انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير القرطبيالآيات 37–46

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير القرطبي.

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ۝٣٧ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ۝٣٨

قوله تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} المعنى: سلك بها طريق السعداء؛ عن ٱبن عباس. وقال قوم: معنى التّقبّل التكفّل في التربية والقيامُ بشأنها. وقال الحسن: معنى التقبل أنه ما عذّبها ساعةً قطُّ من ليل ولا نهار. {وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً} يعني سوّى خلقها من غير زيادة ولا نقصان، فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام واحد. والقبول والنبات مصدران على غير المصدر، والأصل تقَبُّلاً وإنباتاً. قال الشاعر:

أكُفْراً بعد ردّ الموت عنِّيوبعدَ عطائكَ المائةَ الرِّتاعا

أراد بعد إعطائك، لكن لما قال «أنبتها» دل على نَبَت؛ كما قال ٱمرؤ القيس:

فصِرْنا إلى الحسنى ورَقّ كلامُناورُضْتُ فذلّت صعبةً أيّ إذلالِ

وإنما مصدر ذَلّتْ ذُلٌّ، ولكنه ردّه على معنى أذْلَلتْ؛ وكذلك كل ما يَرِد عليك في هذا الباب. فمعنى تقبّل وقَبِل واحد، فالمعنى فقَبِلها ربُّها بقبول حَسَن. ونظيره قولُ رُؤْبة:

وقـد تَطَوّيْـتُ ٱنطـواءَ الحِضْـبِ

(الأفعى) لأن معنى تَطَوّيتُ وٱنطويت واحد؛ ومثله قول القَطامِيّ:

وخير الأمر ما ٱستقبلت منهوليس بأن تَتَبّعَه اتباعا

للأن تَتَبعت وٱتّبعت واحد. وفي قراءة ٱبن مسعود «وأَنْزل الملائكةَ تَنْزيلاً» لأن معنى نزّل وأنزل واحد. وقال المُفَضّل: معناه وأنبتها فنبتتْ نَباتاً حَسَناً. ومراعاة المعنى أوْلى كما ذكرنا. والأصل في القبول الضم؛ لأنه مصدر مثل الدخول والخروج، والفتح جاء في حروف قليلة؛ مثل الوَلوع والوَزوع؛ هذه الثلاثة لا غيرُ؛ قاله أبو عمرو والكسائي والأئمة. وأجاز الزجاج «بقُبُول» بضم القاف على الأصل.

قوله تعالى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} أي ضَمها إليه. أبو عبيدة: ضِمن القيام بها. وقرأ الكوفيون «وكفّلها» بالتشديد، فهو يتعدّى إلى مفعولين؛ والتقدير وكفّلها ربُّها زكريا، أي ألزمه كفالتها وقدّر ذلك عليه ويَسّره له. وفي مصحف أُبَيّ «وأكفلها» والهمزة كالتشديد في التعدّي؛ وأيضاً فإن قَبْله «فتقبلها، وأنبتها» فأخبر تعالى عن نفسه بما فعل بها؛ فجاء «كفّلها» بالتشديد على ذلك. وخففه الباقون على إسناد الفعل إلى زكريا. فأخبر الله تعالى أنه هو الذي تولّى كفالتها والقيامَ بها؛ بدلالة قوله:

{ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } [آل عمران: 440]. قال مَكِّيّ: وهو الاختيار؛ لأن التشديد يرجع إلى التخفيف، لأن الله تعالى إذا كفّلها زكريا كفَلها بأمر الله، ولأن زكريا إذا كفلها فعن مشيئة الله وقدرته؛ فعلى ذلك فالقراءتان متداخلتان. وروى عمرو بن موسى عن عبد الله بن كَثِير وأبي عبد الله المُزَنِي «وكَفِلها» بكسر الفاء. قال الأخفش: يقال كَفَلَ يَكْفُلُ وكَفِلَ يَكْفَلُ ولم أسمع كَفُلَ، وقد ذُكِرت. وقرأ مجاهد «فتقبّلْها» بإسكان اللام على المسألة والطلب. «رَبّها» بالنصب نداء مضاف. «وأنبتْها» بإسكان التاء «وكفلْها» بإسكان اللام «زكرياء» بالمدّ والنصب. وقرأ حفص وحمزة والكسائي «زكريا» بغير مد ولا همز، ومدّه الباقون وَهَمزوه. وقال الفَرّاء: أهل الحجاز يمدّون «زكرياء» ويُقْصرونه، وأهل نَجْد يحذفون منه الألف ويصرفونه فيقولون: زكريٌّ. قال الأخفش: فيه أربع لغات: المد والقصر، وزكرِيٌّ بتشديد الياء والصرف، وزكَرٍ ورأيت زكرِيا. قال أبو حاتم: زكري بلا صرف لأنه أعجميّ وهذا غلط؛ لأن ما كان فيه «يا» مثل هذا ٱنصرف مثل كرسيّ ويحيى، ولم ينصرف زكرياء في المد والقصر لأن فيه ألف تأنيث والعجمة والتعريف.

فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ} المِحراب في اللغة أكرم موضع في المجلس. وسيأتي له مزيد بيان في سورة «مريم» وجاء في الخبر: إنها كانت في غرفة كان زكريا يصعَد إليها بُسلّم. قال وَضّاح اليمين:

رَبَّةُ مِحـرابٍ إذا جئتُهالم أَلْقَها حتى ٱرتَقِي سُلّمَا

أي رَبّة غرفة. روى أبو صالح عن ٱبن عباس قال: حملت ٱمرأة عمران بعد ما أسنّت فنذرت ما في بطنها محرّرا فقال لها عمران: ويحِك! ما صنعت؟ أرأيت إن كانت أنثى؟ فاغتما لذلك جميعا. فهلك عِمران وحَنّة حامل فولدت أنثى فتقبلها الله بقبول حَسَن، وكان لا يُحرر إلا الغلمان فتساهم عليها الأحبار بالأقلام التي يكتبون بها الوحي، على ما يأتي. فكفلها زكريا وأخذ لها موضعا فلما أسنّت جعل لها مِحرابا لا يرتقي إليه إلا بسلم؛ وٱستأجر لها ظِئرًا وكان يُغِلق عليها باباً، وكان لا يدخل عليها إلا زكريا حتى كبرت، فكانت إذا حاضت أخرجها إلى منزله فتكون عند خالتها وكانت خالتها ٱمرأة زكريا في قول الكَلْبي. قال مُقاتِل: كانت أختها ٱمرأة زكريا، وكانت إذا طهرت من حيضتها وآغتسلت ردّها إلى المحراب. وقال بعضهم: كانت لاتحيض وكانت مطهَّرة من الحيض. وكان زكريا إذا دخل عليها يجد عندها فاكهة الشتاء في القَيْظ وفاكهة القيظ في الشتاء فقال: يا مريم أنَّى لك هذا؟ فقالت: هو من عند الله. فعند ذلك طمِع زكريا في الولد وقال: إن الذي يأتيها بهذا قادر أن يرزقني ولدا. ومعنى «أنّى» من أين؛ قاله أبو عبيدة. قال النحاس: وهذا فيه تساهل؛ لأن «أين» سؤال عن المواضع و «أنىَّ» سؤال عن المذاهب والجهات. والمعنى من أي المذاهب ومن أيّ الجهات لكِ هذا. وقد فرّق الكُمَيت بينهما فقال:

أنّى ومن أيْنَ آبك الطّربمن حيث لا صَبْوة ولا رِيَب

و «كلّما» منصوب بــ «ـوَجَدَ»، أي كلّ دَخْلة. {إنًّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} قيل: هو من قول مريم، ويجوز أن يكون مستأنفا؛ فكان ذلك سبب دعاء زكريا وسؤاله الولد.

