انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير القرطبيالآيات 19–36

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير القرطبي.

إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَٰمُ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ۝١٩

قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} الدَّين في هذه الآية الطاعة والمِلّة، والإسلام بمعنى الإيمان والطاعات؛ قاله أبو العالية، وعليه جمهور المتكلمين. والأصل في مسمى الإيمان والإسلام التَّغَايُر؛ لحديث جبريل. وقد يكون بمعنى المَرادَفَة. فيسمى كل واحد منهما باسم الآخر؛ كما

في حديث وفد عبد القيس وأنه أمرهم بالإيمان (بالله) وحده قال: «هل تدرون ما الإيمان» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال؛ «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمساً من المغنم» الحديث. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: الإيمان بضع وسبعون بابا فأدناها إماطة الأذى وأرفعها قول لا إله إلا الله أخرجه الترمذي. وزاد مسلم والحياء شعبة من الإيمان. ويكون أيضاً بمعنى التداخل، وهو أن يطلق أحدهما ويراد به مسماه في الأصل ومسمى الآخر، كما في هذه الآية إذ قد دخل فيها التصديق والأعمال؛ ومنه قوله عليه السلام: الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركانأخرجه ٱبن ماجه، وقد تقدّم. والحقيقة هو الأوّل وضعا وشرعا، وما عداه من باب التوسع. والله أعلم.

قوله تعالى: {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} الآية. أخبر تعالى عن اختلاف أهل الكتاب أنه كان على علمٍ منهم بالحقائق، وأنه كان بغيا وطلبا للدنيا. قاله ٱبن عمر وغيره. وفي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم، قاله الأخفش. قال محمد ابن جعفر بن الزبير: المراد بهذه الآية النصارى، وهو توبيخ لنصارى نَجْرَانَ. وقال الربيع بن أنس: المراد بها اليهود. ولفظ الذين أوتوا الكتاب يعمّ اليهود والنصارى؛ أي «وما اختلف الذين أوتوا الكتاب» يعني في نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم «إلاّ مِنْ بَعْد مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ» يعني بيان صفته ونبوَّته في كتبهم. وقيل: أي وما آختلف الذين أوتوا الإنجيل في أمر عيسى وفرّقوا فيه القول إلا من بعد ما جاءهم العلم بأن الله إله واحد، وأن عيسى عبدالله ورسوله. و «بَغْياً» نصب على المفعول من أجله أو على الحال من «الذين». والله تعالى أعلم.

فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا۟ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ ۝٢٠

قوله تعالى: {فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ} أي جادلوك بالأقاويل المزوّرة والمغالطات، فأسْنِدْ أمرك إلى ما كُلِّفت من الإيمان والتبليغ وعلى الله نصرك. وقوله «وَجْهي» بمعنى ذاتْي؛ ومنه الحديث

سجد وجهي للذي خلقه وصوّره. وقيل: الوجه هنا بمعنى القصد؛ كما تقول: خرج فلان في وجه كذا. وقد تقدّم هذا المعنى في البقرة مستوفى؛ والأوّل أولى. وعبر بالوجه عن سائر الذات إذ هو أشرف أعضاء الشخص وأجمعها للحواس. وقال:

أسلمتُ وجْهي لمن أسلمتْ له المُزْنُ تحمل عَذْباً زُلاَلاَ

وقد قال حذاق المتكلمين في قوله تعالى: { وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ }} [الرحمن: 27] إنها عبارة عن الذات، وقيل: العمل الذي يقصد به وجهه. وقوله: {ومَنِ ٱتَّبَعَنِ} «مَن» في محل رفع عطفا على التاء في قوله «أَسْلَمْتُ» أي ومِن ٱتبعن أسلم أيضا، وجاز العطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد للفصل بينهما. وأثبت نافع وأبو عمرو ويعقوب ياء «ٱتْبَعنِ» على الأصل، وحذف الآخرون ٱتباعا للمصحف إذ وقعت فيه بغير ياء. وقال الشاعر:

ليس تُخفى يَسارتي قدَر يومولقد تُخْف شيمتي إعساري

قوله تعالى: {وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} يعني اليهود والنصارى «والأُميين» الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب. «أَأَسْلَمْتُمْ» ٱستفهام معناه التقرير وفي ضمنه الأمر، أي أسلموا؛ كذا قال الطبري وغيره. وقال الزجاج: «أَأَسلمتم» تهديد. وهذا حسن، لأن المعنى أَأَسلمتم أم لا. وجاءت العبارة في قوله «فَقَدِ ٱهْتَدوا» بالماضي مبالغة في الإخبار بوقوع الهدى لهم وتحصيله. و «البلاغ» مصدر بلغ بتخفيف عين الفعل، أي إنما عليك أن تُبلغَّ. وقيل: إنه مما نسخ بالجهاد. وقال ٱبن عطية: وهذا يحتاج إلى معرفة تاريخ نزولها؛ وأمّا على ظاهر نزول هذه الآيات في وَفْد نجران فإنما المعنى فإنما عليك أن تبلغ ما أُنزِل إليك بما فيه من قتال وغيره.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ۝٢١ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ۝٢٢

فيه ست مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ} قال أبو العباس المبرد: كان ناس من بني إسرائيل جاءهم النبيون يدعونهم إلى الله عز وجل فقتلوهم، فقام أناس من بعدهم من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم؛ ففيهم نزلت هذه الآية. وكذلك قال معقل بن أبي مسكين: كانت الأنبياء صلوات الله عليهم تجيء إلى بني إسرائيل بغير كتاب فيقتلونهم، فيقوم قوم ممن ٱتبعهم فيأمرون بالقِسط، أي بالعدل، فيُقتَلون. وقد روي عن ٱبن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقِسط من الناس، بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، بئس القوم قوم يمشي المؤمن بينهم بالتّقِيّةوروى أبو عبيدة بن الجرّاح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أوّل النهار في ساعةٍ واحدة فقام مائة رجل وٱثنا عشر رجلاً من عُبّاد بني إسرائيل فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فقتلوا جميعاً في آخر النهار من ذلك اليوم وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية. ذكره المهدوي وغيره. وروى شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم سبعين نبياً ثم تقوم سُوقُ بَقْلِهم من آخر النهار. فإن قال قائل: الذين وُعِظوا بهذا لم يقتلوا نبيا. فالجواب عن هذا أنهم رضوا فعل من قتل فكانوا بمنزلته؛ وأيضاً فإنهم قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهموا بقتلهم؛ قال الله عز وجل: { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ } [الأنفال: 30].

