انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير القرطبيالآيات 128–140

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير القرطبي.

لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَٰلِمُونَ ۝١٢٨ وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝١٢٩

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: ثبت في صحيح مسلم: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كُسِرت رَباعِيته يوم أُحُد، وشُجّ في رأسه، فجعل يسْلِتُ الدمَ عنه ويقول: «كيف يُفلح قوم شَجّوا رأس نبِيهم وكسروا رباعِيته وهو يدعوهم إلى الله تعالىٰ». فأنزل الله تعالىٰ {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ}. الضحاك: هَمَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يدعوَ على المشركين فأنزل الله تعالىٰ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ}. وقيل: ٱستأذن في أن يدعو في ٱستئصالهم، فلما نزلت هذه الآية علم أن منهم من سيُسلِم وقد آمن كثير منهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعِكرمة بن أبي جهل وغيرهم. وروى الترمذي عن ٱبن عمر قال: وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يدعو على أربعة نفر فأنزل الله عزّ وجلّ {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} فهداهم الله للإسلام. وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقوله تعالىٰ: {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} قيل: هو معطوف على {لِيَقْطَعَ طَرَفاً}. والمعنى: ليقتل طائفة منهم، أو يحزنهم بالهزيمة أو يتوب عليهم أو يعذبهم. وقد تكون «أو» هٰهنا بمعنى «حتى» و «إلاَّ أن». قال ٱمرؤ القيس:

*... أو نَمـوتَ فَنُعْـذَرَا

قال علماؤنا: قوله عليه السَّلام:كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم ٱستبعاد لِتوفيق مَن فَعل ذلك به. وقوله تعالىٰ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} تقريب لما ٱستبعده وإطماع في إسلامهم، ولما أُطْمع في ذلك قال صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ ٱغفر لقومي فإنهم لا يعلمونكما في صحيح مسلم عن ٱبن مسعود قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبِياً من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: رب ٱغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. قال علماؤنا: فالحاكي في حديث ٱبن مسعود هو الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام، وهو المحكي عنه؛ بدليل ما قد جاء صريحاً مبَيِّناً. أنه عليه الصَّلاة والسَّلام لما كُسرت رَباعيته وشُجّ وجهه يوم أحُد شقّ ذلك على أصحابه شقّاً شديداً وقالوا: لو دعوت عليهمٰ فقال: إني لم أبعث لَعّاناً ولكني بعثت داعِياً ورحمة، اللَّهم ٱغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. فكأنه عليه السَّلام أوحي إليه بذلك قبل وقوع قضية أحُد، ولم يعيّن له ذلك النّبيّ؛ فلما وقع له ذلك تَعيَّن أنه المعنيُّ بذلك بدليل ما ذكرنا. ويُبيِّنه أيضاً ما قاله عمر له في بعض كلامه: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله! لقد دعا نوح على قومه فقال: { رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً } [نوح: 26] الآية. ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا؛ فقد وُطِيء ظهرك وأدْمي وجهك وكُسِرت ربَاعيتك فأبيت أن تقول إلاَّ خيراً، فقلت: «رب ٱغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». وقوله:ٱشتد غضب الله على قوم كسروا رباعية نبيهم يعني بذلك المباشرَ لذلك، وقد ذكرنا ٱسمه على ٱختلاف في ذلك، وإنما قلنا إن خصوص في المباشر؛ لأنه قد أسلم جماعة ممن شهد أحُداً وحسن إسلامهم.

الثانية: زعم بعض الكوفيين أن هذ الآية ناسخة للقُنُوت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله بعد الركوع في الركعة الأخيرة من الصبح، وٱحتج. بحديث ٱبن عمر أنه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول في صلاة الفجر بعد رفع رأسه من الركوع فقال:

اللَّهُمَّ ربنا ولك الحمد في الآخرة ـ ثم قال ـ اللَّهُمَّ ٱلعن فلاناً وفلاناً فأنزل الله عزّ وجلّ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} الآية. أخرجه البخاريّ، وأخرجه مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة أتمّ منه. وليس هذا موضع نسخ وإنما نَبّه الله تعالىٰ نبيه على أن الأمر ليس إليه، وأنه لا يعلم من الغيب شيئاً إلاَّ ما أعلمه، وأن الأمر كله لله يتوب على من يشاء ويعجل العقوبة لمن يشاء. والتقدير: ليس لك من الأمر شيء ولله ما في السموات وما في الأرض دونك ودونهم يغفر لمن يشاء ويتوب على من يشاء. فلا نسخ، والله أعلم، وبَيّن بقوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} أن الأمور بقضاء الله وقدره رَدّاً على القدرية وغيرهم.

الثالثة: واختلف العلماء في القُنُوت في صلاة الفجر وغيرها؛ فمنع الكوفيون منه في الفجر وغيرها. وهو مذهب الليث ويحيى بن يحيى الليثي الأندلسي صاحب مالك، وأنكره الشعبي وفي الموطأ عن آبن عمر: أنه كان لا يَقْنُتُ في شيء من الصلاة. وروى النسائي أنبأنا قتيبة عن خلف عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقْنُت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقْنُت، وصليت خلف عمر فلم يقْنُت، وصليت خلف عثمان فلم يقْنُت وصليت خلف علي فلم يقْنُت؛ ثم قال: يا بُني إنها بدعة. وقيل: يقنت في الفجر دائماً وفي سائر الصلوات إذا نزل بالمسلمين نازلة؛ قاله الشافعي والطبري. وقيل: هو مُستَحَب في صلاة الفجر، ورُوي عن الشافعي. وقال الحسن وسحْنُون: إنه سنة. وهو مقتضى رواية علي بن زياد عن مالك بإعادة تاركه للصلاة عمداً. وحكى الطبري الإجماع على أن تركه غير مفسد للصلاة. وعن الحسن: في تركه سجود السَهُو؛ وهو أحد قولي الشافعي. وذكر الدارقطني عن سعيد ٱبن عبد العزيز فيمن نسي القنوت في صلاة الصبح قال: يسجد سجدتي السّهْو، واختار مالك قبل الركوع؛ وهو قول إسحاق. ورُوي أيضا عن مالك بعد الركوع، ورُوي عن الخلفاء الأربعة؛ وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأيضا. ورُوي عن جماعة من الصحابة التخيير في ذلك. وروى الدارقطني بإسناد صحيح عن أنس أنه قال: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا. وذكر أبو داود في المراسيل عن خالد بن أبي عمران قال:

بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مُضَر إذْ جاءه جبريل فأومأ إليه أن أسكت فسكت؛ فقال: «يا محمد إنَّ الله لم يبعثك سَباباً ولا لُعاناً وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عَذاباً لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمر شَيءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهُم أو يُعَذِبَهُمْ فَإِنَهُمْ ظَالِمُونَ» قال: ثم علمه هذا القُنُوت فقال: «اللَهم إنا نستعِينُك ونستغْفِرُك ونؤمِنُ بِك ونَخْنع لك ونَخْلَع ونتْرُكُ من يَكْفُركَ اللّهم إِيَاك نَعْبُدَ ولك نُصلِّي ونَسْجُدُ وإِليك نسْعى ونَحْفِدُ ونَرْجُو رحمتك ونخافُ عذابَك الجِدَّ إِنَّ عذابك بالكافرين مُلْحِق»

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوا۟ ٱلرِّبَوٰٓا۟ أَضْعَٰفًا مُّضَٰعَفَةً وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝١٣٠ وَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِىٓ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ ۝١٣١ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ۝١٣٢

قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً} هذا النهي عن أكل الربا اعتراض بين أثناء قِصة أحدُ. قال ٱبن عطية: ولا أحفظ في ذلك شيئا مرويا.

قلت: قال مجاهد كانوا يبيعون البيع إلى أجل، فإذا حلّ الأجل زادوا في الّثَمن على أن يؤخرّوا؛ فأنزل الله عز وجل {يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً}. (قلت) وإنما خص الربا من بين سائر المعاصي؛ لأنه الذي أذن الله فيه بالحرب في قوله:

{ { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } [البقرة: 279] والحرب يؤذِن بالقتل؛ فكأنه يقول: إِن لم تتقوا الربا هُزِمتم وقُتلتم. فأمرهم بترك الربا؛ لأنه كان معمولاً به عندهم، والله أعلم. و {أَضْعَافاً} نصب على الحال و {مُّضَاعَفَةً} نعته. وقرىء «مُضَعّفَةً» ومعناه: الربا الذي كانت العرب تُضْعف فيه الدِينْ، فكان الطالب يقول: أتقضي أم تُرْبي؟ كما تقدم في «البقرة» و {مُّضَاعَفَةً} إشارة إلى تكرار التضعيف عاماً بعد عامٍ كما كانوا يصنعون؛ فدلت هذه العبارة المؤكدة على شُنعة فعلهم وقُبحه؛ ولذلك ذُكرت حالة التضعيف خاصة.

قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي في أموال الربا فلا تأكلوها. ثم خوفهم فقال: {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} قال كثير من المفسرين: وهذا وعيد لمن ٱستحل الربا، ومن ٱستحل الربا فإنه يكْفُر (ويُكَفّر). وقيل: معناه ٱتقوا العمل الذي ينزع منكم الإيمان فتستوجبون النار؛ لأن من الذنوب ما يستوجب به صاحبه نزع الإيمان ويخاف عليه؛ من ذلك عقوق الوالدين. وقد جاء في ذلك أثر: أن رجلا كان عاقا لوالديه يقال له عَلْقَمَة؛ فقيل له عند الموت: قل لا إله إلا الله، فلم يقدر على ذلك حتى جاءته أمه فرضيت عنه. ومن ذلك قطيعة الرحم وأكل الربا والخيانة في الأمانة. وذكر أبو بكر الورّاق عن أبي حنيفة أنه قال: أكثر ما ينزع الإيمان من العبد عند الموت. ثم قال أبو بكر: فنظرنا في الذنوب التي تنزع الإيمان فلم نجد شيئاً أسرع نزعا للإيمان من ظلم العباد. وفي هذه الآية دليل على أن النار مخلوقة رداً على الجَهْمِية؛ لأن المعدوم لا يكون مُعَداً. ثم قال: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ} (يعني أطيعوا الله) في الفرائض {وَٱلرَّسُولَ} في السنن: وقيل: «أطيعُوا اللَّهَ» في تحريم الربا «والرسول» فيما بلّغكم من التحريم. {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي كي يرحمكم الله. وقد تقدّم.

وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ۝١٣٣

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {وَسَارِعُوۤاْ} قرأ نافع وآبن عامر «سَارِعُوا» بغير واو؛ وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة وأهل الشام. وقرأ باقي السبعة «وَسَارعُوا» بالواو. وقال أبو عليّ: كلا الأمرين شائع مستقيم، فمن قرأ بالواو فلأنه عطف الجملة على الجملة، ومن ترك الواو فلأن الجملة الثانية ملتبسةٌ بالأولى مستغنيةٌ بذلك عن العطف بالواو. والمسارعة المبادرة، وهي مفاعلة. وفي الآية حذف، أي سارعوا إلى ما يوجب المغفرة وهي الطاعة. قال أنس ٱبن مالك ومَكْحُول في تفسير {وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}: معناه إلى تكبيرة الإحرام. وقال علي بن أبي طالب: إلى أداء الفرائض. عثمان بن عفان: إلى الإخلاص. الكلبي: إلى التوبة من الربا. وقيل: إلى الثبات في القتال. وقيل غير هذا. والآية عامّة في الجميع، ومعناها معنى

{ فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ }} [البقرة: 148] وقد تقدّم.

الثانية: قوله تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ} تقديره كعرض فحذف المضاف؛ كقوله:

{ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ } [لقمان: 28] أي إِلا كخلق نفس واحدة وبعثها. قال الشاعر:

حَسَبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتي عَنَاقاًوما هي وَيْبَ غَيْرِكَ بالعَنَاقِ

يريد صوت عناق. نظيره في سورة الحديد { وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ }} [الحديد: 21].

