فذلك قوله تعالى: {وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا} يعني حافظ قلوبهما عن تحقيق هذا الهمّ. وقيل: أرادوا التقاعد عن الخروج، وكان ذلك صغيرة منهم. وقيل: كان ذلك حديث نفس منهم خطر ببالهم فأطلع الله نبيه عليه السلام عليه فآزدادوا بصيرة؛ ولم يكن ذلك الخَوَرُ مكتسباً لهم فعصمهم الله، وذمّ بعضهم بعضاً، ونهضوا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أطَلّ على المشركين، وكان خروجه من المدينة في ألفٍ، فرجع عنه عبد الله بن أُبَيّ بن سَلُول بثلاثمائة رجل مغاضباً؛ إذ خولف رأيه حين أشار بالقعود والقتال في المدينة إن نهض إليهم العدوّ، وكان رأيه وافَقَ رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى ذلك أكثر الأنصار، وسيأتي. ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين فاستشهد منهم من أكرمه الله بالشهادة. قال مالك رحمه الله: قتل من المهاجرين يوم أحد أربعةٌ، ومن الأنصار سبعون رضي الله عنهم. والمقاعِد: جمع مقعد وهو مكان القعود، (وهذا) بمنزلة مَوَاقف، ولكن لفظ القعود دال على الثبوت؛ ولا سِيما أن الرّماة كانوا قعوداً. هذا معنى حديثِ غزاة أحد على الاختصار، وسيأتي من تفصيلها ما فيه شِفاء. وكان مع المشركين يومئذ مائة فرس عليها خالد بن الوليد، ولم يكن مع المسلمين يومئذ فرس. وفيها جُرح رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه وكُسِرت رَباعِيته اليمنى السفلى بحجر وهُشِمت البَيْضَةُ من على رأسه صلى الله عليه وسلم، وجزاه عن أمّته ودِينه بأفضل ما جزى به نبيّاً من أنبيائه على صبره. وكان الذي تَوَلّى ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن قَمِيئَة الليثي، وعُتْبة بن أبي وَقّاص. وقد قيل: إن عبد الله بن شِهاب جدّ الفقيه محمد بن مسلم بن شهاب هو الذي شَجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبهته. قال الواقِدِي: والثابت عندنا أن الذي رمى في وجه النبي صلى الله عليه وسلم ٱبن قميئة، والذي أدمى شفته وأصاب رباعِيته عُتبةُ بن أبي وَقّاص. قال الواقِدِيّ بإسناده عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلاً من المهاجرين يقول: شهدت أحُداً فنظرت إلى النبل تأتي من كل ناحية ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها كل (ذلك) يصرف عنه. ولقد رأيت عبد الله ٱبن شِهاب الزّهْرِيّ يقول يومئذٍ: دَلُّونِي على محمد دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا. (وإنّ) رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ما معه أحد ثم جاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان فقال: والله ما رأيته، أحلِف بالله إنه مِنّا ممنوع خرجنا أربعةً فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله (فلم نخلص إلى ذلك). وأكَبّت الحجارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سقط في حفرة، كان أبو عامر الرّاهب قد حفرها مكيدة للمسلمين، فخرّ عليه السلام على جنبه وٱحتضنه طلحة حتى قام، ومَصّ مالك بن سِنان والد أبي سعيد الخدرِيّ من جُرح رسول الله صلى الله عليه وسلم الدّم، وتشبّثت حلقتان من دِرع المِغفَر في وجهه صلى الله عليه وسلم فانتزعهما أبو عبيدة بن الجرّاح وعَضّ عليهما بِثَنِيتيه فسقطتا؛ فكان أهْتَم يزينه هَتَمُه رضي الله عنه. وفي هذه الغزاة قُتل حمزةُ رضي الله عنه، قتله وحشِي، وكان وَحْشِيّ مملوكاً لجبير بن مُطْعِم. وقد كان جبير قال له: إن قتلت محمداً جعلنا لك أعِنّة الخيل، وإن أنت قتلت عليّ بن أبي طالب جعلنا لك مائة ناقة كلُّها سُود الحَدَق، وإن أنت قتلت حمزة فأنت حُرٌّ. فقال وحشِيّ: أما محمد فعليه حافظٌ من الله لا يخلُص إليه أحدٌ. وأما عليّ ما برز إليه أحد إلاّ قتله. وأما حمزة فرجل شجاع، وعسى أن أُصادفه فأقتله. وكانت هِنْد كلما تهيّأ وَحْشِيٌ أو مرّت به قالت: إيْهاً أبا دَسَمَة ٱشْفِ وٱستشفِ. فكَمِن له خلف صَخْرة، وكان حمزة حمل على القوم من المشركين؛ فلما رجع من حملته ومرّ بوحشِيّ زَرَقه بالمِزْرَاق فأصابه فسقط مَيِّتاً، رحمه الله ورضي عنه. قال ٱبن إسحاق: فبقرت هِنْدٌ عن كبد حمزة فلاكتها ولم تستطع أن تسيغها فلفظتها ثم علت على صخرة مُشْرفة فصرخت بأعلى صوتها فقالت:

