انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير القرطبيالآيات 141–153

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير القرطبي.

وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَمْحَقَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝١٤١

فيه ثلاثة أقوال: يُمحِّص يختبر. الثاني ـ يطهِّر؛ أي من ذنوبهم فهو على حذف مضاف. المعنى: وليمحص الله ذنوب الذين آمنوا؛ قاله الفرّاء. الثالث ـ يمحِّص يخلِّص؛ فهذا أغْرَبُها. قال الخليل: يقال مَحِصَ الحبلُ يَمْحَص مَحْصاً إذا ٱنقطع وَبَرُه؛ ومنه «اللّهم محِّص عنا ذنبوبنا» أي خلصنا من عقوبتها. وقال أبو إسحاق الزجاج: قرأت على محمد بن يزيد عن الخليل: التمحيص التخليص. يقال: محَّصَه (يمحصه) مَحْصاً إِذا خلصه؛ فالمعنى عليه ليبتلي المؤمنين ليُثِيبهم ويخلِّصهم من ذنوبهم. {وَيَمْحَقَ ٱلْكَافِرِينَ} أي يستأصلهم بالهلاك.

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ ۝١٤٢

«أم» بمعنى بل. وقيل: الميم زائدة، والمعنى أحسبتم يا من انهزم يوم أحد أن تدخلوا الجنة كما دخل الّذين قُتلوا وصبروا على ألَمِ الجِراح والقتل من غير أن تَسْلُكوا طريقهم وتصبروا صبرهم لا؛ حتى {يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ} أي عِلْم شهادة حتى يقع عليه الجزاء. والمعنى: ولم تجاهدوا فيعلم ذلك منكم؛ فلما بمعنى لم. وفرق سيبويه بين «لم» و «لما»، فزعم أن «لم يَفعلْ» نفى فَعَل، وأن «لَمّا يفعلْ». نفى قد فَعَل. {وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ} منصوب بإضمار أن؛ عن الخليل. وقرأ الحسن ويحيى بن يَعمَر «يَعْلَمِ الصَّابرينَ» بالجزم على النسق. وقرىء بالرفع على القطع، أي وهو يعلم. وروى هذه القراءة عبد الوارث عن أبي عمرو. وقال الزجاج. الواو هنا بمعنى حتى، أي ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم حتى يعلم صبرهم كام تقدّم آنفاً.

وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ۝١٤٣

قوله تعالى: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ} أي الشهادة من قبل أن تلقوه. وقرأ الأعمش {مِنْ قَبْلِ أَنْ تُلاَقُوهُ} أي من قبل القتل. وقيل: من قبل أن تلقوا أسباب الموت؛ وذلك أن كثيراً ممن لم يحضروا بدراً كانوا يتَمنَّون يوماً يكون فيه قِتال، فلما كان يوم أُحُد انهزموا، وكان منهم من تجلّد حتى قُتل، ومنهم أنس بن النضر عم أنس بن مالك، فإنه قال لما انكشف المسلمون: اللّهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، وباشر القتال وقال: إِيْهاً إنها ريح الجنةٰ إني لأجدها، ومضى حتى استشهد. قال أنس: فما عرفناه إلا ببنانه ووجدنا فيه بِضعاً وثمانين جراحة. وفيه وفي أمثاله نزل

{ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ } [الأحزاب: 23]. فالآية عِتاب في حق من انهزم، لا سِيّما وكان منهم حَمْلٌ للنبيّ صلى الله عليه وسلم على الخروج من المدينة، وسيأتي. وتَمنِّي الموت يرجع من المسلمين إلى تَمنِّي الشهادة المبنية على الثبات والصبر على الجهاد، لا إلى قتل الكفار لهم؛ لأنه معصيةٌ وكفرٌ ولا يجوز إرادة المعصية، وعلى هذا يحمل سؤال المسلمين من الله أن يرزقهم الشهادة، فيسألون الصبر على الجهاد وإن أدّى إلى القتل.

قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} قال الأخفش: هو تكرير بمعنى التأكيد لقوله: {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} مثل

{ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [الأنعام: 38]. وقيل: معناه وأنتم بُصَرَاء ليس في أعينكم عِلَلٌ؛ (كما) تقول: قد رأيت كذا وكذا وليس في عينيك عِلّة، أي فقد رأيته رؤية حقيقة؛ وهذا راجع إلى معنى التوكيد. وقال بعضهم: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وفي الآية إضمار، أي فقد رأيتموه وأنتم تنظرون فلِمَ انهزمتم؟.

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًٔا وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ ۝١٤٤

فيه خمس مسائل:

الأولى: روي أنها نزلت بسبب انهزام المسلمين يوم أحُد حين صاح الشيطان: قد قتل محمد. قال عطية العوفِي: فقال بعض الناس: قد أصيب محمد فأعطوهم بأيديكم فإنما هم إخوانكم. وقال بعضهم: إن كان محمد قد أُصيب ألا تَمْضُون على ما مضى عليه نبيكم حتى تلحقوا به؛ فأنزل الله تعالى في ذلك {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} إلى قوله: {فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا}. وما نافية، وما بعدها ابتداء وخبر، وبطل عمل «ما». وقرأ ٱبن عباس {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ رُسُلٌ} بغير أَلِفٍ ولامٍ. فأعلم الله تعالى في هذه الآية أن الرسل ليست بباقيةٍ في قومها أبداً، وأنه يجب التمسك بما أتت به الرسل وإن فُقِد الرسول بموتٍ أو قتلٍ. وأكرم نبيه صلى الله عليه وسلم (وصفيّه) بٱسمين مشتقّيْن من اسمه: محمَّد وأحْمَدُ، تقول العرب: رجل مَحْمُودٌ ومُحَمَّد إذا كثُرت خصاله المحمودة، قال الشاعر:

إلـى الماجِـد القَـرْمِ الجَـوَاد المحَمّـدِ

وقد مضى هذا في الفاتحة. وقال عباس بن مِرداس:

يا خاتِم النُّبَاءِ إنّك مُرْسَلٌبالخَيْر كلُّ هُدَى السَّبِيلِ هُداكاإن الإله بنَى عليك مَحبَّةًفي خَلْقِه ومُحَمّداً سَمّاكا

فهذه الآية من تَتِمّة العِتاب مع المنهزِمين، أي لم يكن لهم الانهزام وإن قتل محمدٌ، والنبوّة لا تدْرَأ الموت، والأديان لا تزول بموت الأنبياء، والله أعلم.

