قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٧
قوله تعالىٰ: {قَالَتْ رَبِّ} أي يا سَيّدي. تخاطب جبريل عليه السَّلام؛ لأنه لما تمثل لها قال لها: إنما أنا رسولُ رَبِّك ليَهب لكِ غلاماً زكياً. فلما سمعت ذلك من قوله ٱستفهمت عن طريق الولد فقالت: أنَّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر؟ أي بنكاح. (في سورتها)
{ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً } [مريم: 20] ذكرت هذا تأكيداً؛ لأن قولها {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} يشمل الحرام والحلال. تقول: العادة الجارية التي أجراها الله في خلقه أن الولد لا يكون إلاَّ عن نكاح أو سِفاح. وقيل: ما ٱستبعدت من قدرة الله تعالىٰ شيئاً، ولكن أرادت كيف يكون هذا الولد: أمِن قِبل زوج في المستقبل أم يخلقه الله ٱبتداء؟ فرُوي أن جبريل عليه السَّلام حين قال لها: {كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} { قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ }} [مريم: 21]. نفخ في جَيب درعها وكُمّها؛ قاله ٱبن جُريج. قال ٱبن عباس: أخذ جبريل رُدْن قميصها بأصبعه فنفخ فيه فحملت من ساعتها بعيسىٰ. وقيل غير ذلك على ما يأتي بيانه في سورتها إن شاء الله تعالىٰ. وقال بعضهم: وقع نفخ جبريل في رحمها فعلِقت بذلك. وقال بعضهم: لا يجوز أن يكون الخلق من نفخ جبريل لأنه يصير الولد بعضه من الملائكة وبعضه من الإنس، ولكن سبب ذلك أن الله تعالىٰ لما خلق آدم وأخذ الميثاق من ذُرِّيته فجعل بعض الماء في أصلاب الآباء وبعضه في أرحام الأمّهات فإذا ٱجتمع الماءان صارا ولداً، وأن الله تعالىٰ جعل الماءين جميعاً في مريم بعضه في رِحمها وبعضه في صُلبها، فنفخ فيه جبريل لتهيج شهوتها؛ لأن المرأة ما لم تَهِج شهوتها لا تحبل، فلما هاجت شهوتها بنفخ جبريل وقع الماء الذي كان في صُلبها في رَحِمها فاختلط الماءان فعلِقت بذلك؛ فذلك قوله تعالىٰ: {إِذَا قَضَىٰ أَمْراً} يعني إذا أراد أن يخلق خلقاً {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. وقد تقدّم في «البقرة» القول فيه مستوفى.
وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ٤٨ وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٤٩
قوله تعالىٰ: {وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} قال ٱبن جُريج: الكتاب الكتابة والخط. وقيل: هو كتاب غير التوراة والإنجيل علّمه الله عيسىٰ عليه السَّلام. {وَرَسُولاً} أي ونجعله رسولاً. أو يكلمهم رسُولاً. وقيل: هو معطوف على قوله «وجيهاً». وقال الأخفش: وإن شئت جعلت الواو في قوله «ورسولاً» مُقْحَمة والرسول حالاً للهاء، تقديره ويعلمه الكتاب رسولاً. وفي حديث أبي ذَرّ الطويل. «وأوّل أنبياء بني إسرائيل موسىٰ وآخرهم عيسى عليه السَّلام». {أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ} أي أصوّر وأقدّر لكم {مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ} قرأ الأعرج وأبو جعفر «كهيّة» بالتشديد. الباقون بالهمز. والطير يذكر ويؤنث. {فَأَنفُخُ فِيهِ} أي في الواحد منه أو منها أو في الطين فيكون طائراً. وطائر وطَيْر مثل تاجر وتَجْر. قال وَهْب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ليتميز فعل الخلق من فعل الله تعالى. وقيل: لم يخلق غيرَ الخُفّاش لأنه أكمل الطير خلقاً ليكون أبلغ في القدرة، لأن لها ثَدْياً وأسناناً وأُذناً، وهي تحيض وتطهر وتلد. ويقال: إنما طلبوا خَلْق خُفّاش لأنه أعجب من سائر الخلق؛ ومن عجائبه أنه لحم ودم يطير بغير ريش ويلد كما يلد الحيوان ولا يبيض كما يبيض سائر الطيور، فيكون له الضرّع يخرج منه اللبن، ولا يبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل، وإنما يرى في ساعتين: بعد غروب الشمس ساعة وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يُسفر جداً، ويضحك كما يضحك الإنسان، ويحيض كما تحيض المرأة. ويقال: إن سؤالهم كان له على وجه التعنّت فقالوا: أخلق لنا خُفّاشاً وٱجعل فيه روحاً إن كنت صادقاً في مقالتك؛ فأخذ طيناً وجعل منه خفاشاً ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض؛ وكان تسوية الطين والنفخ من عيسى والخلق من الله، كما أن النفخ من جبريل والخلق من الله.