نحنُ جَزَيْناكم بيَوْم بَدْروالحربُ بعد الحرب ذاتُ سُعْرِما كان عن عُتْبَة لي من صَبْرٍولا أخِي وعَمِّه وبَكْريشفَيْتُ نفسي وقضَيْتُ نَذْرِيشفيتَ وَحْشِيُّ غلَيلَ صَدْرِيفشكْرُ وحْشِي عليّ عَمْرِيحتى تَرِمّ أعْظُمِي في قَبْرِي

فأجابتها هِنْدُ بنت أُثَاثة بن عَبّاد بن عبد المطلب فقالت:

خَزِيتِ في بدْرٍ وبعد بدريا بنت وَقّاعٍ عظيم الكُفْرِصبّحكِ اللَّهُ غَداةَ الفجرِمِلْهَاشِمِيِّين الطِّوَال الزُّهْرِبكل قَطّاعٍ حُسَامٍ يَفْرِيحمزةُ لَيْثي وعَليٌّ صَقْرِيإذْ رَامَ شَيْبَ وأبوكِ غَدْرِيفَخَضَبَا منه ضَوَاحِي النَّحْرِ ونَـذْرِك السّـوءَ فشـرّ نَـذْرِ

وقال عبد الله بن رواحة يبكي حمزة رضي الله عنه:

بكت عيني وحق لها بُكاهاوما يغني البكاء ولا العَوِيلعلى أسَدِ الإله غَداة قالواأحَمْزَةُ ذاكم الرّجل القتِيلأُصيب المسلمون به جميعاهناك، وقد أُصيب به الرّسولأبا يَعْلَى لك الأركان هُدّتوأنت الماجد البَرّ الوَصُولعليك سلام ربك في جِنانٍمخالِطها نعيم لا يزولألا يا هاشم الأخيارِ صبراًفكل فعالِكم حسن جميلرسول اللَّه مصطبِر كرِيمبأمر الله ينطِق إذ يقولألا من مُبْلِغ عنى لُؤَيّاًفبعد اليومِ دَائِلَةٌ تَدُولوقبل اليوم ما عرفوا وذاقواوقائِعنا بها يُشْفى الغَلِيلنَسَبْتُم ضربَنا بِقَليبِ بَدْرٍغداةَ أتاكم الموتُ العَجِيلغَداةَ ثَوَى أبو جهل صريعاًعليه الطَّيْر حَائِمَةً تَجُولوعُتْبَة وٱبنُه خَرَّا جميعاوشَيْبَة عَضّه السيفُ الصّقِيلومَتْرَكُنا أُمَيَّةَ مُجْلَعِبّاًوفي حَيْزُومِه لَدْنٌ نبيلوهَامَ بنِي ربيعة سائِلوهاففي أسيافِنا منها فُلُولألا يا هِنْدُ لا تبدي شَمَاتابحمزةَ إن عِزّكم ذَليلألا يا هِنْدُ فابكي لا تَمَلِّيفأنتِ الوَالِهِ العَبْرَى الهَبُول

ورَثَتْه أيضاً أُختُه صفية، وذلك مذكور في السيرة، رضي الله عنهم أجمعين.

قوله تعالى: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} فيه مسألة واحدة، وهي بيان التوكل. والتوكل في اللغة إظهار العجز والاعتماد على الغير. ووَاكل فلان إذا ضَيّع أمرَه مُتّكلاً على غيره.