الثانية: دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجباً في الأمم المتقدّمة، وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة. قال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم:

من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه وعن درّة بنت أبي لهبٍ قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال: مَن خيرُ الناس يا رسول الله؟ قال: «آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم لرحمه». وفي التنزيل: { ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ } [التوبة: 67] ثم قال: { وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } [التوبة: 71] فجعل تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين؛ فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه. ثم إن الأمر بالمعروف لا يليق بكل أحد، وإنما يقوم به السلطان إذْ كانت إقامة الحدود إليه، والتعْزيز إلى رأيه، والحبس والإطلاق له، والنفي والتغريب؛ فينصب في كل بلدة رجلا صالحا قويا عالما أمينا ويأمره بذلك، ويمضي الحدود على وجهها من غير زيادة. قال الله تعالى: { ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَـاةَ وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } [الحج: 41].

الثالثة: وليس من شرط الناهي أن يكون عدلا عند أهل السنة، خلافا للمبتدعة حيث تقول: لا يغيره إلا عَدْل. وهذا ساقط؛ فإن العدالة محصورة في القليل من الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام في جميع الناس. فإن تشبثوا بقوله تعالى:

{ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ }} [البقرة: 44] وقوله: { كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } [الصف: 3] ونحوه، قيل لهم: إنما وقع الذمّ ها هنا على ٱرتكاب ما نهي عنه لا على نهيه عن المنكر. ولا شك في أن النهي عنه ممن يأتيه أقبح ممن لا يأتيه، ولذلك يدور في جهنم كما يدور الحمار بالرَّحى، كما بيناه في البقرة عند قوله تعالى { أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ } [البقرة: 44].

الرابعة: أجمع المسلمون فيما ذكر ٱبن عبدالبر أَنّ المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره؛ فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك. وإذا أنكر بقلبه فقد أدّى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك. قال: والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدا ولكنها مقيدة بالاستطاعة. قال الحسن: إنما يُكلَّمُ مؤمن يُرجى أو جاهل يُعلَّم؛ فأما من وضع سيفه أو سوطه فقال: ٱتّقنى آتقِنى فما لك وله. وقال ٱبن مسعود: بحسب المرء إذا رأى منكراً لا يستطيع تغييره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره. وروى ٱبن لَهِيعَة عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لا يحل لمؤمن أن يُذِلّ نفسه». قالوا: يا رسول الله وما إذلاله نفسه؟ قال: «يتعرّض من البلاء لِما لا يقوم له»

قلت: وخرّجه ابن ماجه عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن بن جندب عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكلاهما قد تُكُلِّمَ فيه. وروي عن بعض الصحابة أنه قال:

إن الرجل إذا رأى منكراً لا يستطيع النكير عليه فليقل ثلاث مرات «اللهم إنّ هذا منكر» فإذا قال ذلك فقد فعل ما عليه، وزعم ٱبن العربي أن من رجا زواله وخاف على نفسه من تغييره الضربَ أو القتل جاز له عند أكثر العلماء الاقتحامُ عند هذا الغرر، وإن لم يرجُ زواله فأي فائدة عنده. قال: والذي عندي أن النية إذا خلصت فليقتحم كيف ما كان ولا يبالي

قلت: هذا خلاف ما ذكره أبو عمر من الإجماع. وهذه الآية تدل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خوف القتل. وقال تعالى:

{ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ }} [لقمان: 17]. وهذا إشارة إلى الإذاية.

الخامسة: روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري قال؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان قال العلماء: الأمر بالمعروف باليد على الأمراء، وباللسان على العلماء، وبالقلب على الضعفاء، يعني عوامّ الناس. فالمنكر إذا أمكنت إزالته باللسان للناهي فليفعله، وإن لم يمكنه إلا بالعقوبة أو بالقتل فليفعل، فإن زال بدون القتل لم يجز القتل؛ وهذا تُلُقي من قول الله تعالى: { فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ } [الحجرات: 9]. وعليه بنى العلماء أنه إذا دفع الصائل على النفس أو على المال عن نفسه أو عن ماله أو نفسِ غيره فله ذلك ولا شيء عليه. ولو رأى زيد عمرًا وقد قصد مال بكر فيجب عليه أن يدفعه عنه إذا لم يكن صاحب المال قادرا عليه ولا راضيا به؛ حتى لقد قال العلماء: لو فرضنا (قودا). وقيل: كل بلدة يكون فيها أربعة فأهلها معصومون من البلاء: إمامٌ عادلٌ لا يظلِم، وعالِم على سبيل الهُدى، ومشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويُحرّضون على طلب العلم والقرآن، ونساؤهم مستورات لا يتبرّجن تبرّج الجاهلية الأولى.

السادسة: روى أنس بن مالك قال

قيل: يا رسول الله، متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأُمم قبلكم». قلنا: يا رسول الله، وما ظهر في الأُمم قبلنا؟ قال: «الملك في صِغاركم والفاحشة في كِباركم والعلم في رُذَالتكم». قال زيد: تفسير معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم «والعلم في رذالتكم» إذا كان العلم في الفساق. خرّجه ٱبن ماجه. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في «المائدة» وغيرها إن شاء الله تعالى. وتقدّم معنى «فبَشِّرْهُم» وْ«حَبِطَتْ» في البقرة فلا معنى للإعادة.

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ۝٢٣

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قال ٱبن عباس: هذه الآية نزلت بسبب أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيت المِدْرَاس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله. فقال له نُعَيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم

إني على مِلة إبراهيم فقالا: فإن إبراهيم كان يهوديا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا عليه فنزلت الآية. وذكر النقاش أنها نزلت لأن جماعة من اليهود أنكروا نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلمهلموا إلى التوراة ففيها صفتي فأبوا. وقرأ الجمهور «لِيَحْكُمَ» وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع «لِيُحكم» بضم الياء. والقراءة الأولى أحسن؛ لقوله تعالى: { { هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ } [الجاثية: 29].

الثانية: في هذه الآية دليل على وجوب ٱرتفاع المدعو إلى الحاكم لأنه دعي إلى كتاب الله؛ فإن لم يفعل كان مخالفا يتعين عليه الزجر بالأدب على قدر المخالِف والمخالَف. وهذا الحكم جار عندنا بالأندلس وبلاد المغرب وليس بالديار المصرية. وهذا الحكم الذي ذكرناه مبيِّن في التنزيل في سورة «النور» في قوله تعالى {وَإِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ} ـ إلى قوله ـ

{ بَلْ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ }} [النور: 48، 49، 50] وأسند الزهرّي عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:من دعاه خصمه إلى حاكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم ولا حق له. قال ٱبن العربي: وهذا حديث باطل. أمّا قوله «فهو ظالم» فكلام صحيح. وأمّا قوله «فلا حق له» فلا يصح، ويحتمل أن يريد أنه على غير الحق. قال ٱبن خُوَيْزِ مَندَاد المالكي: واجب على كل من دُعي إلى مجلس الحاكم أن يجيب ما لم يُعلم أنّ الحاكم فاسق، أو يُعلم عداؤه من المدعي والمدعى عليه.