وٱختلف العلماء في تأويله؛ فقال ٱبن عباس: تُقرن السموات والأرض بعضها إلى بعض كما تبسط الثياب ويوصل بعضها ببعض؛ فذلك عرض الجنة، ولا يعلم طولها إلا الله. وهذا قول الجمهور، وذلك لا ينكر؛ فإن في حديث أبي ذرّ عن النبي صلى الله عليه وسلم:

ما السموات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم ألقيت في فلاةٍ من الأرض وما الكرسي في العرش إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض. فهذه مخلوقات أعظم بكثير جداً من السموات والأرض، وقدرة الله أعظم من ذلك كله. وقال الكلبي: الجِنَان أربعة: جنة عدن وجنة المأوى وجنة الفردوس وجنة النعيم، وكل جنة منها كعرض السماء والأرض لو وصل بعضها ببعض. وقال إِسماعيل السدي: لو كسرت السموات والأرض وصرن خردلا، فبِكل خردلة جنة عرضها كعرض السماء والأرض. وفي الصحيح: إن أدنى أهل الجنة منزلة من يتمنَّى ويتمنَّى حتى إذا ٱنقطعت به الأماني قال الله تعالى: لك ذلك وعشرة أمثالهرواه أبو سعيد الخدري، خرجه مسلم وغيره. وقال يعلى بن أبي مُرّة: لقيتُ التَنُّوخي رسول هِرقْلَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم بِحمْص شيخا كبيرا قال: قدِمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب هرقل، فناول الصحيفة رجلا عن يساره، قال: فقلت من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية؛ فإذا كتاب صاحبي: إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار». وبمثل هذه الحجة ٱستدل الفاروق على اليهود حين قالوا له: أرأيت قولكم «وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ» فأين النار؟ فقالوا له: لقد نزعت بما في التوراة. ونَبَّه تعالى بالعرض على الطول لأن الغالب أن الطول يكون أكثر من العرض، والطول إذا ذكر لا يدل على قدر العرض. قال الزُّهري: إنما وصف عرضها. فأما طولها فلا يعلمه إلا الله؛ وهذا كقوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} فوصف البِطَانَة بأحسن ما يعلم من الزينة، إذ معلوم أن الظواهر تكون أحسن وأَتقن من البطائن. وتقول العرب: بلاد عريضة، وفلاة عريضة، أي واسعة؛ قال الشاعر:

كأنّ بِلاَدَ الله وهْيَ عَريَضةٌعلى الخائف المطلوب كِفَّةُ حَابِل

وقال قوم: الكلام جارٍ على مَقْطَعَ العرب من الاستعارة؛ فلما كانت الجنة من الاتساع والانفساح في غايةٍ قصوى حسنت العبارة عنها بعرض السموات والأرض؛ كما تقول للرجل: هذا بحرٌ، ولشخص كبير من الحيوان: هذا جبل. ولم تقصِد الآية تحديد العرض، ولكن أراد بذلك أنها أوسع شيء رأيتموه. وعامة العلماء على أن الجنة مخلوقة موجودة: لقوله {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} وهو نص حديث الإسراء وغيره في الصحيحين وغيرهما. وقالت المعتزلة: إنهما غير مخلوقتين في وقتنا، وإن الله تعالى إذا طوى السموات والأرض ٱبتداء خلق الجنة والنار حيث شاء؛ لأنهما دار جزاء بالثواب والعقاب، فخلقتا بعد التكليف في وقت الجزاء؛ لئلا تجتمع دار التكليف ودار الجزاء في الدنيا، كما لم يجتمعا في الآخرة. وقال ٱبن فورك: الجنة يزاد فيها يوم القيامة. قال آبن عطية: وفي هذا متعَلَّق لمنذر بن سعيد وغيره ممن قال: إن الجنة لم تخلق بعد. قال آبن عطية: وقول ٱبن فورك «يزاد فيها» إشارة إلى موجود، لكنه يحتاج إلى سند يقطع العذر في الزيادة.

قلت: صدق ٱبن عطية رضي الله عنه فيما قال: وإذا كانت السموات السبع والأرضون السبع بالنسبة إلى الكرسي كدارهم ألقيت في فلاة من الأرض، والكرسي بالنسبة إلى العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة؛ فالجنة الآن على ما هي عليه في الآخرة عرضها كعرض السموات والأرض؛ إذ العرش سقفها، حسب ما ورد في صحيح مسلم. ومعلوم أن السقف يحتوي على ما تحته ويزيد. وإذا كانت المخلوقات كلها بالنسبة إليه كالحلقة فمن ذا الذي يقدّره ويعلم طوله وعرضه إلا الله خالقه الذي لا نهاية لقدرته، ولا غاية لسعة مملكته، سبحانه وتعالى

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝١٣٤

فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ} هذا من صفة المتقين الذين أعِدَت لهم الجنة، وظاهر الآية أنها مدح بفعل المندوب إليه. و {السَّرَّآءِ} اليسر {وَٱلضَّرَّآءِ} العسر؛ قاله آبن عباس والكلبي ومقاتل. وقال عبيد بن عمير والضحاك: السرّاء والضرّاء الرخاء والشدّة. ويقال في حال الصحة والمرض. وقيل: في السرّاء في الحياة، وفي الضرّاء يعني يوصى بعد الموت. وقيل؛ في السراء في العرس والولائم، وفي الضرّاء في النوائب والمآتم. وقيل: في السرّاء النفقة التي تسرّكم؛ مثل النفقة على الأولاد والقرابات، والضرّاء على الأعداء. ويقال: في السرّاء ما يضيف به الفتى ويُهْدى إليه. والضرّاء ما ينفقه على أهل الضر ويتصدق به عليهم.