وقوله تعالى: {وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وٱلأَبْرَصَ وَأُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} الأكمه: الذي يولد أعمى؛ عن ٱبن عباس. وكذا قال أبو عبيدة قال: هو الذي يولد أعمى؛ وأنشد لرؤبة:
فـارتـدَّ ٱرْتِـداد الأكمـه
وقال ٱبن فارس: الكَمَه العمَى يولد به الإنسان وقد يعرِض. قال سُويد:
كَمَهـت عينـاه حتـى ٱبيضّتَـا
مجاهد: هو الذي يُبصر بالنهار ولا يُبصر بالليل. عكرمة: هو الأعمش، ولكنه في اللغة العمى؛ يقال كَمِه يَكْمه كَمَها وكَمَّهْتها أنا إذا أعميتها. والبرص معروف وهو بياض يعتري الجلد، والأبرص القمر، وسامُّ أَبْرَصَ معروف، ويجمع على الأبارص. وخُصّ هذان بالذكر لأنهما عياءان. وكان الغالب على زمن عيسى عليه السلام الطبَّ فأراهم الله المعجزة من جنس ذلك {وَأُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} قيل: أحيا أربعة أنفس: العاذر وكان صديقاً له، وٱبن العجوز وٱبنة العاشر وسام بن نوح؛ فالله أعلم، فأما العاذر فإنه كان قد توفي قبل ذلك بأيام فدعا الله فقام بإذن الله وودكه يقطر فعاش وولد له، وأما ٱبن العجوز فإنه مرّ به يُحمل على سريره فدعا الله فقام ولبِس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله، وأما بنت العاشر فكان أتى عليها ليلة فدعا الله فعاشت بعد ذلك وولد لها؛ فلما رأوا ذلك قالوا: إنك تحيي من كان موته قريباً فلعلهم لم يموتوا فأصابتهم سكتةٌ فأحي لنا سام بن نوح. فقال لهم: دلّوني على قبره فخرج وخرج القوم معه حتى ٱنتهى إلى قبره فدعا الله فخرج من قبره وقد شاب رأسه. فقال له عيسى: كيف شاب رأسك ولم يكن في زمانكم شيْبٌ؟ فقال: يا روح الله، إنك دعوتني فسمعت صوتاً يقول: أجب روح الله، فظننت أن القيامة قد قامت، فمن هول ذلك شاب رأسي. فسأله عن النزع فقال: يا روح الله، إن مرارة النزع لم تذهب عن حنجرتي؛ وقد كان من وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنة، فقال للقوم: صدّقوه فإنه نبيّ؛ فآمن به بعضهم وكذّبه بعضهم وقالوا: هذا سحر. وروي من حديث إسمعيل ٱبن عياش قال: حدّثني محمد بن طلحة عن رجل أن عيسى ٱبن مريم كان إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين يقرأ في الأولى {تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ}. وفي الثانية «تنزيل السجدة» فإذا فرغ حمِد الله وأثنى عليه ثم دعا بسبعة أسماء: يا قديمُ يا خَفيّ يا دائمُ يا فَرْدُ يا وتْرُ يا أحد يا صمد؛ ذكره البيهقي وقال: ليس إسناده بالقويّ.
قوله تعالى: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي بالذي تأكلونه وما تدخرون. وذلك أنهم لما أحيا لهم الموتى طلبوا منه آية أُخرى وقالوا: أخبرنا بما نأكل في بيوتنا وما ندّخر للغد: فأخبرهم فقال: يا فلان أنت أكلت كذا وكذا، وأنت أكلت كذا وكذا وٱدخرت كذا وكذا؛ فذلك قوله «وأنبئكم» الآية. وقرأ مجاهد والزهرِيّ والسختِيانِيّ «وما تذخرون» بالذال المعجمة مخففاً. وقال سعيد بن جبير وغيره: كان يخبر الصبيان في الكُتّاب بما يدخرون حتى منعهم آباؤهم من الجلوس معه. قتادة: أخبرهم بما أكلوه من المائدة وما ٱدّخروه منها خِفية.
وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠ إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ ٥١
{وَمُصَدِّقاً} عطف على قوله: «ورَسُولاً». وقيل: المعنى وجئتكم مصدقاً. {لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ} لما قِبلي. {وَلأُحِلَّ لَكُم} فيه حذف، أي ولأحل لكم جئتكم. {بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} يعني من الأطعمة. قيل: إنما أحل لهم عيسى عليه السلام ما حُرّم عليهم بذنوبهم ولم يكن في التوراة، نحو أكل الشحوم وكل ذي ظفر. وقيل: إنما أحل لهم أشياء حرّمتها عليهم الأحبار ولم تكن في التوراة محرّمة عليهم. قال أبو عبيدة: يجوز أن يكون «بعض» بمعنى كل؛ وأنشد لِبيد:
تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لم أرضهاأو يَرْتَبِطْ بعضَ النفوسِ حِمامُها
وهذا القول غلط عند أهل النظر من أهل اللغة؛ لأن البعض والجزء لا يكونان بمعنى الكل في هذا الموضع، لأن عيسى صلى الله عليه وسلم إنما أحل لهم أشياء مما حرّمها عليهم موسى من أكل الشحوم وغيرها ولم يحل لهم القتل ولا السرقة ولا فاحشة. والدليل على هذا أنه روى عن قتادة أنه قال: جاءهم عيسى بألْيَن مما جاء به موسى صلَّى الله عليهما وعلى نبينا؛ لأن موسى جاءهم بتحريم الإبل وأشياءَ من الشحوم فجاءهم عيسى بتحليل بعضها. وقرأ النَّخَعيّ {بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} مثل كرم، أي صار حراماً. وقد يوضع البعض بمعنى الكل إذا ٱنضمت إليه قرينة تدل عليه؛ كما قال الشاعر:
أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاستبقِ بعضَناحَنَانَيْك بعضُ الشر أهْوَنُ من بعِض
يريد بعض الشر أهون من كله. {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} إنما وَحَّدَ وهي آيات لأنها جنس واحد في الدلالة على رسالته.
فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ٥٢
قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ} أي من بني إسرائيل. وأحَسّ معناه عِلم ووجد؛ قاله الزجاج. وقال أبو عبيدة: معنى «أحس» عرف، وأصل ذلك وجود الشيء بالحاسة. والإحساس: العِلم بالشيء؛ قال الله تعالى:
{ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ }} [مريم: 98] والحس القتل؛ قال الله تعالى: { إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } [آل عمران: 152]. ومنه الحديث في الجراد. «إذا حَسَّهُ الْبَرْدُ». {مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ} أي الكفر بالله. وقيل: سمع منهم كلمة الكفر. وقال الفرّاء: أرادوا قتله. {قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} ٱستنصِر عليهم. قال السدي والثورِي وغيرهما: المعنى مع الله، فإلى بمعنى مع، كقوله تعالى: { وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ } [النساء: 2] أي مع. والله أعلم. وقال الحسن: المعنى من أنصاري في السبيل إلى الله؛ لأنه دعاهم إلى الله عز وجل. وقيل: المعنى من يضم نصرته إلى نصرة الله عز وجل. فإلى على هذين القولين على بابها، وهو الجَيِّد. وطلب النصرة ليحتمي بها من قومه ويظهر الدعوة؛ عن الحسن ومجاهد. وهذه سنة الله في أنبيائه وأوليائه. وقد قال لوط: { لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ } [هود: 80] أي عشيرة وأصحاب ينصرونني. {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ} أي أنصار نبيه ودِينه. والحواريون أصحاب عيسى عليه السلام، وكانوا ٱثنى عشر رجلاً؛ قاله الكلبي وأبو رَوْق.
