انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير القرطبيالآيات 154–161

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير القرطبي.

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝١٥٤

قوله تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً} الأمَنَة والأمن سواءٌ. وقيل: الأمنة إنما تكون مع أسباب الخوف، والأمن مع عدمه. وهي منصوبة بـ «أَنْزَلَ،» و «نعاسا» بدلٌ منها. وقيل: نصب على المفعول له؛ كأنه قال: أنزل عليكم للأمنة نعاسا. وقرأ ابن مُحَيْصن «أمْنَةً» بسكون الميم. تفضل الله تعالى على المؤمنين بعد هذه الغموم في يوم أُحُد بالنعاس حتى نام أكثرهم؛ وإنما ينعس من يأمن والخائف لا ينام. روى البخاري عن أنس أن أبا طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مَصافِّنا يوم أحد، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه. {يَغْشَىٰ} قرىء بالياء والتاء. الياء للنعاس والتاء للأمنة. والطائفة تطلق على الواحد والجماعة. {وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} يعني المنافقين. مُعَتِّب بن قُشير وأصحابه، وكانوا خرجوا طمعا في الغنيمة وخوف المؤمنين فلم يغشهم النعاس وجعلوا يتأسّفون على الحضور، ويقولون الأقاويل. ومعنى {قَدْ أَهَمَّتَهُمْ أَنْفُسُهُم} حملتهم على الهمّ، والهمّ ما هممت به؛ يقال: أهمّني الشيء أي كان من همي. وأمرٌ مُهِمٌ: شديد. وأهمّني الأمر أقلقني، وهمني أذابني. والواو في قوله «وطائفةٌ» واو الحال بمعنى إذْ، أي إذ طائفة يَظُنُّون أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم باطل، وأنه لا يُنصر. {ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} أي ظنّ أهْلِ الْجَاهِلِيَّة، فحذف. {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ} لفظه استفهام ومعناه الجحد، أي ما لنا شيء من الأمر، أي من أمر الخروج، وإنما خرجنا كرها؛ يدّل عليه قوله تعالى أخبارا عنهم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا}. قال الزبير: أرسِل علينا النوم ذلك اليوم، وإني لأسمع قول مُعَتِّب بن قُشير والنعاسُ يغشاني يقول: لو كان لنا من الأَمر شيء ما قُتلنا ها هنا. وقيل: المعنى يقول ليس لنا من الظَّفَر الذي وَعَدَنا به محمد شيءٌ، والله أعلم.

قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ} قرأ أبو عمرو ويعقوب «كُلَّه» بالرفع على الابتداء، وخبره «لِلَّه» والجملة خبر «إن». وهو كقوله: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ}. والباقون بالنصب؛ كما تقول: إن الأمر أجمع لله فهو توكيد، وهو بمعنى أجمع في الإحاطة والعموم، وأجمع لا يكون إلا توكيدًا. وقيل: نعت للأمر. وقال الأخفش: بدل؛ أي النصر بيد الله ينصر من يشاء ويخذل من يشاء. وقال جُويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} يعني التكذيب بالقَدَر. وذلك أنهم تكّلموا فيه، فقال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ} يعني القَدَر خيره وشره من الله. {يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم} أي من الشِّرك والكفر والتكذيب. {مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ} يظهرون لك. {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا} أي ما قُتِل عشائرنا. فقيل: إن المنافقين قالوا لوكان لنا عقل ما خرجنا إلى قتال أهل مكة، ولَمَا قُتِل رؤساؤنا. فردّ الله عليهم فقال: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ} أي لخرج. {ٱلَّذِينَ كُتِبَ} أي فرض. {عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ} يعني في اللوح المحفوظ. {إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ} أي مصارعهم. وقيل: {كُتِبَ عَلَيْهُم الْقَتْلُ} أي فرض عليهم القتال، فعبّر عنه بالقتل؛ لأنه قد يؤول إليه. وقرأ أبو حَيْوَة «لبُرِّزَ» بضم الياء وشد الراء؛ بمعنى يُجعل يَخرج. وقيل: لو تخلفتم أيها المنافقون لبرزتم إلى موطن آخر غيره تُصرعون فيه حتى يَبتلي الله ما في الصدور ويُظهره للمؤمنين. والواو في قوله {وَلِيَبْتَلِيَ} مقحمة كقوله: {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} أي ليكون، وحذف الفعل الذي مع لام كي. والتقدير {وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} فرض الله عليكم القتال والحرب ولم ينصركم يوم أحُد ليختَبر صبركم وليْمحِّص عنكم سيئاتكم إن تبتم وأخلصتم وقيل: معنى «ليبتلي» ليعاملكم معاملة المختبر. وقيل: ليقع منكم مشاهدة ما علمه غَيْباً. وقيل: هو على حذف مضاف، والتقدير ليبتلى أولياء الله تعالى. وقد تقدّم معنى التمحيص. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } أي ما فيها من خير وشر. وقيل: ذات الصدور هي الصدور؛ لأن ذات الشيء نفسه.