قلت: ـ والآية تعم. ثم قال تعالى: {وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ} وهي المسألة:

الثانية: وكَظم الغيظ ردّه في الجوف؛ يقال: كظم غيظة أي سكت عليه ولم يظهره مع قدرته على إيقاعة بعدّوه، وكظمت السِّقاء أي ملأته وسددت عليه، والكظامة ما يسدّ به مجرى الماء؛ ومنه الكِظام للسير الذي يسدّ به فَمُ الزَّقّ والقربة. وكظم البعير جرته إذا ردّها في جوفه؛ وقد يقال لحبسه الجِرّة قبل أن يرسلها إلى فيه: كظم؛ حكاه الزجاج. يقال: كظم البعير والناقة إذا لم يَجْتَرَّا، ومنه قول الراعي:

فأفَضْنَ بعد كُظومِهِنَ بِجِرّةٍمن ذي الأَبارِقِ إذ رَعَيْن حَقِيلا

والحقيل: موضع. والحقيل نبت. وقد قيل: إنها تفعل ذلك عند الفزع والجهد فلا تجترّ ـ قال أعشى باهِلة يصف رجلا نّحارا للإبل فهي تفزع منه:

قد تكْظِم البُزْلَ منه حين تُبْصِرهحتى تَقَطَّع في أجوافِها الجِرَرُ

ومنه: رجل كظِيم ومكظوم إذا كان ممتلئا غما وحزنا. وفي التنزيل: { وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ } [يوسف: 84] { ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ }} [النحل: 58]. { إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ } [القلم: 48] والغيظ أصل الغضب، وكثيرا ما يتلازمان لكن فُرْقَانُ ما بينهما. أنّ الغيظ لا يظهر على الجوارح، بخلاف الغضب فإنه يظهر في الجوارح مع فعل مّا ولا بدّ؛ ولهذا جاء إسناد الغضب إلى الله تعالى إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم. وقد فسر بعض الناس الغيظ بالغضب؛ وليس بجيد، والله أعلم.

الثالثة: قوله تعالى: {وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ} العفو عن الناس أَجلُّ ضُرُوب فعل الخير؛ حيث يجوز للإنسان أن يعفو وحيث يتّجه حقه. وكل من استحق عقوبة فتُرِكت له فقد عُفي عنه. واختلف في معنى «عَن النَّاسِ» فقال أبو العالية والكلبي والزجاج: {والعافين عن الناس} يريد عن المماليك. قال ٱبن عطية: وهذا حسن على جهة المثال؛ إذ هُم الخَدَمَة فهم يذنبون كثيرا والقدرة عليهم متيسرة، وإنفاذ العقوبة سهل؛ فلذلك مثل هذا المفسَّر به. ورُوي عن ميمون بن مهران أن جاريته جاءت ذات يوم بصحفة فيها مَرَقَة حارّة، وعنده أضياف فعثرت فصبت المرقة عليه، فأراد ميمون أن يضربها، فقالت الجارية: يا مولاي، ٱستعمل قول الله تعالى: {وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ}. قال لها: قد فعلت، فقالت: اعمل بما بعده {والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}. فقال: قدَ عَفوتُ عنك. فقالت الجارية: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}. قال ميمون: قد أحسنت إليكِ، فأنت حرّة لوجه الله تعالى. ورُوي عن الأحنف بن قيس مثله. وقال زيد ٱبن سلم: {وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ} عن ظلمهم وإساءتهم. وهذا عام، وهو ظاهر الآية. وقال مقاتل بن حيان في هذه الآَية: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عند ذلك:

إنّ هؤلاء من أمتي قليل إلا من عصمه الله وقد كانوا كثيرًا في الأمم التي مضت فمدح الله تعالى الذين يغفرون عند الغضب وأثنى عليهم فقال: { وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُون }َ} [الشورى: 37] وأثنى على الكاظمين الغيظ بقوله: {وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ}، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم في ذلك. ووردت في كظم الغيظ والعفو عن الناس وملْك النفس عند الغضب أحاديثُ؛ وذلك من أعظم العبادة وجِهادِ النفس؛ فقال صلى الله عليه وسلم: ليس الشديد بالصُّرَعَةِ ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. وقال عليه السلام: ما من جرعة يتجرّعها العبد خير له وأعظم أجراً من جرعةٍ غيظٍ في الله. وروى أنس أن رجلا قال: يا رسول الله، ما أشدّ من كل شيء؟ قال: «غضب الله». قال فما ينجي من غضب الله؟ قال: «لا تغضب» قال العرجي:

وإذا غضبت فكن وَقُوراً كاظماللغيظ تَبْصُر ما تقول وتسمعفكفى به شرفا تَصبُّر ساعةٍيرضى بها عنك الإله وتُرفع

وقال عروة بن الزبير في العفو:

لن يبلغ المجدَ أقوامٌ وإن شرفواحتى يُذِلُوا وإن عَزوا لأقوامويُشْتَموا فترى الألوانَ مُشرِقَةلا عَفْو ذُلِّ ولكن عَفْو إكرامِ

وروى أبو داود وأبو عيسى الترمذي عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي الحورِ شاء قال: هذا حديث حسن غريب. وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:إذا كان يوم القيامة ناد منادٍ من كان أجره على الله فليدخل الجنة فيقال من ذا الذي أجره على الله فيقوم العافون عن الناس يدخلون الجنة بغير حساب. ذكره الماوردي. وقال ٱبن المبارك: كنت عند المنصور جالسا فأمر بقتل رجل؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ بين يدي الله عز وجل من كانت له يد عند الله فليتقدّم فلا يتقدّم إلا من عفا عن ذنب فأمر بإطلاقه.

الرابعة: قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي يثيبهم على إحسانهم. قال سَري السّقَطي: الإحسان أن تحسن وقت الإمكان، فليس كل وقت يمكنك الإحسان؛ قال الشاعر:

بادِرْ بِخَيَرٍ إذا ما كنتَ مُقْتَدراًفليس في كلَّ وقتٍ أنت مُقتِدرُ

وقال أبو العباس الجُمَّاني فأحسن:

ليس في كُل ساعةٍ وأوَانٍتَتَهيّأُ صنائعُ الإحسان¤وإذا أَمْكَنتْ فبادِر إِليهاحذَراً من تَعَذُّر الإمكان

وقد مضى في «البقرة» القول في المحسن والإحسان فلا معنى للإعادة.

وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۝١٣٥

فيه سبع مسائل:

الأولى ـ قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} ذكر الله تعالى في هذه الآية صِنْفا؛ هم دون الصِّنف الأول فألحقهم به برحمته ومَنِّه؛ فهؤلاء هم التوابون. قال. قال ٱبن عباس في رواية عطاء: نزلت هذه الآية في نَبْهَان التَّمار ـ وكنيته أبو مُقْبِل ـ أتَتْه ٱمرأة حَسْنَاء باع منها تمراً، فضمّها إلى نفسه وقبلها فندم على ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فنزلت هذه الآية. وذكر أبو داود الطيالسي في مسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: حدّثني أبو بكر ـ وصَدَق أبو بكر ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

ما مِن عبد يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر له ـ ثم تلا هذه الآية ـ {وَٱلَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبَهُم} ـ الآية، والآية الأخرى ـ {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَو يَظْلِمْ نَفْسَهُ}. وخرّجه الترمذي وقال: حديث حسن. وهذا عامُّ. وقد تنزل الآية بسبب خاص ثم تتناول جميع مَن فعل ذلك أو أكثر منه. وقد قيل: إن سبب نزولها أن ثَقَفيا خرج في غزاة وخلّف صاحبا له أنصاريا على أهله، فَخانَه فيها بأن اقتحم عليها فدفعت عن نفسها فقبّل يدها، فندم على ذلك فخرج يُسِيح في الأرض نادما تائبا؛ فجاء الثقفي فأخبرته زوجته بفعل صاحبه، فخرج في طلبه فأتى به إلى أبي بكر وعمر رَجَاء أن يجد عندهما فرجا فوَبَّخاه؛ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بفعله؛ فنزلت هذه الآية. والعموم أولى للحديث. وروي عن ٱبن مسعود أن الصحابة قالوا: يا رسول الله، كانت بنو إسرائيل أكرَمَ على الله مِنّا، حيث كان المذْنب منهم تُصبْح عقوبتُه مكتوبة على باب داره، وفي رواية: كفارةُ ذنْبِه مكتوبةً على عَتَبة داره: ٱجْدَعْ أنفَك، ٱقطْع أذُنك، ٱفعل كذا؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية تَوْسِعةً ورحمةً وعِوَضاً من ذلك الفعل ببني إسرائيل. ويُروى أن إبليس بكى حين نزلت هذه الاْية. والفاحشة تطلق على كل معصية، وقد كثر ٱختصاصها بالزنا حتى فسر جابر بن عبدالله والسَّدي هذه الآَية بالزنا. و «أَوْ» في قوله {أو ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم} قيل هي بمعنى الواو؛ والمراد ما دون الكبائر. {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ} معناه بالخوف من عقابه والحَيَاء منه. الضحاك: ذكروا العَرْضَ الأكبر على الله. وقيل تفكروا في أنفسهم أن الله سائلهم عنه؛ قال الكلبي ومقاتل. وعن مقاتل أيضا: ذكروا الله باللسان عند الذنوب. {فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} أي طلبوا الغفران لأجل ذنوبهم. وكل دعاء فيه هذا المعنى أو لفظه فهو ٱستغفار. وقد تقدم في صدر هذه السورة سيد الاستغفار، وأن وقته الأسحار. فالاستغفار عظيم وثوابه جسيم، حتى لقد روَى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان قد فرّ من الزحف. ورَوى مَكْحُول عن أبي هريرة قال: ما رأيت أكثر ٱستغفار من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال مكحول: ما رأيت أكثر ٱستغفاراً من أبي هريرة. وكان مكحول كثير الاستغفار. قال علماؤنا: الاستغفار المطلوب هو الذي يَحُلّ عَقْدَ الإصرار ويثبت معناه في الجنان، لا التلفظ باللسان. فأما من قال بلسانه: آستغفر الله، وقلبه مِصرّ على معصيته فاستغفاره ذلك يحتاج إلى ٱستغفار، وصغيرته لاحقة بالكبائر. وروي عن الحسن البِصَري أنه قال: ٱستغفارنا يحتاج إلى استغفار.

قلت: هذا يقوله في زمانه، فكيف في زماننا هذا الذي يُرى فيه الإنسانُ مُكِبّاً على الظلم! حريصاً عليه لا يُقلِع، والسُّبْحَة في يده زاعماً أنه يستغفر الله من ذنبه وذلك ٱستهزاء منه وٱستخفاف. وفي التنزيل

{ وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً } [البقرة: 231]. وقد تقدّم.

الثانية: قوله تعالى: {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} أي ليس أحد يغفر المعصية ولا يزيل عقوبتها إلا الله. {وَلَمْ يُصِرُّواْ} أي ولم يثبتوا ويعزموا على ما فعلوا. وقال مجاهد: أي ولم يمضوا. وقال معبد بن صُبَيح: صليت خلف عثمان وعليٌّ إلى جانبي، فأقبل علينا فقال: صليتُ بغير وضوء ثم ذهب فتوضأ وصلّى. {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. الإصرار هو العزم بالقلب على الأمر وترك الإقلاع عنه. ومنه صَرّ الدنانيرِ أي الرّبط عليها؛ قال الحطيئة يصف الخيل:

عوابس بالشُّعْثِ الكُماة إذا ٱبتغواعُلاَلَتها بالمُحْصَدَات أصَرَّتِ

أي ثبتت على عَدْوِها. وقال قتادة: الإصرار الثبوت على المعاصي؛ قال الشاعر:

يُصِرّ بالليل ما تُخْفِي شَوَاكِلُهيا ويحَ كلِّ مُصِرّ القلبِ خَتّار

قال سهل بن عبد الله: الجاهل ميّتٌ، والناسي نائمٌ، والعاصي سَكْران، والمصِرّ هالك، والإصرار هو التسويف، والتسويف أن يقول: أتوب غداً؛ وهذا دعوى النفس، كيف يتوب غداً وغداً لا يملِكه!. وقال غير سهل: الإصرار هو أن ينوي ألا يتوب فإذا نوى التوبة (النصوح) خرج عن الإصرار. وقول سهلٍ أحسن. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا توبة مع إصرار».

الثالثة: قال علماؤنا: الباعث على التّوبة وحلّ الإصرار إدامةُ الفكر في كتاب الله العزيز الغفّار، وما ذكره الله سبحانه من تفاصيل الجنة ووعد به المطِيعين، وما وصفه من عذاب النار وتهدّد به العاصِين، ودام على ذلك حتى قوِي خوفه ورجاؤه فدعا الله رَغَبا ورَهَبا؛ والرّغْبَة والرّهبة ثمرة الخوف والرجاء، يخاف من العِقاب ويرجو الثواب، والله الموفق للصواب. وقد قيل: إن الباعث على ذلك تنبيه إلهِيٌّ ينَبّه به من أراد سعادته؛ لِقبح الذنوب وضررها إذ هي سُموم مهلكة.