وٱختلف العلماء في حقيقة التوكل؛ فسئل عنه سهل ابن عبد الله فقال: قالت فرقة الرضا بالضّمان، وقطع الطّمَع من المخلوقين. وقال قوم: التوَكّل ترك الأسباب والركون إلى مُسبِّب الأسباب؛ فإذا شغله السبب عن المسبِّب زال عنه ٱسم التوكل. قال سَهْلٌ: من قال إن التوكل يكون بترك السبب فقد طعن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله عز وجل يقول:

{ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً } [الأنفال: 69] فالغنيمة ٱكتساب. وقال تعالى: { { فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } [الأنفال: 12] فهذا عَمَلٌ. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:إن الله يحب العبد المحترِف. وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقْرضون على السِرية. وقال غيره: وهذا قول عامّة الفقهاء، وأنّ التوكل على الله هو الثقة بالله والإيقان بأن قضاءه ماض، وٱتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في السعي فيما لا بدّ منه من الأسباب من مَطعم ومَشرب وتحرّزٍ من عدوّ وإعدادِ الأسلحة وٱستعمالِ ما تقتضيه سنة الله تعالى المعتادة. وإلى هذا ذهب محققو الصوفية، لكنه لا يستحق ٱسم التوكل عندهم مع الطمأنينة إلى تلك الأسباب والالتفات إليها بالقلوب؛ فإنها لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضراً، بل السبب والمسبَّب فعل الله تعالى، والكل منه وبمشيئته؛ ومتى وقع من المتوكِّل ركونٌ إلى تلك الأسباب فقد ٱنسلخ عن ذلك الاسم. ثم المتوكلون على حالين: الأوّل ـ حال المتمَكِّن في التوكُّل فلا يلتفت إلى شيء من تلك الأسباب بقلبه، ولا يتعاطاه إلا بحكم الأمر. الثاني ـ حال غير المتَمكِّن وهو الذي يقع له الالتفات إلى تلك الأسباب أحياناً غير أنه يدفعها عن نفسه بالطرق العلمية، والبراهين القطعية، والأذواق الحالية؛ فلا يزال كذلك إلى أن يُرَقِّيه الله بجوده إلى مقام المتوكلين المتمكنين، ويلحقه بدرجات العارفين.

وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝١٢٣ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ ۝١٢٤ بَلَىٰٓ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ۝١٢٥

فيه ست مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ} كانت بدر يوم سبعة عشر من رمضان، يوم جمعة لثمانية عشر شهراً من الهِجرة، وبدر مَاءٌ هنالك وبه سمى الموضِع. وقال الشعبيّ: كان ذلك الماء لرجل من جُهَينة يسمى بدراً، وبه سمى الموضع. والأوّل أكثر. وقال الواقِدِي وغيره: بدر ٱسم لموضع غير منقول. وسيأتي في قِصة بدرٍ في «الأنفال» إن شاء الله تعالى. و {أَذِلَّةٌ} معناها قليلون؛ وذلك أنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر رجلاً. وكان عدوّهم ما بين التسعمائة إلى الألف. و «أذِلة» جمع ذليل. وٱسم الذل في هذا الموضع مستعار، ولم يكونوا في أنفسهم إلاَّ أعِزّة، ولكن نسبتهم إلى عدوّهم وإلى جميع الكفار في أقطار الأرض تقتضي عند التأمل ذِلّتهم وأنهم يُغلبون. والنصر العون؛ فنصرهم الله يوم بَدْرٍ، وقتل فيه صنادِيد المشركين، وعلى ذلك اليوم ٱبتني الإسلام، وكان أوّل قتال قاتله النبيّ صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح مسلم عن بُريدة قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع عشرة غزوة، قاتل في ثمان منهنّ. وفيه. عن أبي إسحاق قال: لقيت زيد بن أرْقَم فقلت له: كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال تسع عشرة غزوة. فقلت: فكم غزوتَ أنت معه؟ فقال: سبع عشرة غزوة. قال فقلت: فما أوّل غزوة غزاها؟ قال: ذات العُسَير أو العشير. وهذا كله مخالف لما عليه أهل التواريخ والسير. قال محمد بن سعد في كتاب الطبقات له: إن غزواتِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم سبع وعشرون غزوة، وسراياه ست وخمسون، وفي رواية ست وأربعون، والتي قاتل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بَدْرٌ واحُد والمَريْسِيع والخَنْدَق وخَيْبَر وقُرَيْظَة والفتْحُ وحُنَيْن والطائف. قال ٱبن سعد: هذا الذي ٱجتمع لنا عليه. وفي بعض الروايات أنه قاتل في بني النضير وفي وادي القُرى مُنصرفه من خَيْبَر وفي الغَابَة. وإذا تقرّر هذا فنقول: زيد وبُريدة إنما أخبر كل واحد منهما بما في علمه أو شاهده. وقول زيد: «إن أوّل غزاة غزاها ذات العسيرة» مخالف أيضاً لما قال أهل التواريخ والسير. قال محمد بن سعد: كان قبل غزوة العشيرة ثلاث غزوات، يعني غزاها بنفسه. وقال ٱبن عبد البر في كتاب الدرر في المغازي والسير. أوّل غزاةٍ غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة وَدّان غزاها بنفسه في صَفَر؛ وذلك أنه وصل إلى المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل، أقام بها بقيةَ ربيع الأوّل، وباقي العام كله إلى صفر من سنة ٱثنتين من الهجرة: ثم خرج في صفر المذكور وٱستعمل على المدينة سعد بن عبادة حتى بلغ وَدّان فوادع بني ضَمْرة، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حَرْباً، وهي المسماة بغزوة الأبْوَاء. ثم أقام بالمدينة إلى (شهر) ربيع الآخر من السنة المذكورة، ثم خرج فيها واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون حتى بلغ بَوَاط من ناحية رَضْوَى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حرباً، ثم أقام بها بقية ربيع الآخر وبعض جمادى الأولى، ثم خرج غازياً وٱستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وأخذ على طريق مِلْكٍ إلى العُسَيرْة.