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ۝١٥٥

قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} هذه الجملة هي خبر {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلُوا}. والمراد من تولّى عن المشركين يوم أحُد؛ عن عمر رضي الله عنه وغيره. السُّدَّي: يعني من هرب إلى المدينة في وقت الهزيمة دون من صَعِد الجبل. وقيل: هي في قوم بأعيانهم تخلّفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في وقت هزيمتهم ثلاثة أيام ثم انصرفوا. ومعنى {ٱسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ} استدعى زللهم بأن ذكّرهم خطايا سلفت منهم. فكرهوا الثبوت لئلا يُقتلوا. وهو معنى «ببعض ما كسبوا» وقيل: {ٱستْزَلَّهُمْ} حملهم على الزلل، وهو استفعل من الزلّة وهي الخطيئة. وقيل: زَلّ وأزلَ بمعنى واحد. ثم قيل: كرهوا القتال قبل إخلاص التوبة، فإنما تولَّوا لهذا، وهذا على القول الأوّل. وعلى الثاني بمعصيتهم النبي صلى الله عليه وسلم في تركهم المركز ومَيْلِهم إلى الغنيمة. وقال الحسن: «مَا كَسَبُوا» قَبُولهم من إبليس ما وسوس إليهم. وقال الكلبي: زيّن لهم الشيطان أعمالهم. وقيل: لم يكن الانهزام معصية؛ لأنهم أرادوا التحصّن بالمدينة، فيقطع العدّو طمعه فيهم لمّا سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قُتِل. ويجوز أن يقال: لم يسمعوا دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لِلهَوْل الذي كانوا فيه. ويجوز أن يقال: زاد عدد العدّو على الضِّعف؛ لأنهم كانوا سبعمائة والعدوّ ثلاثة ٱلاف. وعند هذا يجوز الانهزام ولكن الانهزام عن النبي صلى الله عليه وسلم خطأٌ لا يجوز، ولعلّهم توهّموا أن النبي صلى الله عليه وسلم انحاز إلى الجبل أيضا. وأحسنها الأول. وعلى الجملة فإن حُمِل الأمر على ذنب مُحَقَّق فقد عفا الله عنه، وإن حُمِل على انهزام مُسَوّغ فالآية فيمن أبْعَد في الهزيمة وزاد على القدر المسوّغ. وذكر أبو الليث السَّمَرْقنِدي نصر بن محمد بن إبراهيم قال: حدّثنا الخليل بن أحمد قال: حدّثنا السراج قال حدّثنا قتيبة قال: حدّثنا أبو بكر بن غَيْلان عن جرير: أن عثمان كان بينه وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال له عبد الرحمن بن عوف: أَتَسُبَّني وقد شهدتُ بَدْراً ولم تشهَد، وقد بايعتُ تحت الشجرة ولم تبايع، وقد كنتَ تُوَلَّى مع من تَولَّى يوم الجَمْع، يعني يوم أُحَد. فردّ عليه عثمان فقال: أما قولك: أنا شهدتُ بدرا ولم تشهد، فإني لم أَغِب عن شيء شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت مريضةً وكنت معها أُمَرِّضها، فضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم سهما في سهام المسلمين، وأما بيعة الشّجرة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني رَبيئَة على المشركين بمكة ـ الرّبيئَةُ هو الناظر ـ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه على شماله فقال: «هذه لعثمان» فيمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وشماله خير لي من يميني وشمالي. وأما يوم الجَمْع فقال الله تعالى: {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ} فكنتُ فيمن عفا الله عنهم. فحج عثمانُ عبدَ الرحمن.

قلت: وهذا المعنى صحيحٌ أيضا عن ابن عمر. كما في صحيح البخاري قال: حدّثنا عَبْدانَ أَخْبرنَا أبو حمزة عن عثمان بن مَوْهَب قال: جاء رجلٌ حجّ البيت فرأى قوما جلوسا فقال: مَنْ هؤلاء العقود قالوا: هؤلاء قريش. قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر؛ فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء أَتُحدُثني؟ قال: أنْشُدكَ بحُرْمة هذا البيت، أتعلم أن عثمانَ بنَ عفّان فرَّ يوم أُحُد؟ قال: نعم. قال: فتعْلَمهُ تغّيب عن بَدْرٍ فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلّف عن بيعة الرَّضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. فكَبّر. قال ابن عمر: تعالَ لأخبرك ولأبيِّن لك عما سألتني عنه؛ أمّا فِراره يوم أحَد فأشهد أن الله عفا عنه. وأما تغيُّبهُ عن بَدْرٍ فإنه كان تحته بنتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضةً فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:

إن لكَ أجر رجل ممن شَهِد بَدْراً وسهْمَه. وأما تغيُّبهُ عن بيعة الرِّضوان فإنه لو كان أحَدٌ أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه، فبعث عثمانَ وكانت بيعةُ الرِّضوان بعد ما ذهب عثمانُ إلى مكة؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: هذه يد عثمانفضرب بها على يده فقال: «هذه لعثمان». اذهب بهذا الآن معك.

قلت: ونظير هذه الآية توبةُ الله على ٱدم عليه السلام. وقوله عليه السلام: «فحجّ آدمُ موسى» أي غلبه بالحُجّة. وذلك أن موسى عليه السلام أراد توبيخ آدمَ ولومَه في إخراج نفسه وذرّيتّه من الجنة بسبب أكله من الشجرة؛ فقال له آدم: «أفتلُومُني على أمر قدّره الله تعالى علي قبل أن أخَلقَ بأربعين سنة تاب علي منه ومن تاب عليه فلا ذنب له ومن لا ذنب له لا يتوجّه عليه لومٌ». وكذلك من عفا الله عنه. وإنما كان هذا لإخباره تعالى بذلك، وخبرُه صِدْقٌ. وغيرهما من المذنبين التائبين يرجون رحمته ويخافون عذابه، فهم على وَجَل وخوف ألاَّ تُقبل توبتهم، وإن قُبلت فالخوف أغلبُ عليهم إذ لا عِلْمَ لهم بذلك. فآعلم.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَقَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ كَانُوا۟ غُزًّى لَّوْ كَانُوا۟ عِندَنَا مَا مَاتُوا۟ وَمَا قُتِلُوا۟ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ۝١٥٦

قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني المنافقين. {وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ} يعني في النفاق أو في النسب في السرايا التي بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم إلى بئر مَعُونَة. {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ} فنُهِي المسلمون أن يقولوا مثل قولهم. وقوله: {إِذَا ضَرَبُواْ} هو لِما مضى؛ أي إِذْ ضربوا؛ لأن في الكلام معنى الشرط من حيث كان «الذين» مُبْهَما غير موقَّت، فوقع «إذا» موقعَ «إِذْ» كما يقع الماضي في الجزاء موضع المستقبل. ومعنى {ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ} سافروا فيها وساروا لتجارة أو غيرها فماتوا. {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} غُزاة فقُتِلوا. والغُزَّى جمع منقوص لا يتغيّر لفظُها في رفع وخفض، وأحدهم غازٍ، كراكع ورُكَّع، وصائم وصُوَمٍ. ونائم ونُوّمٍ، وشاهِد وشُهَّد، وغائِبٍ وغُيّبٍ. ويجوز في الجمع غُزاة مثل قُضاة، وغُزّاء بالمد مثل ضُرَّاب وصوّام. ويقال: غَزِيّ جمع الغَزَاة. قال الشاعر:

قـل للقوافِـل والغَـزِىّ إِذا غَـزَوْا

ورُوي عن الزُّهري أنه قرأه «غُزَّي» بالتخفيف. والْمُغْزِيةُ المرأة التي غَزَا زوجُها. وأَتَانٌ مُغْزِيةٌ متأخّرةُ النَّتاج ثم تُنْتَجُ. وأَغرَت النَّاقةُ إذا عَسُر لِقَاحُها. والغَزْوُ قصدُ الشّيء. والْمَغْزى المَقْصِدُ. ويُقال في النصب إلى الغَزْوِ: غَزَوِيٌّ.