قلت: وهذا خلاف في اللفظ لا في المعنى، فإن الإنسان لا يتفكر في وعد الله ووعِيده إلا بتَنْبيهه؛ فإذا نظر العبد بتوفيق الله تعالى إلى نفسه فوجدها مشْحُونة بذنوبٍ اكتسبها وسيئات اقترفها، وانبعث منه الندمُ على ما فرّط، وترك مثلَ ما سبق مخافةَ عقوبة الله تعالى صَدَق عليه أنه تائب، فإن لم يكن كذلك كان مِصرّاً على المعصية وملازِماً لأسباب الهلكة. قال سهل بن عبد الله: علامة التائب أن يشغله الذنب على الطعام والشراب: كالثلاثة الذين خُلِّفوا.

الرابعة: قوله تعالى: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فيه أقوال. فقيل: أي يذكرون ذنوبهم فيتوبون منها. قال النحاس: وهذا قول حسن. وقيل: {وَهُمْ يَعْلَمُون} أني أُعاقب على الإصرار. وقال عبد الله بن عبيد ابن عُمير {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم إن تابوا تاب الله عليهم. وقيل: {يَعْلَمُونَ} أنهم إن استغفروا غفر لهم. وقيل: {يَعْلَمُونَ} بما حرّمتُ عليهم؛ قاله ابن إسحاق. وقال ابن عباس والحسن ومقاتل والكلبِي: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أن الإصرار ضار، وأن تركه خير من التمادِي. وقال الحسن بن الفضل: {وَهُمْ يَعلْمَوُنَ} أن لهم رباً يغفر الذنب. قلت: وهذا أخذه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يَحكِي عن ربه عز وجل قال:

أذنبَ عبدٌ ذنباً فقال اللّهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنباً فعَلِم أن له ربّاً يغفِر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أيْ ربِّ اغفر لي ذنبي ـ فذكر مثله مرتين، وفي آخره: اعمل ما شئتَ فقد غفرتُ لك أخرجه مسلم. وفيه دليلٌ على صحة التوبة بعد نَقْضها بمُعاوَدة الذّنب؛ لأن التوبة الأُولى طاعةٌ وقد انقضت وصحَّتْ، وهو محتاج بعد مواقعة الذنب الثاني إلى توبة أُخرى مستأنفة، والعود إلى الذنب وإن كان أقبح من ابتدائه؛ لأنه أضاف إلى الذنب نقض التوبة، فالعود إلى التوبة أحسن من ابتدائها؛ لأنه أضاف إليها ملازمة الإلْحَاح بباب الكريم، وأنه لا غافر للذنوب سواه. وقوله في آخر الحديث «اعمل ما شئت» أمرٌ معناه الإكرام في أحد الأقوال؛ فيكون من باب قوله: { { ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ } [الحجر: 46]. وآخر الكلام خَبرٌ عن حال المخاطب بأنه مغفور له ما سلف من ذنبه، ومحفوظ إن شاء الله تعالى فيما يستقبل من شأنه. ودلّت الآية والحديثُ على عظيم فائدة الاعتراف بالذنب والاستغفار منه، قال صلى الله عليه وسلم: إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه أخرجاه في الصحيحين. وقال:

يستوجبُ العفوَ الفتى إذَا اعتَرفْبما جَنَى من الذنوب واقترفْ

وقال آخر:

أقرِرْ بذنبك ثم اطلُبْ تجاوُزَهإن الجُحُودَ جُحُودَ الذّنْب ذنبان

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو لم تُذْنِبُوا لذهب الله بكم ولَجَاء بقوم يُذنبون ويستغفرون فيغفر لهم. وهذه فائدة اسم الله تعالى الغفّار والتوّاب، على ما بيناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى.

الخامسة: الذنوب التي يُتاب منها إمّا كُفْرٌ أو غيره، فتوبة الكافر إيمانُه مع ندمِه على ما سلف من كفره، وليس مجرّدُ الإيمان نفسَ توبة، وغير الكفر إمّا حقٌّ لله تعالى، وإمّا حقٌّ لغيره، فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه التَّركُ؛ غير أن منها ما لم يكتف الشرع فيها بمجرّد الترك بل أضاف إلى ذلك في بعضها قضاءً كالصلاة والصوم، ومنها ما أضاف إليها كفارة كالْحِنث في الأيْمانِ والظِّهار وغير ذلك، وأمّا حقوقُ الآدميّين فلا بدّ من إيصالها إلى مستحقيها، فإن لم يوجَدوا تُصدّق عنهم، ومن لم يجد السبيل لخروج ما عليه لإعسارٍ فعفو الله مأمولٌ، وفضله مبذولٌ؛ فكم ضمِن من التبِعات وبدّل من السيئات بالحسنات. وستأتي زيادة بيان لهذا المعنى.

السادسة ـ ليس على الإنسان إذا لم يذكر ذَنْبه ويعلمْه أن يتوب منه بعينه، ولكن يلزمه إذا ذكر ذنباً تاب منه. وقد تأوّل كثير من الناس فيما ذكر شيخنا أبو محمد عبد المعطي الأسكندرانيّ رضي الله عنه أن الإمام المحاسبيّ رحمه الله يرى أن التوبة من أجناس المعاصي لا تصح، وأن الندم على جملتها لا يكفي، بل لا بدّ أن يتوب من كل فعلٍ بجارحته وكل عقد بقلبه على التعيين. ظنوا ذلك من قوله، وليس هذا مراده، ولا يقتضيه كلامه، بل حكم المكلَّف إذا عرف أفعاله، وعرف المعصية من غيرها، صحّتْ منه التوبة من جملة ما عرف؛ فإنه إن لم يعرف كون فعله الماضي معصية لا يمكنه أن يتوب منه لا على الجملة ولا على التفصيل؛ ومثاله رجل كان يتعاطى باباً من أبواب الربا ولا يعرف أنه رِبا فإذا سمع كلام الله عز وجل:

{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } [البقرة: 279-278] عظم عليه هذا التهديد، وظن أنه سالم من الربا، فإذا علم حقيقة الربا الآن، ثم تفكر فيما مضى من أيامه وعلم أنه لابَسَ منه شيئاً كثيراً في أوقات متقدّمة، صحّ أن يندم عليه الآن جملة، ولا يلزمه تعيينُ أوقاته، وهكذا كل ما واقع من الذنوب والسيئات كالغيبة والنَّميمة وغيرِ ذلك من المحرّمات التي لم يعرف كونها محرّمة، فإذا فَقُه العبد وتفقَّد ما مضى من كلامه تاب من ذلك جملةً، ونَدِم على ما فرّط فيه من حق الله تعالى، وإذا استحلّ مَن كان ظلمه فحالَلَهُ على الجملة وطابت نفسه بترك حقه جاز؛ لأنه من باب هبة المجهول، هذا مع شُحِّ العبد وحرصه على طلب حقه، فكيف بأكرم الأكرمين المتفضل بالطاعات وأسبابها والعفوِّ عن المعاصي صغارها وكبارها. قال شيخنا رحمه الله تعالى: هذا مراد الإمام، والذي يدل عليه كلامه لمن تفقَّده، وما ظنه به الظّانّ من أنه لا يصح الندم إلا على فِعلٍ فِعلٍ وحركةٍ حركةٍ وسكنةٍ سكنةٍ على التعيين هو من باب تكْلِيف ما لا يُطاق، الذي لم يقع شرعاً وإن جاز عقلاً، ويلزم عنه أن يعرف كم جرعة جرعها في شرب الخمر، وكم حركة تحركها في الزنا، وكم خطوة مَشاها إلى محرّم، وهذا ما لا يطيقه أَحدٌ، ولا تتأتّى منه توبة على التفصيل. وسيأتي لهذا الباب مزيدُ بيان من أحكام التوبة وشروطها في «النساء» وغيرها إن شاء الله تعالى

السابعة: في قوله تعالى: {وَلَمْ يُصِرُّواْ} حُجَّةٌ واضحة ودلالة قاطعة لما قاله سيف السنة، ولسان الأمة القاضي أبو بكر بن الطيب: أن الإنسان يؤاخذ بما وطَّنَ عليه بضميره، وعزم عليه بقلبه من المعصية.

قلت: وفي التنزيل {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} وقال {فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ}. فعوقبوا قبل فعلهم بعزمهم وسيأتي بيانه. وفي البخاري.

«إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار» قالوا: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه». فعلق الوعيد على الحرص وهو العزم وألغى إظهار السِّلاح، وأنَصُّ من هذا ما خرّجه الترمذيّ من حديث أبي كبشة الأنماريّ وصححه مرفوعاً. إنما الدنيا لأربعةِ نفرٍ رجل أعطاه الله مالاً وعِلماً فهو يتّقي فيه ربّه ويصِلُ فيه رحمه ويعلم لله فيه حقاً فهذا بأفضل المنازل، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهو (صادق النية) يقول لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته فأجرهما سواء، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته عِلماً فهو (يخبط في ماله بغير علم) لا يتقي فيه ربه ولا يصِل به رحمه ولا يعلم لله فيه حقاً فهذا بأخبث المنازل، ورجل لم يؤته الله مالاً ولا علماً فهو يقول لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته فوِزرهما سواء. وهذا الذي صار إليه القاضي هو الذي عليه عامّة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدِّثين والمتكلِّمين، ولا يُلتفت إلى خلاف من زعم أن ما يَهُمُّ الإنسانُ به وإن وَطَّن عليه لا يؤاخذ به. ولا حجة (له) في قوله عليه السلام:من همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه فإن عمِلها كتبت سيئة واحدة لأن معنى «فلم يعملها» فلم يعزم على عملها بدليل ما ذكرنا، ومعنى «فإن عملها» أي أظهرها أو عزم عليها بدليل ما وصفنا. وبالله توفيقنا.

أُو۟لَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَٰمِلِينَ ۝١٣٦

رتب تعالى بفضله وكرمه غفران الذنوب لمن أخلص في توبته ولم يصِرّ على ذنبه. ويمكن أن يتّصل هذا بقصَّة أُحُد، أي من فَرّ ثم تاب ولم يصرّ فله مغفرة الله.

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ۝١٣٧

هذا تسلية من الله تعالى للمؤمنين، والسُّنَن جمع سُنَّة وهي الطريق المستقيم. وفلان على السنة أي على طريق الاسْتِوَاء لا يَميل إلى شيء من الأَهْواء، قال الهذلِيّ:

فلا تَجْزَعَن مِنْ سُنَّة أنت سِرْتَهافأوّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يَسيرها

والسنة: الإمام المتّبع المؤتَمُّ به، يقال: سنّ فلانٌ سنة حسنة وسيئةً إذا عمل عملاً اقتُدِي به فيه من خيرٍ أو شر، قال لبيد:

مِن مَعشرٍ سَنَّت لهم آباؤهمولكلِّ قومٍ سنةٌ وإمامُها

والسنة الأُمّة، والسنن الأُمَمُ؛ عن المفضل. وأنشد:

ما عايَنَ الناسُ من فَضْلٍ كفضلِهمولا رَأُوا مِثَلهم في سالِفِ السُّننِ

وقال الزجاج: والمعنى أهل سنن، فحذف المضاف. وقال أبو زيد: أمثال. عطاء: شرائع. مجاهد: المعنى {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} يعني بالهلاك فيمن كذّب قبلكم كعادِ وثمود. والعاقبة: آخر الأمر، وهذا في يوم أُحد. يقول فأنا أمهلهم وأمْلِي لهم وأستَدْرجهُم حتى يبلغ الكتاب أجله، يعني بنصرة النبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهلاك أعدائهم الكافرين.

هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ۝١٣٨

يعني القرآن، عن الحسن وغيره. وقيل: هذا إشارة إلى قوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ}. والموعظة الوعظ. وقد تقدّم.

وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝١٣٩

عزّاهم وسَلاّهم بما نالهم يوم أحد من القتل والجراح، وحثّهم على قتال عدوّهم ونهاهم عن العجز والفشل فقال {وَلاَ تَهِنُوا} أي لا تضعفوا ولا تجبنُوا يا أصحاب محمد عن جهاد أعدائكم لما أصابكم. {وَلاَ تَحْزَنُوا} على ظهورهم، ولا على ما أصابكم من الهزيمة والمصيبة. {وأَنْتُم الاٌّعْلَوْنَ} أي لكم تكون العاقبة بالنصر والظفر {إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي بصدق وَعْدِي. وقيل: «إن» بمعنى «إذ». قال ابن عباس:

انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد فبينا هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل من المشركين، يريد أن يعلُوا عليهم الجبل؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «اللّهم لا يعلُنّ علينا اللّهم لا قوة لنا إلا بك اللّهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر». فأنزل الله هذه الآيات. وثاب نفر من المسلمين رماة فصعِدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم؛ فذلك قوله تعالى: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} يعني الغالبين على الأعداء بعد أُحد. فلم يُخرِجوا بعد ذلك عسكراً إلاّ ظفِروا في كل عسكر كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي كل عسكر كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان فيه واحدٌ من الصحابة كان الظفر لهم، وهذه البلدان كلها إنما افتتِحت على عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ثم بعد انقراضهم ما افتتِحت بلدة على الوجه كما كانوا يفتتحون في ذلك الوقت. وفي هذه الآية بيان فضلِ هذه الأُمة؛ لأنه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه؛ لأنه قال لموسى: { إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ } [طۤه: 68] وقال لهذه الأُمة: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ}. وهذه اللفظة مشتقة من اسمه الأعلى فهو سبحانه العلي، وقال للمؤمنين: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ}.

إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُۥ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٤٠

قوله تعالى: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} القرح الجرح. والضم والفتح فيه لغتان عن الكسائي والأخفش؛ مثل عَقْر وعُقْر. الفراء: هو بالفتح الجُرح، وبالضم ألَمُه. والمعنى: إن يمسسكم يوم أُحُدٍ قَرْح فقد مَسّ القوم يوم بَدْرٍ قَرْح مثله. وقرأ محمد بن السَّمَيْقَع «قرح» بفتح القاف والراء على المصدر. {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} قيل: هذا في الحرب، تكون مرة للمؤمنين لينصر الله عز وجل دينه، ومرة للكافرين إذا عصى المؤمنون ليبتليَهم ويُمَحِّصَ ذنوبهم؛ فأما إذا لم يَعْصوا فإنّ حزب الله هم الغالبون. وقيل: {نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ} من فَرَح وَغمّ وصحّةِ وسُقْم وغِنًى وفقْرٍ. والدُّولَةُ الكَرَّة؛ قال الشاعر:

فيومٌ لنا ويومٌ عليناويومٌ نُسَاءُ ويَوْمٌ نُسَرّ

قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} معناه، وإنما كانت هذه المدَاولَةُ ليُرَى المؤمنُ من المنافق فيُمَيَّز بعضُهم من بعض؛ كما قال: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجمعَانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَم المُؤْمِنِينَ. ولِيَعْلَم الّذينَ نَافَقُوا}. وقيل: ليعلَم صبر المؤمنين، العلمَ الذي يقع عليه الجزاء كما علمه غَيْباً قبل أن كَلّفَهم. وقد تقدّم في «البقرة»

هذا المعنى.

قوله تعالى: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} أي يكرمكم بالشهادة؛ أي لِيُقتلَ قومٌ فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم. وقيل: لهذا قيل شهيد: وقيل: سمي شهيداً لأنه مشهود له بالجنة وقيل: سمى شهيداً لأن أرواحهم احتضرت دار السلام، لأنهم أحياء عند ربهم، وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة؛ فالشهيد بمعنى الشاهد أي الحاضر للجنة، وهذا هو الصحيح على ما يأتي والشهادة فضلها عظيم، ويكفيك في فضلها قوله تعالى:

{ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ } [التوبة: 111] الآية. وقوله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ.تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ } [الصف:10] إلى قوله تعالى: { ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } [الصَّف: 12]. وفي صحيح البُسْتيّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يجِد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدُكم من القُرْحة. وروى النسائي عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يُفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة. وفي البخاري: «من قُتل من المسلمين يوم أُحد» منهم حمزةُ واليَمَان والنضر بن أنس ومصعب بن عُمير. حدّثني عمرو بن عليّ أن معاذ بن هشام قال حدّثني أبي عن قتادة قال: «ما نعلم حيّاً من أحياء العرب أكثر شهيداً أعزّ يوم القيامة من الأنصار قال قتادة: وحدّثنا أنس بن مالك أنه قُتل منهم يوم أُحُد سبعون، ويوم بِئْر مَعُونَة سبعون، ويوم اليَمَامَة سبعون. قال: وكان بئر معونة على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويوم اليَمَامةَ على عهد أبي بكر يوم مُسَيْلِمة الكذّاب» وقال أنس: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعليّ بن أبي طالب وبه نيف وسِتون جراحة من طعنةٍ وضربةٍ ورمْيَةٍ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسحها وهي تَلْتَئم بإذن الله تعالى كأن لم تكن

الثانية: في قوله تعالى: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} دليل على أن الإرادة غير الأمر كما يقوله أهل السنة؛ فإن الله تعالى نهى الكفار عن قتل المؤمنين: حمزةَ وأصحابِه وأراد قتلهم، ونهى آدم عن أكل الشجرة وأراده فواقَعه آدم، وعكسه أنه أمر إبليس بالسجود ولم يرِده فامتنع منه؛ وعنه وقعت الإشارة بقوله الحق:

{ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ } [التوبة: 46]. وإِن كان قد أمر جميعهم بالجهاد، ولكنه خلق الكَسَل والأسباب القاطعة عن المسِير فقعدوا.

الثالثة: رُوي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:

جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال له: «خَيِّر أصحابك في الأسارى إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفِداء على أن يقتل منهم عام المقبِل مثلهم فقالوا الفداء ويقتل منا» أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن. فأنجز الله وعده بشهادة أوليائه بعد أن خَيَّرهم فاختاروا القتل. {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} أي المشركين، أي وإِن أنال الكفارَ من المؤمنين فهو لا يحِبُّهم، وإن أحلّ ألَماً بالمؤمنين فإنه يحب المؤمنين.
الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 16 جمادى الأولى 1448 هـ