الثانية: هذه الآية أدلّ دليل على شجاعة الصديق وجراءته، فإن الشجاعة والجرأة حدّهما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبيّ صلى الله عليه وسلم كما تقدّم بيانه في «البقرة» فظهرت عنده شجاعته وعلمه. قال الناس: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم عمر، وخرس عثمان، واستخفى عليّ، واضطرب الأمر فكشفه الصديق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسُّنْح، الحديث؛ كذا في البخاري. وفي سنن ابن ماجه عن عائشة قالت: «لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر عند ٱمرأته ابنة خارجة بالعَوالي، فجعلوا يقولون: لم يمت النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما هو بعض ما كان يأخذه عند الوحي. فجاء أبو بكر فكشف عن وجهه وقبَّل بين عينيه وقال: أنت أكرم على الله من أن يميتك! مرتين، قد والله مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر في ناحية المسجد يقول: والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يموت حتى يقطع أيدي أُناس من المنافقين كثيرٍ وأرجلهم. فقام أبو بكر فصعِد المنبر فقال: من كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لم يمت، ومن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ}. قال عمر: «فلكأنِّي لم أقرأها إلا يومئذ». ورجع عن مقالته التي قالها فيما ذكر الوَائِلي أبو نصر عبيد الله في كتابه الإبانة: عن أنس بن مالك أنه سمع عمر بن الخطاب حين بويع أبو بكر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم واستوى على مِنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تشهد قبل أبي بكر فقال: أمّا بعد فإني قلت لكم أمس مقالة وأَنها لم تكن كما قلتُ، وإِني والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب أنزله الله ولا في عهد عهِده إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يَدْبُرَنا ـ يريد أن يقول حتى يكون آخرنا موتا ـ فاختار الله عز وجل لرسوله الذي عنده على الذي عندكم، وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسوله فخذوا به تهتدوا لما هدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الوَائلي أبو نصر: المقالة التي قالها ثم رجع عنها هي «أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يمت ولن يموت حتى يقطع أيدي رجال وأرجلهم» وكان قال ذلك لعظيم ما ورد عليه، وخشِي الفتنة وظهور المنافقين، فلما شاهد قوّة يقينِ الصدّيقِ الأكبرِ أبي بكر، وتفوّهه بقول الله عز وجل:

{ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ } [آل عمران: 85] وقوله: { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ } [الزمر: 30] وما قاله ذلك اليوم ـ تَنَبّهَ وتثبّتَ وقال: كأني لم أسمع بالآية إلا من أبي بكر. وخرج الناس يتلونها في سِكك المدينة، كأنها لم تنزل قط إلا ذلك اليوم. ومات صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين بلا اختلاف، في وقت دخوله المدينة في هجرته حين اشتدّ الضحاء، ودفن يوم الثلاثاء، وقيل ليلة الأربعاء. وقالت صفية بنت عبد المطلب ترثي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ألا يا رسول الله كنت رجاءناوكنت بِنا بَرّاً ولم تك جافِياًوكنت رحيماً هادياً ومُعلِّماليَبْكِ عليك اليومَ من كان باكِيالعمرك ما أبكِي النبيَّ لِفقدهولكن لما أخشى من الهَرْجِ آتياكأنّ على قلبي لِذِكرِ محمدٍوما خِفت من بعد النبي المكاوِياأفاطم صلى اللَّه رب محمدٍعلى جَدَثٍ أمسى بيَثْرب ثَاوِيافِدًى لرسول اللَّه أُمِّي وخالتيوعمى وآبائي ونفسي وما لِياصدَقْتَ وبلّغتَ الرسالة صادقاومتّ صَلِيبَ العودِ أبْلَجَ صافِيافلو أن رب الناس أبقى نبيناسعِدنا، ولكن أمره كان ماضِياعليك من اللَّه السلام تحيةًوأُدْخِلت جناتٍ من العَدْن راضِياأرى حسنا أيتَمته وتركتَهيُبَكِّي ويدعو جده اليوم ناعِيا

فإن قيل وهي:

الثالثة: فلِم أُخِر دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال لأهل بيت أخَّروا دفن ميتهم:

عجلوا دفن جيفتكم ولا تؤخروها. فالجواب من ثلاثة أوجه: الأوّل ـ ما ذكرناه من عدم ٱتفاقهم على موته. الثاني ـ لأنهم لا يعلمون حيث يدفنونه. قال قوم في البَقِيع، وقال آخرون في المسجد، وقال قوم: يحبس حتى يحمل إلى أبيه إبراهيم. حتى قال العالم الأكبر: سمعته يقول: «ما دفن نبيّ إلا حيث يموت» ذكره ابن ماجه والموطأ وغيرهما. الثالث ـ أنهم ٱشتغلوا بالخلاف الذي وقع بين المهاجرين والأنصار في البيعة، فنظروا فيها حتى استتب الأمر وانتظم الشمل واستوثقت الحال، واستقرّت الخلافة في نصابها فبايعوا أبا بكر، ثم بايعوه من الغد بيعة أُخرى عن ملأ منهم ورِضا؛ فكشف الله به الكُرْبة من أهل الردّة، وقام به الدّين، والحمد لله رب العالمين. ثم رجعوا بعد ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فنظروا في دفنه وغسّلوه وكفّنوه، والله أعلم.

الرابعة: واخْتُلِف هل صُلّي عليه أم لا، فمنهم من قال: لم يصلِّ عليه أحدٌ، وإنما وقف كل واحد يدعو، لأنه كان أشرف من أن يُصَلَّى عليه. وقال ابن العربيّ: وهذا كلام ضعيف؛ لأن السنة تقام بالصلاة عليه في الجنازة، كما تقام بالصلاة عليه في الدعاء، فيقول: اللّهم صلّى على محمد إلى يوم القيامة، وذلك منفعة لنا. وقيل: لم يصلَّ عليه؛ لأنه لم يكن هناك إمام. وهذا ضعيف؛ لأن الذي كان يقيم بهم الصلاة الفريضة هو الذي كان يَؤُمّ بهم في الصلاة. وقيل: صلّى عليه الناس أفذاذا؛ لأنه كان آخر العهد به، فأرادوا أن يأخذ كل أحدٍ بركته مخصوصاً دون أن يكون فيها تابعاً لغيره. والله أعلم بصحة ذلك.