الثانية: قوله تعالى {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} هنالك في موضع نصب؛ لأنه ظرف يستعمل للزمان والمكان وأصله للمكان. وقال المُفَضَّل بن سَلَمة: «هنالك» في الزمان و «هناك» في المكان، وقد يجعل هذا مكان هذا. و {هَبْ لِي} أعطني. {مِن لَّدُنْكَ} مِن عِندِك. {ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} أي نَسلا صالحا. والذُّرِّية تكون واحدة وتكون جمعا ذكرا وأنثى، وهو هنا واحد. يدل عليه قوله

{ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً } [مريم: 5] ولم يقل أولياء، وإنما أنَّثَ «طَيِّبة» لتأنيث لفظ الذرية؛ كقوله:

أبوك خليفة ولدته أخرىوأنت خليفة ذاك الكمال

فأنَّثَ ولدته لتأنيث لفظ الخليفة. ورُوي من حديث أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:أي رجل مات وترك ذُرّية طيبة أجرى الله له مثل أجر عملهم ولم ينقص من أجورهم شيئا. وقد مضى في «البقرة» اشتقاق الذرية. و {طَيِّبَةً} أي صالحة مباركة. {إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} أي قابلة؛ ومنه: سمِع الله لمن حَمِده.

الثالثة: دلّت هذه الآية على طلب الولد، وهي سُنّة المرسلين والصدّيقين، قال الله تعالى:

{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً } [الرعد: 38] وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وَقّاص قال: أراد عثمان أن يتبتّل فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أجاز له ذلك لاختصينا. وخرّج ابن ماجه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: النكاح من سُنَّتي فمن لم يعمل بُسنّتي فليس منّي وتزوّجوا فإني مكاثِرٌ بكم الأمم ومن كان ذا طَول فَلْيَنْكِح ومن لم يجد فعليه بالصوم فإنه له وجاء. وفي هذا رَدٌّ على بعض جُهّال المتصوّفة حيث قال: الذي يطلب الولدَ أحمق، وما عَرَفَ أنه (هو) الغبيُّ الأخرق؛ قال الله تعالى مخبرا عن إبراهيم الخليل: { وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ }} [الشعراء: 84] وقال: { وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ } [الفرقان: 74]. وقد ترجم البخاري على هذا «باب طلب الولد». وقال صلى الله عليه وسلم لأبى طَلْحة حين مات ٱبنه. «أعْرَسْتم الليلة»؟ قال نعم. قال: «بارك الله لكما في غابر ليلتكما» قال فحملت. في البخاري: قال سفيان فقال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن. وترجم أيضا «باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة» وساق حديث أنس بن مالك قال قالت أم سُليم: يا رسول الله، خادمك أنس أدع الله له. فقال: «اللّهُمّ أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته». وقال صلى الله عليه وسلم:الّلهُمّ ٱغفر لأبي سَلَمة وٱرفع درجته في المهديَّين فيما وٱخلفه في عَقِبه في الغابرين. أخرّجه البخاري ومسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: تزوجوا الوَلود الوَدود فإني مكاثر بكم الأمم. أخرجه أبو داود. والأخبار في هذا المعنى كثيرة تحث على طلب الولد وتندب إليه؛ لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد موته. قال صلى الله عليه وسلم: «إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث» فذكر «أو ولد صالح يدعو له». ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية.

الرابعة: فإذا ثبت هذا فالواجب على الإنسان أن يتضرّع إلى خالقه في هداية ولده وزوجه بالتوفيق لهما والهداية والصلاح والعفاف والرعاية، وأن يكونا مُعينين له على دينه ودنياه حتى تعظم منفعته بهما في أولاه وأخراه؛ ألا ترى قول زكريا

{ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً }} [مريم: 6] وقال: {ذُرِيَّةً طَيِبةً}. وقال: {هَبْ لنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِيَّاتِنَا قُرَّة أَعْيُنٍ}. ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنس فقال: «اللّهُمّ أكثر ماله وولده وبارك له فيه». خرّجه البخاري ومسلم، وحسْبُك.

فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًۢا بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝٣٩

قوله تعالى: {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} قرأ حمزة والكسائي «فناداه» بالألف على التذكير، ويُميلانها لأنّ أصلها الياء، ولأنها رابعة. وبالألف قراءة ٱبن عباس وٱبن مسعود، وهو ٱختيار أبي عبيد. وروي عن جرير عن مُغِيرة عن إبراهيم قال: كان عبد الله يُذكّر الملائكة في (كل) القرآن. قال أبو عبيد: نراه اختار ذلك خلافاً على المشركين لأنهم قالوا: الملائكة بنات الله. قال النحاس: هذا آحتجاج لا يُحصَّل منه شيء؛ لأن العرب تقول: قالت الرجال، وقال الرجال، وكذا النساء، وكيف يحتجّ عليهم بالقرآن، ولو جاز أن يحتج عليهم بالقرٱن بهذا لجاز أن يحتّجوا بقوله تعالى:

{ وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ }} [آل عمران: 42] ولكن الحجة عليهم في قوله عز وجل: { أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ } [الزخرف: 19] أي فلم يشاهدوا، فكيف يقولون إنهم إناث فقد عُلم أن هذا ظنّ وهَوىً. وأما «فناداه» فهو جائز على تذكير الجمع، «ونادته» على تأنيث الجماعة. قال مَكي: والملائكة ممن يعقل في التكسير فجرى في التأنيث مجرى ما لا يعقل، تقول: هي الرّجال، وهي الجذوع، وهي الجِمال، وقالت الأعراب. ويقوّى ذلك قوله: «وَإذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكةُ» وقد ذكر في موضع آخر فقال: { وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ }} [الأنعام: 93] وهذا إجماع. وقال تعالى: { { وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ }} [الرعد: 23] فتأنيث هذا الجمع وتذكيرهُ حَسَنان. وقال السُّدي: ناداه جبريل وحده؛ وكذا في قراءة ٱبن مسعود. وفي التنزيل { يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِه }ِ} [النحل: 2] يعني جبريل، والروح الَوحْي. وجائز في العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع. وجاء في التنزيل {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ} يعني نُعيم بن مسعود؛ على ما يأتي. وقيل: ناداه جميع الملائكة، وهو الأظهر. أي جاء النداء من قبلهم.

