انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير القرطبيالآيات 176–187

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير القرطبي.

وَلَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًٔا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝١٧٦

قوله تعالىٰ: {وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} هؤلاء قوم أسلموا ثم ٱرتدّوا خوفاً من المشركين؛ فاغْتمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجلّ: {وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ}. وقال الكَلْبِيّ: يعني به المنافقين ورؤساءَ اليهود؛ كَتَموا صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم في الكتاب فنزَلت. ويُقال: إن أهل الكتاب لمّا لم يُؤمنوا شَقّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الناس ينظرون إليهم ويقولون إنهم أهل كتاب؛ فلو كان قولُه حقّاً لاتبعوه. فنزلت {وَلاَ يُحْزِنْكَ}. قراءة نافع بضم الياء وكسر الزاي حيث وقع إلاَّ في ـ الأنبياء ـ

{ لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ }} [الأنبياء: 103] فإنه بفتح الياء وبضم الزاي. وضِده أبو جعفر. وقرأ ابن مُحَيْصِن كلّها بضم الياء و (كسر) الزاي. والباقون كلّها بفتح الياء وضمّ الزاي.وهما لغتان: حَزَنَني الأمر يَحْزُنُنِي، وأحْزَنَنِي أيضاً وهي (لغة) قليلة؛ والأولى أفصح اللّغتين؛ قاله النحاس. وقال الشاعر في «أحزن»:

مَضَـىٰ صُحْبِـي وأحْزَنَنِـي الدِّيـارُ

وقراءة العامة «يُسَارِعُونَ». وقرأ طلحة «يُسْرِعون في الكفر». قال الضحّاك: هم كفار قريش. وقال غيره: هم المنافقون. وقيل: هو ما ذكرناه قبلُ. وقيل: هو عامّ في جميع الكفار. ومُسارعتهم في الكفر المظاهرةُ على محمد صلى الله عليه وسلم. قال القُشَيريّ: والحُزْن على كُفرِ الكافر طاعة؛ ولكنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يُفرِط في الحُزن على كفر قومه، فنُهي عن ذلك؛ كما قال: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} وقال: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً}.

{إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} أي لا ينقصون من مَلْك الله وسلطانه شيئاً؛ يعني لا ينقص بكفرهم. وكما رُوي عن أبي ذَرٍّ

عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما رَوى عن الله تبارك وتعالىٰ أنه قال: «يا عبادِي إني حرّمت الظُّلَم على نفسي وجعلته بينكم مُحرَّماً فلا تَظَالَموا. يا عبادِي كلُّكم ضالٌّ إلاَّ من هَدَيْتُه فاستهدوني أهْدِكم. يا عبادي كلُّكم جائعٌ إلاَّ من أطعمته فاستطعمُوني أُطْعِمْكم. يا عبادي كلكم عارٍ إلاَّ من كَسْوتُه فاسْتكْسُوني أَكْسُكم. يا عبادي إنكم تُخطِئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي إنكم لن تَبلغوا ضَرِّي فَتُضرُّوني ولن تَبلْغُوا نفعي فَتَنْفَعُوني. يا عبادي لو أن أوّلَكم وآخرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم كانوا على أَتْقَى قلبِ رجُلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً. يا عبادي لو أن أوّلَكُمْ وآخركُم وإنْسَكُم وجِنَّكُم كانوا على أفْجَر قلبِ رجُلٍ واحدٍ ما نَقَصَ ذلك من مُلْكِي شيئاً. يا عبادي لو أن أوّلَكُم وآخرَكُمْ وإنْسَكُم وجِنَّكم قاموا في صَعيدٍ واحدٍ فَسألُوني فأعطيتُ كُلّ إنسان مَسْألَتَه ما نَقَصَ ذلك مما عندي إلاَّ كما يَنْقُضُ المِخْيَطُ إذا أدْخِلَ البحر. يا عبادي إنما هي أعمالُكُم أُحْصِيها لكم ثم أُوَفِّيكُم إياها فمن وَجَد خَيْراً فليَحْمَدِ الله ومن وَجَد غيرَ ذلك فلا يَلُوَمَنَّ إلاَّ نَفْسَه». خَرّجَهُ مسلم في صحيحه والترمذي وغيرهما، وهو حديث عظيم فيه طول يكتب كله. وقيل: معنى {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} أي لن يَضُرُّوا أولياء الله حين تركوا نصرهم إذ كان الله عزّ وجلّ ناصِرهم.

قوله تعالىٰ: {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي نصيباً. والحظّ النصيب والجَدّ. يُقال: فلان أحظّ من فلان، وهو محظوظ. وجمع الحَظ أحاظٍ على غير قياس. قال أبو زيد: يُقال رجل حَظِيظ، أي جديدٌ إذا كان ذا حظّ من الرزق. وحَظِظْت في الأمر أحَظّ. وربما جُمع الحظ أحُظّاً. أي لا يَجعل لهم نصيباً في الجنة. وهو نَصّ في أن الخير والشر بإرادة الله تعالىٰ.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًٔا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝١٧٧

قوله تعالىٰ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ} تقدّم في البقرة. {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} كرّر للتأكيد. وقيل: أي من سوء تدبيره استبدال الإيمان بالكفر وبيعه به؛ فلا يخاف جانبَه ولا تدبيره. وانتصب {شَيْئاً} في الموضعين لوقوعه موقع المصدر؛ كأنه قال: لن يضروا الله ضرراً قليلاً ولا كثيراً. ويجوز انتصابه على تقدير حذف الباء؛ كأنه قال: لن يضروا الله بشيء.