قلت: ذكر ٱبن إسحاق

عن عمّار بن ياسر قال: كنت أنا وعليّ بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة من بطن يَنْبُع فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بها شهراً فصالح بها بني مُدْلِج وحلفاءَهم من بني ضَمْرة فوادعهم، فقال لي علي بن أبي طالب: هل لك أبا اليقظان أن تأتي هؤلاء؟ نفر من بني مُدْلِج يعملون في عين لهم ننظر كيف يعملون. فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعة ثم غشِينا النوم فعمدنا إلى صور من النخل في دَقْعَاء من الأرض فَنِمْنا فيه؛ فوالله ماأهبنا إلاَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدمه؛ فجلسنا وقد تتربنا من تلك الدقعاء فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: «ما بالك يا أبا تراب»؛ فأخبرناه بما كان من أمرنا فقال: «ألا أُخبركم بأشقى الناس رجيلن» قلنا: بلى يا رسول الله؛ فقال: «أُحَيْمِر ثمود الذي عقرالناقة والذي يضربك يا عليّ على هذه ـ ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسه ـ حتى يَبَلّ منها هذه» ووضع يده على لحيته. فقال أبو عمر: فأقام بها بقية جمادي الأولى وليالي من جمادي الآخرة، ووادع فيها بني مُدْلِج ثم رجع ولم يلق حرباً. ثم كانت بعد غزوة بدرٍ الأولى بأيام قلائل، هذا الذي لا يشك فيه أهل التواريخ والسير، فزيد بن أرقم إنما أخبر عما عنده. والله أعلم. ويُقال: ذات العسير بالسين والشين، ويزاد عليها هاء فيقال: العشيرة. ثم غزوة بدر الكبرى وهي أعظم المشاهد فضلاً لمن شهدها، وفيها أمدّ الله بملائكته نبيه والمؤمنين في قول جماعة العلماء، وعليه يدل ظاهر الآية، لا في يوم أحُد. ومن قال: إن ذلك كان يوم أحُد جعل قوله تعالىٰ: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ} إلى قوله: {تَشْكُرُونَ} ٱعتراضاً بين الكلامين. هذا قول عامر الشعبيّ، وخالفه الناس. وتظاهرت الروايات بأنّ الملائكة حضرت يوم بَدر وقاتلت؛ ومن ذلك قول أبي أُسيدٍ مالكِ بنِ ربيعة وكان شهيد بدر: لوكنتُ معكم الآن بِبَدْر وَمَعِي بصرى لأريتُكم الشِّعْب الذي خرجتْ منه الملائكةُ، لا أشك ولا أمْتَرِي. رواه عقيل عن الزُّهريّ عن أبي حازم سلمَة بنِ دينار. قال ٱبن أبي حاتم: لا يُعرف للزّهريّ عن أبي حازم غيرُ هذا الحديث الواحد، وأبو أُسَيدٍ يُقال إنه آخر من مات من أهل بدر؛ ذكره أبو عمر في الاستيعاب وغيره. وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب قال: لما كان يومِ بَدْر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألْفٌ، وأصحابه ثلاثُ مائةٍ وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مدّ يدَيْه فجعل يَهْتِف بربِّه: اللَّهُمَّ أنجِزْ لي مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إن تَهْلِك هذه العَصَابَةُ مِن أهل الإسلام لاَ تُعْبَدُ فِي الأرْضِ فما زال يَهْتِف بربه مادّاً يديْه مُستقبلَ القِبلة حتى سقط رداؤُه عن مَنْكِبَيْه، فأتاه أبو بكر أخذَ رداءَه فألقاه على مَنْكِبَيْه، ثم الْتَزَمَه من وَرائه وقال: يا نبيّ اللَّهِ، كفاك مناشَدَتُك رَبَّك، فإنه سيُنْجِزُ لك ما وَعَدَك؛ فأنزل الله عزّ وجلّ: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ } [الأنفال: 9] فأمدّه الله تعالى بالملائكة. قال أبو زُمَيْل: فحدّثني ٱبن عباس قال: بيْنما رجلٌ من المسلمين يومئذ يَشْتَدّ في أثرَ رجل من المشركين أمامَه إذْ سمِع ضربةً بالسَّوْط فوقَه وصوتَ الفارِس يقول: أَقِدمْ حَيْزُومُ، فنظر إلى المشرِك أمامه فَخرّ مستلقياً، فنظر إليه فإذا هو قَدْ خُطِم أنفُه وشُقّ وجهُه (كضربة السوط) فاخْضَرّ ذلك أجْمَعُ. فجاء الأنصاريّ فحدّث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدقتَ ذلك من مَدَد السَّماء الثالثة فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. وذكر الحديث. وسيأتي تمامُه في آخر «الأنفال» إن شاء الله تعالىٰ. فتظاهرت السنة والقرآن على ما قاله الجمهور، والحمد لله. وعن خارجة بن إبراهيم عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لِجبْرَيل: «مَنِ القائلُ يوم بدر من الملائكة أقدم حَيْزُوم»؟ فقال جبريل: «يا محمد ما كل أهل السماء أعرف». وعن عليّ رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال: بينا أنا أمْتَح من قَلِيب بَدْر جاءت ريحٌ شديدة لم أرَ مثلها قَطّ، ثم ذهبت، ثم جاءت ريحٌ شديدة لم أرَ مثلها قط إلاَّ التي كانت قبلها. قال: وأظنه ذكر: ثم جاءت ريحٌ شديدة، فكانت الرِّيح الأولى جبريل نزل في ألف من الملائكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الريح الثانية مِيكَائِيل نزل في ألف من الملائكة عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر عن يمينه، وكانت الريح الثالثة إسْرَافِيل نزل في ألف من الملائكة عن مَيْسَرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في الميسرة. وعن سَهل بن حُنَيف رضي الله عنه قال: لقد رأيتُنا يوم بَدْر وأنّ أحدنَا يُشِير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسُه عن جسده قبل أن يَصِل إليه. وعن الرّبيع بن أنس قال: كان الناس يوم بَدْر يعرفون قتلىٰ الملائكة ممَّن قتلوهم بضربٍ فوقَ الأعْناق وعلى البَنَان مثل سِمَة النار قد أُحرِق به؛ ذكر جميعه البَيْهَقِيّ رحمه الله. وقال بعضهم: إن الملائكة كانوا يقاتلون وكانت علامة ضربهم في الكفار ظاهرة؛ لأن كلَّ موضع أصابتْ ضربتهم ٱشتعلت النار في ذلك الموضع، حتى إن أبا جهل قال لابن مسعود: أنت قَتلتَنِي؟ٰإنما قتلني الذي لم يصل سِنَانِي إلى سُنْبُك فرسه وإن ٱجتهدتَ. وإنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة لتسكين قلوب المؤمنين؛ ولأنّ الله تعالىٰ جعل أُولئك الملائكة مجاهدين إلى يوم القيامة؛ فكل عسكر صَبَر وٱحتسب تأتيهم الملائكة ويقاتلون معهم. وقال ٱبن عباس ومجاهد: لم تقاتل الملائكةُ إلاَّ يوم بَدْر، وفيما سوى ذلك يشهدون ولا يقاتلون إنما يكونون عدداً أو مدداً. وقال بعضهم: إنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة أنهم كانوا يَدْعُون ويسبِّحون، ويكثرون الذين يقاتلون يومئذ؛ فعلى هذا لم تقاتل الملائكةُ يوم بدر وإنما حضروا للدعاء بالتثّبِيت، والأوّل أكثر. قال قتادة: كان هذا يوم بدر، أمدّهم الله بألفٍ ثم صاروا ثلاثةَ آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف؛ فذلك قوله تعالىٰ: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ } [الأنفال: 9] وقوله: {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ} وقوله: {بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} فصبرَ المؤمنون يوم بَدْر وٱتقوا الله فأمدّهم الله بخمسة آلاف من الملائكة على ما وَعَدَهُم؛ فهذا كله يوم بدر. وقال الحسن: فهؤلاء الخمسة آلاف رِدْءٌ للمؤمنين إلى يوم القيامة. قال الشعبيّ: بلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم بدر أن كُرْز بن جابر المُحارِبيّ يريد أن يُمدّ المشركين فشق ذلك على النبيّ صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين؛ فأنزل الله تعالى {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ} ـ إلى قوله: {مُسَوِّمِينَ} فبلغ كُرْزاً الهزيمةُ فلم يُمدّهم ورجع، فلم يمدهم الله أيضاً بالخمسة آلاف، وكانوا قد مدّوا بألف. وقيل: إنما وعد الله المؤمنين يوم بدر إن صبروا على طاعته، وٱتقوا محارمه أن يمدّهم أيضاً في حروبهم كلها، فلم يصبروا ولم يتقوا محارمه إلاَّ في يوم الأحزاب، فأمدّهم حين حاصروا قُرَيْظة. وقيل: إنما كان هذا يوم أحُد، وعدهم الله المدد إن صبروا، فما صبروا فلم يُمدّهم بملَك واحد، ولو أُمِدّوا لما هُزِمُوا؛ قاله عكرمة والضحاك. فإن قيل: فقد ثبت عن سعد بن أبي وَقّاص أنه قال: رأيت عن يَمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن يساره يومَ بَدْر رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه أشدّ القتال، ما رأيتهما قبلُ ولا بعدُ. قيل له: لعل هذا مختص بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، خصّه بملكين يقاتلان عنه، ولا يكون هذا إمداداً للصحابة، والله أعلم.