قوله تعالى: {وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ} «وهو قائم» ٱبتداء وخبر «يصلِّي» في موضع رفع، وإن شئت كان نصبا على الحال من المضمر. «أن الله» أي بأن الله. وقرأ حمزة والكِسائي «إنّ» أي قالت إن الله؛ فالنداء بمعنى القول. «يبشرك» بالتشديد قراءة أهل المدينة. وقرأ حمزة «يِبْشُرُك» مخففا؛ وكذلك حُميد بن القيس المكي إلا أنه كسر الشين وضم الياء وخفف الباء. قال الأخفش: هي ثلاث لغاتٍ بمعنًى واحد.

دليل الأولى هي قراءة الجماعة أن ما في القرآن من هذا من فعل ماض أو أمرٍ فهو بالتثقيل؛ كقوله تعالى: «فَبَشِّرْ عِبَادي» فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ» «فَبَشَّرْنَاهِا بإسْحَاقَ» قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ». وأما الثانية وهي قراءة عبدالله بن مسعود فهي من بَشَر يَبْشُر وهي لغة تِهامة؛ ومنه قول الشاعر:

بشَرتُ عِيالي إذْ رأيتُ صحيفةًأتتك من الحجّاج يُتلى كتابُهَا

وقال آخر:

وإذا رأيت الباهشين إلى النّدىغُبْراً أكُفُّهُم بِقاعٍ مُمْحِلِ فأعِنْهُم وٱبَشْر بما بَشروا بهوإذا هُم نَزِلُوا بضَنْك فانزِل

وأما الثالثة فهي من أبشر يُبشر إبشارا قال:

يا أم عَمْرو أبشري بالبُشْرَىموتٍ ذريعٍ وجَرادٍ عَظْلَى

قوله تعالى: {بِيَحْيَـىٰ} كان ٱسمه في الكتاب الأوّل حيا، وكان ٱسم سارّة زوجة إبراهيم عليهما السلام يسارة، وتفسيره بالعربية لا تلد، فلما بُشِّرت بإسحاق قيل لها: سارة، سمّاها بذلك جبريل عليه السلام. فقالت: يا إبراهيم لم نقص من اسمي حرف؟ فقال إبراهيم ذلك لجبريل عليه السلام. فقال: «إن ذلك الحرف زيد في اسم ٱبنٍ لها من أفضل الأنبياء اسمه حيّي وسمي بيحي». ذكره النقاش. وقال قتّادة سمي بيحي لأن الله تعالى أحياه بالإيمان والنبوّة. وقال بعضهم: سُمّي بذلك لأن الله تعالى أحيا به الناس بالهُدَى. وقال مُقاتِل: ٱشتق ٱسمه من ٱسم الله تعالى حىّ فسميّ يحيي. وقيل: لأنه أحيا به رحم أمّه.

{مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} يعني عيسى في قول أكثر المفسرين. وسميِّ عيسى كلمة لأنه كان بكلمة الله تعالى التي هي «كن» فكان من غير أب. وقرأ أبو السّمّال العَدَوي «بِكْلِمة» مكسورة الكاف ساكنة اللام في جميع القرآن، وهي لغة فصيحة مثل كِتْف وفِخْذ. وقيل: سمِّي كلمة لأن الناس يهتدون به كما يهتدون بكلام الله تعالى. وقال أبو عبيد: معنى «بكلمة من الله» بكتاب من الله. قال: والعرب تقول أنشدني كلمة أي قصيدة؛ كما رُوي أن الحُوَيْدرَة ذُكِر لحسّان فقال: لعن الله كلمته، يعني قصيدته. وقيل غير هذا من الأقوال. والقول الأوّل أشهر وعليه من العلماء الأكثر. و «يحيْ» أوّل من آمن بعيسى عليه السلام وصَدّقه، وكان يحي أكبر من عيسى بثلاث سنين ويقال بستة أشهر. وكانا ٱبني خالة، فلما سمع زكريا شهادته قام إلى عيسى فضمّه إليه وهو في خِرَقه. وذكر الطبري أن مريم لما حملت بعيسى حملت أيضا أختها بيحيْ؛ فجاءت أختها زائرة فقالت: يا مريم اشعرت أني حملت؟ فقالت لها مريم: أشعرت أنت أنى حملت؟ فقالت لها: وإني لأجد ما في بطني يسجد لما في بطنك. وذلك أنه روي أنها أحست جنينها يخر برأس إلى ناحية بطن مريم. قال السدى: فذلك قوله {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ}. «ومصدقا» نصب على الحال. {وَسَيِّداً} السيد؛ الذي يسود قومه ويُنْتَهَى إلى قوله، وأصله سَيْود يقال: فلان أسْوَد من فلان، أفعل من السيادة؛ ففيه دلالة على جواز تسمية الإنسان سيداً كما يجوز أن يسمى عزيزا أو كريما. وكذلك رُوي

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لبني قُريظة: «قوموا إلى سيدكم». وفي البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحسن: «إن ٱبني هذا سيد ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» وكذلك كان، فإنه لما قُتل علي رضي الله عنه بايعه أكثر من أربعين ألفا وكثير ممن تخلّف عن أبيه وممن نَكث بيعته، فبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالعراق وما وراءها من خُراسان، ثم سار إلى معاويةَ في أهل الحجاز والعراق وسار إليه معاوية في أهل الشام؛ فلما تراءى الجَمعان بموضع يقال له «مَسْكِن» من أرض السّواد بناحية الأنبار كره الحسَنُ القتالَ لعلمه أن إحدى الطائفتين لا تغلب حتى تهِلك أكثر الأخرى فيهلك المسلمون؛ فسلّم الأمر إلى معاوية على شروط شرطها عليه، منها أن يكون الأمر له من بعد معاوية؛ فالتزم كل ذلك معاوية فصدَق عليه السلام:إن ٱبني هذا سيدولا أسود ممن سوّده الله تعالى ورسوله. قال قَتادة في قوله تعالى {وَسَيِّداً} قال: في العلم والعبادة. ٱبن جبير والضحاك: في العلم والتُّقي. مجاهد: السيّد الكريم. ٱبن زيد: الذي لا يغلبه الغضب. وقال الزجاج: السيّد الذي يفوق أقرانه في كل شيء من الخير. وهذا جامع. وقال الكِسائي: السيد من المِعَز المسن المسِنّ. وفي الحديث. ثَنيُّ من الضأن خير من السيّد المعز. قال:

سواءٌ عليه شاةُ عامٍ دَنتْ لهليذبحها للضّيِف أم شاة سيّدِ

{وَحَصُوراً} أصله من الحصر وهو الحبس. حَصَرني الشيء وأحصرني إذا حبسني. قال ٱبن ميّادة:

وما هجرُ ليلَى أن تكون تباعدتعليكَ ولا أن أحْصَرتك شُغولُ

وناقة حصور: ضيّقة الإحليل. والحَصُور الذي لا يأتي النساء كأنه مُحجِم عنهن؛ كما يقال: رجل حصور وحصير إذا حبَس رِفده ولم يخرج ما يخرجه النَّدامَى. يقال: شرِب القوم فحِصر عليهم فلان، أي بِخل؛ عن أبي عمرو. قال الأخطل:

وشارِبٍ مُرْبح بالكأس نادمنيلا بالحَصُور ولا فيها بِسوّار

وفي التنزيل {وَجَعَلْنا جَهَنَّم للكْافِرِينَ حَصِيرا} أي محبِساً. والحِصير الملِك لأنه محجوب. وقال لبِيد:

وقُماقِمٍ غُلْبِ الرّقابِ كأنهمجِنُّ لدى باب الحصير قِيام

فيحيي عليه السلام حصور، فعول بمعنى مفعول لا يأتي النساء؛ كأنه ممنوع مما يكون في الرجال؛ عن ٱبن مسعود وغيره. وفعول بمعنى مفعول كثير في اللغة، من ذلك حلوب بمعنى محلوبة؛ قال الشاعر:

فيها ٱثنتان وٱربعون حَلُوبةًسُوداً كخافية الغراب الأسْحَمِ

وقال ٱبن مسعود أيضا وٱبن عباس وٱبن جُبير وقَتادة وعطاء وأبو الشعثاء والحسنُ والسُّدي وٱبن زيد: هو الذي يكُفّ عن النساء ولا يقربهن مع القدرة. وهذا أصح الأقوال لوجهين: أحدهما أنه مَدْحٌ وثناءٌ عليه، والثناء إنما يكون عن الفعل المكتسَب دون الحِبِلّة في الغالب. الثاني أن فعولا في اللغة من صيغ الفاعلين؛ كما قال:

ضَروبٌ بنصل السّيف سُوقَ سِمانِهاإذا عَدِموا زادا فإنك عاقِرُ

فالمعنى أنه يحصر نفسه عن الشهوات. ولعلّ هذا كان شرعهِ؛ فأما شرعُنا فالنكاح، كما تقدم. وقيل: الحصور العِنِّين الذي لا ذَكَر له يتأتّى له به النكاح ولا يُنزل؛ عن آبن عباس أيضا وسعيد ٱبن المسيب والضحاك. وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كُل ٱبن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذّبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيي ابن زكريا فإنه كان سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين» ـ ثم أهوى النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى قَذاة من الأرض فأخذها وقال: «كان ذَكَره هكذا مثل هذه القذاة». وقيل: معناه الحابس نفسَه عن معاصي الله عز وجل. {ونبياً مِن الصالِحِين} قال الزجاج: الصالح الذي يؤدّي لله ما ٱفترض عليه، وإلى الناس حقوقهم.

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ۝٤٠

قيل: الرب هنا جبريل، أي قال لجبريل: ربَّ ـ أي يا سيدي ـ أنَّي يكون لي غلام؟ يعني ولدا؛ وهذا قول الكلبي. وقا ل بعضهم: قوله «رب» يعني الله تعالى. «أنَّى» بمعنى كيف، وهو في موضع نصب على الظرف. وفي معنى هذا الاستفهام وجهان: أحدهما أنه سأل هل يكون له الولد وهو وٱمرأته على حاليهما أو يُردّان إلى حال مَن يَلِد؟. الثاني سأل هل يُرزق الولد من ٱمرأته العاقر أو من غيرها. وقيل: المعنى بأي منزلة آستوجب هذا وأنا وٱمرأتي على هذه الحال؛ على وجه التواضع. ويروى أنه كان بين دعائه والوقت الذي بُشِّر فيه أربعون سنة، وكان يوم بشر ٱبن تسعين سنة وٱمرأته قريبة السّن منه. وقال ٱبن عباس والضحاك: كان يوم بشِّر ٱبن عشرين ومائة سنة وكانت ٱمرأته بنت ثمان وتسعين سنة؛ فذلك قوله {وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ} أي عَقيم لا تلد. يقال: رجل عاقر وٱمرأة عاقر بيّنة العقْر.وقد عَقُرت وعَقُر (بضم القاف فيهما) تعقُر عُقْرا صارت عاقرًا، مثل حسنت تحسن حسنا؛ عن أبي زيد. وعُقارة أيضاً. وأسماء الفاعلين من فُعل فعيلة، يقال: عظمت فهي عظيمة، وظرفت فهي ظريفة. وإنما قيل عاقر لأنّه يراد به ذات عُقْر على النسب، ولو كان على الفعل لقال: عقرت فهي عقيرة كأنّ بها عقرًا، أي كبرًا من السنّ يمنعها من الولد. والعاقر: العظيم من الرمل لا ينبت شيئاً. والعُقْر أيضا مهر المرأة إذا وطئت على شُبهة. وبيضة العُقْر: زعموا هي بيضة الديك؛ لأنه يبيض في عمره بيضة واحدة إلى الطّول. وعُقْر النار أيضاً. وسطحها ومعظمها. وعَقْر الحوض: مؤخّره حيث تقف الإبل إذا وردت؛ يقال: عُقْر وعُقُر مثل عُسْر وعُسُر، والجمع الأعقار فهو لفظ مشترك. والكاف في قوله «كذلك» في موضع نصب، أي يفعل الله ما يشاء مثل ذلك. والغلام مشتق من الغُلْمة وهو شدّة طلب النكاح. وٱغتلم الفحل غُلْمة هاج من شهوة الضِّراب. وقالت لَيْلى الأخْيَليّة:

شفاها من الداء العُضال الذي بها غلامٌ إذا هَزَّ القناة سقاها

والغلام الطارّ الشارب. وهو بيّن الغُلُومة والغُلوميّة، والجمع الغِلمة والغلمان. ويقال: إن الغَيْلم الشابّ والجارية أيضاً. والغَيْلم: ذكر السُّلَحْفاة. والغيلم موضع. وٱغتلم البحر هاج وتلاطمت أمواجه.

قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَٰرِ ۝٤١

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً} «جعل» هنا بمعنى صيّر لتعديه إلى مفعولين. و «لي» في موضع المفعول الثاني. ولما بُشِّر بالولد ولم يَبْعُد عنده هذا في قدرة الله تعالى طلب آية ـ أي علامة ـ يعرف بها صحة هذا الأمر وكونهَ من عند الله تعالى، فعاقبه الله تعالى بأن أصابة السكوت عن كلام الناس لسؤاله الآيَة بعد مُشافهة الملائكة إياه؛ قاله أكثر المفسرين. قالوا: وكذلك إن لم يكن من مرض خرسٌ أو نحوه ففيه على كل حال عقاب مّا. قال ٱبن زيد: إن زكريا عليه السلام لما حملت زوجة منه بيحيى أصبح لا يستطيع أن يكلم أحد، وهو مع ذلك يقرأ التوراة ويذكر الله تعالى؛ فإذا أراد مقاولة أحد لم يطقة

الثانية: قوله تعالى: {إِلاَّ رَمْزاً} الرمز في اللغة الإيماء بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين واليدين؛ وأصله الحركة. وقيل: طلب تلك الآية زيادة طمأنينة. المعنى: تممّ النعمة بأن تجعل لي آية، وتكون تلك الآية زيادة نعمة وكرامة؛ فقيل له: {آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ} أي تمنع من الكلام ثلاث ليال؛ دليل هذا القول قوله تعالى بعد بشرى الملائكة له:

{ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } [مريم: 9] أي أوجدتك بقدرتي فكذلك أوجد لك الولد. وآختار هذا القول النحاس وقال: قول قتادة إن زكريا عوقب بترك الكلام قول مرغوب عنه؛ لأن الله عز وجل لم يخبرنا أنه أذنب ولا أنه نهاه عن هذا؛ والقول فيه أن المعنى اجعل لي علامة تدل على كون الولد، إذ كان ذلك مغيباً عني. و «رَمْزاً» نصب على الاستثناء المنقطع؛ قاله الأخفش. وقال الكسائي: رمز يرمز ويرمز. وقرىء «إلا رمزا» بفتح الميم و «رمزا» بضمها وضم الراء، الواحدة رمزة.