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ۝١٧٨

قوله تعالىٰ: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ} الإملاء طول العمر ورَغَد العيش. والمعنى: لا يحسبن هؤلاء الذين يُخَوّفون المسلمين؛ فإن الله قادر على إهلاكهم. وإنما يُطوِّل أعمارهم ليعملوا بالمعاصي، لا لأنه خير لهم. ويُقال: «أنما نملِي لهم» بما أصابوا من الظَّفَر يومَ أُحُد لم يكن ذلك خيراً لأنفسهم؛ وإنما كان ذلك ليزدادوا عقوبة. ورُوي عن ابن مسعود أنه قال: ما من أحد بَرّ ولا فاجر إلاَّ والموتُ خير له، لأنه إِنْ كان بَرّاً فقد قال الله تعالىٰ: {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} وإن كان فاجراً فقد قال الله: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً}. وقرأ ٱبن عامرٍ وعاصم «لا يَحَسبن» بالياء ونصب السين. وقرأ حمزة: بالتاء ونصب السين. والباقون: بالياء وكسر السين. فمن قرأ بالياء فالذين فاعلون. أي فلا يحسبن الكفار. و {أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ} تسدّ مسدّ المفعولين. و «مَا» بمعنى الذي، والعائد محذوف، و «خير» خبر «أنّ». ويجوز أن تقدّر «ما» والفعل مصدراً؛ والتقدير ولا يحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لهم خير لأنفسهم. ومن قرأ بالتاء فالفاعل هو المخاطب، وهو محمد صلى الله عليه وسلم. و «الذِين» نصب على المفعول الأوّل لتحسب. وأن وما بعدها بدل من الذين، وهي تسدّ مسدّ المفعولين، كما تسد لو لم تكن بدلاً. ولا يصلح أن تكون «أنّ» وما بعدها مفعولاً ثانياً لتحسب؛ لأن المفعول الثاني في هذا الباب هو الأوّل في المعنى: لأن حسِب وأخواتها داخلة على المبتدأ والخبر؛ فيكون التقدير: ولا تحسبن أنما نُملي لهم خير. هذا قول الزجاج. وقال أبو عليّ: لو صحّ هذا لقال «خيراً» بالنصب؛ لأن «أنّ» تصير بدلاً من «الذين كفروا»؛ فَكَأَنَّه قال: لا تحسبن إملاء الذين كفروا خيراً؛ فقوله «خيراً» هو المفعول الثاني لحسِب. فإذاً لا يجوز أن يقرأ «لا تحسبن» بالتاء إلاَّ أن تكسر «إنّ» في «أنما» وتنصب خيراً، ولم يُرْوَ ذلك عن حمزة، والقراءة عن حمزة بالتاء؛ فلا تصح هذه القراءة إذاً. وقال الفَرَّاء والكسائيّ: قراءة حمزة جائزة على التكرير؛ تقديره ولا تحسبن الذين كفروا، ولا تحسبن أنما نملي لهم خير؛ فسدّت «أن» مسدّ المفعولين لتحسب الثاني، وهي وما عملت مفعول ثانٍ لتحسب الأوّل. قال القشيرِيّ؛ وهذا قريب مما ذكره الزجاج في دعوى البدل، والقراءة صحيحة. فإذاً غرض أبي عليّ تغليظ الزجاج. قال النحاس: وزعم أبو حاتم أنّ قراءة حمزة بالتاء هنا، وقوله: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} لحن لا يجوز. وتبعه على ذلك جماعة.

قلت: وهذا ليس بشيء؛ لما تقدم بيانه من الإعراب، ولصحة القراءة وثبوتها نقلاً. وقرأ يحيى بن وثاب «إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ» بكسر إنّ فيهما جميعاً. قال أبو جعفر: وقراءة يحيى حسنة. كما تقول: حسبت عمراً أبوه خالد. قال أبو حاتم: وسمعت الأخفش يذكر كسر «إن» يحتج به لأهل القدر؛ لأنه كان منهم. ويجعل على التقديم والتأخير «وَلاَ يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً إنما نُملي لهم خير لأنفسهم». قال: ورأيت في مصحفٍ في المسجد الجامع قد زادوا فيه حرفاً فصار «إنما نملي لهم إيماناً» فنظر إليه يعقوب القارىء فتبين اللحن فحكه. والآية نصٌّ في بطلان مذهب القدرية؛ لأنه أخبر أنه يطيل أعمارهم ليزدادوا الكفر بعمل المعاصي، وتوالي أمثاله على القلب. كما تقدم بيانه في ضده وهو الإيمان. وعن ابن عباس قال: ما من بَرّ ولا فاجر إلاَّ والموت خير له ثم تلا: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً} وتلا {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} أخرجه رزِين.

مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَإِن تُؤْمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ۝١٧٩

قال أبو العالية: سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرّقون بها بين المؤمن والمنافق؛ فأنزل الله عزّ وجلّ: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ} الآية. واختلفوا مَن المخاطب بالآية على أقوال. فقال ابن عباس والضحاك ومقاتِل والكلبيّ وأكثر المفسرين: الخطاب للكفار والمنافقين. أي ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الكفر والنفاق وعداوة النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال الكلبيّ: إن قريشاً من أهل مكة قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: الرجلُ منا تزعم أنه في النار، وأنه إذا ترك دِيننا وٱتبع دينكَ قلتَ هو من أهل الجنةٰ فأخبرنا عن هذا من أين هو؟ وأخبرنا مَن يأتيك منا؟ ومَن لم يأتك؟. فأنزل الله عزّ وجلّ {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ} من الكفر والنفاق «حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ». وقيل: هو خطاب للمشركين. والمراد بالمؤمنين في قوله: {لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ} من في الأصلاب والأرحام ممن يؤمن. أي ما كان الله ليذر أولادكم الذين حكم لهم بالإيمان على ما أنتم عليه من الشرك، حتى يفرق بينكم وبينهم؛ وعلى هذا {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ} كلام مستأنف. وهو قول ابن عباس وأكثر المفسرين. وقيل: الخطاب للمؤمنين. أي وما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من ٱختلاط المؤمن بالمنافق، حتىٰ يميِّز بينكم بالمحنة والتكليف؛ فتعرفوا المنافق الخبيث، والمؤمن الطيب. وقد مَيَّزَ يوم أُحُد بين الفريقين. وهذا قول أكثر أهل المعاني. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ} يا معشر المؤمنين. أي ما كان الله ليعيِّن لكم المنافقين حتى تعرفوهم، ولكن يظهر ذلك لكم بالتكليف والمحنة، وقد ظهر ذلك في يوم أُحُد؛ فإن المنافقين تخلفوا وأظهروا الشماتة، فما كنتم تعرفون هذا الغيب قبل هذا، فالآن قد أطلع الله محمداً عليه السَّلام وصحبه على ذلك. وقيل: معنى {ليطلعكم} أي وما كان (الله) ليعلمكم ما يكون منهم. فقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ (عَلَى الْغَيْبِ)} على هذا متصل، وعلى القولين الأوّلين منقطع. وذلك أن الكفار لما قالوا: لِمَ لَمْ يوح إلينا؟ قال: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ} أي على من يستحق النبوّة، حتى يكون الوحي باختياركم. {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي} أي يختار {مِن رُّسُلِهِ} لإطلاع غيبه {مَن يَشَآءُ} يُقال: طلعت على كذا وٱطّلعت (عليه)، وأطلعت عليه غيري؛ فهو لازم ومعتد. وقرىء «حَتَّى يُمَيِّز» بالتشديد مِن مَيَّزَ، وكذا في «الأنفال» وهي قراءة حمزة. والباقون «يَمِيزَ» بالتخفيف مِن مَاز يَميز. يُقال: مِزت الشيء بعضه من بعض أمِيزه مَيْزاً، وميَّزتُهُ تمييزاً. قال أبو معاذ: مِزت الشيء أمِيزه ميزاً إذا فرّقت بين شيئين. فإن كانت أشياء قلت: ميزتها تمييزاً. ومثله إذا جعلت الواحد شيئين قلت: فرَقت بينهما، مخفّفاً؛ ومنه فَرَق الشعر. فإن جعلته أشياء قلت: فرّقته تفريقاً.