قوله تعالى: {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} يعني ظنّهم وقولهم. واللاّم متعلقة بقوله «قالوا» أي ليجعل ظنهم أنهم لو لم يخرجوا ما قُتلوا. «حَسْرَةً» أي ندامة «في قُلُوبِهِمْ». والحسرة الآهتمامُ على فائت لم يُقْدَر بلوغهُ؛ قال الشاعر.

فوَاحسرتي لم أقضِ منها لبُانَتيولم أتمتّعْ بِالجُوَار وبالقُربِ

وقيل: هي متعلقة بمحذوف. والمعنى. لا تكونوا مثلَهم «ليجعل الله ذلك» القولَ «حسرة في قلوبهم» لأنهم ظهر نفاقهم. وقيل: المعنى لا تصدّقوهم ولا تلتفتوا إليهم؛ فكان ذلك حسرة في قلوبهم. وقيل: «لِيَجْعَلَ الَلَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةٍ في قُلُوبِهِمْ» يوم القيامة لِمَا هم فيه من الخِزْي والندامة، ولِمَا فيه المسلمون من النعيم والكرامة.

قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ} أي يقدر على أن يُحيي من يخرج إلى القتال، ويميت من أقام في أهله. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} قرىء بالياء والتاء. ثم أخبر تعالى أن القتل في سبيل الله والموت فيه خيرٌ من جميع الدنيا.

وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ۝١٥٧ وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحْشَرُونَ ۝١٥٨

جواب الجزاء محذوف، استغنى عنه بجواب القسم في قوله: {لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ} وكان الاستغناء بجواب القَسَم أولى؛ لأنّ له صَدْر الكلام، ومعناه ليغفِرن لكم. وأهل الحجاز يقولون: مِتُّم، بكسر الميم مثل نِمتم، من مات يمات. مثل خِفت يخاف. وسُفْلَى مُضَر يقولون: مُتم، بضم الميم مثل صمتم، من مات يموت. كقولك كان يكون، وقال يقول. هذا قول الكوفيين وهو حسن. وقوله: {لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ} وَعْظٌ. وعظهم الله بهذا القول، أي لا تًفِرّوا من القتال ومما أمركم به، بل فِرّوا من عقابه وأليم عذابه، فإن مَرَدّكم إليه لا يملك لكم أحد ضرّا ولا نفعاً غيره. والله سبحانه وتعالى أعلم.

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ ۝١٥٩

«ما» صلةٌ فيها معنى التأكيد، أي فبرحمة؛ كقوله: {عَمَّا قَلِيلِ} {فِبمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} {جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ} وليست بزائدة على الإطلاق، وإنما أطلق عليها سيبوية معنى الزيادة من حيث زال عملها. ابن كَيْسان: «ما» نكرة في موضع جر بالياء {رَحْمَةٍ} بَدلٌ منها. ومعنى الآية: أنه عليه السلام لما رَفَق بمن تولى يوم أُحُد ولم يُعَنِّفْهُمْ بيّن الرّبُّ تعالى أنه إنما فَعَل ذلك بتوفيق الله تعالى إيّاه. وقيل: «ما» اسْتِفْهَامٌ. والمعنى: فَبِأي رَحْمَةٍ مِنَ الله لِنْتَ لَهُم؛ فهو تعجب. وفيه بُعْدٌ؛ لأنه لو كان كذلك لكان «فبم» بغير ألف. {لِنتَ} مِنَ لاَنَ يَلِينُ لِيناً وَلَيَناً بالفتح. والْفَظُّ الْغَليظُ الجَافي. فَظِظْتَ تَفِظُّ فَظَاظَةً وفِظَاظاً فأنت فَظٌّ. والأنثى فَظَّةٌ والجمع أفْظَاظ. وفي صفة النبيّ عليه السلام ليس بفَظٍّ ولا غَلِيظٍ ولا صَخَّابٍ في الأسواق؛ وأَنشَدَ المُفَضّل في المذكر:

وليس بفَظٍّ في الأَدَاني والأَولىيَؤُمُّون جَدْوَاهُ ولكنّه سَهْلُ وفَظٌّ على أعدائِهِ يَحْذَرُنَهُفَسَطْوَتُهُ حَتْفٌ ونائِلهُ جَزْلُ

وقال آخرُ في المُؤنَّثِ:

أَموتُ مِن الضُّرِّ في منزليوغيري يموتُ من الكِظَّهْودُنْيَا تَجودُ على الجاهليــن وهْي على ذي النُّهىَ فَظَّه

وغِلَظُ القلب عِبارةٌ عن تَجَهُّم الوجه، وقِلّةِ الانْفِعَالَ في الرَّغائِبِ، وقِلّة الإشْفَاقِ والرّحمة، ومن ذلك قولُ الشّاعر:

يُبْكى عَلَيْنَا ولا نَبْكي على أَحدٍ؟لَنَحْنُ أغْلَظُ أكْبَاداً من الإبلِ

ومَعَنى {لاَنْفَضُّواْ} لتفرقوا؛ فضضتهم فانفضّوا، أي فرّقتهم فتفرقوا؛ ومن ذلك قول أبي النّجم يصف إبلا:

مستعجلات القيض غير جُرْدينفضّ عنهنّ الحَصَى بالصَّمْد

وأصل الفض الكسر، ومنه قولهم: لا يفْيضُض الله فَاكَ. والمَعنى: يا محمدُ لولا رفقُك لَمَنَعَهِم الاحتِشَامُ والهيبةُ من القربِ منك بعد ما كان من تَوَلِّيهم.

قوله تعالى: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} فيه ثمان مسائل:

الأولى ـ قال العلماء: أمرَ الله تعالى نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم بهذه الأوامر التي هي بتدريج بليغ؛ وذلك أنه أمره بأن يَعفُوا عنهم ما له في خاصّته عليهم من تَبِعةٍ؛ فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم من تَبِعَة أيضا، فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أَهْلاً للاستشارة في الأمور. قال أهل اللغة. الاستشارة مأخوذة من قول العرب: شُرْتُ الدابة وشوّرتُها إذا علمت خبرها بجري أو غيره. ويقال للموضع الذي تركُضُ فيه: مِشوَار. وقد يكون من قولهم: شُرْت العسَل واشْتَرْتهُ فهو مَشوُر وَمُشْتار إذا أخذته من موضعه، قال عَدي بنُ زَيد:

في سَمَاع يأذَنُ الشَّيْخُ لهوحَديثٍ مْثلِ مَاذِيٍّ مُشَار

الثانية: قال ابنُ عَطِية: والشُّورَى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام؛ من لا يَسْتشِيرُ أهلَ العِلم والدِّين فَعزْلُهُ واجبٌ. هذا ما لاَ خلاف فيه. وقد مَدَح الله المُؤمنين بقوله: { وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ } [الشورىٰ: 38] قال أَعْرَابيٌ: ما غُبِنْتُ قَطٌّ حتى يُغْبَنَ قومي؛ قيل: وكيف ذلك؟ قال لا أَفْعَل شيئا حتى أُشَاوِرهُم. وقال ابنُ خُوَيْزٍ مَنْدَاد: واجب على الوُلاَةِ مشاورَةُ العلماء فيما لا يَعْلَمُونِ، وفيما أَشْكَل عليهم من أُمور الدِّين، ووُجوه الجَيش فيما يتعَلَّقُ بالحرب، ووجوه الناس فيما يَتَعَلَّقُ بالمصالح، ووُجُوهِ الكُتَّابِ والوزراءِ والعُمَالِ فيما يتعلّقُ بِمصالح البلاد وعِمَارتها. وكان يقال: ما ندم من استشار. وكان يُقال: من أُعْجِبَ برأيهِ ضَلّ.