وٱختلف في تسميتهم بذلك؛ فقال ٱبن عباس: سموا بذلك لبياض ثيابهم، وكانوا صيادين. ٱبن أبي نَجِيح وٱبن أرْطَاة: كانوا قصّارين فسموا بذلك لتبييضهم الثياب. قال عطاء: أسلمت مريم عيسى إلى أعمال شتى، وآخر ما دفعته إلى الحواريين وكانوا قصارين وصبّاغين، فأراد معلِّم عيسى السفر، فقال لعيسى: عندي ثياب كثيرة مختلفة الألوان وقد علمتك الصبغة فاصبغها. فطبخ عيسى حُبّا واحداً وأدخله جميع الثياب وقال: كوني بإذن الله على ما أُريد منك. فقدِم الحواري والثياب كلها في الحُبِّ فلما رآها قال: قد أفسدتها؛ فأخرج عيسى ثوباً أحمر وأصفر وأخضر إلى غير ذلك مما كان على كل ثوب مكتوب عليه صبغه؛ فعجب الحواريّ، وعلم أن ذلك من الله ودعا الناس إليه فآمنوا به؛ فهم الحواريون. قتادة والضحاك: سموا بذلك لأنهم كانوا خاصة الأنبياء. يريدان لنقاء قلوبهم. وقيل: كانوا ملوكاً، وذلك أن الملك صنع طعاماً فدعا الناس إليه فكان عيسى على قصعة فكانت لا تنقص، فقال الملك له: من أنت؟ قال عيسى ٱبن مريم. قال: إني أترك ملكي هذا وأتبعك. فانطلق بمن ٱتبعه معه، فهم الحواريون؛ قاله ٱبن عون. وأصل الحَوَر في اللغة البياض، وحوّرت الثياب بيضتها، والحُوَّارَي من الطعام ما حُوّر، أي بيض، وٱحْوَرّ ٱبيض، والجَفْنَة المحوّرة: المبيضة بالسنام، والحوارِيّ أيضاً الناصر؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لكل نبيّ حواريّ وحواريّي الزبير. والحَواريّاتُ: النساء لبياضهن؛ وقال:
فقُلْ للحَواريات يَبْكيْن غيرنَاولا تَبْكنا إلاّ الكلابُ النَّوابحُ
رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٥٣
قوله تعالى: {رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أَنزَلَتْ} أي يقولون ربنا آمنا. {بِمَآ أَنزَلَتْ} يعني في كتابك وما أظهرته من حكمك. {وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ} يعني عيسى. {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ عن ٱبن عباس. والمعنى أثبت أسماءنا مع أسمائهم واجعلنا من جملتهم. وقيل: المعنى فٱكتبنا مع الذين شهدوا لأنبيائك بالصدق.
وَمَكَرُوا۟ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ ٥٤
قوله تعالى: {وَمَكَرُواْ} يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس منهم الكفر، أي قتله. وذلك أن عيسى عليه السلام لما أخرجه قومه وأمه من بين أظهرهم عاد إليهم مع الحواريين وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله وتواطئوا على الفتك به، فذلك مكرهم. ومَكْر الله: ٱستدراجه لعباده من حيث لا يعلمون؛ عن الفرّاء وغيره. قال ٱبن عباس: كلما أحدثوا خطيئة جدّدنا لهم نعمة. وقال الزجاج: مكر الله مجازاتهم على مكرهم؛ فسمى الجزاء بٱسم الابتداء؛ كقوله: «اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ»، «وَهُوَ خَادِعُهُمْ». وقد تقدّم في البقرة. وأصل المكر في اللغة الاحتيال والخداع. والمكر: خَدَالة الساق. وٱمرأة ممكورة الساقين. والمكر: ضرب من الثياب. ويقال: بل هو المَغَرَة؛ حكاه ٱبن فارس. وقيل: «مكر الله» إلقاء شَبه عيسى على غيره ورَفْع عيسى إليه، وذلك أن اليهود لما ٱجتمعوا على قتل عيسى دخل البيت هارباً منهم فرفعه جبريل من الكوّة إلى السماء، فقال مَلِكهم لرجل منهم خبيثٍ يقال له يهوذا: ٱدخل عليه فاقتله، فدخل الخَوْخَة فلم يجد هناك عيسى وألقى الله عليه شبه عيسى، فلما خرج رأوه على شبه عيسى فأخذوه وقتلوه وصَلَبوه. ثم قالوا: وجهه يشبه وجه عيسى، وبدنه يشبه بدن صاحبنا؛ فإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى وإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا فوقع بينهم قتال فقتل بعضهم بعضاً؛ فذلك قوله تعالى: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ}. وقيل غير هذا على ما يأتي. {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} ٱسم فاعل من مَكَر يمَكَر مَكْراً. وقد عدّه بعض العلماء في أسماء الله تعالى فيقول إذا دعا به: يا خير الماكرين أمكر لي. وكان عليه السلام يقول في دعائه:
اللهم ٱمكر لي ولا تمكر عليّ. وقد ذكرناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. والله أعلم.
إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ٥٥
قوله تعالى: {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} العامل في «إذْ» مكروا، أو فعل مضمر. وقال جماعة من أهل المعاني منهم الضحاك والفراء في قوله تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} على التقديم والتأخير؛ لأن الواو لا توجب الرتبة. والمعنى: إني رافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء؛ كقوله:
{ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى }} [طه: 129]؛ والتقدير ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاماً. قال الشاعر:
أَلاَ يا نخلة من ذات عِرْقعليكِ ورحمةُ اللَّه السلامُ
أي عليك السلام ورحمة الله. وقال الحسن وٱبن جريج: معنى متوفيك قابضك ورافعك إلى السماء من غير موت؛ مثل توفيت مالي من فلان أي قبضته. وقال وهب بن منبه: توفى الله عيسى عليه السلام ثلاث ساعات من نهار ثم رفعه إلى السماء. وهذا فيه بعد؛ فإنه صح في الأخبار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نزولُه وقتلُه الدجّال على ما بيناه في كتاب التذكرة، وفي هذا الكتاب حسب ما تقدّم، ويأتي. وقال ٱبن زيد: متوفيك قابضك، ومتوفيك ورافعك واحد ولم يمت بعدُ. وروى ٱبن طلحة عن ٱبن عباس معنى متوفِّيك مميتُك. الربيع ٱبن أنس: وهي وفاة نوم؛ قال الله تعالى: { وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ } [الأنعام: 60] أي يُنيمكم لأن النوم أخو الموت؛ كما قال صلى الله عليه وسلم لما سئل: أفي الجنة نوم؟ قال: «لا، النوم أخو الموت، والجنة لا موت فيها». أخرجه الدارقطنِيّ. والصحيح أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة ولا نوم كما قال الحسن وٱبن زيد، وهو ٱختيار الطبري، وهو الصحيح عن ٱبن عباس، وقاله الضحاك. قال الضحاك: كانت القصّة لما أرادوا قتل عيسى ٱجتمع الحواريون في غرفة وهم ٱثنا عشر رجلاً فدخل عليهم المسيح من مِشكاة الغرفة، فأخبر إبليس جمع اليهود فركب منهم أربعة آلاف رجل فأخذوا باب الغرفة. فقال المسيح للحواريين: أيّكُم يخرج ويُقتل ويكون معي في الجنة؟ فقال رجل: أنا يا نبي الله؛ فألقى إليه مِدْرَعَة من صوف وعمامة من صوف وناوله عكازه وألقى عليه شَبَه عيسى، فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه. وأما المسيح فكساه الله الرّيش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فطار مع الملائكة. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة حدّثنا أبو معاوية حدّثنا الأعمش عن المِنهال عن سعيد بن جبير عن ٱبن عباس قال: لما أراد الله تبارك وتعالى أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وهم ٱثنا عشر رجلاً من عين في البيت ورأسه يقطر ماء فقال لهم: أما إنّ منكم من سيكفر بي ٱثنتى عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيكم يُلقَى عليه شَبَهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم فقال أنا. فقال عيسى: ٱجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا. فقال عيسى: ٱجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا. فقال نعم أنت ذاك. فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام. قال: ورفع الله تعالى عيسى من رَوْزَنَة كانت في البيت إلى السماء. قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبيه فقتلوه ثم صلبوه، وكفر به بعضهم ٱثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به؛ فتفرّقوا ثلاث فرق: قالت فرقة: كان فينا الله ما شاء ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليَعْقُوبية. وقالت فرقة: كان فينا ٱبن الله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النَّسْطُورِيّة. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه إليه، وهؤلاء المسلمون. فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامساً حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فقتلوا؛ فأنزل الله تعالى { فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } [الصف: 14] أي آمن آباؤهم في زمن عيسى {عَلَى عَدُوِّهِم} بإظهار دينهم على دين الكفار {فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ}. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:والله لينزِلنّ ٱبن مريم حكما عادلاً فليكسِرنّ الصليب وليقتلنّ الخنزير وليضعن الجِزية ولتُتركُنّ الْقِلاَصُ فلا يسعى عليها ولتَذهبَن الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعونّ إلى المال فلا يقبله أحد. وعنه أيضاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده ليُهلنّ ٱبن مريم بفَجِّ الرّوْحاء حاجاً أو معتمراً أو ليثَنينّهما ولا ينزل بشرع مبتدإ فينسخ به شريعتنا بل ينزل مجدِّداً لما دَرَس منها متبعها. كما في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كيف أنتم إذا نزل ٱبن مريم فيكم وإمامكم منكم. وفي رواية: «فأمّكم منكم». قال ٱبن أبي ذِئب: تدري ما أمّكم منكم؟. قلت: تخبِرني. قال: فأمّكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى وسنةِ نبيكم صلى الله عليه وسلم. وقد زدنا هذا الباب بياناً في كتاب (التذكرة) والحمد لله. و {مُتَوَفِّيكَ} أصله متوفِّيُك حذفت الضمة ٱستثقالاً، وهو خبر إنّ. {ورَافِعُكَ} عطف عليه، وكذا {مُطَهِّرُكَ} وكذا {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ}. ويجوز «وجاعلٌ الذين» وهو الأصل. وقيل: إن الوقف التام عند قوله: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}. قال النحاس: وهو قول حسن. {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ} يا محمد {فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي بالحجة وإقامة البرهان. وقيل بالعز والغلبة. وقال الضحاك ومحمد ٱبن أبان: المراد الحواريون. والله تعالى أعلم.
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٥٦ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٧ ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلْـَٔايَٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ ٥٨
قوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} يعني بالقتل والصلب والسبي والجِزية، وفي الآخرة بالنار. {ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ} «ذلك» في موضع رفع بالابتداء وخبره «نتلوه». ويجوز: الأمر ذلك، على إضمار المبتدأ.
إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٥٩ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ٦٠
قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} دليل على صحة القياس. والتشبيه واقع على أن عيسى خُلِقَ من غير أبٍ كآدم، لا على أنه خلق من تراب. والشيء قد يشبه بالشيء وإن كان بينهما فرق كبير بعد أن يجتمعا في وصف واحد؛ فإن آدم خُلِقَ من تراب ولم يُخلق عيسى من تراب فكان بينهما فرق من هذه الجهة، ولكن شبه ما بينهما أنهما خلقهما من غير أبٍ؛ ولأن أصلِ خلقتهما كان من تراب لأنّ آدم لم يخلق من نفس التراب، ولكنه جعل التراب طيناً ثم جعله صلصالاً ثم خلقه منه، فكذلك عيسى حوّله من حال إلى حال، ثم جعله بشراً من غير أبٍ. ونزلت هذه الآية بسبب وفد نجران حين أنكروا على النبيّ صلى الله عليه وسلم قوله:
«إن عيسى عبد الله وكلمته» فقالوا: أرِنا عبداً خلق من غير أب؛ فقال لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم: «آدم من كان أبوه أعجبتم من عيسى ليس له أب؟ فآدم عليه السلام ليس له أب ولا أُم». فذلك قوله تعالى: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ} أي في عيسى {إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} في آدم {وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً}. وروي أنه عليه السلام. لما دعاهم إلى الإسلام قالوا: قد كنا مسلمين قبلك. فقال: كذبتم يمنعكم من الإسلام ثلاث: قولكم ٱتخذ الله ولداً، وأكلكم الخنزير، وسجودكم للصليب. فقالوا: من أبو عيسى؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} إلى قوله: {فَنَجْعَل لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ}. فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم لبعض: إن فعلتم ٱضطرم الوادي عليكم ناراً. فقالوا: أما تَعرِض علينا سوى هذا؟ فقال:الإسلام أو الجزية أو الحرب فأقرّوا بالجزية على ما يأتي. وتَمّ الكلام عند قوله «آدَمَ». ثم قال: {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} أي فكان. والمستقبل يكون في موضع الماضي إذا عرف المعنى. قال الفرّاء: {ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} مرفوع بإضمار هو. أبو عبيدة: هو ٱستئناف كلام وخبره في قوله {مِن رَّبِّكَ}. وقيل هو فاعل، أي جاءك الحق. {فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ} الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد أمّته؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن شاكاً في أمر عيسى عليه السلام
فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا۟ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ ٦١
فيه ثلاث مسائل:
الأُولى ـ قوله تعالى: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ} أي جادلك وخاصمك يا محمد «فيه»، أي في عيسى {مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} بأنه عبد الله ورسوله. {فَقُلْ تَعَالَوْاْ} أي أقبِلوا. وضع لمن له جلالة ورِفعة ثم صار في الاستعمال لكل داع إلى الإقبال، وسيأتي له مزيد بيان في «الأنعام». {نَدْعُ} في موضع جزم. {أَبْنَاءَنَا} دليل على أن أبناء البنات يسمَّون أبناء؛ وذلك.