قلت: ومنه ٱمتاز القوم، تميز بعضهم عن بعض. ويكاد يتميَّز: يتقطع؛ وبهذا فسِّر قوله تعالىٰ:

{ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ } [المُلْك: 8] وفي الخبر: من مَازَ أذًى عن الطريق فهو له صدقة».

قوله تعالىٰ: {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} يُقال: إن الكفار لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيّن لهم من يؤمن منهم، فأنزل الله {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} يعني لا تشتغلوا بما لا يَعَنيكم، وٱشتغلوا بما يَعنيكم وهو الإيمان. {فَآمِنُواْ} أي صدقوا، أي عليكم التصديق لا التشوُّف إلى ٱطلاع الغيب. {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} أي الجنة. ويذكر أن رجلاً كان عند الحجّاج بن يوسفَ الثَّقَفِيّ مِنَجِّماً؛ فأخذ الحجاج حَصَياتٍ بِيده قد عَرف عددها فقال للمُنَجِّم: كم في يدي؟ فحسَب فأصاب المنَجِّم. فأغفله الحجّاج وأخذ حَصَياتٍ لم يُعدّهنّ فقال للمنجم؛ كم في يدي؟ فحسَب فأخطأ، ثم حسَب أيضاً فأخطأ؛ فقال: أيها الأمير، أظنك لا تعرف عدد ما في يدك؟ قال لا. قال: فما الفرق بينهما؟ فقال: إن ذاك أحْصيتَه فخرج عن حدّ الغيب، فحسَبتُ فأصبتُ، وإنّ هذا لم تَعرف عددَها فصار غَيْباً، ولا يعلم الغيب إلاَّ الله تعالىٰ. وسيأتي هذا البابُ في «الأنعام» إن شاء الله تعالىٰ.

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِۦ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ۝١٨٠

فيه أربع مسائل:

الأولىٰ: قوله تعالىٰ: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ} «الذين» في موضع رفع، والمفعول الأوّل محذوف. قال الخليل وسيبويه والفَرّاء: المعنى البخل خيراً لهم، أي لا يحسبَنّ الباخلون البخلَ خيراً لهم. وإنما حذف لدلالة يبخلون على البخل؛ وهو كقوله: من صدق كان خيراً له. أي كان الصدق خيراً له. ومن هذا قول الشاعر:

إذا نُهِيَ السّفِيه جَرَى إليهوخالَفَ والسَّفِيهُ إلى خِلافِ

فالمعنى: جَرَىٰ إلى السَّفه؛ فالسّفيه دلّ على السَّفه. وأما قراءة حمزة بالتاء فبعيدة جدّاً؛ قاله النحاس. وجوازها أن يكون التقدير: لا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيراً لهم. قال الزجاج: وهي مثل {وَٱسْأَلِ الْقَرْيَةَ}. و «هو» في قوله {هُوَ خَيْراً لَّهُمْ} فاصلة عند البصريين، وهي العماد عند الكوفيين. قال النحاس: ويجوز في العربية «هو خير لهم» ابتداء وخبر.

الثانية: قوله تعالىٰ: {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ} ابتداء وخبر، أي البخل شرّ لهم. والسين في «سَيُطَوَّقُونَ» سين الوعيد، أي سوف يُطَوَّقُون؛ قاله المبرّد. وهذه الآية نزلت في البخل بالمال والإنفاق في سبيل الله، وأداء الزكاة المفروضة. وهذه كقوله: {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} الآية. ذهب إلى هذا جماعةٌ من المتأوّلين، منهم ابن مسعود وابن عباس وأبو وائل وأبو مالك والسّدِّي والشَّعْبِيّ قالوا: ومعنى {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ} هو الذي ورد في الحديث عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

«من آتاه الله مالاً فلم يُؤَدّ زكاته مُثِّل له يوم القيامة شُجاعاً أقْرَعَ له زَبِيبتان يُطَوّقه يوم القيامة ثم يأخذ بِلهزمتيه ثم يقول أنا مالُك أنا كنزك ـ ثم تلا هذه الآية ـ {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} الآية. أخرجه النسائي. وخرّجه ابن ماجه عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما مِن أحدٍ لا يُؤدِّي زكاةَ مالِهِ إِلاَّ مُثِّل له يومَ القيامة شُجاع أقْرَعُ حتى يُطَوَّقَ به في عنقه» ثم قرأ علينا النبيّ صلى الله عليه وسلم مِصداقه من كتاب الله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} الآية. وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من ذي رَحِمٍ يأتي ذَا رَحِمه فيسأله من فضل ما عنده فيبخل به عليه إلاَّ أخرج له يوم القيامة شُجاعٌ من النار يتلمظّ حتى يُطَوِّقه. وقال ابن عباس أيضاً: إنما نزلت في أهل الكتاب وبخلهم ببيان ما علموه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ذلك مُجاهد وجماعة من أهل العلم. ومعنى {سَيُطَوَّقُونَ} على هذا التأويل سيحملون عقاب ما بخلوا به؛ فهو من الطاقة كما قال تعالىٰ: { وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ }} [البقرة: 184] وليس من التّطويق. وقال إبراهيم النَّخَعِيّ: معنى {سَيُطَوَّقون} سيُجعل لهم يوم القيامة طَوْقٌ من النار. وهذا يجري مع التأويل الأوّل (أي) قول السدي. وقيل: يُلزَمون أعمالهم كما يلزم الطّوق العنق؛ يقال: طُوِّق فلان عملَه طَوْقَ الحمامة، أي ألزِم عمله. وقد قال تعالىٰ: { وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ } [الإسراء: 13]. ومن هذا المعنى قولُ عبد الله بن جَحْش لأبي سفيان:

أبلِغْ أبا سفيان عنأمْرٍ عواقبُه ندامهدارَ ٱبن عمِّك بِعتَهاتقضي بها عنك الغرامهْوَحَلِيفـكُم باللَّه ربِّ الناسِ مجتهِـدُ القَسَامـهْ ٱذهب بها ٱذهب بهاطُوِّقتَها طوقَ الحمامهْ

وهذا يجري مع التأويل الثاني. والبُخْل والبَخَل في اللغة أن يَمنع الإنسانُ الحقَّ الواجبَ عليه. فأما من منَع ما لاَ يجب عليه فليس ببخيل؛ لأنه لا يُذَمّ بذلك. وأهل الحجاز يقولون: يَبْخَلُون وقد بَخلُوا. وسائر العرب يقولون: بَخِلُوا يَبْخَلُون؛ حكاه النحاس. وبَخِل يَبْخَل بُخْلاً وَبَخَلاً؛ عن ابن فارس.

الثالثة: في ثمرة البخل وفائدته. وهو ما رُوي

أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: «من سَيدكم» قالوا الجَدّ ابن قيس على بُخْلٍ فيه. فقال صلى الله عليه وسلم: «وأيُّ داء أَدْوَى من البخل» قالوا: كيف ذاك يا رسول الله؟ قال: «إن قوماً نزلوا بساحل البحر فكَرِهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم فقالوا: ليبعد الرجال منّا عن النساء حتى يعتذر الرجال إلى الأضياف بِبُعْد النساء؛ وتعتذر النساء ببُعْد الرجال؛ ففعلوا وطال ذلك بهم فاشتغل الرجال بالرجال والنساء بالنساء» ذكره الماوردي في كتاب «أدب الدنيا والدين». والله أعلم.

الرابعة: واختلف في البُخْل والشُّحّ؛ هل هما بمعنى واحد أو بمعنين. فقيل: البخل الامتناع من إخراج ما حصل عندك. والشُّح: الحِرصُ على تحصيل ما ليس عندك.

وقيل: إن الشُّح هو مع حِرص. وهو الصحيح لما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

اتقوا الظلم فإن الظلم ظُلماتٌ يوم القيامة وٱتقوا الشُّحَّ فإن الشُّح أهلك من كان قبلكم على أن سفكوا دماءهم وٱستحلوا محارمهم. وهذا يردّ قول من قال: إن البخلَ منعُ الواجب، والشحَّ منعُ المستحبّ. إذ لو كان الشح منع المستحب لما دخل تحت هذا الوعيد العظيم، والذم الشديد الذي فيه هلاك الدنيا والآخرة. ويؤيد هذا المعنى ما رواه النسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجتمع غُبارٌ في سبيل الله ودخان جهنم في مِنِخَرىْ رجلٍ مُسلمٍ أبداً ولا يجتمع شحُّ وإيمانٌ في قلب رجل مسلم أبداً. وهذا يدل على أن الشُّحَ أشدّ في الذم من البخل؛ إلا أنه قد جاء ما يدل على مساواتهما وهو قوله ـ وقد سئل: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: «لا» وذكر المارودي في كتاب «أدب الدنيا والدين» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: «من سيدّكم» قالوا: الجدّ بن قيس على بُخْل فيه؛ الحديث. وقد تقدم.

قوله تعالى: {وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أخبر تعالى ببقائه ودوام مُلكه. وأنه في الأبد كهو في الأزل غنيٌّ عن العالمين، فيرث الأرض بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم؛ فتبقى الأملاك والأَموال لا مُدَّعى فيها. فجرى هذا مجرى الوراثة في عادة الخلق، وليس هذا بميراث في الحقيقة؛ لأن الوارث في الحقيقة هو الذي يرث شيئا لم يكن مَلكَهُ من قبل، والله سبحانه وتعالى مالكُ السمواتِ والأرضِ وما بينهما، وكانت السموات وما فيها، والأرض وما فيها له، وأن الأموال كانت عارية عند أربابها؛ فإذا ماتوا رُدَّت العارية إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل. ونظير هذه الآية قوله تعالى:

{ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا } [مريم: 40] الآية. والمعنى في الآيتين أن الله تعالى أمر عباده بأن يُنفقوا ولا يَبْخَلُوا قبل أن يموتوا ويتركوا ذلك ميراثا لله تعالى، ولا ينفعهم إلا ما أنفقوا.

لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا۟ وَقَتْلَهُمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ۝١٨١ ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۝١٨٢

قوله تعالى: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} ذكر تعالى قبيحَ قول الكفار لا سِيمَا اليهود. وقال أهل التفسير؛ لما أنزل الله {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} قال قوم من اليهود ـ منهم حُيّ بن أخطب؛ في قول الحسن. وقال عكرمة وغيره: وهو فنحاص بن عازوراء ـ إِنَّ الَلَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ يقترض منا. وإنما قالوا هذا تَموِيهاً على ضعفائهم، لا أنهم يعتقدون هذا؛ لأنهم أهل كتاب. ولكنهم كفروا بهذا القول؛ لأنهم أرادوا تشكيك الضعفاء منهم ومن المؤمنين، وتكذيبَ النبي صلى الله عليه وسلم. أي أنه فقير على قول محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه اقترض منِا. {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ} سنجازيهم عليه. وقيل: سنكتبه في صحائف أعمالهم، أي نأمر الحَفَظة بإثبات قولهم حتى يقرءوه يوم القِيامة في كتبهم التي يُؤتونها؛ حتى يكون أوكدَ للحجة عليهم. وهذا كقوله: {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} وقيل: مقصود الكتابة الحفظ، أي سنحفظ ما قالوا لنجازيهم. «وما» في قوله «ما قالوا» في موضع نصب بـ «سنكتب» وقرأ الأعمش وحمزة «سيُكتب» بالياء؛ فيكون «ما» اسم ما لم يُسمّ فاعله. واعتبر حمزة ذلك بقراءة ابن مسعود: {ويقال ذوقوا عذاب الحريق}.