الثانية: نزول الملائكةِ سبب من أسباب النصر لا يحتاج إليه الرب تعالىٰ، وإنما يحتاج إليه المخلوق فلْيَعْلَق القلب بالله ولْيَثِق به، فهو الناصر بسبب وبغير سبب؛

{ { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }} [يسۤ: 82]. لكن أخبر بذلك ليمتثل الخلقُ ما أمرهم به من الأسباب التي قد خلت من قبل، { { وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً }} [الفتح: 23]، ولا يَقْدَح ذلك في التوَكُّل. وهو ردّ على من قال: إن الأسباب إنما سُنّت في حق الضعفاء لا للأقوياء؛ فإنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا الأقوياء وغيرهم هم الضعفاء؛ وهذا واضِحٌ. و «مدّ» في الشر و «أمدّ» في الخير. وقد تقدم في البقرة. وقرأ أبو حَيْوة «مُنْزَلِينَ» بكسر الزاي مخفّفاً، يعني منزلين النصرَ. وقرأ ٱبن عامر مشدّدة الزاي مفتوحة على التكثير. ثم قال: {بَلَىۤ} وتمّ الكلام. {إِن تَصْبِرُواْ} شرط، أي على لقاء العدوّ. {وَتَتَّقُواْ} عطف عليه، أي معصيتَه. والجواب {يُمْدِدْكُمْ}. ومعنى «مِنْ فَوْرِهِمْ» من وجهِهم. هذا عن عكرمة وقتادة والحسن والربيع والسدي وٱبنِ زيد. وقيل: مِن غَضَبِهم؛ عن مجاهد والضحاك. كانوا قد غضبوا يوم أحُد ليوم بَدْر مما لَقُوا. وأصل الفَوْر القصد إلى الشيء والأخذ فيه بِجِدّ؛ وهو من قولهم: فارتِ القِدْر تَفُور فَوْراً وَفَوَرَاناً إذا غَلَت. والفَوْرالغَلَيَان. وفارَ غضبه إذا جاش. وفعله من فَوْرِه أي قبل أن يَسْكُن. والفوّارة ما يَفُور من القِدر. وفي التنزيل {وَفَار التَّنُّورُ}. قال الشاعر:

تَفُـورُ علينـا قِـدْرُهُم فَنُدِيمُهـا

الثالثة: قوله تعالىٰ: {مُسَوِّمِينَ} بفتح الواو ٱسم مفعول، وهي قراءة ٱبن عامر وحمزة والكِسائي ونافع.أي معَلَّمين بعلامات. و «مُسَوِّمين» بكسر الواو ٱسم فاعل، وهي قراءة أبي عمرو وٱبن كثير وعاصم؛ فيحتمل من المعنى ما تقدّم، أي قد أعلموا أنفسهم بِعلامة، وأعلموا خَيْلَهم. ورجّح الطبرِيّ وغيره هذه القراءة. وقال كثير من المفسرين: مُسَوِّمِينَ أي مُرسلِين خيلهم في الغارة. وذكر المهدوِيّ هذا المعنى في «مُسَوَّمِينَ» بفتح الواو، أي أرسلهم الله تعالىٰ على الكفار. وقاله ٱبن فُورَك أيضاً. وعلى القراءة الأولى ٱختلفوا في سِيما الملائكة؛ فرُوي عن علي بن أبي طالب وٱبن عباس وغيرِهما أن الملائكة ٱعتَمَّت بعمائم بِيضٍ قد أرسلوها بين أكتافهم؛ ذكره البيهقِيّ عن ٱبن عباس، وحكاه المهدوِيّ عن الزجاج. إلاَّ جبريل فإنه كان بعمامة صَفْراء على مِثال الزبير بن العوام، وقاله ٱبن إسحاق. وقال الربيع: كانت سِيماهم أنهم كانوا على خَيْل بُلْق.

قلت: ذكر البيهقيّ عن سهيل بن عمرو رضي الله عنه قال: لقد رأيت يوم بدر رجالاً بيضاً على خيلٍ بُلْقٍ بين السماء والأرض معلَّمين يقتلون ويأسِرون. فقوله: «معلمين» دل على أن الخيل البُلْق ليست السيما، والله أعلم. وقال مجاهد: كانت خيلهم مَجْزُوزة الأذناب والأعْرَاف معلَّمة النَواصِي والأذناب بالصّوف والعِهنْ. ورُوي عن ٱبن عباس: تسوَّمَت الملائكة يوم بدر بالصّوف الأبيض في نَوَاصي الخيل وأذنابها. وقال عَبّاد بن عبد الله بن الزبير وهِشام ابن عُروة والكلبي: نزلت الملائكة في سِيما الزُّبِير عليهم عمائم صُفْر مُرْخَاة على أكتافهم. وقال ذلك عبد الله وعروة ٱبنا الزبير. وقال عبد الله: كانت ملاءة صفراء ٱعتمّ بها الزبير رضي الله عنه

قلت: ودلت الآية ـ

وهي الرابعة: على ٱتخاذ (الشارة و) العلامة للقبائل والكتائب يجعلها السلطان لهم؛ لتتميّز كل قبيلة وكتِيبة من غيرها عند الحرب، وعلى فضل الخيل البُلْق لنزول الملائكة عليها.

قلت: ـ ولعلها نزلت عليها مُوافَقة لفرس المِقْدَاد، فإنه كان أبْلَق ولم يكن لهم فرس غيره، فنزلت الملائكة على الخيل البُلْق إكراماً للمقداد؛ كما نزل جبريل مُعْتَجِراً بعمامة صفراء على مِثال الزبير، والله أعلم. ودلّت الآية أيضاً ـ.