الثالثة: في هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام وذلك موجود في كثير من السنة، وآكد الإشارات ما حكم به النبيّ صلى الله عليه وسلم من أمر السوداء حين قال لها:

«أين الله»؟ فأشارت برأسها إلى السماء فقال: «أعتقها فإنها مؤمنة». فأجاز الإسلام بالإشارة الذي هو أصل الديانة الذي يحرز الدم والمال وتستحق به الجنة وينجي به من النار، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك؛ فيجب أن تكون الإشارة عاملة في سائر الديانة، وهو قول عامة الفقهاء. وروى ٱبن القاسم عن مالك أن الأخرس إذا أشار بالطلاق إنه يلزمه. وقال الشافعيّ في الرجل يمرض فيختل لسانه فهو كالأخرس في الرجعة والطلاق. وقال أبو حنيفة: ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف، وإن شك فيها فهي باطل، وليس ذلك بقياس وإنما هو ٱستحسان. والقياس في هذا كله أنه باطل؛ لأنه لا يتكلم ولا تعقل إشارته. قال أبو الحسن بن بطّال: وإنما حمل أبا حنيفة على قوله هذا أنه لم يعلم السنن التي جاءت بجواز الإشارات في أحكام مختلفة في الديانة. ولعل البخاري حاول بترجمته «باب الإشارة في الطلاق والأُمور» الردَّ عليه. وقال عطاء: أراد بقوله {أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ} صوم ثلاثة أيام. وكانوا إذا صاموا لا يتكلمون إلا رمزاً. وهذا فيه بُعْدٌ. والله أعلم.

الرابعة: قال بعض من يجيز نسخ القرآن بالسّنّة: إن زكريا عليه السلام مُنع الكلامَ وهو قادر عليه، وإنه منسوخ بقوله عليه السلام:

لا صَمْتَ يوماً إلى الليل. وأكثر العلماء على أنه ليس بمنسوخ، وأن زكريا إنما منع الكلام بآفة دخلت عليه منعته إياه، وتلك الآفة عدم القدرة على الكلام مع الصحة؛ كذلك قال المفسرون. وذهب كثير من العلماء إلى أنه. «لا صَمْتَ يوماً إلى الليل» إنما معناه عن ذكر الله، وأما عن الهَذَر وما لا فائدة فيه، فالصمت عن ذلك حسن.

قوله تعالى: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ} أمره بألاّ يترك الذكر في نفسه مع ٱعتقال لسانه؛ على القول الأوّل. وقد مضى في البقرة معنى الذكر. وقال محمد ٱبن كعب القرظيّ: لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا بقول الله عز وجل {أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً} ولرخص للرجل يكون في الحرب بقول الله عز وجل:

{ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً } [الأنفال: 45]. وذكره الطبري. «وسَبِّحْ» أي صلِّ؛ سميت الصلاة سُبْحَة لما فيها من تنزيه الله تعالى عن السوء. و «العشيّ» جمع عشِية. وقيل: هو واحد. وذلك من حين تزول الشمس إلى أن تغيب؛ عن مجاهد. وفي الموطأ عن القاسم بن محمد قال: ما أدركت الناس إلا وهم يصلون الظهر بعشيّ. «والإبكار» من طلوع الفجر إلى وقت الضحى.

وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٤٢

قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاكِ} أي ٱختارك، وقد تقدّم. {وَطَهَّرَكِ} أي من الكفر؛ عن مجاهد والحسن. الزجاج: من سائر الأدناسِ من الحيض والنفاس وغيرهما، وٱصطفاك لولادة عيسى {عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَالَمِينَ } يعني عالمِي زمانها؛ عن الحسن وٱبن جُريج وغيرهما. وقيل: {على نساء العالمين} أجمع إلى يوم الصور، وهو الصحيح على ما نبينه، وهو قول الزجاج وغيره. وكرر الاصطفاء لأن معنى الأوّل الاصطفاء لعبادته، ومعنى الثاني لولادة عيسى. وروى مسلم عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنتِ عمران وآسية ٱمرأةِ فرعون وإنّ فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. قال علماؤنا رحمة الله عليهم: الكمال هو التناهي والتمام؛ ويقال في ماضيه «كمل» بفتح الميم وضمها، ويكمل في مضارعه بالضم، وكمال كل شيء بحسبِه. والكمال المطلق إنما هو لله تعالى خاصة. ولا شك أن أكمل نوع الإنسان الأنبياء ثم يليهم الأولياء من الصدّيقين والشهداء والصالحين. وإذا تقرّر هذا فقد قيل: إن الكمال المذكور في الحديث يعني به النبوّة فيلزم عليه أن تكون مريم عليها السلام وآسية نبيّتين، وقد قيل بذلك. والصحيح أن مريم نبيّة؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحى إلى سائر النبيين حسب ما تقدّم ويأتي بيانه أيضاً في «مريم». وأما آسية فلم يرِد ما يدل على نبوّتها دلالة واضحة بل على صدّيقيتها وفضلها، على ما يأتي بيانه في «التحريم». وروي من طرق صحيحة أنه عليه السلام قال فيما رواه عنه أبو هريرة:خير نساء العالمين أربع مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم ٱمرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد. ومن حديث ٱبن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم ٱمرأة فرعون. وفي طريق آخر عنه: سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم فاطمة وخديجة. فظاهر القرآن والأحاديث يقتضي أن مريم أفضل من جميع نساء العالم من حوّاء إلى آخر ٱمرأة تقوم عليها الساعة؛ فإن الملائكة قد بلغتها الوحي عن الله عز وجل بالتكليف والإخبار والبشارة كما بلغت سائر الأنبياء؛ فهي إذاً نبيّة والنبيّ أفضل من الوليّ فهي أفضل من كل النساء: الأوّلين والآخرين مطلقاً. ثم بعدها في الفضيلة فاطمة ثم خديجة ثم آسِية. وكذلك رواه موسى بن عقبة عن كُرَيْب عن ٱبن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسِية. وهذا حديث حسن يرفع الإشكال. وقد خصّ الله مريم بما لم يؤته أحداً من النساء؛ وذلك أن روح القدس كلمها وظهر لها ونفخ في دِرعها ودنا منها للنفخة؛ فليس هذا لأحد من النساء. وصدّقت بكلمات ربها ولم تسأل آية عندما بُشِّرت كما سأل زكريا صلى الله عليه وسلم من الآية؛ ولذلك سماها الله في تنزيله صِدّيقة فقال: { وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ }[المائدة: 75]. وقال: { وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبَّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ } [التحريم: 12] فشهد لها بالصدّيقية وشهد لها بالتصديق لكلمات البشرى وشهد لها بالقُنُوت. وإنما بشر زكريا بغلام فلحظ إلى كبر سنه وعقامة رحم ٱمرأته فقال: أنى يكون لي غلام وٱمرأتي عاقر؛ فسأل آية؛ وبشرت مريم بالغلام فلحظت أنها بِكْرٌ ولم يمسسها بشر فقيل لها: { كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ }[مريم: 21] فاقتصرت على ذلك، وصدقت بكلمات ربها ولم تسأل آية ممن يعلم كُنْه هذا الأمر، ومن لأمرأة في جميع نساء العالمين من بنات آدم ما لها من هذه المناقب!. ولذلك روي أنها سبقت السابقين مع الرسل إلى الجنة؛ جاء في الخبر عنه صلى الله عليه وسلم: لو أقسمتُ لبرَرْتُ لا يدخل الجنة قبل سابقي أمتي إلا بضعة عشر رجلاً منهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى ومريم ٱبنة عمران. وقد كان يحِق على من ٱنتحل علم الظاهر وٱستدل بالأشياء الظاهرة على الأشياء الباطنة أن يعرف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:أنا سيد ولد آدم ولا فخر وقوله حيث يقول: لِواء الحمد يوم القيامة بيدي ومفاتيح الكرم بيدي وأنا أوّل خطيب وأوّل شفيع وأوّل مُبشِّر وأوّل وأوّل. فلم ينْل هذا السّؤدد في الدنيا على الرسل إلا لأمر عظيم في الباطن. وكذلك شأن مريم لم تنل شهادة الله في التنزيل بالصدّيقية والتصديق بالكلمات إلا لمرتبة قريبة دانية. ومن قال لم تكن نبية قال: إن رؤيتها للملك كما رؤي جبريل عليه السلام في صفة دِحية الكلبي حين سؤاله عن الإسلام والإيمان ولم تكن الصحابة بذلك أنبياء والأوّل أظهر وعليه الأكثر. والله أعلم.

يَٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ۝٤٣

أي أطيلي القيام في الصلاة؛ عن مجاهد. قتادة: أدِيمي الطاعة. وقد تقدّم القول في القنوت. قال الأوزاعِيّ: لما قالت لها الملائكة ذلك قامت في الصلاة حتى وَرِمت قدماها وسالت دماً وقيحاً عليها السلام. {وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي} قدّم السجود هاهنا على الركوع لأن الواو لا توجب الترتيب؛ وقد تقدّم الخلاف في هذا في البقرة عند قوله تعالى:

{ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ }} [البقرة: 158]. فإذا قلت: قام زيد وعمرو جاز أن يكون عمرو قام قبل زيد، فعلى هذا يكون المعنى وٱركعي وٱسجدي. وقيل: كان شرعهم السجود قبل الركوع. {مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ } قيل: معناه ٱفعلي كفعلهم وإن لم تصلي معهم. وقيل: المراد به صلاة الجماعة. وقد تقدّم في البقرة.

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ۝٤٤

فيه أربع مسائل:

الأُولى: قوله تعالى: {ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ} أي الذي ذكرنا من حديث زكريا ويحيى ومريم عليهم السلام من أخبار الغيب. {نُوحِيهِ إِلَيكَ} فيه دلالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر عن قصة زكريا ومريم ولم يكن قرأ الكتب؛ وأخبر عن ذلك وصدّقه أهل الكتاب بذلك؛ فذلك قوله تعالى: {نُوحِيهِ إِلَيكَ} فردّ الكناية إلى «ذلك» فلذلك ذُكِّر. والإيحاء هنا الإرسال إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. والوحي يكون إلهاماً وإيماء وغير ذلك. وأصله في اللغة إعلام في خفاء؛ ولذلك صار الإلهام يسمى وحياً؛ ومنه

{ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ }} [المائدة: 111] وقوله: { وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ }} [النحل: 68] وقيل: معنى {أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ} أمرتهم؛ يقال: وحى وأوحى، ورمى وأرمى بمعناه. قال العجاج:

أوحـى لهـا القـرار فاستقـرّتِ

أي أمر الأرض بالقرار. وفي الحديث: «الوحي الوحي» وهو السرعة؛ والفعل منه توحيت توحياً. قال ٱبن فارس: الوحي الإشارة والكتابة والرسالة، وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى يعلمه وحي كيف كان. والوميّ السريع. والوَحَي الصَّوْت؛ ويقال: ٱستوحيناهم أي ٱستصرخناهم. قال:

أوحيـت ميمونـاً لهـا والأزراق

الثانية: قوله تعالى {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ} أي وما كنت يا محمد لديهم، أي بحضرتهم وعندهم. {إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ} جمع قَلَم؛ من قَلَمه إذا قطعه. قيل: قداحهم وسهامهم. وقيل: أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة، وهو أجود؛ لأن الأزلام قد نهى الله عنها فقال { ذٰلِكُمْ فِسْقٌ } [المائدة: 3]. إلا أنه يجوز أن يكونوا فعلوا ذلك على غير الجهة التي كانت عليها الجاهلية تفعلها. {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} أي يحضنها، فقال زكريا: أنا أحق بها، خالتها عندي. وكانت عنده أشيع بنت فاقود أخت حَنّة بنت فاقود أمّ مريم. وقال بنو إسرائيل: نحن أحق بها، بنت عالمِنا. فاقترعوا عليها وجاء كل واحد بقلمه، وٱتفقوا أن يجعلوا الأقلام في الماء الجاري فمن وقف قلمه ولم يجره الماء فهو حاضنها. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:فجرتِ الأقلام وعال قلم زكريا. وكانت آية له؛ لأنه نبيّ تجري الآيات على يديه. وقيل غير هذا. و {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} ٱبتداء وخبر في موضع نصب بالفعل المضمر الذي دل عليه الكلام؛ التقدير: ينظرون أيهم يكفل مريم. ولا يعمل الفعل في لفظ «أي» لأنها ٱستفهام.