أن النبيّ صلى الله عليه وسلم جاء بالحسن والحسين وفاطمة تمشي خلفه وعليّ خلفها وهو يقول لهم: «إن أنا دعوت فأمّنوا» وهو معنى قوله {ثُمَّ نَبْتَهِلْ} أي نتضرع في الدعاء؛ عن ٱبن عباس. أبو عبيدة والكسائي: نلتعِن. وأصل الأبتهال الاجتهاد في الدعاء باللعن وغيره. قال لبيد:
في كهولٍ سادةٍ من قومِهنظر الدهرُ إليهم فابتهل
أي ٱجتهد في إهلاكهم. يقال: بهله الله أي لعنه. والبهل اللعن. والبهل الماء القليل. وأبهلته إذا خليته وإرادته. وبهلته أيضاً. وحكى أبو عبيدة: بهله الله يبهله بهلة أي لعنه. قال ٱبن عباس: هم أهل نجران: السيد والعاقب وٱبن الحارث رؤساؤهم. {فَنَجْعَل لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ} .
الثانية: هذه الآية من أعلام نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه دعاهم إلى المباهلة فأبوا منها ورضوا بالجزية بعد أن أعلمهم كبيرهم العاقب أنهم إن باهلوه ٱضطرم عليهم الوادي ناراً فإن محمداً نبيّ مرسل، ولقد تعلمون أنه جاءكم بالفصل في أمر عيسى؛ فتركوا المباهلة وٱنصرفوا إلى بلادهم على أن يؤدّوا في كل عام ألف حُلَّة في صَفَر وألف حلة في رَجَب فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك بدلاً من الإسلام.
الثالثة: قال كثير من العلماء: إن قوله عليه السلام في الحسن والحسين لما باهل {نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} وقوله في الحسن:
إن ابني هذا سيدمخصوص بالحسن والحسين أن يسمَّيا ٱبنيّ النبيّ صلى الله عليه وسلم دون غيرهما؛ لقوله عليه السلام: كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي ولهذا قال بعض أصحاب الشافعيّ فيمن أوصى لولد فلان ولم يكن له ولد لصلبه وله ولد ٱبنٍ وولد ٱبنة: إن الوصية لولد الابن دون ولد الابنة؛ وهو قول الشافعيّ. وسيأتي لهذا مزيد بيان في «الأنعام والزخرف» إن شاء الله تعالى
إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٦٢ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُفْسِدِينَ ٦٣
قوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَص ٱلْحَقُّ} الإشارة في قوله «إن هذا» إلى القرآن وما فيه من الأقاصيص، سميت قصصاً لأن المعاني تتتابع فيها؛ فهو من قولهم: فلان يقص أثر فلان، أي يتبعه. {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ} «من» زائدة للتوكيد، والمعنى وما إلۤه إلاَّ الله {ٱلْعَزِيزُ} أي الذي لا يغلب. {ٱلْحَكِيمُ} ذو الحكمة. وقد تقدّم مثله والحمد لله.
قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ٦٤
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} الخطاب في قول الحسن وٱبن زيد والسدي لأهل نجران. وفي قول قتادة وٱبن جريج وغيرهما ليهود المدينة، خوطبوا بذلك لأنهم جعلوا أحبارهم في الطاعة لهم كالأرباب. وقيل: هو لليهود والنصارى جميعاً. وفي كتاب النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى هِرقل.
بسم الله الرحمن الرحيم ـ من محمد رسول الله إلى هِرقل عظِيم الروم سلام على من ٱتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلِم تسلم وأسلِم يؤتِك الله أجرك مرتين وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ} إلى قوله: {فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}. لفظ مسلم. والسواء العدل والنصفة؛ قاله قتادة. وقال زهير:
أروني خُطّة لا ضَيْم فيهايُسَوّي بيننا فيها السَّوَاء
الفرّاء: ويقال في معنى العدل سِوًى وسُوًى، فإذا فتحت السين مددت وإذا كسرت أو ضممت قصرت؛ كقوله تعالى: {مَكَاناً سُوًى}. قال: وفي قراءة عبد الله «إلى كلمة عدل بيننا وبينكم» وقرأ قَعْنَب «كِلْمَة» بإسكان اللام، ألقى حركة اللام على الكاف؛ كما يقال كبد. فالمعنى أجيبوا إلى ما دعيتم إليه، وهو الكلمة العادلة المستقيمة التي ليس فيها ميل عن الحق؛ وقد فسرها بقوله تعالى: {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ} فموضع «أن» خفض على البدل من «كلمة»، أو رفع على إضمار مبتدأ، التقدير هي أن لا نعبد إلاَّ الله. أو تكون مفسرة لا موضع لها، ويجوز مع ذلك في «نعبد» وما عطف عليه الرفع والجزم: فالجزم على أن تكون «أن» مفسرة بمعنى أي؛ كما قال عز وجل: {أَنِ ٱمْشُواْ} وتكون «لا» جازمة. هذا مذهب سيبويه. ويجوز على هذا أن ترفع «نعبد» وما بعده يكون خبراً. ويجوز الرفع بمعنى أنه لا نعبد؛ ومثله {أن لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً}. وقال الكسائي والفرّاء: {وَلاَ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتّخِذْ} بالجزم على التوهم أنه ليس في أوّل الكلام أن.