الثالثة: قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} يَدُلُّ على جواز الاجتهاد في الأمُور والأخذ بالظُّنونِ مع إمكان الوَحْي؛ فإن الله أَذِن لرسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك. واختَلَف أهل التأويل في المعنى الذي أمَرَ الله نبيَّهُ عليه السلام أن يُشَاورَ فيه أَصحابَه؛ فقالت طائفة: ذلك في مكائد الحُروب، وعند لِقَاء العَدُوه، وتطييبا لِنُفُوسهم، ورَفُعاً لأَقدارِهم، وتأَلُّفاً على دينهم، وإنْ كان الله تعالى قد أغناه عن رأيهم بوَحيْه. رُوي هذا عن قتادة والربيع وابن إسحاق والشافعي. قال الشافعي: هو كقوله: «والبِكر تُسْتَأَمَرُ» تطيبا لقلبها؛ لا أَنَّه واجبٌّ. وقال مُقَاتِلُ وقَتَادةُ والربيع: كانت سَاداتُ العرب إذا لم يُشَاوَرُوا في الأمْر شَقّ عليهم: فأمر الله تعالى؛ نبيّه عليه السلام أن يُشَاوِرَهم في الأمر: فإن ذلك أَعْطَفُ لهم عليه وأذهَبُ لأضغانهم، وأَطيبُ لنفوسهم. فإذا شاورَهم عَرَفُوا إكرامَة لهم. وقال ٱخرون: ذلك فيما لم يأته فيه وَحْيٌّ. رُوي ذلك عن الحسن البصري والضحاك قالا: ما أمَرَ الله تعالى نبيه بالمُشَاوِرة لحاجةٍ منه إلى رأيهم، وإنما أراد أن يُعلَّمَهُم ما في المُشَاوَرةِ من الفضل، ولِتَقْتدي به أُمته من بعده، وفي قراءة ابن عباس: «وَشَاوِرْهُمْ في بعضِ الأمْرِ» ولقد أحسن القائل:

شَاوِر صديقَكَ في الخفَي المُشْكلواقبَل نصيحَةَ ناصِح مُتَفضِّلِ فاللهُ قد أَوْصَى بذاكَ نَبَّيهُفي قوله: شاوِرْهُمُ و (تَوكّلِ)

الرابعة: جاء في مصنّف أبي داود عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَن. قال العلماء: وِصفةُ المُستشار إن كان في الأَحْكامِ أن يكون عالِماً دَيِّناً، وقلّما يكونُ ذلك إلاّ في عاقل. قال الحسن: ما كَمُل دِينُ امرىءٍ ما لم يكمل عقُله. فإذا استُشيِر مَن هذه صِفتُهُ واجتهد في الصَّلاحِ وبَذَل جُهدَه فوقعت الإشارةُ خَطَأً فلا غَرَامةَ عليه؛ قاله الخَطّابيُّ وغيرهُ.

الخامسة: وصفةُ المُستشارِ في أُمورِ الدنيا أن يكون عاقلاً مُجرباً وادّاً في المُستَشير. قال:

شاورْ صديقَـك فـي الخفِـي المُشْكِـل

وقد تقدّم. وقال آخر:

وإنْ بَابُ أمرٍ عليك الْتَوَىفَشَاوِر لبيباً ولا تَعْصِهِ

في أبيات. والشُّورى بَرَكَةٌ. وقال عليه السلام: ما نَدِمَ مَن اسْتَشَار ولا خَابَ مِن اسْتَخَار. وروى سهلُ بنُ سعد السّاعِدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ما شَقى قَطُّ عبدٌ بمشورة وما سَعِد باستغناء رأي. وقال بعضهم: شَاوِرْ من جَرّبَ الأُمورَ؛ فإنه يُعطيك من رأيه ما وقع عليه غالياً وأنت تأخذه مجانا. وقد جعل عمر بن الخطاب رضِي الله عنه الخِلافة ـ وهي أعظم النّوازِلِ ـ شورى. قال البخاريّ: وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستَشِيرون الأمناء من أهل العلم في الأُمور المباحة ليأخذوا بأسهلها. وقال سفيان الثورِيّ: ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة، ومن يخشى الله تعالى. وقال الحسن: والله ما تشاوَرَ قوم بينهم إلا هداهم لأفضل ما يحضر بهم. ورُوي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من قوم كانت لهم مشورةٌ فحضر معهم من اسمه أحمد أو محمد فأدخلوه في مشورتهم إلا خِيرَ لهم».

السادسة: والشُّورى مبنيّة على ٱختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف، وينظر أقرَبها قولاً إلى الكتاب والسنة إن أمكنه، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه عزَم عليه وأنفذه متوكّلاً عليه، إذْ هذه غاية الاجتهاد المطلوب؛ وبهذا أمر الله تعالى نبيّه في هذه الآية.