قلت: قد خرّج ٱبن ماجه بإسناد حسن بل صحيح من حديث ابن عباس وفيه: فلما فرغوا من جَهازه يوم الثلاثاء وُضع على سريره في بيته، ثم دخل الناسُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا يُصلّون عليه، حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء، حتى إذا فرغن أدخلوا الصبيان، ولم يَؤُمَّ الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدٌ. خرّجه عن نصر ابن علي الجَهْضَمِيّ أنبأنا وهب بن جرير حدّثنا أبي عن محمد بن إسحاق. قال حدّثني حسين ابن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس، الحديثَ بطوله.

الخامسة: في تغيير الحال بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، عن أنس قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كلّ شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلّ شيء، وما نَفَضْنا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا. أخرجه ابن ماجه، وقال: حدّثنا محمد بن بشّار أخبرنا عبد الرحمن بن مهديّ حدّثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: كنا نتّقِي الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافةَ أن ينزل فينا القرآن، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تَكلّمنا. وأسند عن أُم سلمَة بنت أبي أُمية زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم (أنها قالت): كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام المُصَلِّي (يصلي) لم يَعْدُ بصرُ أحدهم موضع قدميْه، فلما تُوفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر، فكان الناس إذا قام أحدهُم يصلي لم يَعْدُ بصر أحدهم موضع جبينه، فتوفى أبو بكر وكان عمر، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعْدُ بصر أحدهم موضع القبلة، فكان عثمان بن عفان فكانت الفتنة فتلفت الناس في الصلاة يميناً وشمالاً.

قوله تعالى: {أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} «أفإين مات» شرط، «أو قتل» عطف عليه، والجواب {ٱنْقَلَبْتُمْ}. ودخل حرف الاستفهام على حرف الجزاء لأن الشرط قد انعقد به وصار جملة واحدة وخبراً واحداً. والمعنى: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات أو قُتِل؟ وكذلك كل استفهام دخل على حرف الجزاء؛ فإنه في غير موضعه، وموضعه أن يكون قبل جواب الشرط. وقوله {ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} تمثيل، ومعناه ارتددتم كفاراً بعد إيمانكم، قاله قتادة وغيره. ويقال لمن عاد إلى ما كان عليه: انقلبت على عقبيْه. ومنه

{ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ }} [الأنفال: 48] وقيل: المراد بالانقلاب هنا الانهزام، فهو حقيقة لا مجاز. وقيل: المعنى فعلتم فعل المرتدّين وإن لم تكن رِدّةٌ.

قوله تعالى: {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً} بل يضر نفسه ويعرّضها للعقاب بسبب المخالفة، والله تعالى لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية لغناه. {وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ}، أي الذين صبروا وجاهدوا واستشهدوا. وجاء {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِين} بعد قوله: {فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً} فهو اتصال وعدٍ بوعيد.

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ كِتَٰبًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلْـَٔاخِرَةِ نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَسَنَجْزِى ٱلشَّٰكِرِينَ ۝١٤٥

قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً} هذا حَضٌّ على الجهاد، وإعلامٌ أن الموت لا بدّ منه وأن كلّ إنسان مقتولٍ أو غير مقتولٍ مَيِّتٌ إذا بلغ أجلَه المكتوب له؛ لأن معنى {مُؤَجَّلاً} إلى أجل. ومعنى {بِإِذْنِ الله} بقضاء الله وقَدَره. وَ «كِتَاباً» نصب على المصدر، أي كتب الله كتاباً مُؤَجَلا. وأجلُ الموت هو الوقت الذي في معلومه سبحانه، أن روح الحيّ تفارق جسده، ومتى قُتل العبد علمنا أن ذلك أجله. ولا يصحّ أن يقال: لو لم يقتلْ لَعَاش. والدليل على قوله: {كِتَاباً مُّؤَجَّلاً}

{ { فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } [الأعراف: 34] { فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ } [العنكبوت: 5] { لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ } [الرعد: 38]. والمعتزِلِيّ يقول: يتقدم الأجل ويتأخّر، وأن من قتل فإنما يهلِك قبل أجله، وكذلك كلُّ ما ذبح من الحيوان كان هلاكه قبل أجله؛ لأنه يجب على القاتل الضَّمَان والدية. وقد بيّن الله تعالى في هذه الآية أنه لا تهلك نفس قبل أجلها. وسيأتي لهذا مزيد بيان في «الأعراف» إن شاء الله تعالى. وفيه دليل على كتب العلم وتدوينه. وسيأتي بيانه في «طه» عند قوله. { قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ } [طه: 52] إن شاء الله تعالى

قوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} يعني الغنيمة، نزلت في الذين تركوا المركز طلباً للغنيمة. وقيل: هي عامّة في كل من أراد الدنيا دون الآخرة؛ والمعنى نؤتِه مِنها ما قُسم له. وفي التنزيل:

{ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ }} [الإسراء: 18]. {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} أي نؤته جزاء عمله، على ما وصف الله تعالى من تضعيف الحسنات لمن يشاء. وقيل: لمراد منها عبد الله بن جُبَيْر ومن لزم المرْكَز معه حتى قُتِلوا. {وَسَنَجْزِي ٱلشَّاكِرِينَ} أي نؤتيهم الثواب الأبَديّ جزاءً لهم على ترك الانهزام، فهو تأكيد لما تقدّم من إيتاء مزيد الآخرة. وقيل: {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} من الرزق في الدنيا لئلا يُتَوَهّم أن الشاكر يُحرم ما قُسِم له مما يناله الكافر.

وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ ۝١٤٦ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىٓ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝١٤٧

قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ}. قال الزهريّ: صاح الشيطان يوم أُحُد: قتِل محمد؛ فانهزم جماعة من المسلمين. قال كعب بن مالك: فكنت أوّل من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأيتُ عينيْه من تحت المِغْفر تزهران، فناديت بأعلى صوتي: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ إليّ أن أسكت، فأنزل الله عز وجل: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ} الآية. و «كأين» بمعنى كَمْ. قال الخليل وسيبويه: هي أيّ دخلت عليها كاف التشبيه وبنيت معها فصار في الكلام معنى كم وصوّرت في المصحف نوناً؛ لأنها كلمة نقلت عن أصلها فغُيِّر لفظها لتغير معناها، ثم كثر استعمالها فتلعَّبَت بها العرب وتصرفت فيها بالقلب والحذف، فحصل فيها لغات أربعٌ قُرِىء بها. وقرأ ابن كثير «وكَائِنْ» مثل وكَاعِنْ، على وزن فاعل، وأصله كَيْءٍ فقلبت الياء ألفاً، كما قلبت في يَيْأَس فقيل ياءَسُ؛ قال الشاعر:

وكَائِنْ بالأبَاطِحِ من صَديقٍيَرَانِي لَوْ أُصِبْتُ هو المُصَابَا

وقال آخر:

وكَائِنْ رَدَدْنا عنكم مِن مُدَجَّجٍيَجِىءُ أمامَ الرَّكْب يَرْدِي مُقَنَّعَا

وقال آخر:

وكَائِنْ في المَعاشِرِ من أُنَاسأخوهم فَوْقَهم وهُمُ كِرَامُ

وقرأ ابن محيصِن «وكَئِنْ» مهموزاً مقصوراً مثل وكَعِن، وهو من كَائِنْ حذفت ألفه. وعنه أيضاً «وكَأْيِن» مثل وكَعْيِّنْ وهو مقلوب كَيْءٍ المخفف. وقرأ الباقون «كَأَيِّنْ» بالتشديد مثل كَعَيِّن وهو الأصل، قال الشاعر:

كَأَيِّنْ من أُناسٍ لم يزالواأخوهم فوقَهم وهُمُ كرامُ

وقال آخر:

كأَيِّنْ أبَدْنا من عدوّ بِعزِّناوكائِنْ أجَرْنا من ضَعِيفٍ وخائفٍ

فجمع بين لغتين: كأَيِّنْ وكَائِنْ، ولغة خامسة كَيْئِنْ مثل كَيْعِنْ، وكأنه مخفَّف من كَيِّىء مقلوب كَأيِّنْ. ولم يذكر الجوهري غير لغتين: كائِنْ مثل كاعِنْ، وكأَيِّنْ مثل كَعَيِّنْ؛ تقول كأَيِّنْ رجلاً لقيتُ؛ بنصب ما بعد كأَيِّنْ على التمييز. وتقول أيضاً: كأَيِّنْ مِن رجل لقيت؛ وإدخال مِن بعدَ كأيِّنْ أكثرُ من النصب بها وأجودُ. وبكأَيِّنْ تبيع هذا الثوب؟ أي بكم تبيع؛ قال ذو الرمّة:

وكَائِنْ ذَعَرْنا من مَهَاةٍ ورَامِحٍبِلاَدُ العِدَا لَيْسَتْ له بِبِلادِ

قال النحاس: ووقف أبو عمرو «وكَأَيْ» بغير نون؛ لأنه تنوين. وروى ذلك سَوْرَةُ ابن المبارك عن الكسائيّ. ووقف الباقون بالنون اتباعاً لخط المصحف. ومعنى الآية تشجيع المؤمنين، والأمر بالاقتداء بمن تقدّم من خِيار أتباع الأنبياء؛ أي كثير من الأنبياء قُتِل معه رِبِّيُّون كثير، أو كثير من الأنبياء قتِلوا فما ٱرتدّ أممهم؛ قولان: الأوّل للحسن وسعيد بن جبير. قال الحسن: ما قُتِل نبي في حرب قط. وقال ابن جبير: ما سمعنا أن نبياً قتل في القتال. والثاني عن قتادة وعكرمة. والوقف ـ على هذا القول ـ على «قُتِل» جائز، وهي قراءة نافع وابن جبير وأبي عمرو ويعقوب. وهي قراءة ابن عباس وٱختارها أبو حاتم. وفيه وجهان: أحدهما أن يكون «قُتِل» واقعاً على النبيّ وحده، وحينئذ يكون تمام الكلام عند قوله «قُتِل» ويكون في الكلام إضمار، أي ومعه ربيون كثير؛ كما يقال: قُتِل الأمير معه جيش عظيم، أي ومعه جيش. وخرجْتُ معي تجارة؛ أي ومعي. الوجه الثاني أن يكون القتل نال النبيّ ومن معه من الربِّيّين، ويكون وجه الكلام قتِل بعض من كان معه؛ تقول العرب: قتلنا بني تميم وبني سليم، وإنما قتلوا بعضهم. ويكون قوله {فَمَا وَهَنُوا} راجعاً إلى من بقي منهم. قلت: وهذا القول أشبه بنزول الآية وأنسب، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقتل، وقُتِل معه جماعة من أصحابه. وقرأ الكوفيون وابن عامر «قَاتَلَ» وهي قراءة ابن مسعود؛ واختارها أبو عبيْد وقال. إن الله إذا حَمِد من قاتل كان من قُتِل داخلاً فيه، وإذا حمِد من قُتِل لم يدخل فيه غيرهم؛ فقاتل أعمّ وأمدح. و «الرِّبيون» بكسر الراء قراءة الجمهور. وقراءة عليّ رضي الله عنه بضمها. وابن عباس بفتحها؛ ثلاث لغات. والرِّبِّيون الجماعات الكثيرة؛ عن مجاهد وقتادة والضّحاك وعِكرمة، واحدهم رُبِّيّ بضم لراء وكسرها؛ منسوب إلى الرِّبة بكسر الراء أيضاً وضمها، وهي الجماعة. وقال عبد الله بن مسعود: الربِّيُّون الألوف الكثيرة. وقال ابن زيد: الربِّيُّون الأتباع. والأوّل أعرف في اللغة؛ ومنه يقال للخِرقة التي تجمع فيها القِدَاح: رِبّةٌ ورُبّة. والرِّبَاب قبائل تجَمَّعَت. وقال أَبَان بن ثعلب: الرِّبي عشرة آلاف. وقال الحسن: هم العلماء الصُّبُر. ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع والسّدي: الجمْعُ الكثير؛ قال حسّان:

وإذا مَعْشَرٌ تَجَافَوْا عن الحَــقِّ حمَلْنَا عليهمُ رُبِّيَا

وقال الزجاج: ها هنا قراءتان «رُبِّيُّون» بضم الراء «ورِبِّيُّون» بكسر الراء؛ أما الرُّبيون (بالضم): الجماعات الكثيرة. ويقال: عشرة آلاف. قلت: وقد روي عن ابن عباس «رَبِّيُّون» بفتح الراء منسوب إلى الرب. قال الخليل: الرِّبِّي الواحد من العبّاد الذين صبروا مع الأنبياء. وهم الربانيون نسبوا إلى التَألُّه والعبادة ومعرِفة الربُوبِية لِلّه تعالى، والله أعلم.