قوله تعالى: {وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} أي ونكتب قتلَهم الأنبياء، أي رضاهم بالقتل. والمراد قتل أسلافهم الأنبياء؛ لكن لما رَضُوا بذلك الإضافة إليهم. وحسَّن رجل عند الشعبي قتْل عثمان رضي الله عنه فقال له الشعبي. شَرِكَت في دمه. فجعل الرضا بالقتل قتْلا؛ رضي الله عنه

قلت: وهذه مسألة عُظْمَى، حيث يكون الرضا بالمعصية معصيةً. وقد روى أبو داود عن العُرْس بن عميرة الكندي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهِدَها فكرِهها ـ وقال مرة فأنكرها ـ كمن غاب عنها ومن غاب عنها فَرِضِيها كان كمن شهِدَها. وهذا نص. قوله تعالى: {بِغَيْرِ حَقٍّ} تقدم معناه في البقرة. {وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} أي يقال لهم في جهنم. أو عند الموت، أو عند الحساب هذا. ثم هذا القول من الله تعالى، أو من الملائكة؛ قولان. وقراءة ٱبن مسعود «ويقال». والحريق اسم للملتهبة من النار، والنار تشمل الملتهبة وغير الملتهبة. قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} أي ذلك العذاب بما سلف من الذنوب. وخصّ الأيْدِي بالذكر ليدلّ على تولّى الفعل ومباشرته؛ إذ قد يُضاف الفعل إلى الأنسان بمعنى أنه أمر به؛ كقوله: { يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ } [القصص: 4] وأصل {أَيْدِيكُمْ} أيديكم فحذفت الضمة لثقلها. والله أعلم.

ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝١٨٣ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُو بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُنِيرِ ۝١٨٤

قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ} في موضع خفض بدلا من «الَّذِينَ» في قوله عز وجل {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ} أَو نعت «للعبيد» أو خبر ابتداء، أي هم الذين قالوا. وقال الكلبي وغيره: «نزلت في كعب بن الأشرف، ومالك بن الصَّيْف، ووهب بن يهوذا، وفنحاص بن عازورا وجماعةٍ أتوا النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقالوا له: أتزعم أن الله أرسلك إلينا، وأنه أنزل علينا كتابا عهِد إلينا فيه ألاّ نؤمن لرسول يزعم أنه من عند الله حتى يَأتِينَا بِقُربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك. فأنزل الله هذه الآية» فقيل: كان هذا في التوراة، ولكن كان تمام الكلام: حتى يأتيكم المسيح ومحمد فإذا أتياكم فآمنوا بهما من غير قربان. وقيل: كان أمر القَرابين ثابتا إلى أن نُسِخت على لسان عيسى بن مريم. وكان النبي منهم يَذْبح ويدعو فتنزل نار بيضاء لها دوِيّ وحفيف لا دخان لها، فتأكل القُربان. فكان هذا القول دَعْوَى من اليهود؛ إذ كان ثَمّ ٱستثناء فأخفوه، أولاً نسخٌ، فكانوا في تمسِكهم بذلك مُتعنِتِين، ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم دليل قاطع في إبطال دعواهم، وكذلك معجزات عيسى؛ ومن وجب صدقه وجب تصديقه. ثم قال تعالى: إقامة للحجة عليهم: {قُلْ} يا محمد {قَدْ جَآءَكُمْ} يا معشر اليهود {رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ} من القربان {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} يعني زكريا ويحي وشَعْيا، وسائر من قُتِلوا من الأنبياء عليهم السلام ولم تؤمنوا بهم. أراد بذلك أسلافهم. وهذه الآية هي التي تلاها عامر الشعبي رضي الله عنه، فاحتج بها على الذي حسّن قتل عثمان رضي الله عنه كَما بيّناه. وأن الله تعالى سمّى اليهود قَتَلة لرضاهم بفعل أسلافهم، وإن كان بينهم نحو من سبعمائة سنة. والقُربان ما يتقربُ به إلى الله تعالى من نُسُك وصدقه وعملٍ صالح؛ وهو فعُلان من القُربة. ويكون ٱسما ومصدرا؛ فمثال الاسم السّلطان والبُرْهان. والمصدر العُدْوان والخُسْران. وكان عيسى ٱبن عمر يقرأ «بِقُرُبَانٍ» بضم الراء ٱتباعا لضمه القاف؛ كما قيل في جمع ظلمه: ظُلُمَات، وفي حجرة حُجُرات. ثم قال تعالى معزِّيا لنبيه ومؤنسا له: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُوا بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالدلالات. {وَٱلزُّبُرِ} أي الكتب المزبورة، يعني المكتوبة. والزُّبُر جمع زَبور وهو الكتاب. وأصله من زَبَرت أي كتبت. وكل زبور فهو كتاب؛ قال ٱمرؤ القيس:

لِمَنْ طَلَلٌ أبصرتهُ فشجانيكخط زبور في عسيب يماني

وأنا أعرف تَزْبِرتي أي كتابتي. وقيل: الزَّبُور من الزَّبر بمعنى الزَّجْر. وزَبَرت الرجل ٱنتهزته. وزَبَرت البئر: طويتها بالحجارة. وقرأ ٱبن عامر {وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ} بزيادة باء في الكلمتين. وكذلك هو في مصاحف أهل الشام. {وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ} أي الواضح المضيء؛ من قولك: أَنَرت الشيء أنِيرْه، أي أوضحته: يقال: نار الشيء وأناره ونوّره وٱستناره بمعنى، وكل واحد منهما لازمٌ ومتعدٍ. وجَمَع بين الزبر والكتاب ـ وهما بمعنّى ـ لاختلاف لفظهما، وأصلها كما ذكرنا.

كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ ۝١٨٥

فيه سبع مسائل:

الأولى: لما أخبر جلّ وتعالى عن الباخلين وكُفرهم في قولهم: {إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} وأمر المؤمنين بالصبر على أذاهم في قوله {لَتُبْلَوُنَّ} الآية ـ بين أن ذلك مما ينقضي ولا يدوم؛ فإن أمد الدنيا قريب؛ ويوم القيامة يوم الجزاء. {ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} من الذّوق، وهذا مما لا مَحِيص عنه للإنسان، ولا محيد عنه لحيوان. وقد قال أميّة بن أبي الصلت:

من لم يمت عَبْطَةً يُمت هَرَماًلِلموت كأسٌ والمرء ذائِقُها

وقال آخر:

الموتُ بابٌ وكُّل الناس داخِلهُفليتَ شِعْرِىَ بعد الباب ما الدَّار

الثانية: قراءة العامة {ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} بالإضافة. وقرأ الأعمش ويحي وابن أبي إسحاق «ذائقةٌ الموت» بالتنوين ونصب الموت. قالوا: لأنها لم تُذق بعدُ. وذلك أن اسم الفاعل على ضربين: أحدهما أن يكون بمعنى المُضِي. والثاني بمعنى الاستقبال؛ فإن أردت الأوّل لم يكن فيه إلا الإضافة إلى ما بعده؛ كقولك: هذا ضارب زيدٍ أمسِ، وقاتل بَكْرٍ أمسِ؛ لأنه يُجرى مجرى الاسم الجامد وهو العلم، نحو غلامُ زيدٍ، وصاحبُ بكْرٍ. قال الشاعر:

الحافِظُو عَوْرة العشِيرة لايَأتيهِمُ مِن وَرَائهمْ وكَفُ

وإن أردت الثاني جاز الجرّ، والنّصب والتّنوين فيما هذا سبيله هو الأصل؛ لأنه يجري مجرى الفعل المضارع. فإن كان الفعل غير متعدّ، لم يتعدّ نحو قائمٌ زيدٌ. وإن كان مُتَعدّيا عدّيته ونصبت به، فتقول: زيدٌ ضاربٌ عمروا بمعنى يضرب عمروا. ويجوز حذف التنوين والإضافة تخفيفا، كما قال المَرّار:

سَلِّ الهُمومَ بِكُل مُعْطي رأسهناجٍ مُخالِطِ صُهْبَةٍ مُتعَيسِمُغْتَالِ أَحْبُلِه مُبِينٍ عُنْقُهفي مَنْكَبٍ زَبَنَ المَطي عَرَنْدَسِ

(فحذف التنوين تخفيفا، والأصل: مُعْطٍ رأسَه بالتنوين والنصب، ومثل هذا أيضا في التنزيل قوله تعالى: {هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} وما كان مثله.

الثالثة: ثم ٱعلم أن للموت أسباباً وأماراتٍ؛ فمن علامات موت المؤمن عَرَقُ الجبين. أخرجه النَّسائي من حديث بُريدة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

المؤمن يموت بِعَرَق الجَبِين. وقد بيّناه في «التذكرة» فإذا احتُضِر لُقِن الشهادة؛ لقوله عليه السلام:لَقِنوا موتاكم لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه فيُختَم له بالشهادة؛ ولا يعاد عليه منها لئلا يضجَر. ويستحبّ قراءة «يسۤ» ذلك الوقت؛ لقوله عليه السلام: ٱقرَءوا يسۤ على موْتاكم أخرجه أبو داود. وذكر الآجُرِّي في كتاب النصيحة من حديث أم الدرداء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ما من ميتٌ يُقرأ عنده سورة يسۤ إِلا هُوِّن عليه الموت. فإذا قُضي وتَبِع البصرُ الروح ـ كما أخبر صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم ـ وارتفعت العبادات: وزال التكليف، توجّهت على الأحياء أحكام؛ منها تغميضُه، وإعلامُ إخوانه الصُلحَاء بموته؛ وكَرِهه قوم وقالوا: هو من النعى. والأول أصحّ، وقد بيّناه في غير هذا الموضع. ومنها الأخذ في تجهيزه بالغسل والدّفن لِئَلا يُسرع إليه التغيرّ؛ قال صلى الله عليه وسلم لقوم أخَّروا دفن ميتهم: عّجلوا بدفن جيفتكم وقال: أسرعوا بالجنازةالحديث، وسيأتي.

الثالثة ـ فأما غسله فهو سُنّة لجميع المسلمين حاشا الشَّهيد على ما تقدم. وقيل: غسله واجب. قاله القاضي عبد الوهاب. والأول: مذهب الكتاب، وعلى هذين القولين العلماءُ. وسبب الخلاف قوله عليه السلام لأم عطية في غسلها ابنته زينب، على مافي كتاب مسلم. وقيل: هي أم كلثوم، على ما في كتاب أبي داود:

ٱغْسِلنَهَا ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رَأَيْتُنّ ذلك الحديث. وهو الأصل عند العلماء في غسل الموتى. فقيل: المراد بهذا الأمر بيانُ حكم الغسل فيكون واجبا. وقيل: المقصود منه تعليم كيفية الغسل فلا يكون فيه ما يدل على الوجوب. قالوا ويدّل عليه قوله: «إن رَأَيْتُن ذلك» وهذا يقتضي إخراج ظاهر الأمر عن الوجوب؛ لأنه فوّضه إلى نظرهن. قيل لهم: هذا فيه بُعدٌ؛ لأن ردّك «إن رأيتن » إلى الأمر، ليس السابق إلى الفهم بل السابق رجوع هذا الشرط إلى أقرب مذكور، وهو «أكثر من ذلك» أو إلى التخيير في الأعداد. وعلى الجملة فلا خلاف في أن غسل الميت مشروع معمول به في الشريعة لا يُترك. وصفته كصفة غسل الجنابة على ما هو معروف. ولا يجاوز السبع غسلات في غُسل الميت بإجماع؛ على ما حكاه أبو عمر. فإن خرج منه شيء بعد السبع غِسل الموضع وحده، وحكمه، وحكمه حكم الجُنب إذا أحدث بعد غسله. فإذا فرغ من غسله كفّنه في ثيابه وهي:

الرابعة: والتكفين واجب عند عامة العلماء، فإن كان له مال فمن رأس ماله عند عامّة العلماء، إلا ما حكى عن طاوس أنه قال: من الثلث كان المال قليلا أو كثيرا. فإن كان الميت ممن تلزم غيره نفقته في حياته من سيّد ـ إن كان عبداً ـ أو أب أو زوج أو ٱبنٍ فعلى السيد باتفاق، وعلى الزوج والأب والابن باختلاف. ثم على بيت المال أو على جماعة المسلمين على الكفاية. والذي يتعيّن منه بتعيين الفرض سَتْرُ العورة؛ فإن كان فيه فضل غير أنه لا يعم جميع الجسد غطى رأسه ووجهه؛ إكراما لوجهه وسترا لما يظهر من تغيّر محاسنه. والأصل في هذا قصّة مُصعب بن عُمير، فإنه ترك يوم أحد نَمِرة كان إذا غُطِّي رأسه خرجت رجلاه، وإذا غُطِّي رجلاه خرج رأسه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ضَعوها مما يلي رأسَه وٱجعلوا على رجليه من الإذخرأخرج الحديث مسلم. والوتر مستحب؛ عند كافة العلماء في الكَفن، وكلهم مجمعون على أنه ليس فيه حَدّ. والمستحب منه البياض؛ قال صلى الله عليه وسلم:البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفّنوا فيها موتاكم أخرجه أبو داود. وكُفّن صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سَحُولية من كُرْسُف. والكفن في غير البياض جائز إلا أن يكون حريرا أو خَزَّا. فإن تشاحّ الورثة في الكفن قضي عليهم في مثل لباسه في جُمعته وأعياده؛ قال صلى الله عليه وسلم: إذا كَفّن أحدكُم أخاه فَلْيُحسِّن كفنه أخرجه مسلم. إلا أن يوصي بأقل من ذلك. فإن أوصى بسَرفٍ قيل: يبطل الزائد. وقيل: يكون في الثلث. والأول أصح.؛ لقوله تعالى: {وَلاَ تُسْرِفُوا}. وقال أبو بكر: إنه للمهلة. فإذا فرغ من غسله وتكفينه ووُضع على سريره وٱحتمله الرجال على أعناقهم وهي:

الخامسة: فالحكم الإسراع في المشي؛ لقوله عليه السلام:

أسرعوا بالجنازة فإن تَكُ صالحةً فخيرٌ تُقدِّمونها إليه وإن تكن غير ذلك فشرّ تضعونه عن رقابكم. لا كما يفعله اليوم الجهّال في المشي رُويدا، والوقوف بها المرّةَ بعد المرّة، وقراءة القرآن بالألحان إلى ما لا يحل ولا يجوز حسب ما يفعله أهل الديار المصرية بموتاهم. روى النَّسائي: أخبرنا محمد بن عبدالأعلى قال حدّثنا خالد قال أنبأنا عُيينة بن عبد الرحمن قال حدّثني أبي قال: شَهدت جنازة عبد الرحمٰن بن سَمُرة وخرج زياد يمشي بين يدي السرير، فجعل رجال من أهل عبد الرحمن ومواليهم يستقبلون السرير ويمشون على أعقابهم ويقولون: رُويدا رُويدا، بارك الله فيكم! فكانوا يَدِبُونَ دبيبا، حتى إذا كنا ببعض طريق المِرْبَد لحقنا أبو بكرة رضي الله عنه على بغلة فلما رأى الذين يصنعون حمل عليهم ببغلته وأهوى إليهم بالسَّوْط فقال: خلوا! فوالذي أكرم وجه أبي القاسم صلى الله عليه وسلم لقد رأيتُنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنها لنكاد نرمُل بها رَمْلاً، فانبسط القومُ. وروى أبو ماجدة عن ابن مسعود قال: سألنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن المشي مع الجنازة فقال: «دون الخبَبَ إن يكن خيرا يَعجّل إليه وإن يكن غير ذلك فبعداً لأهل النار» الحديث. قال أبو عمر: والذي عليه جماعة العلماء في ذلك الإسراع فوق السجيّة قليلا، والعجلة أحبّ إليهم من الإبطاء. و يكره الإسراع الذي يَشقّ على ضعَفة الناس ممن يتبعها. وقال إبراهيم النَّخَعي: بَطِّئوا بها قليلا ولا تَدِبُّوا دبيب اليهود والنصارى. وقد تأوّل قوم الإسراع في حديث أبي هريرة تعجيل الدفن لا المشي، وليس بشيء لما ذكرنا. وبالله التوفيق.

السادسة: وأما الصلاة عليه فهي واجبَة على الكفاية كالجهاد. وهذا هو المشهور من مذاهب العلماء. مالك وغيره.

لقوله صلى الله عليه وسلم في النجاشي: «قوموا فصلّوا عليه». وقال أصْبغ: إنها سُنة. ورُوي عن مالك. وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان في «براءة».

السابعة: وأمّا دفنه في التراب ودسه وسَتره فذلك واجب؛ لقوله تعالى:

{ فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ } [المائدة: 31]. وهناك يذكر حكم بنيان القبر وما يستحب منه، وكيفية جعل الميت فيه. ويأتي في «الكهف» حكم بناء المسجد عليه، إن شاء الله تعالى

فهذه جملة من أحكام الموتى وما يجب لهم على الأحياء. وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا تسبّوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدّموا أخرجه مسلم. وفي سُنن النسَّائي عنها أيضاً قالت: ذُكر عند النبي صلى الله عليه وسلم هالكٌ بسوء فقال:لا تذكروا هَلْكاكم إلا بخير».

قوله تعالى: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} فأجْرُ المؤمن ثواب، وأجر الكافر عقاب، ولم يعتدّ بالنعمة والبلية في الدنيا أجراً وجزاء؛ لأنها عرصةَ الفناء. {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ} أي أُبعِدَ. {وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} ظَفِر بما يرجو، ونجا مما يخاف. وروى الأعمش عن زيد بن وهب عن عبدالرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

من سَرّه أن يُزَحزَح عن النار وأن يدخل الجنة فلتأته منيّته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويأتي إلى الناس الذي يُحب أن يُؤتى إليه. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرءوا إن شئتم {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةِ فَقَدْ فَازَ}».

{وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} أي تَغرّ المؤمنَ وتَخدَعُه فَيظُن طول البقاء وهي فانية. والمتاع ما يُتمتع به وينتفع؛ كالفأس والقِدْر والقَصعة ثم يزول ولا يبقى ملكه؛ قاله أكثر المفسرين. قال الحسن: كخضرة النبات، ولعب البنات لا حاصل له. وقال قَتادة: هي متاع متروك توشك أن تضمحل بأهلها؛ فينبغي للإنسان أن يأخذ من هذا المتاع بطاعة الله سبحانه ما استطاع. ولقد أحسن من قال:

هي الدارُ دار الأذى والقَذَىودارُ الفناء ودارُ الغِيرَفلو نلتَها بحذافيرهالمُتّ ولم تَقْض منها الوَطَرْأيَا مَن يؤمّل طولَ الخلودوطُولُ الخلود عليه ضَرَرْإذا أنت شِبْت وبان الشَبابفلا خير في العيش بعد الكِبَر

والغَرور (بفتح الغين) الشيطان؛ يَغُر الناس بالتّمنية والمواعيد الكاذبة. قال ابن عرفة: الغرور ما رأيتَ له ظاهراً تّحبه، وفيه بَاطِن مكروه أو مجهول. والشيطان غَرور؛ لأنه يحمل على محاب النفس، ووراء ذلك ما يسوء. قال: ومن هذا بيع الغَرَر، وهو ما كان له ظاهرُ بيع يَغُرّ وباطنٌ مجهول.

لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ ۝١٨٦

هذا الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم وأُمته والمعنى: لتُختبرنّ ولتُمتحنن في أموالكم بالمصائب والأرزاء بالإنفاق في سبيل الله وسائر تكاليف الشرع. والابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض وفقد الأحباب. وبدأ بذكر الأموال لكثرة المصائب بها. {وَلَتَسْمَعُنَّ} إن قيل: لم ثبتت الواو في «لتبلُون» وحذفت من «وَلَتَسْمَعُنَّ»؛ فالجواب أن الواو في «لتبلون» قبلها فتحة فحركت لالتقاء الساكنين، وخُصّت بالضمة لأنها واو الجمع، ولم يجز حذفها لأنها ليس قبلها ما يدل عليها، وحذفت من «ولتسمعن» لأن قبلها ما يدل عليها. ولا يجوز همز الواو في «لتبلُون» لأن حركتها عارضة؛ قاله النحاس وغيره. ويقال للواحد من المذكر: لَتُبْلُيَنَّ يا رجل. وللإثنين: لتبليانّ يا رجلان. ولجماعة الرجال: لتبلُونّ. ونزلت بسبب أن أبا بكر رضي الله عنه سمع يهودياً يقول: إن الله فقير ونحن أغنياء. رداً على القرآن واستخفافاً به حين أنزل الله

{ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } [البقرة: 245] فلطمه؛ فشكاه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فنزلت. قيل: إن قائلها فِنحاص اليهودي؛ عن عكرمة. الزُّهرِيّ: هو كعب ابن الأشرف نزلت بسببه؛ وكان شاعراً، وكان يهجو النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابَه، ويُؤَلِّب عليه كفار قريش: ويْشبِّب بنساء المسلمين حتى بعث (إليه) رسولُ الله صلى الله عليه وسلم محمَد بنَ مَسْلمة وأصحابَه فقتله القِتْلة المشهورة في السِّيَر وصحيح الخبر. وقيل غير هذا. وكان صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان بها اليهود والمشركون، فكان هو وأصحابه يسمعون أذًى كثيراً. وفي الصحيحين أنه عليه السلام مرّ بٱبن أُبَيّ وهو عليه السلام على حمار فدعاه إلى الله تعالى فقال ابن أُبَيّ: إن كان ما تقول حقّاً فلا تؤذنَا به في مجالسنا! ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه. وقبض على أنفه لئلا يصيبه غبار الحمار، فقال ابن رَوَاحة نعم يا رسول الله، فاغْشنَا في مجالسنا فإنا نحبّ ذلك. وٱستبّ المشركون الذين كانوا حول ابن أُبَيّ والمسلمون، وما زال النبيّ صلى الله عليه وسلم يسكّنهم حتى سَكنوا. ثم دخل على سعد بن عُبادة يعوده وهو مريض، فقال: «ألم تسمع ما قال فلان» فقال سعد: أعف عنه وٱصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاءك الله بالحق الذي نَزل، وقد اصطلح أهل هذه البُحَيْرة على أن يتوِّجوه ويعصبوه بالعصابة؛ فلما ردّ الله ذلك بالحق الذي أعطاكَهُ شَرِقَ به، فذلك فعل به ما رأيت. فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت هذه الآية. قيل: هذا كان قبل نزول القتال، ونَدَب الله عبادَه إلى الصبر والتقوى وأخبر أنه من عزم الأمور. وكذا في البخاريّ في سياق الحديث، أن ذلك كان قبل نزول القتال. والأظهر أنه ليس بمنسوخ؛ فإن الجدال بالأحسن والمداراة أبداً مندوب إليها، وكان عليه السلام مع الأمر بالقتال يوادع اليهود ويُدَاريهم، ويصفح عن المنافقين، وهذا بيِّن. ومعنى {عَزْمِ ٱلأُمُورِ} شدّها وصلابتها. وقد تقدّم.

وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ۝١٨٧

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {وَإِذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} هذا متّصل بذكر اليهود؛ فإنهم أمِروا بالإيمان بمحمد عليه السلام وبيانِ أمره، فكتموا نعته. فالآية توبيخ لهم، ثم مع ذلك هو خبر عام لهم ولغيرهم. قال الحسن وقتادة: هي في كل من أُوتي عِلم شيء من الكتاب. فمن عَلم شيئاً فليُعلِّمه، وإيّاكم وكتمانَ العلم فإنه هَلكة. وقال محمد بن كعب: لا يحلّ لعالم أن يسكت على علمه، ولا للجاهل أن يسكت على جهله؛ قال الله تعالى {وَإِذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} الآية. وقال:

{ فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } [الأنبياء: 7]. وقال أبو هريرة: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدّثتكم بشيء؛ ثم تلا هذه الآية {وَإِذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}. وقال الحسن بن عمارة: أتيت الزُّهرِي بعد ما ترك الحديث، فألفيتُه على بابه فقلت: إن رأيتَ أن تحدثني. فقال: أمَا علمتَ أني تركتُ الحديث؟ فقلت: إمّا أن تُحدّثني وإمّا أن أُحدّثك. قال حدّثني. قلت: حدّثني الحَكَم ابن عُتَيبة عن يحيى بن الجزار قال سمعت عليّ بن أبي طالب يقول: ما أخذ الله على الجاهلين أن يتعلّموا حتى أخذ على العلماء أن يُعلِّموا. قال: فحدّثني أربعين حديثاً.

الثانية: الهاء في قوله: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ} ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإن لم يَجْرِ له ذِكرٌ. وقيل: ترجع إلى الكتاب؛ ويدخل فيه بيان أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه في الكتاب. وقال: {وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} ولم يقل تَكْتُمُنَّهُ لأنه في معنى الحال، أي لتبيننه غير كاتمين. وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وأهل مكة «لَتُبَيّنُنَّهُ» بالتاء على حكاية الخطاب. والباقون بالياء لأنهم غُيَّب. وقرأ ابن عباس «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَيُبَيِّنُنَّهُ». فيجيء قوله {فَنَبَذُوهُ} عائداً على الناس الذين بيّن لهم الأنبياء. وفي قراءة ابن مسعود «ليُبيّنُونَه» دون النون الثقيلة. والنَّبْذ الطّرح. وقد تقدّم بيانه في «البقرة». {وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} مبالغة في الاطراح؛ ومنه {وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيّاً} وقد تقدّم في «البقرة» بيانه أيضاً. وتقدّم معنى قوله: {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} في «البقرة» فلا معنى لإعادته. {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} تقدّم أيضاً. والحمد لله.

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 16 جمادى الأولى 1448 هـ