الثانية: قوله تعالى: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} أي لا نتبعه في تحليل شيء أو تحريمه إلا فيما حلله الله تعالى. وهو نظير قوله تعالى:
{ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ } [التوبة: 31] معناه أنهم أنزلوهم منزلة ربهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم يحرمه الله ولم يحله الله. وهذا يدل على بطلان القول بالاستحسان المجرّد الذي لا يستند إلى دليل شرعيّ؛ قال الكيا الطبريّ: مثل ٱستحسانات أبي حنيفة في التقديرات التي قدّرها دون مستندات بينة. وفيه ردّ على الروافض الذين يقولون: يجب قبول (قول) الإمام دون إبانة مستند شرعيّ، وأنه يحل ما حرّمه الله من غير أن يبين مستنداً من الشريعة. وأرباب جمع رب. و «دون» هنا بمعنى غير.
الثالثة ـ قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي أعرضوا عما دعوا إليه. {فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} أي متصفون بدين الإسلام منقادون لأحكامه معترفون بما لِلّه علينا في ذلك من المِنَن والإنعام، غير متّخذين أحداً ربّاً لا عيسى ولا عُزَيراً ولا الملائكة؛ لأنهم بشر مثلنا محدَث كحدوثنا،. ولا نقبل من الرّهبان شيئاً بتحريمهم علينا ما لم يحرّمه الله علينا، فنكون قد ٱتخذناهم أرباباً. وقال عكرمة: معنى «يَتّخِذَ» يسجد. وقد تقدّم أن السجود كان إلى زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم مُعَاذاً لما أراد أن يسجد؛ كما مضى في البقرة بيانه. وروى أنس بن مالك قال:
قلنا يا رسول الله، أينحني بعضنا لبعض؟ قال «لا» قلنا: أيعانق بعضنا بعضاً؟ قال «لا ولكن تصافحوا» أخرجه ٱبن ماجه في سننه. وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان في سورة «يوسف» (إن شاء الله)، وفي «الواقعة» مس القرآن أو بعضه على غير طهارة إن شاء الله تعالى
يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوْرَىٰةُ وَٱلْإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعْدِهِۦٓ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ٦٥
قوله تعالى: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ} الأصل «لِما» فحذفت الألف فرقاً بين الاستفهام والخبر. وهذه الآية نزلت بسبب دعوى كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان على دينه، فأكذبهم الله تعالى بأن اليهودية والنصرانية إنما كانتا من بعده؛ فذلك قوله: {وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ}. قال الزجاج: هذه الآية أبْيَنُ حجة على اليهود والنصارى؛ إذ التوراة والإنجيل أنزلا من بعده وليس فيهما ٱسم لواحد من الأديان، وٱسم الإسلام في كل كتاب. ويقال: كان بين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبين موسى وعيسى أيضاً ألف سنة. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} دحوض حجتكم وبطلان قولكم. والله أعلم.
هَٰٓأَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِۦ عِلْمٌ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٦٦
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: {هٰأَنْتُمْ هَؤُلاۤءِ حَاجَجْتُمْ} يعني في أمر محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم كانوا يعلمونه فيما يجدون من نعته في كتابهم فحاجّوا فيه بالباطل. {فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} يعني دعواهم في إبراهيم أنه كان يهودياً أو نصرانياً. والأصل في «ها أنتم» أأنتم فأبدِل من الهمزة الأُولى هاء لأنها أختها؛ عن أبي عمرو بن العلاء والأخفش. قال النحاس: وهذا قول حسن. وقرأ قُنْبُل عن ٱبن كثير «ها أنتم» مثل هعنتم. والأحسن منه أن يكون الهاء بدلاً من همزة فيكون أصله أأنتم. ويجوز أن تكون ها للتنبيه دخلت على «أنتم» وحذفت الألف لكثرة الاستعمال. وفي «هؤلاء» لغتان المدّ والقصر ومن العرب من يقصرها. وأنشد أبو حاتم:
لعمرك إنا والأحاليف هاؤلالفي مِحنة أظفارها لم تُقَلَّم
وهؤلاء هاهنا في موضع النداء يعني يا هؤلاء. ويجوز هؤلاء خبر أنتم، على أن يكون أولاء بمعنى الذين وما بعده صلة له. ويجوز أن يكون خبر «أنتم» حاججتم. وقد تقدّم هذا في «البقرة» والحمد لله.
الثانية: في الآية دليل على المنع من الجدال لمن لا علم له، والحظرِ على من لا تحقيق عنده فقال عز وجل: {هٰأَنْتُمْ هَؤُلاۤءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ}. وقد ورد الأمر بالجدال لمن علِم وأيقن فقال تعالى:
{ { وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [النحل: 125]. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتاه رجل أنكر ولده فقال: يا رسول الله، إن ٱمرأتي ولدت غلاماً أسود. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل لك من إبل»؟ قال نعم. قال: «ما ألوانها»؟ قال: حُمْرٌ: قال. «هل فيها من أَوْرَق»؟ قال نعم. قال: «فمن أين ذلك»؟ قال: لعل عِرْقاً نَزَعه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وهذا الغلام لعل عِرقاً نزعه». وهذا حقيقة الجدال ونهايةٌ في تبيين الاستدلال من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٦٧
نزهه تعالى من دعاويهم الكاذبة، وبين أنه كان على الحنيفية الإسلامية ولم يكن مشركاً. والحنيف: الذي يوحد ويحج ويضحي ويختتن ويستقبل القبلة. وقد مضى في «البقرة» ٱشتقاقه. والمسلم في اللغة: المتذلل لأمر الله تعالى المنطاع له. وقد تقدّم في «البقرة» معنى الإسلام مستوفى والحمد لله.
إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٦٨
وقال ٱبن عباس: قال رؤساء اليهود: والله يا محمد لقد علمت أنا أولى الناس بدين إبراهيم منك ومن غيرك، فإنه كان يهودياً وما بك إلا الحسد؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. {أَوْلَى} معناه أحق، قيل: بالمعونة والنصرة. وقيل بالحجة. {لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ} على مِلّته وسنته. {وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ} أفرد ذكره تعظيماً له؛ كما قال
{ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ }} [الرحمن: 68] وقد تقدّم في «البقرة» هذا المعنى مستوفى. و «هذا» في موضع رفع عطف على الذين، و «النبيّ» نعت لهذا أو عطف بيان، ولو نصب لكان جائزاً في الكلام عطفاً على الهاء في «ٱتبعوه». {وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي ناصرهم. وعن ٱبن مسعود أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إن لكل نبيّ ولاة من النبيين وإن وليّي منهم أبي وخليل ربي ـ ثم قرأ ـ {إنّ أولى الناس بإبراهيم للذين ٱتبعوه وهذا النبيّ}».
وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ٦٩
نزلت في معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وعمّار بن ياسر حين دعاهم اليهود من بني النضير وقريظة وبني قينقاع إلى دينهم. وهذه الآية نظير قوله تعالى:
{ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً } [البقرة: 109]. و «مِنْ» على هذا القول للتبعيض. وقيل: جميع أهل الكتاب، فتكون «مِنْ» لبيان الجنس. ومعنى «لَوْ يُضِلُّونَكُم» أي يُكسبونكم المعصية بالرجوع عن دين الإسلام والمخالفة له. وقال ٱبن جُريج: «يُضِلُّونكم» أي يهلكونكم؛ ومنه قول الأخطل:
كُنْتَ الْقَذَى في مَوْجِ أكْدَرَ مُزْبِدٍقذفَ الأتِيّ به فضلّ ضلالا
أي هلك هلاكاً. {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} نفى وإيجاب. {وَمَا يَشْعُرُونَ} أي يفطنون أنهم لا يصِلُون إلى إضلال المؤمنين. وقيل: {وما يشعرون} أي لا يعلمون بصحة الإسلام وواجب عليهم أن يعلموا؛ لأن البراهين ظاهرة والحجج باهرة، والله أعلم.
يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ٧٠
أي بصحة الآيات التي عندكم في كتبكم؛ عن قتادة والسّدي. وقيل: المعنى وأنتم تشهدون بمثلها من آيات الأنبياء التي أنتم مقِرّون بها.
يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ٧١
اللبس الخلط، وقد تقدّم في البقرة. ومعنى هذه الآية والتي قبلها معنى ذلك. {وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ} ويجوز «تكتموا» على جواب الاستفهام. {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} جملة في موضع الحال.
وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ ءَامِنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوٓا۟ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٧٢
نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيّف وغيرهما، قالوا للسفلة من قومهم: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار، يعني أوّله. وسمي وجهاً لأنه أحسنه، وأوّل ما يُوَاجه منه أوّلُه. قال الشاعر:
وتُضِيءُ في وجه النهارِ منيرةٌكجُمَانة البحرِيّ سُلّ نِظامُها
وقال آخر:
من كان مسروراً بمقتل مالكٍفليأتِ نسوتنا بوجه نهارِ
وهو منصوب على الظرف، وكذلك «آخرَه». ومذهب قتادة أنهم فعلوا ذلك ليشككوا المسلمين. والطائفة الجماعة، من طاف يطوف، وقد يستعمل للواحد على معنى نفس طائفة. ومعنى الآية أن اليهود قال بعضهم لبعض: أظهروا الإيمان بمحمد في أوّل النهار ثم ٱكفروا به آخرَه؛ فإنكم إذا فعلتم ذلك ظهر لمن يتبعه ٱرتياب في دينه فيرجعون عن دينه إلى دينكم، ويقولون إن أهل الكتاب أعلم به منا. وقيل: المعنى آمنوا بصلاته في أوّل النهار إلى بيت المقدس فإنه الحق، وٱكفروا بصلاته آخر النهار إلى الكعبة لعلهم يرجعون إلى قِبلتكم؛ عن ٱبن عباس وغيره. وقال مقاتل: معناه أنهم جاءوا محمداً صلى الله عليه وسلم أوّل النهار ورجعوا من عنده فقالوا للسّفلة: هو حق فاتبعوه، ثم قالوا: حتى ننظر في التوراة ثم رجعوا في آخر النهار فقالوا: قد نظرنا في التوراة فليس هو به. يقولون إنه ليس بحق، وإنما أرادوا أن يُلبسوا على السّفلة وأن يُشكِّكوا فيه.
وَلَا تُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰٓ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٧٣
قوله تعالى: {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} هذا نهي، وهو من كلام اليهود بعضهم لبعض، أي قال ذلك الرؤساء للسّفلة. وقال السدي: من قول يهودِ خيبر ليهود المدينة. وهذه الآية أشكل ما في السورة. فروي عن الحسن ومجاهد أن معنى الآية ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم لأنهم لا حجة لهم فإنكم أصح منهم دِيناً. و «أن» و «يحاجوكم» في موضع خفض، أي بأن يحاجوكم أي باحتجاجهم، أي لا تصدّقوهم في ذلك فإنهم لا حجة لهم. {أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ} من التوراة والمنّ والسلوى وفرق البحر وغيرها من الآيات والفضائل. فيكون «أن يؤتي» مؤخراً بعد {أَوْ يُحَآجُّوكُمْ}، وقوله {إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} ٱعتراض بين كلامين. وقال الأخفش: المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولا تصدّقوا أن يحاجوكم؛ يذهب إلى أنه معطوف. وقيل: المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ فالمَدّ على الاستفهام أيضاً تأكيد للإنكار الذي قالوه إنه لا يؤتي أحد مثل ما أوتوه؛ لأن علماء اليهود قالت لهم؛ لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتي أحد مِثل ما أوتيتم؛ أي لا يؤتي أحد مثل ما أوتيتم؛ فالكلام على نسقه. و «أن» في موضع رفع على قول من رفع في قولك أزيد ضربته، والخبر محذوف تقديره أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم تصدّقون أو تقرون، أي إيتاء موجود مصدَّقٌ أو مُقَرّ به، أي لا تصدّقون بذلك. ويجوز أن تكون «أن» في موضع نصب على إضمار فعل؛ كما جاز في قولك أزيداً ضربته، وهذا أقوى في العربية لأن الاستفهام بالفعل أولى، والتقدير أتقرّون أن يؤتي، أو أتشِيعون ذلك، أو أتذكرون ذلك ونحوه. وبالمد قرأ ٱبن كثير وٱبن محيصِن وحميد. وقال أبو حاتم: «أن» معناه «ألأَنْ»، فحذفت لام الجر ٱستخفافاً وأبدلت مدّةً؛ كقراءة من قرأ