قوله تعالى: {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} «وَهَنُوا» أي ضعُفوا، وقد تقدّم والوهن: انكسار الجدّ بالخوف. وقرأ الحسن وأبو السَّمّال «وَهِنُوا» بكسر الهاء وضمها، لغتان عن أبي زيد. وهَن الشيء يَهِن وَهْناً. وأوْهَنْته أنا ووَهَّنته ضعّفته. والوَاهِنة: أسفل الأضلاع وقِصَارُها. والوَهَن من الإبل: الكثيف. والوَهْن: ساعة تمضي من الليل، وكذلك المَوْهِن. وأوْهَنا صِرْنا في تلك الساعة؛ أي ما وَهَنوا لقتل نبيهم، أو لقتل مَن قُتِل منهم، أي ما وهن باقيهم؛ فحذف المضاف. {وَمَا ضَعُفُواْ} أي عن عدوّهم. {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ} أي لِما أصابهم في الجهاد. والاستكانة: الذّلّة والخضوع؛ وأصلها «ٱسْتَكَنُوا» على افتعلوا؛ فأُشبِعت فتحةُ الكاف فتولّدت منها ألفٌ. ومن جعلها من الكَوْن فهي استفعلوا؛ والأوّل أشبه بمعنى الآية. وقُرىء «فَمَا وَهْنُوا وَمَا ضَعْفُوا» بإسكان الهاء والعين. وحكى الكِسائي «ضَعَفُوا» بفتح العين. ثم أخبر تعالى عنهم بعد أن قُتل منهم أو قتل نبيّهم بأنهم صبروا ولم يفِرّوا ووطّنوا أنفسهم على الموت، واستغفَروا ليكون موتهم على التوبة من الذنوب إن رُزِقُوا الشهادة، ودعوا في الثبات حتى لا ينهزموا، وبالنصر على أعدائهم. وخَصّوا الأقدَام بالثبات دون غيرها من الجوارح لأن الاعتماد عليها. يقول: فهلا فعلتم وقلتم مثل ذلك يا أصحاب محمدٍ؟ فأجاب دعاءهم وأعطاهم النصر والظفر والغنيمة في الدنيا والمغفرة في الآخرة إذا صاروا إليها. وهكذا يفعل الله مع عباده المخلصين التائبين الصادقين الناصرين لدينه، الثابتين عند لقاء عدوّه بوعده الحق، وقوله الصدق. {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ} يعني الصابرين على الجهاد. وقرأ بعضهم {وَمَا كَانَ قَوْلُهُمْ} بالرفع؛ جعل القول ٱسماً لكان؛ فيكون معناه وما كان قولُهم إلاّ قولَهم: {ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} ومن قرأ بالنصب جعل القول خبر كان. واسمها {إِلاّ أَنْ قَالُوا}. {رَبَّنَا ٱغْفرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} يعني الصغائر {وَإِسْرَافَنَا} يعني الكبائر. والإسراف: الإفراط في الشيء ومجاوزة الحدّ. وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعريّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بهدا الدعاء.

اللّهم ٱغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به منيوذكر الحديث. فعلى الإنسان أن يستعمل ما في كتاب الله وصحيح السنة من الدعاء ويَدَع ما سواه، ولا يقول أختار كذا؛ فإن الله تعالى قد اختار لنبيّه وأوليائه وعَلَّمهم كيف يدعون.

فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلْـَٔاخِرَةِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝١٤٨

قوله تعالىٰ: {فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ} أي أعطاهم {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا}، يعني النصر والظفر على عدوّهم. {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ} يعني الجنة. وقرأ الجَحْدَري {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ} من الثواب. {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تقدّم.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَٰسِرِينَ ۝١٤٩ بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّٰصِرِينَ ۝١٥٠

لما أمر الله تعالىٰ بالاقتداء بمن تقدّم من أنصار الأنبياء حَذّرَ طاعة الكافرين؛ يعني مشركي العرب: أبا سفيان وأصحابه. وقيل: اليهود والنصارى. وقال عليّ رضي الله عنه: يعني المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى دين آبائكم. {يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} أي إلى الكفر. {فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ} أي فترجعوا مغبونين. ثم قال: {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ} أي مُتولِّي نصركم وحفظكم إن أطعتموه. وقُرىء «بَلِ اللَّهَ» بالنصب، على تقدير بل وأطيعوا الله مولاكم.

سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًا وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٥١

نظيره {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ}. وقرأ ابن عامر والكسائي «الرُّعُب» بضم العين؛ وهما لغتان. والرُّعْب: الخوف؛ يُقال: رَعَبْتُه رُعْباً ورُعُباً، فهو مَرْعُوب. ويجوز أن يكون الرعْب مصدراً، والرُّعُب الاسم. وأصله من المَلْء؛ يُقال: سَيْل راعب يملأ الوادي. ورعبت الحوض ملأته. والمعنى: سَنَمْلأ قلوب المشركين خوفاً وفزعاً. وقرأ السّخْتياني «سَيُلْقِي» بالياء، والباقون بنون العظمة. قال السّدّي وغيره: لما ٱرتحل أبو سفيان والمشركون يوم أُحُد متوجِّهين إلى مكة انطلقوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق ندموا وقالوا: بئس ما صنعناٰ قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلاَّ الشّرِيد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم؛ فلما عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرّعب حتى رجعوا عما هَمُّوا به. والإلقاء يستعمل حقيقة في الأجسام؛ قال الله تعالى:

{ وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ }} [الأعراف: 150] { فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ } [الشعراء: 44] { فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ } [الشعراء: 45]. قال الشاعر:

فألقَـتْ عصاهـا وٱستْقَـرّ بها النَّـوَى

ثم قد يستعمل مجازاً كما في هذه الآية، وقوله: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي}. وألقى عليك مسألة.

قوله تعالىٰ: {بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ} تعليل؛ أي كان سبب إلقاء الرعب في قلوبهم إشراكهم؛ فما للمصدر. ويُقال: أشرك به أي عَدَل به غيرَه ليجعله شريكاً.