السابعة: قوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} قال قتادة: أمر الله تعالى نبيّه عليه السلام إذا عزم على أمر أن يَمضِيَ فيه ويتوكّل على الله، لا على مشاورتهم. والعزم هو الأمر المُرَوَّى المنقّح، وليس ركوب الرأي دون رَوِية عزماً، إلا على مقْطع المُشِيحين من فُتّاك العرب؛ كما قال:

إذا همَّ ألقَى بين عينَيْهِ عزمَهُونَكّب عن ذِكر العواقِب جانِبَاولم يستشِر في رأيه غيرَ نفسِهولم يَرض إلا قائمَ السّيفِ صاحِبَا

وقال النّقاش: العزم والحزم واحد، والحاء مُبْدلة من العين. قال ابن عطية: وهذا خطأ؛ فالحزم جودة النّظر في الأمر وتنقيحُه والحذرُ من الخطأ فيه. والعزمُ قصدُ الإمضاء؛ والله تعالى يقول: {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ}. فالمشاورة وما كان في معناها هو الحزم. والعرب تقول: قد أَحْزُم لو أعْزِم. وقرأ جعفر الصادق وجابر بن زيد: «فَإذَا عَزَمْتُ» بضم التاء. نسب العزم إلى نفسه سبحانه إذ هو بهدايته وتوفيقه؛ كما قال: { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } [الأنفال: 17]. ومعنى الكلام أي عزمتُ لك ووفّقتك وأرشدتك «فتوكل على اللَّهِ». والباقون بفتح التاء. قال المُهَلَّب. وامتثل هذا النبيُّ صلى الله عليه وسلم من أمر ربِّه فقال: لا ينبغي لنبيّ يلبَس لأُمَتَه أن يضعها حتى يحكم الله. أي ليس ينبغي له إذا عزم أن ينصرف؛ لأنه نقضٌ للتوكُّل الذي شرطه الله عز وجل مع العزيمة. فلُبْسه لأُمَتهُ صلى الله عليه وسلم حين أشار عليه بالخروج يوم أُحُد مَن أكرمه الله بالشهادة فيه، وهم صلحاء المؤمنين ممن كان فاتته بَدْرٌ: يا رسول الله ٱخرج بنا إلى عدوّنا؛ دالّ على العزيمة. وكان صلى الله عليه وسلم أشار بالقعود، وكذلك عبد الله بن أُبَيّ أشار بذلك وقال: أقم يا رسول الله ولا تخرج إليهم بالناس، فإنْ هم أقاموا أقاموا بشرّ مجلس، وإن جاءونا إلى المدينة قاتلناهم في الأفنية وأفواه السِّكك، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من الآطام، فوالله ما حار بنَا قطٌ عدوٌّ في هذه المدينة إلا غلبناه، ولا خرجنا منها إلى عدوّ إلا غَلَبنا. وأبَى هذا الرأيَ من ذكرنا، وشجّعوا الناس ودَعَوْا إلى الحرب. فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة، ودخل إثر صلاته بيتَه ولبِس سلاحه، فندم أُولئك القوم وقالوا: أكرهْنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما خرج عليهم في سلاحه قالوا: يا رسول الله، أقِم إن شئت فإنا لا نريد أن نُكرهَك، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي لنبيّ إذا لبِس سلاحه أن يضعها حتى يقاتل».

الثامنة: قوله تعالى: {فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ} التوكّل: الاعتماد على الله مع إظهار العجز، والاسم التُّكْلان. يقال منه: ٱتّكلت عليه في أمري، وأصله: «أوْ تَكَلْت» قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ثم أبدلت منها التاء وأدغمت في تاء الافتعال. ويقال: وكّلته بأمري توكيلاً، والإسم الوِكَالة بكسر الواو وفتحها.

واختلف العلماء في التوكل؛ فقالت طائفة من المتصوّفة: لا يستحقه إلا من لم يخالط قلبَه خوفُ غير الله من سَبُع أو غيره، وحتى يترك السعي في طلب الرزق لضمان الله تعالى. وقال عامّة الفقهاء. ما تقدّم ذكره عند قوله تعالى: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}. وهو الصحيح كما بيناه. وقد خاف موسى وهارون بإخبار الله تعالى عنهما في قوله {لاَ تَخَافَا}. وقال:

{ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ * قُلْنَا لاَ تَخَفْ }} [طۤه: 69]. وأخبر عن إبراهيم بقوله: { فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ } [هود: 70]. فإذا كان الخليل وموسى والكليم قد خافا ـ وحسبك بهما ـ فغيرهما أولى. وسيأتي بيان هذا المعنى.

إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِۦ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ۝١٦٠

قوله تعالى: {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} أي عليه توكّلوا فإنه إن يُعِنكم ويمنعكم من عدوّكم لن تُغبلوا. {وَإِن يَخْذُلْكُمْ} يترككم من معونته. {فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ} أي لا ينصركم أحد من بعده، أي من بعد خِذلانه إيّاكم؛ لأنه قال: {وَإنْ يَخْذُلْكُمْ} والخِذلان ترك العون. والمخذول: المتروك لا يُعْبَأ به. وخَذَلت الوِحشّية أقامت على ولدها في المرعى وتركت صواحباتها؛ فهي خذول. قال طَرَفة:

خَذُولٌ تُراعِي رَبْرَباً بِخَميلةٍتَناولُ أطرافَ البَرِيرِ وتَرْتَدِي

وقال أيضاً:

نظرتْ إليك بعين جاريةخَذَلت صواحبها على طِفْلِ

وقيل: هذا من المقلوب؛ لأنها هي المخذولة إذا تُركت. وتخاذلت رجلاه إذا ضَعُفَتا. قال:

وخَـذُولِ الرّجْـل مِـن غيـرِ كَسَـح

ورجل خُذَلة للذي لا يزال يَخْذُل، والله أعلم.

وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ۝١٦١

فيه إحدى عشرة مسألة:

الأولى: لما أخلّ الرُّماة يوم أُحد بمراكزهم ـ على ما تقدّم ـ خوفاً من أن يستولي المسلمون على الغنيمة فلا يُصرف إليهم شيء، بيّن الله سبحانه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يجور في القسمة؛ فما كان من حقّكم أن تتهموه. وقال الضحاك: بل السبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث طلائع في بعض غزواته ثم غَنم قبل مجيئهم؛ فقسم للناس ولم يقسم للطلائع؛ فأنزل الله عليه عِتاباً: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ} أي يقسم لبعض ويترك بعضاً. ورُوي نحو هذا القول عن ابن عباس. وقال ابن عباس أيضاً وعِكرمة وابن جُبير وغيرهم: نزلت بسبب قطيفة حمراء فُقدت في المغانم يوم بدر؛ فقال بعض من كان مع النبيّ صلى الله عليه وسلم: لعلّ أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم أخذها، فنزلت الآية أخرجه أبو داود والتِّرمذِيّ وقال: هذا حديث حسن غريب. قال ابن عطية: قيل كانت هذه المقالة من مؤمنين لم يظنّوا أن في ذلك حَرجاً. وقيل: كانت من المنافقين. وقد رُوي أن المفقود كان سيفاً. وهذه الأقوال تُخَرّج على قراءة «يَغُل» بفتح الياء وضم الغين. وروى أبو صخر عن محمد بن كعب {وَمَا كَانَ لِنَبيٍّ أَنْ يَغُلَّ} قال: تقول وما كان لنبيّ أن يكتم شيئاً من كتاب الله. وقيل: اللام فيه منقولة، أي وما كان نبيّ لِيَغُل؛ كقوله: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ}. أي ما كان الله ليتخذ ولداً. وقرىء «يُغَل» بضم الياء وفتح الغين. وقال ابن السِّكّيت: (لم نسمع في المَغْنَم إلا غَلَّ غُلولاً، وقرىء و ما كان لنبيّ أن يَغُلّ ويُغَلّ. قال: فمعنى «يَغُل» يَخُون، ومعنى «يُغَلّ» يُخَوَّن، ويحتمل معنيين: أحدهما يُخان أي يؤخذ من غنيمته، والآخر يُخَوّن أن يُنسب إلى الغُلُول: ثم قيل: إن كل من غَلّ شيئاً في خفاء فقد غَلّ يَغُلّ غُلولاً: قال ابن عرفة: سُمّيت غُلولاً لأن الأيدي مَغلولةٌ منها، أي ممنوعة. وقال أبو عبيد: الغُلُول من المَغْنم خاصّةً، ولا نراه من الخيانة ولا من الحِقد. ومما يُبَيِّن ذلك أنه يقال من الخيانة: أَغَلّ يغِل، ومن الحِقْد: غَلّ يَغِلّ بالكسر، ومن الغُلول: غَلّ يَغُلّ بالضم. وغَلّ البعير أيضاً (يَغَلّ غلة) إذا لم يَقْض رِيّه وأَغَلّ الرجل خان، قال النَّمِر:

جزى الله عنّا حَمْزةَ ابنةَ نَوْفَلٍجزاءَ مُغِلٍّ بالأمانة كاذبِ

وفي الحديث: لا إغلالَ ولا إسْلال أي لا خيانة ولا سرقة، ويقال: لا رِشْوة. وقال شُرَيح: ليس على المُسْتعير غير المُغِلّ ضَمانٌ. وقال صلى الله عليه وسلم:ثلاثٌ لا يُغلّ عليهنّ قلبُ مؤمن من رواه بالفتح فهو من الضِّغن. وغَلّ (دخل) يتعدّى ولا يتعدّى؛ يقال: غَلّ فلان المفاوز، أي دخلها وتوسّطها. وغَلّ من المغنم غلولاً، أي خان. وغَلّ الماءُ بين الأشجار إذا جرى فيها؛ يَغُلّ بالضم في جميع ذلك. وقيل: الغُلُول في اللغة أن يأخذ من المَغْنَم شيئاً يستره عن أصحابه؛ ومنه تَغَلْغل الماء في الشجر إذا تخلّلها. والغَلَل: الماء الجاري في أُصول الشجر؛ لأنه مستتر بالأشجار؛ كما قال:

لَعِب السُّيُول به فأصبح ماؤهغَلَلاً يُقطِّع في أُصول الخِروْع

ومنه الغِلاَلة للثوب الذي يُلبس تحت الثياب. والغالُّ: أرض مطمئنة ذات شجر. ومنابت السَّلْم والطَّلْح يقال لها: غالّ. والغالّ أيضاً نَبْت، والجمع غُلاّن بالضم. وقال بعض الناس: إن معنى «يُغَلّ» يوجد غالاّ؛ كما تقول: أحمدت الرجل وجدته محموداً. فهذه القراءة على هذا التأويل ترجع إلى معنى «يَغُل» بفتح الياء وضم الغين. ومعنى «يُغلّ» عند جمهور أهل العلم أي ليس لأحد أن يَغُلّه، أي يخونه في الغنيمة. فالآية في معنى نَهيْ الناس عن الغلول في الغنائم، والتَّوَعُّد عليه. وكما لا يجوز أن يُخان النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يُخان غيرُه، ولكن خصّه بالذكر لأن الخيانة معه أشدُّ وقْعاً وأعظمُ وِزْراً؛ لأن المعاصي تعظم بحضرته لِتعيُّن توقيره. والوُلاة إنما هم على أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم فلهم حظّهم من التّوقير. وقيل: معنى «يغل» أي ما غَلّ نبيٌّ قطُّ، وليس الغرض النَّهْي.

الثانية: قوله تعالى: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي يأتي به حاملاً له على ظهره ورقبته، مُعذّباً بحمله وثِقَله، ومَرعُوباً بصوته، ومُوَبَّخاً بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد؛ على ما يأتي. وهذه الفضيحة التي يُوقعها الله تعالى بالغالّ نظيرُ الفضيحة التي توقع بالغادر، في أن يُنصب له لِواء عند ٱسْتِه بقدر غَدْرَته. وجعل الله تعالى هذه المعاقبَات حَسْبَما يَعْهَدَهُ البَشرَ ويَفْهَمُونه؛ ألا ترى إلى قول الشاعر:

أَسُمَيّ ويْحَكِ هَلْ سَمِعتِ بِغَدْرَةٍرُفِعَ اللوَاءُ لنا بها في المَجْمَعِ

وكانت العرب ترفع للغادِرِ لِواءً، وكذلك يُطافُ بالجاني مع جِنايته. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فذكر الغُلُول فعظّمه وعظّم أمره ثم قال: لا أُلفِيّن أحَدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بَعِيرٌ له رُغاء يقول يا رسول الله أغِثْني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك لا ألفِيّن أحدكم يجيء يوم القيامةِ على رقبته فرس له حَمْحَمَة فيقول يا رسول الله أغِثنِي فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك لا ألفِيّن أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاء يقول يا رسول الله أغِثنِي فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك لا ألفِين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نَفسٌ لها صِياح فيقول يا رسول الله أغثنِي فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك لا ألفِيّن أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رِقاع تخفِق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك لا ألفِيّن أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامِت فيقول يا رسول الله أغِثنِي فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتكوروى أبو داود عن سَمرُة بن جُنْدُب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصاب غنِيمة أمر بِلالاً فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيخْمُسُه ويقسمه، فجاء رجل يوماً بعد النداء بزِمام من الشّعَر فقال: يا رسول الله هذا كان فيما أصبناه من الغنيمة. فقال: «أسمعت بِلالاً ينادي ثلاثاً»؟ قال: نعم. قال: «فما منعك أن تجيء به»؟ فاعتذر إليه. فقال: «كلا أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقْبَلَه منك». قال بعض العلماء: أراد يُوافَى بوزر ذلك يوم القيامة، كما قال في آية أُخرى: { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ }} [الأنعام: 31]. وقيل: الخبر محمول على شهرة الأمر؛ أي يأتي يوم القيامة قد شَهّر الله أمره كما يُشهّر لو حَمل بعِيراً له رُغاء أو فرساً له حَمْحَمَةٌ.