وهي الخامسة: على لِباس الصّوف وقد لَبِسه الأنبياء والصالحون. ورَوى أبو داود وٱبن ماجه واللفظ له عن أبي بُرْدة عن أبيه قال قال لي أبي: لو شهدتنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصابتنا السماء لحسِبت أن رِيحنا ريح الضّأن. ولبس صلى الله عليه وسلم جُبّة رُومِيّة من صوفٍ ضيِّقة الكُمّين؛ رواه الأئمة. ولبِسها يُونُس عليه السَّلام؛ رواه مسلم. وسيأتي لهذا المعنى مزِيد بيان في «النحل» إن شاء الله تعالىٰ.

السادسة: قلت: وأما ما ذكره مجاهد من أن خيلهم كانت مَجْزوزة الأذناب والأَعْراف فبعيدٌ؛ فإن في مصنف أبي داود عن عُتْبة بن عبدٍ السُّلمي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

لا تقُصّوا نواصي الخيل ولا معارفها ولا أذنابها فإن أذنابها مَذَابُّها ومعارفها دفاؤها ونواصيها معقود فيها الخير. فقول مجاهد يحتاج إلى توقيف من أن خيل الملائكة كانت على تلك الصفة، والله أعلم.

ودلّت الآية على حُسْن الأبيض والأصفر من الألوان لنزول الملائكة بذلك، وقد قال ٱبن عباس: من لبس نَعلاً أصْفَر قضيت حاجته. وقال عليه السَّلام:

ٱلْبَسوا من ثيابكم البياض فإنه من خير ثيابكم وكفِّنوا فيه موتاكم وأما العمائم فتيجَان العرب ولباسها. ورَوى رُكَانة ـ وكان صارع النبيَّ صلى الله عليه وسلم فَصرعه النبيُّ صلى الله عليه وسلم ـ قال رُكَانَة: وسمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس أخرجه أبو داود. قال البخاري: إسناده مجهول لا يعرف سماع بعضه من بعض.

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ۝١٢٦ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا۟ خَآئِبِينَ ۝١٢٧

قوله تعالىٰ: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ} الهاء للمَدَد، وهو الملائكة أو الوعد أو الإمداد، ويدل عليه «يُمْدِدْكْم» ٱو للتسْوِيم أو للإنْزال أو العَدَد على المعنى؛ لأن خمسة آلاف عددٌ. {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ} اللام لام كي، أي ولتطمئن قلوبكم به جعله؛ كقوله:

{ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً } [فصلت: 12] أي وحفظا لها جعل ذلك. {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} يعني نصر المؤمنين، ولا يدخل في ذلك نصر الكافرين؛ لأن ما وقع لهم من غلبة إنما هو إملاءٌ محفوفٌ بِخِذلانٍ وسوءِ عاقبة وخسرانٍ. {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} أي بالقتل. ونظم الآية: ولقد نصركم الله ببدر ليقطع. وقيل: المعنى وما النصر إلاَّ من عند الله ليقطع. ويجوز أن يكون متعلقاً بـ «ـيُمْدِدْكُمْ»، أي يمددكم لِيقطع. والمعنى: من قُتِل من المشركين يوم بَدْر؛ عن الحسن وغيره، السدى: يعني به من قُتِل من المشركين يوم أُحُد وكانوا ثمانية عشر رجلاً. ومعنى {يَكْبِتَهُمْ} يحزنهم؛ والمكْبُوت المحزون. ورُوي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم جاء إلى أبي طلحة فرأى ابنه مَكْبُوتاً فقال: «ما شأنه»؟. فقيل: مات بعِيره. وأصله فيما ذكر بعض أهل اللغة «يكبِدهم» أي يصيبهم بالحزن والغيظ في أكبادهم، فأبدلت الدال تاء، كما قلبت في سَبَتَ رأسه وسبده أي حلقه. كبت الله العدوّ كَبْتاً إذا صرفه وأذَلّه، وكبدَه أصابه في كبِدَه؛ يُقال: قد أحرق الحزن كبده، وأحرقت العداوة كبِدَه. وتقول العرب للعدوّ: أسْوَد الكَبِد؛ قال الأعشىٰ:

فَما أجْشَمتِ من إتْيَانِ قَوْمٍهُمُ الأعْداءُ والأكْبادُ سُودُ

كأن الأكباد لما ٱحترقت بشِدّة العدواة ٱسودت. وقرأ أبو مِجْلَز «أو يكبِدهم» بالدال. والخَائِبُ: المنقطعُ الأمَل. خاب يخِيب إذا لم ينل ما طلب. والخيّاب: القَدْح لا يُورِي.
الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