{ أَن كَانَ ذَا مَالٍ }} [القلم: 14] أي ألأن. وقوله «أو يُحَاجُّوكُم» على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين؛ أو تكون «أو» بمعنى «أَنْ» لأنهما حَرْفَا شكّ وجزاء يوضع أحدهما موضع الآخر. وتقدير الآية: وأن يحاجوكم عند ربكم يا معشر المؤمنين، فقل: يا محمد إن الهدى هدى الله ونحن عليه. ومن قرأ بترك المدّ قال: إن النفي الأوّل دلّ على إنكارهم في قولهم ولا تؤمنوا. فالمعنى أن علماء اليهود قالت لهم: لا تصدّقوا بأن يُؤتَى أحد مثل ما أوتيتم، أي لا إيمان لهم ولا حجة؛ فعطف على المعنى من العلم والحكمة والكتاب والحجة والمنّ والسّلْوَى وفَلق البحر وغيرها من الفضائل والكرامات، أي إنها لا تكون إلا فيكم فلا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم. فالكلام فيه تقديم وتأخير على هذه القراءة واللام زائدة. ومن ٱستثنى ليس من الأوّل، وإلا لم يجز الكلام. ودخلت «أَحَدٌ» لأن أوّل الكلام نفي، فدخلت في صلة «أن» لأنه مفعول الفعل المنفي؛ فأن في موضع نصب لعدم الخافض. وقال الخليل: (أنْ) في موضع خفض بالخافض المحذوف. وقيل: إن اللام ليست بزائدة، و «تُؤمِنُوا» محمول على تُقِرّوا. وقال ٱبن جريج: المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم كراهية أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم. وقيل: المعنى لا تخبروا بما في كتابكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم إلا لمن تبع دينكم لئلا يكون طريقاً إلى عبَدَة الأوثان إلى تصديقه. وقال الفرّاء: يجوز أن يكون قد ٱنقطع كلام اليهود عند قوله عز وجل {إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ}. أي إن البيان الحق هو بيان الله عز وجل {أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ} بيّن ألا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، و «لا» مقدرة بعد «أن» أي لئلا يؤتى؛ كقوله { يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } [النساء: 176] أي لئلا تضلوا، فلذلك صلح دخول «أحد» في الكلام. و «أو» بمعنى «حتى» و «إلا أن»؛ كما قال ٱمرؤ القيس:
فقلتُ له لا تَبْكِ عَيْنُك إنّمانحاول مُلكاً أو نموتَ فنُعذَرا
وقال آخر:
وكنتُ إذا غَمَزْتُ قَنَاةَ قومكسرتُ كُعُوبَها أو تستقيما
ومثله قولهم: لا نلتقي أو تقوم الساعة، بمعنى «حتى» أو «إلى أن»؛ وكذلك مذهب الكِسائيّ. وهي عند الأخفش عاطفة على «وَلاَ تُؤْمِنُوا» وقد تقدّم. أي لا إيمان لهم ولا حجة؛ فعطف على المعنى. ويحتمل أن تكون الآية كلها خطاباً للمؤمنين من الله تعالى على جهة التثبيت لقلوبهم والتشحيذ لبصائرهم؛ لئلا يشكّوا عند تلبيس اليهود وتزويرهم في دينهم. والمعنى لا تصدّقوا يا معشر المؤمنين إلا من تبع دينكم، ولا تصدّقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الفضل والدِّين، ولا تصدّقوا أن يحاجّكم في دينكم عند ربّكم مَن خالفكم أو يقدر على ذلك، فإن الهُدَى هدى الله وإن الفضل بيد الله. قال الضحاك: إن اليهود قالوا إنا نحاجّ عند ربنا مَن خالفنا في ديننا؛ فبيّن الله تعالى أنهم هم المُدْحَضُون المعذَّبون وأن المؤمنين هم الغالبون. ومحاجّتهم خصومتهم يوم القيامة. ففي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.إن اليهود والنصارى يحاجُّونا عند ربّنا فيقولون أعطيتنا أجْراً واحداً وأعطيتهم أجرين فيقول هل ظلمتكم من حقوقكم شيئاً قالوا لا قال فإن ذلك فضلي أوتيه من أشاء. قال علماؤنا: فلو علموا أن ذلك من فضل الله لم يحاجونا عند ربنا؛ فأعلم الله نبِيّه صلى الله عليه وسلم أنهم يحاجونكم يوم القيامة عند ربكم، ثم قال: قل لهم الآن {إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. وقرأ ٱبن كَثير «آنْ يؤتى» بالمدّ على الاستفهام؛ كما قال الأعشى:
أأنْ رأت رَجُلاً أعْشَى أضَرَّ بِهِرَيْبُ المَنُون ودهْرٌ مُتْبِلٌ خَبِلُ
وقرأ الباقون بغير مدّ على الخبر. وقرأ سعيد بن جبير «إن يؤتى» بكسر الهمزة، على معنى النّفي؛ ويكون من كلام الله تعالى كما قال الفرّاء. والمعنى: قل يا محمد «إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ» يعني اليهود ـ بالباطل فيقولون نحن أفضل منكم. ونصب «أو يحاجوكم» يعني بإضمار «أن» و «أو» تضمر بعدها «أن» إذا كانت بمعنى «حتى» و «إلاّ أن». وقرأ الحسن «أن يؤتِيَ» بكسر التاء وياء مفتوحة، على معنى أن يؤتِيَ أحدٌ أحداً مثل ما أوتيتم، فحذف المفعول.
قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} فيه قولان:
أحدهما: أن الهُدَى إلى الخير والدّلالة إلى الله عز وجل بيد الله جل ثناؤه يؤتيه أنبياءه، فلا تنكروا أن يؤتى أحد سواكم مثل ما أوتيتم، فإن أنكروا ذلك فقل لهم {إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ}. والقول الآخر: قل إن الهدى هدى الله الذي آتاه المؤمنين من التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم لا غيره. وقال بعض أهل الإشارات في هذه الآية: لا تعاشروا إلا من يوافقكم على أحوالكم وطريقتكم فإن من لا يوافقكم لا يرافقكم، والله أعلم.