قلت: وهذا عُدولٌ عن الحقيقة إلى المجاز والتّشبيه، وإذا دَار الكلامُ بين الحقيقة والمجاز فالحقيقة الأصل كما في كُتُب الأُصول. وقد أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالحقيقة، ولا عِطْرَ بعد عَرُوس. ويُقال: إنّ مَن غَلّ شيئاً في الدنيا يُمَثَّلُ له يومَ القيامة في النار، ثم يُقَالُ له: ٱنزِلْ إليه فَخُذْه، فيَهبِطُ إليه، فإذا ٱنْتَهى إليه حَمَلَه، حتى إذا انتهى إلى الباب سَقَط عنه إلى أسفل جَهَنّم، فَيرجِعُ إليه فيأخُذُه؛ لا يَزالُ هكذا إلَى ما شَاءَ الله. ويقال {يأْتِ بِما غَلّ} يعني تَشْهدُ عليه يَومَ القِيامَة تِلْك الخِيَانَةُ والغُلولُ.

الثالثة: قال العلماء: والغُلولُ كبيرةٌ من الكبَائر؛ بِدليل هذه الآية وما ذَكَرْنَاهُ من حديث أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّه يَحْمِلُه عَلَى عُنُقِه. وقد قال صلى الله عليه وسلم في مُدْعِم:

والذي نفسي بيده أن الشَّمْلة التي أخذ يوم خَيْبَرَ من المغانم لم تُصبها المقَاسم لتشتعل عليه ناراً» قال: فلما سمع الناس ذلك جاء رجل بِشراك أو شِراكين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شِراكٌ أو شِراكان من نار». أخرجه الموطّأ. فقوله عليه السلام:والذي نفسي بيدهوٱمتناعُه من الصلاة على من غَلّ دليلٌ على تعظيم الغُلول وتعظيم الذنب فيه وأنه من الكبائر، وهو من حقوق الآدميّين ولا بدّ فيه من القصاص بالحسنات والسيئات، ثم صاحبه في المشيئة. وقوله: «شِراكٌ أو شِراكان من نار» مثل قوله: «أدُّوا الخِياط والمِخْيَط». وهذا يدل على أن القليل والكثير لا يحلّ أخذُه في الغَزْوِ قبل المقَاسم، إلا ما أجمعوا عليه من أكل المطاعم في أرض الغَزْو ومن والاصطياد والاحتطاب. وقد رُوي عن الزُّهْرِيّ أنه قال: لا يؤخذ الطعام في أرض العدوّ إلا بإذن الإمام. وهذا لا أصل له؛ لأن الآثار تخالفه، على ما يأتي. قال الحسن: كان أصحابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إذا ٱفتتحوا المدينةَ أو الحِصْن أكلوا من السَّوِيق والدقيق والسّمن والعسل. وقال إبراهيم: كانوا يأكلون من أرض العدوّ الطعامَ في أرض الحرب ويعلِفون قبل أن يَخْمسُوا. وقال عطاء: في الغزاة يكونون في السّرِيّة فيصيبون أَنْحاء السمن والعسل والطعام فيأكلون، وما بَقِي ردُّوه إلى إمامهم؛ وعلى هذا جماعة العلماء.

الرابعة: وفي هذا الحديث دليلٌ على أن الغالّ لا يُحرق متاعه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُحْرِق متاع الرجل الذي أخذ الشّملة. ولا أحْرَقَ متاع صاحبِ الخَرَزات الذي ترك الصلاةَ عليه، ولو كانت حرق متاعه واجباً لفعله صلى الله عليه وسلم، ولو فعله لنُقل ذلك في الحديث. وأما ما رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

إذا وجدتم الرجل قد غَلّ فأحرقوا متاعَه وٱضْربوه. فرواه أبو داود والترمذيُّ من حديث صالح بن محمد بن زائدة، وهو ضعيف لا يُحتجّ به. قال التِّرمذيّ: سألت محمداً ـ يعني البخاريّ ـ عن هذا الحديث فقال: إنما رَوى هذا صالح بن محمد وهو أبو واقد الليثي وهو منكَر الحديث. وروى أبو داود أيضاً عنه قال: غزونا مع الوليد بن هِشام ومعنا سالم بن عبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز، فغَلّ رجل متاعاً فأمر الوليد بمتاعه فأحرق، وطِيف به ولم يُعطِه سهمه. قال أبو داود: وهذا أصح الحديثين. وروى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر حَرّقوا متاع الغالّ وضربوه. قال أبو داود: وزاد فيه عليّ بن بحر عن الوليد ـ ولم أَسْمعْهُ منه ـ: ومَنَعُوه سهمه. قال أبو عمر: قال بعض رواة هذا الحديث: واضرِبوا عنقه وأحرِقوا متاعه. وهذا الحديث يدور على صالح ابن محمد وليس ممن يُحتجّ به. وقد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يَحِلّ دَمُ ٱمرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث وهو ينْفِي القتل في الغلول. وروي ابن جُريج عن أبي الزبير عن جابر عن النبيُّ صلى الله عليه وسلم قال: ليس على الخائن ولا على المُنْتَهِب ولا على المختلس قَطْعٌ. وهذا يعارض حديثَ صالح بن محمد وهو أقوى من جهة الإسناد. والغالّ المختلس قَطْعٌ». وهذا يعارض حديثَ صالح بن محمد وهو أقوى من جهة الإسناد. والغالّ خائن في اللغة والشريعة وإذا انتفى عنه القطع فأحرى القتل. وقال الطّحاويّ: لو صحّ حديثُ صالح المذكور احتمل أن يكون حين كانت العقوبات في الأموال؛ كما قال في مانع الزكاة: «إنا آخذوها وشَطْرَ مالِه، عَزْمةً من عزَماتِ الله تعالى». وكما قال أبو هريرة في ضالّة الإبل المَكْتُوبة: فيها غرامتُها ومِثلُها معها. وكما رَوى عبد الله ابن عمرو بن العاص في الثّمر المعلَّق غَرامةُ مِثلَيْه وجَلداتُ نَكالٍ. وهذا كلّه منْسوخ، والله أعلم.