الثالثة: ٱستدل بعض علمائنا بهذه الآية على إثبات القُرْعة، وهي أصل في شرعنا لكل من أراد العدل في القسمة، وهي سنة عند جمهور الفقهاء في المستويين في الحجة ليعدل بينهم وتطمئن قلوبهم وترتفع الظِّنة عمن يتولى قسمتهم، ولا يفضل أحد منهم على صاحبه إذا كان المقسوم من جنس واحد ٱتباعاً للكتاب والسنَّة. وردّ العملَ بالقُرْعة أبو حنيفة وأصحابه، وردّوا الأحاديث الواردة فيها، وزعموا أنها لا معنى لها وأنها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها. وحكى ٱبن المنذر عن أبي حنيفة أنه جوّزها وقال: القرعة في القياس لا تستقيم، ولكنا تركنا القياس في ذلك وأخذنا بالآثار والسنّة. قال أبو عبيد: وقد عمِل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: يونس وزكريا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قال ٱبن المنذر. وٱستعمال القرعة كالإجماع من أهل العلم فيما يقسم بين الشركاء، فلا معنى لقول من ردّها. وقد ترجم البخاريّ في آخر كتاب الشهادات (باب القُرْعةِ في المشكِلات وقولِ الله عز وجل {إذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ}) وساق حديث النعمان بن بشير:

مثل القائم على حدود الله والمُدْهِن فيها مثل قوم ٱستهموا على سفينة الحديثَ. وسيأتي في «الأنفال» إن شاء الله تعالى، وفي سورة «الزخرف» أيضاً بحول الله سبحانه، وحديث أمِّ العلاء، وأن عثمان بن مَظْعُون طار لهم سَهمُه في السُّكْنى حين ٱقترعت الأنصار سُكْنَى المهاجرين، الحديث، وحديث عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها؛ وذكر الحديث.

وقد ٱختلفت الرواية عن مالك في ذلك؛ فقال مرّةً: يقرع للحديث. وقال مَرّة: يسافر بأوفقهنّ له في السفر. وحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

لو يعلم الناس ما في النِّداءِ والصّفّ الأوّل ثم لم يجدوا إلا أن يستهِموا عليه لاستهموا. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وكيفية القُرْعة مذكورة في كتب الفقه والخلاف. وٱحتج أبو حنيفة بأن قال: إن القرعة في شأن زكريا وأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم كانت مما لو تراضوا عليه دون قرعة لجاز. قال ٱبن العربيّ: «وهذا ضعيف، لأن القرعة إنما فائدتها استخراج الحكم الخفي عند التشاحّ؛ فأما ما يخرجه التراضي فيه فباب آخر، ولا يصح لأحد أن يقول: إن القرعة تجري مع موضِع التراضي، فإنها لا تكون أبداً مع التراضي» وإنما تكون فيما يتَشَاحّ الناس فيه ويُضَنُّ به. وصفة القرعة عند الشافعيّ ومن قال بها: أن تُقطع رِقاع صغار مستوية فيكتب في كل رقعة ٱسم ذي السهم ثم تجعل في بنادق طين مستوية لا تفاوت فيها ثم تجفف قليلاً ثم تلقى في ثوب رجل لم يحضر ذلك ويغطي عليها ثوبه ثم يدخل يده ويخرج، فإذا أخرج ٱسم رجل أعطي الجزء الذي أقرع عليه.

الرابعة: ودلت الآية أيضاً على أن الخالة أحق بالحضانة من سائر القرابات ما عدا الجدّة، وقد قضى النبيّ صلى الله عليه وسلم في ٱبنة حمزة ـ وٱسمها أمة الله ـ لجعفر وكانت عنده خالتها، وقال:

إنما الخالة بمنزلة الأم وقد تقدّمت في البقرة هذه المسألة. وخرّج أبو داود عن عليّ قال: خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدِم بٱبنة حمزة فقال جعفر: أنا آخذها أنا أحق بها ٱبنة عمي وخالتها عندي، وإنما الخالة أم. فقال عليّ: أنا أحق بها ٱبنة عمي وعندي ٱبنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أحق بها. وقال زيد: أنا أحق بها، أنا خرجت إليها وسافرت وقدِمت بها؛ فخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر حديثاً قال: «وأما الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع خالتها وإنما الخالة أمٌّ». وذكر ٱبن أبي خيثمة أن زيد بن حارثة كان وصِيّ حمزة، فتكون الخالة على هذا أحقَّ من الوصِيّ ويكون ٱبن العمّ إذا كان زوجاً غير قاطع بالخالة في الحضانة وإن لم يكن مَحْرَماً لها.

إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ۝٤٥ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝٤٦

دليل على نبوّتها كما تقدّم. و «إذ» متعلقة بـ «يختصِمون» ويجوز أن تكون متعلقة بقوله: «وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ». {بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ} وقرأ أبو السّمان «بِكلْمَة منه»، وقد تقدّم. {ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ} ولم يقل ٱسمها لأن معنى كلمة معنى ولد. والمسيح لقب لعيسى ومعناه الصدّيق؛ قاله إبراهيم النخعيّ. وهو فيما يقال معرّب وأصله الشين وهو مشترك. وقال ٱبن فارس: والمسِيح العرق، والمَسِيح الصّدّيق، والمَسِيح الدرهم الأطلس لا نقش فيه. والْمَسْح الجماع؛ يقال مسحها. والأَمْسح: المكان الأملس. والمسحاء المرأة الرّسْحاء التي لا ٱسْتَ لها. وبفلان مَسْحة من جمال. والمسائح قِسِيٌّ جِياد، واحدتها مَسِيحة. قال:

لها مَسائحُ زُورٌ في مراكِضها لِينٌ وليس بها وَهْن ولا رَقَق

وٱختلِف في المسيح ٱبن مريم مما ذا أخذ؛ فقيل: لأنه مسح الأرض، أي ذهب فيها فلم يستكِنّ بِكِنّ. وروِي عن ٱبن عباس أنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برِيء؛ فكأنه سمي مسيحاً لذلك، فهو على هذا فعيلٌ بمعنى فاعل. وقيل: لأنه ممسوح بدهن البركة، كانت الأنبياء تُمسح به، طيّبِ الرائحة؛ فإذا مُسح به عُلم أنه نبيّ. وقيل: لأنه كان ممسوح الأخمصيْن. وقيل: لأن الجمال مسحة، أي أصابه وظهر عليه. وقيل: إنما سمي بذلك لأنه مسح بالطهر من الذنوب. وقال أبو الهيثم: المسيح ضِد المسيخ؛ يقال: مسحه الله أي خلقه خلقاً حسناً مباركاً، ومسخه أي خلقه خلقاً ملعوناً قبيحاً. وقال ٱبن الأعرابي: المسيح الصِّدِّيق، والمسيخ الأعور، وبه سمي الدّجال. وقال أبو عبيد: المسيح أصله بالعبرانية مشِيحاً بالشين فعرّب كما عرب موشى بموسى. وأما الدّجال فسمي مسيحاً لأنه ممسوح إحدى العينين. وقد قيل في الدجال مِسِّيح بكسر الميم وشد السين. وبعضهم يقول كذلك بالخاء المنقوطة. وبعضهم يقول مسيخ بفتح الميم وبالخاء والتخفيف؛ والأوّل أشهر وعليه الأكثر. سمي به لأنه يسيح في الأرض أي يطوفها ويدخل جميع بلدانها إلا مكة والمدينة وبيت المقدس؛ فهو فعِيل بمعنى فاعل، فالدجال يمسح الأرض مِحْنَةً، وٱبن مريم يمسحها مِنْحَةً. وعلى أنه ممسوح العين فعيل بمعنى مفعول. وقال الشاعر:

إنّ المسِيـح يقتـل المِسيخـا

وفي «صحيح مسلم» عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس من بلد إلا سيطؤه الدّجال إلا مكّةَ والمدينةَ الحديث. ووقع في حديث عبد الله بن عمرو. إلا الكعبة وبيت المقدس ذكره أبو جعفر الطبري. وزاد أبو جعفر الطحاويّ. «ومسجد الطور»؛ رواه من حديث جُنَادَة بن أبي أمية عن بعض أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وفي حديث أبي بكر بن أبي شيبة عن سمرة بن جُنْدُّب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: وأنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس وأنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس. وذكر الحديث. وفي صحيح مسلم: فبينا هو كذلك إذ بعث الله المسيح ٱبن مريم فينزل عند المنارة البيضاءِ شَرْقَّي دِمَشق بين مَهْرُودتين واضِعاً كفّيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قَطَر وإذا رفعه تحدّر منه جُمَان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نَفَسه إلا مات، ونَفَسُه ينتهي حيث ينتهي طَرْفه فيطلبه حتى يدركَه بباب لُدٍّ فيقتله الحديث بطوله. وقد قيل: إن المسيح ٱسم لعيسى غير مشتق سماه الله به. فعلى هذا يكون عيسى بدلاً من المسيح من البدل الذي هو هو. وعيسى ٱسم أعجمي فلذلك لم ينصرف وإن جعلته عربيّاً لم ينصرف في معرفة ولا نكرة؛ لأن فيه ألف تأنيث. ويكون مشتقّاً من عاسه يُعوسه إذا ساسه وقام عليه. {وَجِيهاً} أي شريفاً ذا جاهٍ وقَدر، وٱنتصب على الحال؛ قاله الأخفش. {وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} عِند الله تعالى وهو معطوف على «وجيهاً» أي ومُقَرّباً؛ قاله الأخفش. وجمع وجيه وُجهاء ووِجهاء. {وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ} عطف على «وجيهاً»؛ قاله الأخفش أيضاً. و {ٱلْمَهْدِ} مضجع الصبيّ في رضاعه. ومهدت الأمر هيأته ووطّأته. وفي التنزيل { فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } [الروم: 44]. وٱمتهد الشيء ٱرتفع كما يمتهد سنام البعير. {وَكَهْلاً} الكهل بين حال الغلومة وحال الشيخوخة. وٱمرأة كهلة. وٱكتهلت الروضة إذا عمها النَّوْر. يقول: يكلم الناس في المهد آية، ويكلمهم كهلاً بالوحي والرسالة. وقال أبو العباس: كلمهم في المهد حين برّأ أمَّه فقال: { إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ } [مريم: 30] الآية. وأما كلامه وهو كهل فإذا أنزله الله تعالى من السماء أنزله على صورة ٱبن ثلاثٍ وثلاثين سنة وهو الكهل فيقول لهم: {إني عبد الله} كما قال في المهد. فهاتان آيتان وحجتان. قال المهدوِي: وفائدة الآية أنه أعلمهم أن عيسى عليه السلام يكلمهم في المهد ويعيش إلى أن يكلمهم كهلاً، إذ كانت العادة أن من تكلم في المهد لم يعش. قال الزجاج: «وكهلاً» بمعنى ويكلم الناس كهلاً. وقال الفَرّاء والأخفش: هو معطوف على «وجِيهاً». وقيل: المعنى ويكلم الناس صغيراً وكهلاً. وروى ٱبن جُريج عن مجاهد قال: الكهل الحليم. قال النحاس: هذا لا يُعرف في اللغة، وإنما الكهل عند أهل اللغة من ناهز الأربعين. وقال بعضهم: يقال له حَدَث إلى ستّ عشرة سنة. ثم شابّ إلى ٱثنتين وثلاثين. ثم يَكْتهل في ثلاثٍ وثلاثين؛ قاله الأخفش. {وَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} عطف على «وجِيهاً» أي وهو من العِباد الصالحين. ذكر أبو بكر بن أبي شيبة حدّثنا عبد الله بن إدريس عن حُصين عن هلال بن يسَاف. قال: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى وصاحب يوسف وصاحب جريج، كذا قال: «وصاحب يوسف». وهو في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: لم يتكلم في المهد إلاَّ ثلاثة عيسىٰ ٱبن مريم وصاحب جُريج وصاحب الجَبَّار وبيْنا صبيّ يرضع من أمّه وذكر الحديث بطوله. وقد جاء من حديث صُهيب في قصة الأخدود. «أن ٱمرأة جِيء لها لتُلقىٰ في النار على إيمانها ومعها صبيّ». في غير كتاب مسلم «يرضع فتقاعست أن تقع فيها فقال الغلام يا أمَّه ٱصبري فإنك على الحق». وقال الضحاك: تكلم في المهد ستة: شاهد يوسف وصبيّ ماشِطة ٱمرأة فرعون وعيسىٰ ويحيى وصاحب جُريج وصاحب الجَبّار. ولم يذكر الأخدود، فأسقط صاحب الأُخدود وبه يكون المتكلمون سبعة. ولا معارضة بين هذا وبين قوله عليه السَّلام. لم يتكلم في المهد إلاَّ ثلاثة بالحصر فإنه أخبر بما كان في علمه مما أوحى إليه في تلك الحال، ثم بعد هذا أعلمه الله تعالىٰ بما شاء من ذلك فأخبر به.

قلت: أما صاحب يوسف فيأتي الكلام فيه، وأما صاحب جُريج وصاحب الجَبّار وصاحب الأُخدودِ ففي «صحيح مسلم». وستأتي قصة الأخدود في سورة «البروج» إن شاء الله تعالى. وأما صبيّ ماشطةِ (ٱمرأةِ) فرعون، فذكر البيهقيّ عن ٱبن عباس قال قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

لما أسِري بي سِرْت في رائحة طيبة فقلت ما هذه الرائحة قالوا ماشطة ٱبنة فرعون وأولادها سقط مشطها من يديها فقالت: بسم الله فقالت ٱبنة فرعون: أبي؟ قالت: ربّي وربُّكِ وربُّ أبيك قالت أوَ لكِ ربّ غير أبي؟ قالت: نعم ربّي وربّكِ وربّ أبيك اللَّهُ ـ قال ـ فدعاها فرعون فقال: ألكِ ربّ غيري؟ قالت: نعم ربّي وربّكَ الله ـ قال ـ فأمر بنُقرة من نُحاس فأحميت ثم أمر بها لتلقى فيها قالت: إن لي إليك حاجةً قال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظامَ ولدي في موضع واحد قال: ذاك لكِ لما لكِ علينا من الحق. فأمر بهم فألقوا واحداً بعد واحد حتى بلغ رضيعاً فيهم فقال قَعِي يا أمّه ولا تقاعسِي فإنا على الحق ـ قال ـ وتكلم أربعة وهم صغار: هذا وشاهد يوسف وصاحب جُريج وعيسى ٱبن مريم.
الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