الثالثة: وفيها دليل على أن شرائع من قبلنا شريعة لنا إلا ما علِمنا نسخه، وأنه يجب علينا الحكم بشرائع الأنبياء قبلنا، على ما يأتي بيانه. وإنما لا نقرأ التوراة ولا نعمل بما فيها لأن من هي في يده غير أمين عليها وقد غيرها وبدّلها، ولو علمنا أن شيئاً منها لم يتغير ولم يتبدل جاز لنا قراءته. ونحو ذلك روي عن عمر حيث قال لكعب: إن كنت تعلم أنها التوراة التي أنزلها الله على موسى بن عمران فاقرأها. وكان عليه السلام عالما بما لم يغيِّر منها فلذلك دعاهم إليها وإلى الحكم بها. وسيأتي بيان هذا في «المائدة» والأخبار الواردة في ذلك إن شاء الله تعالى. وقد قيل: إن هذه الآية نزلت في ذلك. والله أعلم.

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ۝٢٤

إشارة إلى التولِّي والإعراض، وٱغترار منهم في قولهم:

{ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } [المائدة: 18] إلى غير ذلك من أقوالهم. وقد مضى الكلام في معنى قولهم: «لن تمسنا النار» في البقرة.

فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَٰهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ۝٢٥

خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم وأُمّتِه على جهة التوقيف والتعجُّب، أي فكيف يكون حالهم أو كيف يصنعون إذا حشروا يوم القيامة وٱضمحلت عنهم تلك الزخارف التي ٱدّعوها في الدنيا، وجوزوا بما ٱكتسبوه من كفرهم وٱجترائهم وقبيح أعمالهم. واللام في قوله «ليوم» بمعنى «في»؛ قاله الكسائي. وقال البصريون: المعنى لحساب يوم. الطبريّ: لما يحدث في يوم.

قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٢٦

قال عليّ رضي الله عنه قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

«لما أراد الله تعالى أن ينزل فاتحة الكتاب وآية الكرسي وشهد الله وقل اللهمّ مالك الملك إلى قوله بغير حساب تعلقن بالعرش وليس بينهن وبين الله حجاب وقلن يا رب تهبط بنا دار الذنوب وإلى من يعصيك فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لا يقرأكنّ عبد عقِب كل صلاة مكتوبة إلا أسكنته حظيرة. القدس على ما كان منه، وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة في كل يوم سبعين نظرة، وإلا قضيت له في كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة، وإلا أعدته من كل عدوّ ونصرته عليه ولا يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموتوقال معاذ بن جبل: اُحتبست عن النبيّ صلى الله عليه وسلم يوماً فلم أصلّ معه الجمعة فقال: «يا معاذ ما منعك من صلاة الجمعة»؟ قلت: يا رسول الله، كان ليوحنا بن بارِياً اليهوديّ عليّ أوقِيّة من تِبْر وكان على بابي يرصدني فأشفقت أن يحبسني دونك. قال: «أتحب يا معاذ أن يقضي الله دينك»؟ قلت نعم. قال: «قل كل يوم قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ـ إلى قوله ـ بِغَيْرِ حِسَابٍ رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطي منهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء ٱقض عني ديني فلو كان عليك ملء الأرض ذهبا لأدّاه الله عنك». خرّجه أبو نعيم الحافظ، أيضاً عن عطاء الخراسانيّ أن معاذ بن جبل قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم آياتٍ من القرآن؛ أو كلماتٍ ـ ما في الأرض مسلم يدعو بهنّ وهو مكروب أو غارم أو ذو ديْن إلا قضى الله عنه وفرّج همه، ٱحتبست عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فذكره. غريب من حديث عطاء أرسله عن معاذ. وقال ٱبن عباس وأنس بن مالك: لما ٱفتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ووعد أُمّته ملك فارس والروم قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات! من أين لمحمد ملك فارس والرومٰ هم أعز وأمنع من ذلك، ألم يكف محمداً مكة والمدينة حتى طمِع في ملك فارس والروم؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: نزلت دامغة لباطل نصارى أهل نجران في قولهم: إن عيسى هو الله؛ وذلك أن هذه الأوصاف تبيِّن لكل صحيح الفطرة أن عيسى ليس في شيء منها. قال ٱبن إسحاق: أعلم الله عز وجل في هذه الآية بعنادهم وكفرهم، وأن عيسى صلى الله عليه وسلم وإن كان الله تعالى أعطاه آياتٍ تدل على نبوّته من إحياء الموتى وغير ذلك فإن الله عز وجل هو المنفرد بهذه الأشياء؛ من قوله: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ}. وقوله: { تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [آل عمران: 27] فلو كان عيسى إلٰهاً كان هذا إليه؛ فكان في ذلك ٱعتبار وآية بينة.

قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُمَّ} ٱختلف النحويون في تركيب لفظة «اللهم» بعد إجماعهم أنها مضمومة الهاء مشدّدة الميم المفتوحة، وأنها منادى؛ وقد جاءت مخففة الميم في قول الأعشى:

كدعوة من أبي رَبَاحٍيسمعها اللَّهُمَّ الكُبَار

قال الخليل وسيبويه وجميع البصريين: إن أصل اللهم يا أللَّه، فلما ٱستعملت الكلمة دون حرف النداء الذي هو «يا» جعلوا بدله هذه الميم المشدّدة فجاءوا بحرفين وهما الميمان عوضاً من حرفين وهما الياء والألف، والضمة في الهاء هي ضمة الاسم المنادى المفرد. وذهب الفرّاء والكوفيون إلى أن الأصل في اللهم يا ألله أُمُّنا بخير؛ فحذف وخلط الكلمتين، وأنّ الضمة التي في الهاء هي الضمة التي كانت في أُمُّنَا لما حذفت الهمزة ٱنتقلت الحركة. قال النحاس: هذا عند البصريين من الخطأ العظيم، والقول في هذا ما قاله الخليل وسيبويه. قال الزجاج: محال أن يترك الضم الذي هو دليل على النداء المفرد، وأن يجعل في ٱسم الله ضمة أُمّ، هذا إلحاد في ٱسم الله تعالى. قال ٱبن عطية: وهذا غلوّ من الزجاج، وزعم أنه ما سمع قط يا أَللَّهُ أُمّ، ولا تقول العرب يا اللَّهُمّ. وقال الكوفيون: إنه قد يدخل حرف النداء على «اللهم» وأنشدوا على ذلك قول الراجِز:

غفــرتَ أو عــذّبت يــا اللّهمــا

آخر:

وما عليكِ أن تقولي كلّماسبّحْتِ أو هلّلتِ يا اللهُمّ ما اردُدْ علينا شيخَنا مسلَّمافإننا من خيره لن نُعْدَما

آخر:

إني إذا ما حَدَثٌ أَلَمَّاأقول يا اللّهُمّ يا اللّهُمّا

قالوا: فلو كان الميم عوضاً من حرف النداء لما ٱجتمعا. قال الزجاج: وهذا شاذٌّ ولا يعرف قائله، ولا يترك له ما كان في كتاب الله وفي جميع دَيْوان العرب؛ وقد ورد مثله في قوله:

هما نَفَثا في فيّ من فَمَوَيْهِماعلى النّابِح العَاوِي أشَدَّ رِجَامِ

قال الكوفيون: وإنما تزاد الميم مخفَّفة في فَم وٱبْنُم، وأما ميم مشدّدة فلا تزاد. وقال بعض النحويين: ما قاله الكوفيون خطأ؛ لأنه لو كان كما قالوا كان يجب أن يقال: «اللهم» ويُقتصر عليه لأنه معه دعاء. وأيضاً فقد تقول: أنت اللهم الرزّاق. فلو كان كما ٱدّعوا لكنت قد فصلت بجملتين بين الابتداء والخبر. قال النّضْر بن شُمَيْل: من قال اللهم فقد دعا الله تعالى بجميع أسمائه كلها. وقال الحسن: اللهم تجمع الدعاء.

قوله تعالى: {مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} قال قتادة: بلغني أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سأل الله عز وجل أن يعطِي أمته ملك فارس فأنزل الله هذه الآية. وقال مقاتل: سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله له ملك فارس والروم في أمّته؛ فعلّمه الله تعالى بأن يدعو بهذا الدعاء. وقد تقدّم معناه. و «مالك» منصوب عند سيبويه على أنه نداء ثان؛ ومثله قوله تعالى:

{ قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } [الزمر: 46] ولا يجوز عنده أن يوصف اللّهمّ؛ لأنه قد ضمت إليه الميم. وخالفه محمد بن يزيد وإبراهيم بن السريّ الزجاج فقالا: «مالك» في الإعراب صفة لاسم الله تعالى، وكذلك «فَاطِرَ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ». قال أبو عليّ؛ هو مذهب أبي العباس المبرد؛ وما قاله سيبويه أصْوَب وأبْيَن؛ وذلك أنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حدّ «اللهم» لأنه اسم مفرد ضم إليه صوت، والأصوات لا توصف؛ نحو غَاقْ وما أشبهه. وكان حكم الاسم المفرد ألا يوصف وإن كانوا قد وصفوه في مواضِع. فلما ضُمّ هنا ما لا يوصف إلى ما كان قياسه ألا يوصف صار بمنزلة صوت ضم إلى صوت؛ نحو حَيّهل فلم يوصف. و {ٱلْمُلْكِ} هنا النبوّة؛ عن مجاهد. وقيل، الغلَبة. وقيل: المال والعبيد. الزجاج: المعنى مالك العباد وما ملكوا. وقيل: المعنى مالك الدنيا والآخرة. ومعنى {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ} أي الإيمان والإسلام. {مَن تَشَآءُ} أي من تشاء أن تؤتيه إياه، وكذلك ما بعده، ولا بدّ فيه من تقدير الحذف، أي وتنزع الملك ممن تشاء أن تنزعه منه، ثم حذف هذا، وأنشد سيبويه:

ألا هل لهذا الدّهر من مُتَعَلّلعلى الناس مهما شاء بالناسِ يَفْعَلِ

قال الزجاج: مهما شاء أن يفعل بالناس يفعل. وقوله: {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ} يقال: عز إذا علا وقهر وغلب؛ ومنه، { وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ }} [صۤ: 23]. {وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} ذل يذِل ذُلاّ (إذا غلب وعلا وقهر). قال طرفة:

بطيءٍ عن الجُلّي سريعٍ إلى الخَنَاذليلٍ بأَجْماع الرجال مُلَهَّدِ

{بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ} أي بيدك الخير والشر فحذف؛ كما قال: { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } [النحل: 81]. وقيل: خص الخير لأنه موضع دعاء ورغبة في فضله. قال النقاش: بيدك الخير، أي النصر والغنيمة. وقال أهْل الإشارات. كان أبو جهل يملك المال الكثير، ووقع في الرس يوم بدر، والفقراء صُهَيْب وبِلال وخَبّاب لم يكن لهم مال، وكان ملكهم الإيمان {قُلِ اللَّهُمّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ} تقيم الرسولَ يتيمَ أبي طالب على رأس الرسِّ حتى ينادِي أبدانا قد ٱنقلبت إلى القلِيب: يا عُتْبَة، يا شَيْبَة تعِز من تشاء وتُذِلّ من تشاء. أي صُهَيْب، أي بِلال، لا تعتقدوا أنا منعناكم من الدنيا ببغضكم. بيدك الخير ما مَنْعُكم مِن عَجْز {إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ} إنْعامُ الحقّ عامٌّ يتولى من يشاء.

تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ۝٢٧

قال ٱبن عباس ومجاهِد والحسن وقتادة والسدي في معنى قوله {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ} الآية، أي تدخل ما نقص من أحدهما في الآخر، حتى يصير النهار خمس عشرة ساعة وهو أطولُ ما يكون، والليل تسع ساعات وهو أقصرُ ما يكون، وكذا {وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} وهو قول الكلبي، وروي عن ٱبن مسعود. وتحتمل ألفاظ الآية أن يدخل فيها تعاقب الليل والنهار، كأن زوال أحدهما ولوج في الآخر. وٱختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: {وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} فقال الحسن: معناه تُخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، ورُوي نحوه عن سَلْمَان الفارسي. وروى مَعْمر عن الزهري

أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على نسائه فإذا بٱمرأة حسنة الهيئة قال: «من هذه»؟ قلن إحدى خالاتك. قال: «ومن هي»؟ قلن: هي خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «سبحان الذي يخرج الحيّ من الميت». وكانت ٱمرأة صالحة وكان أبوها كافراً. فالمراد على هذا القول موت قلب الكافر وحياة قلب المؤمن؛ فالموت والحياة مستعاران. وذهب كثير من العلماء إلى أن الحياة والموت في الآية حقيقتان؛ فقال عِكرمة: هي إخراج الدَّجاجة وهي حية من البيضة وهي ميتة، وإخراج البيضة وهي ميتة من الدجاجة وهي حية. وقال ٱبن مسعود: هي النطفة تخرج من الرجل وهي ميتة وهو حي، ويخرج الرجل منها حياً وهي ميتة. وقال عِكرمة والسّدي: هي الحبة تخرج من السنبلة والسنبلة تخرج من الحبة، والنواة من النخلة والنخلة تخرج من النواة؛ والحياة في النخلة والسنبلة تشبيه. ثم قال: {وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي بغير تضييق ولا تقتير؛ كما تقول: فلان يعطِي بغير حساب؛ كأنه لا يحسب ما يعطي.

لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُوا۟ مِنْهُمْ تُقَىٰةً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ۝٢٨

فيه مسألتان:

الأولى: قال ٱبن عباس: نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار فيتخذوهم أولياء؛ ومثله

{ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ }} [آل عمران: 118] وهناك يأتي بيان هذا المعنى. ومعنى {فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ} أي فليس من حزب الله ولا من أوليائه في شيء؛ مثل { وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ } [يوسف: 82]. وحكى سيبويه «هو مِني فرسخين» أي من أصحابي ومعي. ثم ٱستثنى وهي:

الثانية: فقال: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً} قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقِية في جِدّة الإسلام قبل قوّة المسلمين؛ فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوّهم. قال ٱبن عباس: هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا يُقتل ولا يأتي مَأْثَما. وقال الحسن: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة، ولا تقية في القتل. وقرأ جابر بن زيد ومجاهد والضحاك: «إلاّ أن تَتَّقُوا منهم تَقِيَّةً» وقيل: إن المؤمن إذا كان قائماً بين الكفار فله أن يداريهم باللسان إذا كان خائفاً على نفسه وقلبُه مطمئن بالإيمان. والتقِية لا تحِل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم. ومن أكره على الكفر فالصحيح أن له أن يتصلّب ولا يجيب إلى التلفظ بكلمة الكفر؛ بل يجوز له ذلك على ما يأتي بيانه في «النحل» إن شاء الله تعالى. وأمالَ حمزة والكسائي «تقاة»، وفخم الباقون؛ وأصل «تقاة» وُقَيَة على وزن فُعَلَة؛ مثل تُؤَدَة وتُهَمة، قلبت الواو تاء والياء ألفاً. وروى الضحاك عن ٱبن عباس أن هذه الآية نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدرِياً تقياً وكان له حِلف من اليهود؛ فلما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبيّ الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي فٱستظهر بهم على العدوّ. فأنزل الله تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الآية. وقيل: إنها نزلت في عمار بن ياسِر حين تكلم ببعض ما أراد منه المشركون، على ما يأتي بيانه في «النحل».

قوله تعالى: {وَيُحَذِّرْكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} قال الزجاج: أي ويحذركم الله إياه. ثم ٱستغنوا عن ذلك بذا وصار المستعمل؛ قال تعالى:

{ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ } [المائدة: 116] فمعناه تعلم ما عندي وما في حقيقتي ولا أعلم ما عندك ولا ما في حقيقتك. وقال غيره: المعنى ويحذركم الله عقابِه؛ مثل «وٱسألِ القرية». وقال: «تعلم ما في نفسي» أي مغيَّبي، فجعلت النفس في موضع الإضمار لأنه فيها يكون. {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} أي وإلى جزاء الله المصير. وفيه إقرار بالبعث.

قُلْ إِن تُخْفُوا۟ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٢٩

فهو العالم بخفيات الصدور وما ٱشتملت عليه، وبما في السموات والأرض وما ٱحتوت عليه، علام الغيوب لا يعزب عنه مثقال ذرّة ولا يغيب عنه شيء، سبحانه لا إلۤه إلا هو عالم الغيب والشهادة.

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ ۝٣٠

«يوم» منصوب متصل بقوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} {يَوْمَ تَجِدُ}. وقيل: هو متصل بقوله: {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} {يَوْمَ تَجِدُ}. وقيل: هو متصل بقوله: «واللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. يَوْمَ تَجِدُ» ويجوز أن يكون منقطعاً على إضمار ٱذكر؛ ومثله قوله:

{ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ }} [إبراهيم: 48]. و «مُحْضَراً» حال من الضمير المحذوف من صلة «ما» تقديره يوم تجد كل نفس ما عملته من خير محضراً. هذا على أن يكون «تجد» من وجدان الضالة. و «ما» من قوله «وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ» عطف على «ما» الأُولى. و «تَودّ» في موضع الحال من «ما» الثانية. وإن جعلت «تَجِدُ» بمعنى تعلم كان «مُحْضَراً» المفعول الثاني، وكذلك تكون «تَوَدّ» في موضع المفعول الثاني؛ تقديره يوم تجد كل نفس جزاء ما عملت محضراً. ويجوز أن تكون «ما» الثانية رفعاً بالابتداء، و «تَوَدّ» في موضع رفع على أنه خبر الابتداء، ولا يصح أن تكون «ما» بمعنى الجزاء؛ لأن «تَوَدّ» مرفوع، ولو كان ماضياً لجاز أن يكون جزاء، وكان يكون معنى الكلام: وما عملت من سوء ودّت لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً؛ أي كما بين المشرق والمغرب. ولا يكون المستقبل إذا جعلت «ما» للشرط إلا مجزوماً؛ إلا أن تحمله على تقدير حذف الفاء، على تقدير: وما عملت من سوء فهي تودّ. أبو عليّ: هو قياس قول الفرّاء عندي؛ لأنه قال في قوله تعالى: { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } [الأنعام: 121]: إنه على حذف الفاء. والأمد: الغاية، وجمعه آماد. ويقال: ٱستولى على الأمد، أي غلب سابقاً. قال النابغة:

إلاّ لِمِثلِك أو من أنت سابِقُهسبْقَ الجَوادِ إذا ٱستولى على الأمَدِ

والأمَدُ: الغضب. يقال: أمِد أمَداً، إذا غِضب (غضباً).

قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٣١

الحُبُّ: المحبة، وكذلك الحِبّ بالكسر. والحِب أيضاً الحبيب؛ مِثلُ الخِدنْ والخَدِين؛ يقال أحبّه فهو مُحِبّ، وحبّه يَحِبَّه (بالكسر) فهو مَحْبُوب. قال الجوهريّ: وهذا شاذّ؛ لأنه لا يأتي في المضاعف يفعِل بالكسر. قال أبو الفتح: والأصل فيه حَبُب كظَرُف، فأسكنت الباء وأدغمت في الثانية. قال ٱبن الدّهان سعيد: في حَبّ لغتان: حَبّ وأحَبّ، وأصل «حب» في هذا البناء حَبُب كَظُرف؛ يدل على ذلك قولهم: حَبُبْت، وأكثر ما ورد فعِيل من فَعُل. قال أبو الفتح: والدلالة على أحَبّ قوله تعالى:

{ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة: 54] بضم الياء. و {ٱتّبِعُوني يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ} و «حَبّ» يرد على فَعُل لقولهم حَبِيب. وعلى فعلِ كقولهم محبوب: ولم يرد ٱسم الفاعل من حَبّ المتعدي، فلا يقال: أنا حَابّ. ولم يرد ٱسم المفعول من أفعل إلا قليلاً؛ كقوله:

مِنِّــي بمنزلــة المُحَــبّ المُكْــرَمِ

وحكى أبو زيد: حَببْتُه أَحبُّه. وأنشد:

فواللَّهِ لولا تَمْرهُ ما حببْتُهُوَلا كان أدْنَى من عُوَيْف وهاشِم

وأنشد:

لعَمْرُك إنّنِي وطِلابَ مِصْرٍلَكَالْمُزْدادِ ممّا حَبّ بُعْدَا

وحكى الأصمعيّ فتح حرف المضارعة مع الباء وحدها. والحُبّ الخابية، فارسيّ معرّب، والجمع حِبَاب وحِبَبَةٌ؛ حكاه الجوهريّ. والآية نزلت في وفد نَجران إذْ زعموا أن ما ٱدّعوه في عيسى حُبٌّ لله عز وجل؛ قاله محمد بن جعفر بن الزبير. وقال الحسن وٱبن جُريج: نزلت في قوم من أهل الكتاب قالوا: نحن الذين نُحِبّ ربنا. وروي أن المسلمين قالوا: يا رسول الله، واللَّهِ إنا لنُحِب ربنا؛ فأنزل الله عز وجل: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي}. قال ٱبن عرفة: المحبّة عند العرب إرادةُ الشيء على قصد له. وقال الأزهري: محبة العبد لله ورسوله طاعته لهما وٱتباعه أمرهما؛ قال الله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي}. ومحبة الله للعباد إنعامه عليهم بالغفران؛ قال الله تعالى: { فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ }} [آل عمران: 32] أي لا يغفر لهم. وقال سهل بن عبد الله: علامة حُبِّ الله حب القرآن، وعلامة حب القرآن حب النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعلامة حب النبيّ صلى الله عليه وسلم حب السنة، وعلامة حب الله وحب القرآن وحب النبيّ وحب السنة حب الآخرة، وعلامة حب الآخرة أن يحب نفسه، وعلامة حب نفسِه أن يبغض الدنيا، وعلامة بغض الدنيا ألا يأخذ منها إلا الزّاد والبُلْغَة. وروى أبو الدرْداء. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} قال: «على البِر والتقوى والتواضع وذلة النفس» خرّجه أبو عبد الله الترمَذِيّ. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أراد أن يحِبه الله فعليه بصدق الحديث وأداء الأمانة وألاّ يؤذي جاره. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال إني أُحِبُّ فلاناً فأحِبه قال فيحِبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إنّ الله يحب فلاناً فأحِبوه فيحِبه أهل السماء ـ قال ـ ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبداً دعا جبريل فيقول إني أبغض فلاناً فأبغِضه قال فيبغِضه جبريل ثم ينادِي في أهل السماء إن الله يُبغِض فلاناً فأبغضوه ـ قال ـ فيبغِضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض. وسيأتي لهذا مزيد بيان في آخر سورة «مريم» إن شاء الله تعالى. وقرأ أبو رجاء العُطارِدِيّ {فاتْبَعوني} بفتح الباء، {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} عطف على «يُحْبِبْكُم». وروى محبوب عن أبي عمرو بن العلاء أنه أدغم الراء من «يغفر» في اللام من «لكم». قال النحاس: لا يجيز الخليل وسيبويه إدغام الراء في اللام، وأبو عمرو أجلّ من أن يغلط في مثل هذا، ولعله كان يُخفِي الحركة كما يفعل في أشياء كثيرة.

قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٣٢

قوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} يأتي بيانه في «النساء».

{فإِن تَوَلَّوْاْ} شرط، إلا أنه ماض لا يعرب. والتقدير فإن تولوا على كفرهم وأعرضوا عن طاعة الله ورسوله {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} أي لا يرضى فعلهم ولا يغفر لهم كما تقدّم. وقال «فإنّ الله» ولم يقل «فإنه» لأن العرب إذا عظمت الشيء أعادت ذكره؛ وأنشد سيبويه:

لا أَرَى الموتَ يسبِقُ الموتَ شيءٌنَغَّصَ الموتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرا

إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٣٣

قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحاً} ٱصطفى ٱختار، وقد تقدّم في البقرة. وتقدّم فيها ٱشتقاق آدم وكنيته، والتقدير إن الله ٱصطفى دينهم وهو دين الإسلام؛ فحذف المضاف. وقال الزجاج: ٱختارهم للنبوّة على عالمي زمانهم. «ونوحاً» قيل إنه مشتق من ناح ينوح، وهو ٱسم أعجمِيّ إلا أنه ٱنصرف لأنه على ثلاثة أحرف، وهو شيخ المرسلين، وأوّل رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم عليه السلام بتحريم البنات والأخَوات والعمات والخالات وسائر القرابات، ومن قال: إن إدْرِيسَ كان قبله من المؤرّخين فقد وَهِم على ما يأتي بيانه في «الأعراف» إن شاء الله تعالى

قوله تعالى: {وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} تقدّم في البقرة معنى الآل وعلى ما يطلق مستوفى. وفي البخارِيّ عن ٱبن عباس قال: آل إبراهيم وآل عمران المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد؛ يقول الله تعالى:

{ إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ }} [آل عمران: 68] وقيل: آل إبراهيم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم. وقيل: آل إبراهيم نفسه، وكذا آل عمران؛ ومنه قوله تعالى: { وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ }} [البقرة: 248]. وفي الحديث:لقد أُعْطِي مِزماراً مِن مزامير آل داود؛ وقال الشاعر:

ولا تَبْكِ مَيْتاً بعد ميْتٍ أَحَبّهعليٌّ وعبّاس وآلُ أبي بكر

وقال آخر:

يُلاقِي من تَذَكُّرِ آلِ لَيْلَىكما يَلقَى السّليمُ من العِدَادِ

أراد من تذكر ليلى نفسها. وقيل: آل عمران آل إبراهيم؛ كما قال: { ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ }} [آل عمران: 34]. وقيل: المراد عيسى، لأن أمّه ابنة عمران. وقيل: نفسه كما ذكرنا. قال مقاتل: هو عمران أبو موسى وهارون، وهو عمران بن يصْهُر بن فاهاث بن لاوى بن يعقوب. وقال الكلبي: هو عمران أبو مريم، وهو من ولد سليمان عليه السلام. وحكى السهيلي: عمران بن ماتان، وٱمرأته حَنَّة (بالنون). وخص هؤلاء بالذكر من بين الأنبياء لأن الأنبياء والرسل بقضِّهم وقَضِيضهم من نسلهم. ولم ينصرف عِمران لأن في آخره ألفاً ونوناً زائدتين. ومعنى قوله: «عَلَى الْعَالَمِينَ» أي على عالمي زمانهم، في قول أهل التفسير. وقال الترمذيّ الحكيم أبو عبد الله محمد بن عليّ: جميع الخلق كلهم. وقيل «عَلَى الْعَالَمِينَ»: على جميع الخلق كلهم إلى يوم الصور، وذلك أن هؤلاء رُسُلٌ وأنبياء فهم صفوة الخلق؛ فأما محمد صلى الله عليه وسلم فقد جازت مرتبته الاصطفاء لأنه حبيب ورحمة. قال الله تعالى: { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } [الأنبياء: 107] فالرسل خلقوا للرحمة، ومحمد صلى الله عليه وسلم خُلق بنفسه رحمةً، فلذلك صار أماناً للخلق، لمّا بعثه الله أَمِنَ الخلقُ العذاب إلى نفخة الصور. وسائر الأنبياء لم يحلّوا هذا المحل؛ ولذلك قال عليه السلام: أنا رحمة مهداة يخبر أنه بنفسه رحمة للخلق من الله. وقوله «مهداة» أي هدية من الله للخلق. ويقال: ٱختار آدم بخمسة أشياء: أوّلها أنه خلقه بيده في أحسن صورة بقدرته، والثاني أنه علّمه الأسماء كلها، والثالث أمر الملائكة بأن يسجدوا له، والرابع أسكنه الجنة، والخامس جعله أبا البشر. وٱختار نوحاً بخمسة أشياء: أوّلها أنه جعله أبا البشر؛ لأن الناس كلهم غرِقوا وصار ذريته هم الباقين، والثاني أنه أطال عمره؛ ويقال: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، والثالث أنه ٱستجاب دعاءه على الكافرين والمؤمنين، والرابع أنه حمله على السفينة، والخامس أنه كان أوّل من نسخ الشرائع؛ وكان قبل ذلك لم يحرم تزويج الخالات والعمات. وٱختار إبراهيم بخمسة أشياء: أوّلها أنه جعله أبا الأنبياء؛ لأنه روي أنه خرج من صلبه ألف نبيّ من زمانه إلى زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، والثاني أنه ٱتخذه خليلاً، والثالث أنه أنجاه من النار، والرابع أنه جعله إماماً للناس، والخامس أنه ٱبتلاه بالكلمات فوَفّقَه حتى أتمهن. ثم قال: «وَآلَ عِمْرَانَ» فإن كان عمران أبا موسى وهارون فإنما اختارهما على العالمين حيث بعث على قومه المَنّ والسلْوَى وذلك لم يكن لأحد من الأنبياء في العالم. وإن كان أبا مريم فإنه أصطفى له مريم بولادة عيسى بغير أب ولم يكن ذلك لأحد في العالم. والله أعلم.

ذُرِّيَّةًۢ بَعْضُهَا مِنۢ بَعْضٍ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝٣٤

تقدّم في البقرة معنى الذرية وٱشتقاقها. وهي نصب على الحال؛ قاله الأخفش. أي في حال كون بعضهم من بعض، أي ذرية بعضها من ولد بعض. الكوفيون: على القطع. الزجاج: بدل، أي ٱصطفى ذرّية بعضها من بعض، ومعنى بعضها من بعض، يعني في التناصر في الدين؛ كما قال:

{ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ }} [التوبة: 67] يعني في الضلالة؛ قاله الحسن وقتادة. وقيل: في الاجتباء والاصطفاء والنبوّة. وقيل: المراد به التناسل، وهذا أضعفها.

إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٣٥ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ۝٣٦

فيه ثمان مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَةُ عِمْرَانَ} قال أبو عبيدة: «إذ» زائدة. وقال محمد ابن يزيد: التقدير ٱذكر إذ. وقال الزجاج: المعنى وٱصطفى آل عمران إذ قالت ٱمرأة عمران. وهي حَنّة (بالحاء المهملة والنون) بنت فاقود بن قنبل أم مريم جدّة عيسى عليه السلام، وليس باسم عربيّ ولا يعرف في العربية حَنّة ٱسم ٱمرأة. وفي العربية أبو حَنّة البدريّ، ويقال فيه: أبو حبّة (بالباء بواحدة) وهو أصح، وٱسمه عامر، ودير حَنّة بالشأم، ودير آخر أيضاً يقال له كذلك؛ قال أبو نُوَاس:

يا دَيْرَ حَنّةَ مِن ذات الأُكَيْرَاحِمَن يَصْحُ عنك فإنّي لستُ بالصّاحي

وحَبّة في العرب كثير، منهم أبو حَبّة الأنصاريّ، وأبو السَّنابل بن بَعْكَك المذكورُ في حديث سُبَيْعة حَبّة، ولا يعرف خنّة بالخاء المعجمة إلا بنت يحيى بن أكثم القاضي، وهي أم محمد بن نصر، ولا يعرف جنة (بالجيم) إلا أبو جنة، وهو خال ذي الرُّمّة الشاعر. كل هذا من كتاب ٱبن مَاكُولاَ.

الثانية: قوله تعالى: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} تقدّم معنى النذْر، وأنه لا يلزم العبد إلا بأن يلزمه نفسَه. ويقال: إنها لما حملت قالت: لئن نجّاني الله ووضعت ما في بطني لجعلته مُحَرَّراً. ومعنى «لك» أي لعبادتك. «محرّراً» نصب على الحال، وقيل: نعت لمفعول محذوف، أي إني نذرت لك ما في بطني غلاماً محرّراً، والأوّل أولى من جهة التفسير وسيَاقِ الكلام والإعراب: أما الإعراب فإن إقامة النعت مقام المنعوت لا يجوز في مواضع، ويجوز على المجاز في أُخرى، وأما التفسير فقيل إن سبب قول ٱمرأة عمران هذا أنها كانت كبيرة لا تَلِد، وكانوا أهل بيت من الله بمكان، وأنها كانت تحت شجرة فبَصُرت بطائر يَزُقُّ فَرْخاً فتحرّكت نفسُها لذلك، ودعت ربها أن يَهَب لها ولداً، ونذرت إن ولدت أن تجعل ولدها مُحرّراً: أي عتيقاً خالصاً لله تعالى، خادماً للكنيسة حَبِيساً عليها، مُفرّغاً لعبادة الله تعالى. وكان ذلك جائزاً في شريعتهم، وكان على أولادهم أن يطيعوهم. فلما وضعت مريم قالت: «رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى» يعني أو الأُنثى لا تصلح لخدمة الكنيسة. قيل: لما يصيبها من الحَيْض والأذى. وقيل: لا تصلح لمخالطة الرجال. وكانت ترجو أن يكون ذَكَراً فلذلك حَرّرت.