قوله تعالىٰ: {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} حجّةً وبياناً، وعُذْراً وبرهاناً؛ ومن هذا قيل للوالي سلطان؛ لأنه حجة الله عزّ وجلّ في الأرض. ويُقال: إنه مأخوذ من السَّلِيط وهو ما يُضاء به السِّراج، وهو دُهْنُ السّمْسِم؛ قال ٱمرؤ القيس:

أَمَـالَ السَّلِيـطَ بالذُّبَـالِ المُفَتَّـلِ

فالسلطان يُستضاء به في إظهار الحق وقمع الباطل. وقيل السَّلِيط الحديد. والسَّلاطَة الحدّة. والسلاطة من التسليط وهو القهر؛ والسلطان من ذلك، فالنون زائدة. فأصل السلطان القوّة، فإنّه يُقهر بها كما يُقهر بالسلطان. والسَّلِيطَة المرأة الصَّخَّابَةِ. والسَّلِيط الرجل الفصيح اللسان. ومعنى هذا أنه لم تثبت عبادة الأوثان في شيء من المِلَل، ولم يَدلّ عقلٌ على جواز ذلك. ثم أخبر تعالىٰ عن مصيرهم ومرجعهم فقال: {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ} ثم ذمّه فقال: {وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ} وَالمَثْوَى: المكان الذي يُقام فيه؛ يُقال: ثَوَىٰ يَثْوِي ثَوَاءً. والمأوى: كل مكان يرجع إليه شيءٌ ليلاً أو نهاراً.

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْـَٔاخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٥٢

قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أحُد وقد أصيبوا قال بعضهم لبعض: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر! فنزلت هذه الآية. وذلك أنهم قتلوا صاحبَ لِوَاء المشركين وسبعةَ نفر منهم بعدَه على اللواء، وكان الظفر ابتداءً للمسلمين غير أنهم اشتغلوا بالغنيمة، وترك بعضُ الرّماة أيضاً مركزَهم طلباً للغنيمة فكان ذلك سبب الهزيمة. روى البخاري

عن البَرَاء بن عازب قال: لما كان يوم أحُدٍ ولقينا المشركين أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أناساً من الرُّماة وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم: «لا تبرحوا من مكانكم (إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا) وإن رأيتموهم قد ظهروا علينا فلا تُعينونا عليهم» قال: فلمّا التقى القوم وهزمهم المسلمون حتى نظرنا إلى النساء يَشّتَدِدْن في الجبل، وقد رفعن عن سُوقِهن قد بدت خلاخِلُهن فجعلوا يقولون: الغنيمةَ الغنيمةَ. فقال لهم عبد الله: أمهلواٰ أما عَهِد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألاّ تبرحوا، فٱنطلقوا فلما أتوهم صرف الله وجوههم وقُتِل من المسلمين سبعون رجلاً. ثم إنّ أبا سفيان بن حرب أشرف علينا وهو في نَشَزٍ فقال: أفي القوم محمدٌ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُجيبوه» حتى قالها ثلاثاً. ثم قال: أفي القوم ابن أبي قُحافة؟ ثلاثاً، فقال النبيّ؛ «لا تُجيبوه» ثم قال: أفي القوم عمر (بن الخطاب)؟ ثلاثاً، فقال النبيّ: «لا تُجيبوه» ثم التفت إلى أصحابه فقال: أمّا هؤلاء فقد قتِلوا. فلم يملك عمر رضي الله عنه نفسه دون أن قال: كذبتَ يا عدوّ اللهٰ قد أبقى الله لك من يُخزِيك به. فقال: أُعْلُ هُبَل؛ مرتين. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أجيبوه» فقالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال «قولوا اللَّهُ أعْلَىٰ وأجَلّ». قال أبو سفيان: لنا العُزَّى ولا عُزّى لكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أجيبوه». ما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا «الله مولانا ولا مَوْلَى لكم». قال أبو سفيان: يومٌ بِيَوْم بَدْرٍ، والحرب سِجَال، أمَا إنكم ستجدون في القوم مُثْلة لم آمر بها ولم تسؤْني. وفي البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاصٍ قال: رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحُد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدّ القتال. وفي رواية عن سعد: عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبلُ ولا بعدُ. يعني جِبريل ومِيكائيل. وفي رواية أخرى: يقاتلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدّ القتال ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده. وعن مجاهد قال: لم تقاتل الملائكة معهم يومئذ، ولا قبله ولا بعده إلاَّ يوم بدر. قال البيهقُي؛ إنما أراد مجاهد أنهم لم يقاتلوا يوم أُحُد عن القوم حين عصوا الرسول ولم يصبروا على ما أمرهم به. وعن عروة بن الزبير قال: وكان الله عزّ وجلّ وعدهم على الصبر والتقوى أن يُمِدَّهم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين: وكان قد فعل: فلما عَصَوْا أمر الرسول وتركوا مَصَافَّهُم وترك الرماةُ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ألاّ يبرحوا من منازلهم، وأرادوا الدنيا، رُفع عنهم مددُ الملائكة، وأنزل الله تعالىٰ: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} فصدق الله وعده وأراهم الفتح، فلما عَصَوْا أعقبهم البلاء. وعن عمير بن إسحاق قال: لما كان يوم أحُد انكشفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعْدٌ يَرِمي بين يديه، وفَتًى يُنَبِّل له، كلما ذهبت نَبْلَةٌ أتاه بها. قال: «ارْمِ أبا إسحاق». فلما فرغوا نظروا مَن الشابّ؟ فلم يروه ولم يعرفوه. وقال محمد بن كعب: ولما قُتِل صاحب لواءِ المشركين وسقط لواؤهم، رفعته عَمْرَة بنت علقمة الحارِثية؛ وفي ذلك يقول حَسّان:

فَلولاَ لِواءُ الحارِثِية أصبحوايباعُون في الأسواق بَيْعَ الجلائب

و {تَحُسُّونَهُمْ} معناه تقتلونهم وتستأصلونهم؛ قال الشاعر:

حَسَسْناهم بالسّيْف حَسّاً فأصبحتْبقِيّتُهم قد شُرِّدُوا وَتَبَدَّدُوا

وقـال جرير:

تَحُسُّهُمُ السّيُوفُ كما تَسامَىحَرِيقُ النَّارِ في الأَجمِ الحَصِيدِ

قال أبو عبيد: الحَسُّ الاستئصال بالقتل؛ يقال: جراد محسوس إذا قتله البرْدُ. والبر مَحَسَّةٌ للنبت. أي مُحْرِقَةٌ له ذاهبة به. وسَنَةٌ حَسُوس أي جدبة تأكل كل شيء؛ قال رؤبة:

إذا شَكَوْنا سَنَةً حَسُوسَاتأكل بعدَ الأخْضَر اليَبِيسَا

أصله من الحِسّ الذي هو الإدراك بالحاسة. فمعنى حَسّه أذهب حِسّ بالقتل. {بِإِذْنِهِ} بعلمه، أو بقضائه وأمره. {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ} أي جَبُنتم وضَعفُتم. يُقال: فَشِل يَفْشَل فهو فَشِل وفَشْل. وجواب «حتى» محذوف، أي حتى إذا فشِلتم امْتُحِنتم. ومثل هذا جائز كقوله: { فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ }} [الأنعام: 35] فافعل. وقال الفرّاء: جواب «حَتَّىٰ»، «وَتَنَازَعْتُمْ» والواو مقْحَمة زائدة؛ كقوله «فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينَ. وَنَادَيْنَاهُ» أي ناديناه. وقال ٱمرؤ القيس:

فَلَمّـا أجَزْنـا ساحَـةَ الحَـيِّ وَٱنْتَحَـى

أي انتحى. وعند هؤلاء يجوز إقحام الواو من «وَعَصَيْتُمْ». أي حتى إذا فشلتم وتنازعتم عصيتم. وعلى هذا فيه تقديم وتأخير، أي حتى إذا تنازعتم وعصيتم فشِلتم. وقال أبو علي: يجوز أن يكون الجواب «صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ»، و «ثُمَّ» زائدة، والتقدير حتى إذا فشِلتم وتنازعتم وعصيتم صرفكم عنهم. وقد أنشد بعض النحويين في زيادتها قول الشاعر:

أرانِي إِذا ما بِتُّ بِتّ على هَوًىفثُمّ إذا أصبحتُ أصبحتُ عادِيا

وجوز الأخفش أن تكون زائدة؛ كما في قوله تعالىٰ: { حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } [التوبة: 118]. وقيل: «حتى» بمعنى «إلى» وحينئذ لا جواب له؛ أي صدقكم الله وعده إلى أن فشلتم، أي كان ذلك الوعد بشرط الثبات. ومعنى {وَتَنَازَعْتُمْ} اختلفتم؛ يعني الرماة حين قال بعضهم لبعض: نلحق الغنائم. وقال بعضهم: بل نثبت في مكاننا الذي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالثبوت فيه. {وَعَصَيْتُمْ} أي خالفتم أمر الرسول في الثبوت. {مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ} يعني من الغلبة التي كانت للمسلمين يوم أحُد أوّل أمرهم؛ وذلك حين صُرِع صاحب لواء المشركين على ما تقدّم، وذلك أنه لما صُرع انتشر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وصاروا كتائب متفرّقة فَحاسُوا العدوّ ضرباً حتى أجْهَضُوهُم عن أثقالهم. وحملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرّات كل ذلك تُنْضَح بالنَّبْل فترجع مغلوبةً، وحمل المسلمون فَنَهَكُوهُم قتلاً. فلما أبصر الرماةُ الخمسون أن الله عزّ وجلّ قد فتح لإخوانهم قالوا: والله ما نجلس ههنا لشيء، قد أهلك الله العدوّ وإخواننا في عسكر المشركين. وقال طوائف منهم؛ عَلامَ نقفُ وقد هزم الله العدوّ؟ فتركوا منازلهم التي عهِد إليهم النبيّ صلى الله عليه وسلم ألاّ يتركوها، وتنازعوا وفشِلوا وعصوا الرسول فأوْجَفَت الخيل فيهم قتلاً. وألفاظ الآية تقتضي التوبيخ لهم، ووجه التوبيخ لهم أنهم رأوا مبادىء النصر، فكان الواجب أن يعلموا أن تمام النصر في الثبات لا في الانهِزام. ثم بيّن سبب التنازع فقال: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا} يعني الغنيمة. قال ٱبن مسعود: ما شعرنا أن أحداً من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أُحُد. {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} وهم الذين ثبتوا في مركزهم، ولم يخالفوا أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم مع أميرهم عبدِ الله ابن جبير؛ فحمل خالد بن الوليد وعِكرمة بن أبي جهل عليه، وكانا يومئذ كافرين فقتلوه مع من بقي، رحمهم الله. والعِتاب مع مَن ٱنهزم لا مع مَن ثبت، فإن من ثبت فاز بالثواب، وهذا كما أنه إذا حل بقوم عقوبة عامة فأهل الصلاح والصبيان يهلكون؛ ولكن لا يكون ماحل بهم عقوبة، بل هو سبب المثوبة، والله أعلم.

قوله تعالى: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} أي بعد أن استوليتم عليهم ردّكم عنهم بالانهزام. ودَلّ هذا على أن المعصية مخلوقة لله تعالى. وقالت المعتزلة: المعنى ثم انصرفتم؛ فإضافته إلى الله تعالىٰ بإخراجه الرّعب من قلوب الكافرين من المسلمين إبتلاءً لهم. قال القشيرِي: وهذا لا يغنيهم؛ لأن إخراج الرّعب من قلوب الكافرين حتى يستخفّوا بالمسلمين قبيحٌ ولا يجوز عندهم، أن يقع من الله قبيحٌ، فلا يبقى لقوله: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} معنًى. وقيل: معنى {صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} أي لم يكلفكم طلبهم.

قوله تعالىٰ: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي لم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة. والخطاب قيل هو للجميع. وقيل: هو للرماة الذين خالفوا ما أُمروا به، واختاره النحاس. وقال أكثر المفسرين: ونظير هذه الآية قوله: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ}. {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} بالعفو والمغفرة. وعن ابن عباس قال: ما نُصِر النبيّ صلى الله عليه وسلم في موطن كما نُصِر يوم أُحُد، قال: وأنكرنا ذلك، فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله عز وجلّ، إن الله عزّ وجلّ يقول في يوم أُحُد: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} ـ يقول ابن عباس: والحَسّ القتل {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} وإنما عنى بهذا الرماة. وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع ثم قال:

احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنِمنا فلا تشركونا. فلما غنمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين انكفأت الرماةُ جميعاً فدخلوا في العسكر ينتهبون، وقد التقت صفوف أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فهم هكذا ـ وشبّك أصابع يديه ـ وٱلتبسوا. فلما أخَل الرماةُ تلك الخَلّة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب بعضهم بعضاً والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابِه أوّلُ النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول الناس: الغار، إنما كانوا تحت المِهراس وصاح الشيطان: قتل محمد. فلم يُشَك فيه أنه حق، فما زلنا كذلك ما نشك أنه قتِل حتى طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السَعْدَيْن، نعرفه بتكفّئِهِ إذا مشى. قال: ففرحنا حتى كأنّا لم يصبنا ما أصابنا. قال: فرقى نحونا وهو يقول:اشتدّ غضب الله على قوم دَمَّوا وجهَ نَبِيهم. وقال كعب بن مالك: أنا كنت أوّل من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين؛ عرفته بعينيه من تحت المِغْفَر تزهران فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين! ابشِروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقبل: فأشار إليّ أن أسكت.

إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىٓ أُخْرَىٰكُمْ فَأَثَٰبَكُمْ غَمًّۢا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمْ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ۝١٥٣

«إذ» متعلق بقوله: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ}. وقراءة العامة «تُصْعِدُونَ» بضم التاء وكسر العين. وقرأ أبو رجاء العطارِدِيّ وأبو عبد الرّحمن السلمي والحسن وقتادة بفتح التاء والعين، يعني تصعدون الجبل. وقرأ ابن مُحَيْصِن وشِبْل «إذ يصعدون ولا يلوون» بالياء فيهما. وقرأ الحسن «تَلُون» بواو واحدة. وروي أبو بكر بن عيّاش عن عصام «وَلاَ تلوون» بضم التاء؛ وهي لغة شاذة ذكرها النحاس. وقال أبو حاتم: أصعدت إذا مضيت حيال وجهك، وصعِدت إذا ٱرتقيت في جبل أو غيره. فالإصعاد: السير في مستوٍ من الأرض وبطون الأودية والشِّعاب. والصعود: الارتفاع على الجبال والسطوح والسَّلالِيم والدَّرَج. فيحتمل أن يكون صعودهم في الجبل بعد إصعادهم في الوادي؛ فيصح المعنى على قراءة «تُصْعِدون» و «تَصْعَدون». قال قتادة والربيع: أصعدوا يوم أحُد في الوادي. وقراءة أُبَيّ «إذ تُصعِدون في الوادي». قال ابن عباس: صعِدوا في أحُد فراراً. فكلتا القراءتين صواب: كان يومئذ من المنهزمين مُصْعد وصاعد، والله أعلم. قال القُتَبِيّ والمبرد: أصعد إذا أبعدَ في الذهاب وأمعن فيه؛ فكأن الإصعاد إبعاد في الأرض كإبعاد الارتفاع؛ قال الشاعر:

ألا أيهذا السائلي أيْن أصْعدتْفإنّ لها من بطن يثْرِبَ موعِداً

وقال الفرّاء: الإصعاد الابتداء في السفر، والإنحدار الرجوع منه؛ يُقال: أصعدنا من بغداد إلى مكة وإلى خُراسان وأشباه ذلك إذا خرجنا إليها وأخذنا في السفر، وانحدرنا إذا رجعنا. وأنشد أبو عبيدة:

قد كنتِ تبكين على الإصعادفاليوم سُرِّحْتِ وصاح الحادِي

وقال المفضل: صَعِد وأصْعَد وَصَعَّد بمعنى واحد. ومعنى «تَلْوُونَ» تعرّجون وتقيمون، أي لا يلتفت بعضكم إلى بعض هَرَبا؛ فإن المُعرِّج على الشيء يلوي إليه عُنقه أو عنان دابته. {عَلَىٰ أحَدٍ} يريد محمداً صلى الله عليه وسلم؛ قاله الكلبي. {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَاكُمْ} أي في آخركم؛ يُقال: جاء فلان في آخر الناس وأُخْرَة الناس وأُخْرَى الناس وأُخريَات الناس. وفي البخاري «أُخْرَاكُمْ» تأنيث آخركم: حدّثنا عمرو بن خالد حدّثنا زهير حدّثنا أبو إسحاق قال سمعت البراء بن عازب قال: جعل النبيّ صلى الله عليه وسلم على الرجّالة يوم أُحُد عبد الله بن جبير وأقبلوا منهزمين فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم. ولم يبق مع النبيّ صلى الله عليه وسلم غير ٱثني عشر رجلاً. قال ابن عباس وغيره: كان دعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم؛أي عباد الله ارجعوا. وكان دعاءه تغييرا للمنكر، ومحال أن يرى عليه السَّلام المنكر وهو الانهزام ثم لا ينهى عنه.

قلت: هذا على أن يكون الانهزام معصية وليس كذلك، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى

قوله تعالىٰ: {فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ} الغم في اللغة: التغطية. غممت الشيء غطيته. ويوم غَمٌّ وليلة غَمّةٌ إذا كانا مظلمين. ومنه غمّ الهلال إذا لم ير، وغمّنِي الأمر يَغمُّنِي. قال مجاهد وقتادة وغيرهما: الغَمّ الأوّل القتل والجراح، والغم الثاني الإرجاف بقتل النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ إذ صاح به الشيطان. وقيل: الغم الأوّل ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والثاني ما أصابهم من القتل والهزيمة. وقيل: الغَمَّ الأوّل الهزيمة، والثاني إشراف أبي سفيان وخالدٍ عليهم في الجبل؛ فلما نظر إليهم المسلمون غمهم ذلك، وظنوا أنهم يميلون عليهم فيقتلونهم فأنساهم هذا ما نالهم؛ فعند ذلك قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

اللَّهُمَّ لا يَعْلُنّ علينا كما تقدّم. والباء في «بِغَمٍّ» على هذا بمعنى على. وقيل: هي على بابها، والمعنى أنهم غموا النبيّ صلى الله عليه وسلم بمخالفتهم إياه، فأثابهم بذلك غمهم بمن أصيب منهم. وقال الحسن: {فَأَثَابَكُمْ غُمّاً} يوم أُحُد «بِغَمٍّ» يوم بدر للمشركين. وسُمي الغم ثواباً كما سمي جزاء الذنب ذنباً. وقيل: وقفهم الله على ذنبهم فشغلوا بذلك عما أصابهم.

قوله تعالى: {لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} اللام متعلقة بقوله: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} وقيل: هي متعلقة بقوله: {فَأَثَابَكُمْ غَماً بِغَمٍّ} أي كان هذا الغم بعد الغم لكيلا تحزنوا على ما فات من الغنيمة، ولا ما أصابكم من الهزيمة. والأول أحسن. و«ما» في قوله: «مَا أصَابَكُمْ» في موضع خفض. وقيل: «لا» صلةَ. أي لكي تحزنوا على ما فاتكم وما أصابكم عقوبةً على مخالفتكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو مثل قوله:

{ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ } [الأعراف: 12] أي أن تسجد. وقوله { لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ } [الحديد: 29] أي ليعلم، وهذا قول المفَضَّل. وقيل: أراد بقوله {فَأَثَابَكُمْ غَماً بِغَمٍّ} أي توالت عليكم الغموم، لكيلا تشتغلوا بعد هذا بالغنائم. {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} فيه معنى التحذير والوعيد.
الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