الخامسة: فإذا غلّ الرجل في المَغْنَم ووُجِد أخِذ منه، وأُدِّب وعُوقب بالتعزير. وعند مالك والشافعيّ وأبي حنيفة وأصحابهم واللّيث: لا يُحرق متاعه. وقال الشافعيّ واللّيث وداود: إن كان عالماً بالنَّهي عُوقب. وقال الأَوْزاعيّ: يحرق متاع الغالّ كلَّه إلا سلاحه وثيابه التي عليه وسَرْجه، ولا تُنزع منه دابته، ولا يُحرق الشيء الذي غُلّ. وهذا قول أحمد وإسحاق، وقاله الحسن؛ إلا أن يكون حيواناً أو مصْحَفاً. وقال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد: ورُوي أنا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ضرباً الغالّ وأحرقا متاعه. قال ابن عبد البر: وممن قال يُحرق رَحْل الغالّ وأحرقا متاعه. قال ابن عبد البر: وممن قال يُحرق رَحْل الغالّ ومتاعُه مَكْحُولٌ وسعيدٌ بن عبد العزيز. وحجة من ذهب إلى هذا حديثُ صالح المذكُور. وهو عندنا حديث لا يجب به ٱنتهاك حُرْمة، ولا إنفاذ حُكْم؛ لما يعارضه من الآثار التي هي أقوى منه. وما ذهب إليه مالك ومن تابعه في هذه المسألة أصحُّ من جهة النظر وصحيح الأثر، والله أعلم.

السادسة: لم يختلف مذهب مالكٍ في العقوبة على البَدَن، فأما في المال فقال في الذِّمِّي يبيع الخمرَ من المسلم: تُراق الخمر على المسلم، ويُنزع الثمن من الذِّمِّي عقوبةً له؛ لئلا يبيع الخمر من المسلمين. فعلى هذا يجوز أن يقال: تجوز العقوبة في المال. وقد أراق عُمر رضي الله عنه لَبَناً شِيب بماء.

السابعة: أجمع العلماء على أن للغالّ أنْ يردّ جميع ما غَلّ إلى صاحب المقاسِم قبل أن يفترق الناس إن وجد السبيلَ إلى ذلك، وأنه إذا فعل ذلك فهي تَوْبةٌ له، وخروج عن ذنبه. واختلفوا فيما يفعل به إذا افترق أهل العسكر ولم يصل إليه؛ فقال جماعة من أهل العلم: يدفع إلى الإمام خُمُسه ويتصدّق بالباقي. هذا مذهب الزُّهْرِيّ ومالكٍ والأَوْزَاعِيّ واللّيث والثّوْري؛ ورُوى عن عُبادة بن الصّامت ومعاوية والحسنِ البصريّ. وهو يُشبه مذهبَ ابن مسعود وابن عباس؛ لأنهما كانا يَريَان أن يُتصدّق بالمال الذي لا يُعرف صاحبُه؛ وهو مذهب أحمد ابن حنبل. وقال الشافعيّ: ليس له الصدقة بمال غيره. قال أبو عمر: فهذا عندي فيما يمكن وجود صاحبه والوصولُ إليه أو إلى ورثته، وأما إن لم يكن شيء من ذلك فإن الشافعيّ لا يكره الصدقة حينئذ إن شاء الله. وقد أجمعوا في اللُّقَطة على جواز الصدّقة بها بعد التعريف لها وانقطاع صاحبها، وجعلوه إذا جاء ـ مخيّراً بين الأجر والضمان، وكذلك المغصوب. وبالله التوفيق. وفي تحريم الغُلُول دليل على اشتراك الغانمين في الغنيمة، فلا يحل لأحد أن يستأثر بشيء منها دون الآخر؛ فمن غَصَب شيئاً منها أُدِّبَ ٱتفاقاً، على ما تقدّم.

الثامنة: وإِنَ وَطِىءَ جارية أو سرَق نِصاباً فاختلف العلماء في إقامة الحد عليه؛ فرأى جماعةَ أنه لا قطع عليه.

التاسعة: ومن الغُلُول هدايا العمال، وحُكْمه في الفضيحة في الآخرة حُكْم الغالّ. روى أَبُو داود في سُننه ومُسْلمٌ في صحيحه عن أبي حُميد الساعِدِيّ: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً من الأزْد يُقال له ٱبن اللُّتْبِيّة (قال ٱبن السرح ٱبن الأُتْبِية) على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدىٰ لي. فقام النبيّ صلى الله عليه وسلم على المِنْبر فحمِد الله وأثنى عليه وقال:

ما بالُ العامل نَبعثهُ فيجيء فيقول هذا لكم وهذا أهْدِيَ لِي ألاَ جَلس في بيت أُمّه أو أبيه فينظر أيُهدَى إليه أم لا، لا يأتي أحد منكم بشيء من ذلك إلا جاء به يوم القيامة إن كان بعيراً فله رُغاء وإن كانت بقرة فلها خُوار أو شاةً تُيْعِرَ» ـ ثم رفع يديه حتى رأينا عُفْرَتَيْ إبطيْه ثم قال: ـ «اللَّهُمَّ هل بَلّغتُ اللَّهُمَّ هل بلّغْتُ». ورَوى أبو داود عن بُريدةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:من استعملناه على عمل فرزقناه رِزْقاً فما أخَذ بعد ذلك فهو غُلول. ورَوى أيضاً عن أبى مسعود الأنصارى قال: بَعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعِياً ثم قال: «انطلق أبا مسعود ولا ألْفِينَّك يوم القيامة تأتي على ظهرك بعيرٌ من إبل الصّدقة له رُغاءٌ قد غَلَلْتَه». قال: إِذا لا أنطلق. قال: «إذاً لا أكرهك». وقد قيّد هذه الأحاديث ما رواه أبو داود أيضاً عن المُسْتَوْرِد ابن شداد قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:من كان لنا عاملاً فلْيَكْتَسِب زوجةً فإن لم يكن له خادم فلْيَكْتَسِبَ خادِماً فإن لم يكن له مسكن فليكتسِب مسكناً. قال فقال أبو بكر: أُخبرت أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: من ٱتّخذ غير ذلك فهو غالٌّ سارق. والله أعلم.

العاشرة: ومن الغُلُول حبس الكُتُب عن أصحابها، ويدخل غيرها في معناها. قال الزُّهِريّ: إيّاك وغلولَ الكتب. فقيل له؛ وما غُلُول الكتب؟ قال؛ حبسها عن أصحابها. وقد قيل في تأويل قوله تعالىٰ: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} أن يكتم شيئاً من الوَحْي رَغْبةً أو رَهْبةً أو مُداهنة. وذلك أنهم كانوا يكرهون ما في القرآن من عَيْب دينهم وسَبّ آلهتهم، فسألوه أن يطوِي ذلك؛ فأنزل الله هذه الآية؛ قاله محمد بن بشار. وما بدأنا به قول الجمهور.

الحادية عشرة: قوله تعالىٰ: {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} تقدّم القول فيه.

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