الثالثة: قال ٱبن العربيّ: «لا خلاف أن ٱمرأة عِمران لا يتطرق إلى حملها نذر لكونها حرّة، فلو كانت ٱمرأته أُمَة فلا خلاف أن المرء لا يصح له نذر في ولده وكيفما تصرفت حاله؛ فإنه إن كان الناذر عبداً فلم يتقرّر له قول في ذلك؛ وإن كان حرّاً فلا يصح أن يكون مملوكاً له، وكذلك المرأة مثله: فأيّ وجه للنذر فيه؟ وإنما معناه ـ والله أعلم ـ أن المرء إنما يريد ولده للأنس به والاستنصار والتسلِّي، فطلبت هذه المرأةُ الولدَ أنْساً به وسُكوناً إليه؛ فلما منّ الله تعالى عليها به نذرت أن حَظّها من الأنْس به متروك فيه، وهو على خدمة الله تعالى موقوف، وهذا نذر الأحرار من الأبرار. وأرادت به مُحَرّراً من جهتي، محرراً من رِقّ الدنيا وأشغالها؛ وقد قال رجل من الصُّوفيّة لأُمّه: يا أُمَّهْ: ذَرِيني لِلَّه أتعبّد له وأتعلم العلم، فقالت نعم. فسار حتى تبصّر ثم عاد إليها فدقّ الباب، فقالت مَنْ؟ فقال لها: ٱبنُكِ فلان، قالت: قد تركناك لله ولا نعود فيك.

الرابعة: قوله تعالى: {مُحَرَّراً} مأخوذ من الحُرِّية التي هي ضد العُبودِيّة؛ من هذا تحرير الكتاب، وهو تخليصه من الاضطراب والفساد. وروى خُصَيف عن عِكرمة ومجاهد: أن المحرّر الخالص لله عز وجل لا يشوبه شيء من أمر الدنيا. وهذا معروف في اللغة أن يقال لكل ما خلَص: حُرّ، ومحرّر بمعناه؛ قال ذو الرُّمّة:

والقُرْط في حُرّة الذِّفْرَى مُعَلّقُهُتباعد الحبلُ منه فهو يَضْطرِب

وطِين حُرّ لا رمل فيه، وباتت فلانة بليلةٍ حُرَّة إذا لم يصل إليها زوجها أوَّل ليلة؛ فإن تمكّن منها فهي بليلة شَيْباء.

الخامسة: قوله تعالى: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ} قال ٱبن عباس: إنما قالت هذا لأنه لم يكن يُقبل في النَّذْر إلا الذكور، فقبِل الله مريم. «وأُنثى» حال، وإن شئت بدلٌ. فقيل: إنها ربّتها حتى ترعرعت وحينئذ أرسلتها؛ رواه أشهب عن مالك: وقيل: لفتها في خِرقتها وأرسلت بها إلى المسجد، فوفّت بنذرها وتبرّأت منها. ولعل الحجاب لم يكن عندهم كما كان في صدر الإسلام؛ ففي البخاريّ ومسلم. أن ٱمرأة سوداء كانت تَقُمّ المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فماتت. الحديث.

السادسة: قوله تعالى: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} هو على قراءة من قرأ «وضعتُ» بضم التاء من جملة كلامها؛ فالكلام متّصل. وهي قراءة أبي بكر وٱبن عامر، وفيها معنى التسليم لله والخضوع والتنزيه له (أن يخفى عليه شيء)، ولم تقله على طريق الإخبار لأن علم الله في كل شيء قد تقرّر في نفس المؤمن، وإنما قالته على طريق التعظيم والتنزيه لله تعالى. وعلى قراءة الجمهور هو من كلام الله عز وجل قُدّم، وتقديره أن يكون مؤخّراً بعد {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} والله أعلم بما وضعت؛ قاله المَهْدوِيّ. وقال مكيّ: هو إعلام من الله تعالى لنا على طريق التثبيت فقال: والله أعلم بما وضعت أمّ مريم قالته أو لم تقله. ويقوِّي ذلك أنه لو كان من كلام أُمّ مريم لكان وجه الكلام: وأنت أعلم بما وضعتُ؛ لأنها نادته في أوّل الكلام في قولها: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى. ورُوي عن ٱبن عباس «بما وضعتِ» بكسر التاء، أي قيل لها هذا.

السابعة: قوله تعالى: {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ} ٱستدل به بعض الشافعية على أن المطاوعة في نهار رمضان لزوجها على الوطء لا تساويه في وجوب الكفارة عليها، ٱبنُ العربيّ، وهذه منه غفلة، فإن هذا خبر عن شرع من قبلنا وهم لا يقولون به، وهذه الصالحة إنما قصدت بكلامها ما تشهد له به بيّنة حالها ومَقْطع كلامها، فإنها نذرت خدمة المسجد في ولدها، فلما رأته أُنثى لا تصلح وأنها عورة ٱعتذرت إلى ربّها من وجودها لها على خلاف ما قصدته فيها. ولم ينصرف «مريم» لأنه مؤنث معرفة، وهو أيضاً أعجمي؛ قاله النحاس. والله تعالى أعلم.

الثامنة: قوله تعالى: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} يعني خادم الربّ في لغتهم. {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ} يعني مريم. {وَذُرِّيَّتَهَا} يعني عيسى. وهذا يدلّ على أن الذرّيَّة قد تقع على الولد خاصّة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما من مولود يولد إلا نَخَسه الشيطان فيستهلّ صارخاً من نخسه (الشيطان) إلا ٱبن مريم وأُمّه ثم قال أبو هريرة: ٱقرءوا إن شئتم {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ}. قال علماؤنا: فأفاد هذا الحديثُ أن الله تعالى ٱستجاب دعاء أُمّ مريم، فإن الشيطان ينخَس جميع ولد آدم حتى الأنبياء والأولياء إلا مريم وٱبنها. قال قتادة: كل مولود يطعن الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى وأُمّه جُعل بينهما حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ لهما منه شيء، قال علماؤنا: وإن لم يكن كذلك بطلت الخصوصية بهما، ولا يلزم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال الممسوس وإغواؤه فإن ذلك ظنّ فاسد؛ فكم تعرّض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء ومع ذلك فعصمهم الله مما يَرُومه الشيطان، كما قال تعالى: { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ }} [الحجر: 42]. هذا مع أن كل واحد من بني آدم قد وُكِلّ به قَرِينه من الشياطين؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فَمَرْيَمُ وَٱبْنُها وإن عُصِما من نخسه فلم يُعْصما من ملازمته لهما ومقارنته. والله أعلم.
الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