انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير القرطبيالآيات 102–117

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير القرطبي.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ۝١٠٢

فيه مسألة واحدة:

روى البخاري عن مُرة عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

حقّ تقاته أن يطاع فلا يُعصَى وأن يُذكَر فلا يُنْسى وأن يُشكر فلا يُكفر. وقال ٱبن عباس: هو ألاّ يُعصَى طَرْفة عَيْن. وذكر المفسرون أنه لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله، من يَقْوى على هذا؟ وشق عليهم فأنزل الله عز وجل { فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } [التغابن: 16] فنسخت هذه الآيةَ؛ عن قَتادة والرّبيع وٱبن زيد. قال مقاتل: وليس في آل عمران من المنسوخ شيء إلا هذه الآية. وقيل: إن قوله {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} بيانٌ لهذه الآية. والمعنى: فاتّقوا الله حق تُقاته ما ٱستطعتم، وهذا أصوب؛ لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع والجمع ممكن فهو أوْلىَ. وقد روى علي بن أبي طلحة عن ٱبن عباس قال: قول الله عز وجل { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ }} [آل عمران: 102] لم تُنسخ، ولكن «حقّ تُقاته» أن يُجاهد في سبيل الله حق جهاده، ولا تأخذكم في الله لَوْمةُ لائم، وتقوموا بالقسط ولو على أنفسكم وأبنائكم. قال النحاس: وكلما ذكر في الآية واجبٌ على المسلمين أن يستعملوه ولا يقع فيه نسخ. وقد مضى في البقرة معنى قوله تعالى: {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ}.

وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ۝١٠٣

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى {وَٱعْتَصِمُواْ} العِصمة المَنْعة؛ ومنه يقال للبذْرَقَة: عِصْمةٌ. والبذرقة: الخَفَارَةُ للقافِلة، وذلك بأن يرسل معها من يحميها ممن يؤذيها. قال ٱبن خالوية: البذرقة ليست بعربية وإنما هي كلمة فارسية عرّبتها العرب؛ يقال: بعث السلطان بذرقة مع القافلة.

والحَبْل لفظ مُشتَرك، وأصله في اللغة السَببُ الذي يوصل بِه إلى البغية والحاجة. والحبل: حبل العاتق. والحبل: مستطيل من الرمل، ومنه الحديث: والله ما تركتُ من حبل إلا وقفتُ عليه، فهل لي مِن حَجٍّ؛ والحبل الرسَنُ. والحبل العهد؛ قال الأعشى:

وإذا تُجَوِّزُها حِبالُ قَبيلةٍأخذتْ من الأخرى إليك حِبالِها

يريد الأمان. والحبل الداهية؛ قال كثير:

فلا تعجَلي يا عَزُّ أن تتَفَهَّمِيبُنْصح أتى الواشُون أم بِحُبُولِ

والحِبَالة: حِبالة الصّائد. وكلها ليس مرادا في الآية إلا الذي بمعنى العهد؛ عن آبن عباس. وقال آبن مسعود: حبل الله القرآن. ورواه على وأبو سعيد الحدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن مجاهد وقتادة مثل ذلك. وأبو معاوية عن الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا القرآن هو حبل الله. وروى تَقي بن مخلّد حُدّثنا يحيى بن عبد الحميد حدّثنا هشيم عن العوّام بن حوشب عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} قال: الجماعة؛ روي عنه و (عن غيره) من وجوه، والمعنى كله متقارب مُتَدَاخِل؛ فإن الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفُرْقة فإن الفرقة هلكة والجماعة نجاة. ورحم الله ٱبن المبارك حيث قال:

إن الجماعة حَبْلُ الله فآعتَصِموامنه بِعُروته الوُثْقى لمن دَانا

الثانية: قوله تعالى: {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} (يعني في دينكم) كما ٱفترقت اليهود والنصارى في أديانهم؛ عن ٱبن مسعود وغيره. ويجوز أن يكون معناه ولا تفرقوا متابعين للهوى والأغراض المختلفة، وكونوا في دِين الله إخوانا؛ فيكون ذلك منعا لهم عن التقاطع والتدابر؛ ودل عليه ما بعده وهو قوله تعالى {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً}. وليس فيه دليل على تحريم الاختلاف في الفروع: فإن ذلك ليس ٱختلافا إذ الآختلاف ما يتعذر معه الائتلاف والجمع، وأما حكم مسائل الاجتهاد فإن الاختلاف فيها بسبب آستخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع؛ وما زالت الصحابة يختلفون في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متآلفون. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اختلاف أمّتي رحمة وإنما منع الله اختلافا هو سبب الفساد. روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فِرقة أو ٱثنتين وسبعين فِرقة والنصارى مثل ذلك وتفترق أمَّتي على ثلاث وسبعين فِرقة. قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وأخرجه أيضاً عن ٱبن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حَذْوَ النعل بالنعل حتى لو كان منهم من يأتي أمّة علانية لكان من أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرّقت آثنتين وسبعين مِلةً وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين مِلةً كلهم في النار إلا مِلة واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ «ما أنا عليه وأصحابي». أخرجه من حديث عبد الله بن زياد الأفريقي، عن عبد الله بن يزيد عن ٱبن عمرو، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه. قال أبو عمر: وعبد الله الأفريقي ثِقة وثقة قومه وأثنوا عليه، وضعّفه آخرون. وأخرجه أبو داود في سننه من حديث معاوية بن أبي سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم:قال ألا إنّ مَن قبلكم مِن أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين مِلة وإن هذه المِلة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة وإنه سيخرج من أمتي أقوامٌ تجارى بهم تلك الأهْواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يَبْقَى منه عِرقٌ ولا مِفصَلٌ إلا دخله. وفي سنن ٱبن ماجه عن أنس ٱبن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة مات واللَّهُ عنه راض. قال أنس: وهو دِين الله الذي جاءت به الرسل وبلّغوه عن ربهم قبل هَرَج الأحاديث وآختلاف الآهْوَاء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما نزل، يقول الله: «فَإنْ تَابُوا» قال: خلعوا الأوثان وعبادتها {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاة}، وقال في آية أخرى: { فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ }. [التوبة: 11] أخرجه عن نصر بن علي الجَهْضَمي عن أبي أحمد عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس. قال أبو الفِرج الجَوْزي: فإن قيل هذه الفِرقَ معروفة؛ فالجواب أنا نعرف الافتراق وأصول الفِرق وأن كل طائفة من الفِرق ٱنقسمت إلى فِرَق، وإن لم نُحط بأسماء تلك الفرق ومذاهبها، فقد ظهر لنا من أصول الفِرق الحَرُوريّة والقَدَرِية والجَهْمِية والمَرجِئة والرافِضَة والجَبْرِية. وقال بعض أهل العلم: أصل الفِرق الضّالة هذه الفِرق السّتْ، وقد ٱنقسمت كل فِرقة منها آثنتي عشرة فِرقة، فصارت آثنتين وسبعين فِرقة. آنقسمت الحَرُوريّة آثنتي عشرة فرقة؛ فأولهم الأزْرَقِيَّةُ ـ قالوا: لا نعلم أحدا مؤمنا؛ وكفّروا أهل القِبْلة إلاَ من دان بقولهم. والأباضية ـ قالوا: من أخذ بقولنا فهو مؤمن، ومن أعرض عنه فهو منافق. والثعلبية ـ قالوا: إن الله عز وجل لم يقض ولم يُقَدَّر. والخازِمِيّة ـ قالوا: لا ندري ما الإيمان، والخلق كلهم معذورون. والخلَفِيَة ـ زعموا أن من ترك الجهاد من ذكر أو أنثى كفر. والكوزية ـ قالوا: ليس لأحد أن يَمسّ أحدا وأنه لا يعرف الطاهر من النّجس ولا أن يؤاكله حتى يتوب ويغتسل. والكَنزيّة ـ قالوا: لا يسع أحدا أن يعطي مالَه أحدا؛ لأنه ربما لم يكن مستحقا بل يكنزه في الأرض حتى يظهر أهل الحق. والشّمراخِيّة ـ قالوا: لا بأس بمسِّ النساء الأجانب لأنهن رياحين. والأخْنَسية ـ قالوا: لا يلحق الميت بعد موته خير ولا شر. والحكميّة ـ قالوا: مَن حاكم إلى مخلوق فهو كافر. والمعتزلة ـ قالوا: اشتبه علينا أمر علي ومعاوية فنحن نتبرأ من الفريقين. والميمونية ـ قالوا: لا إمام إلا برضا أهل محبتنا.

وانقسمت القَدَرية ٱثنتى عشرة فرقة: الأحمرية ـ وهي التي زعمت أن في شرط العدل من الله أن يملّك عباده أمورَهم، ويحول بينهم وبين معاصيهم. والثَّنَويّة ـ وهي التي زعمت أن الخير من الله والشر من الشيطان. والمعتزلة ـ وهم الذين قالوا بخلق القرآن وجحدوا (صفات) الرّبوبيّة. والكَيْسانية ـ وهم الذين قالوا: لا ندري هذه الأفعال من الله أو من العباد، ولا نعلم أيثاب الناس بعدُ أو يعاقبون. والشيطانية ـ قالوا: إن الله تعالى لم يخلق الشيطان. والشّريكية ـ قالوا: إن السيئات كلها مقدّرة إلا الكفر. والوَهْميّة ـ قالوا: ليس لأفعال الخلق وكلامهم ذات، ولا للحسنة والسيئة ذات. والزِّبْرية ـ قالوا: كل كتاب نزل من عند ٱلله فالعمل به حق، ناسخاً كان أو منسوخاً. والمسعدية ـ زعموا أن من عصى ثم تاب لم تقبل توبته والناكِثية ـ زعموا أن من نكث بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا إثم عليه. والقاسِطية ـ تبعوا إبراهيم بن النظام في قوله: من زعم أن الله شيء فهو كافر. وٱنقسمت الْجَهميّة ٱثنتى عشرة فرقة: المعطّلة ـ زعموا أن كل ما يقع عليه وهم الإنسان فهو مخلوق، وأن من ٱدّعى أن الله يُرى فهو كافر. والمريسية - قالوا: أكثر صفات الله تعالى مخلوقة. والمَلْتَزِقَة ـ جعلوا الباري سبحانه في كل مكان. والوَارِدِيّة ـ قالوا لا يدخل النار من عرف ربه، ومن دخلها لم يخرج منها أبداً. والزنَادِقَة ـ قالوا: ليس لأحد أن يثبت لنفسه ربّاً؛ لأن الإثبات لا يكون إلا بعد إدراك الحواس، وما لا يُدرك لا يثبت. والحَرْقَيّة ـ زعموا أن الكافر تحرقه النار مرّة واحدة ثم يبقى محترقاً أبداً لا يجد حرّ النار. والمخْلُوقية ـ زعموا أن القرآن مخلوق. والفانية ـ زعموا أن الجنة والنّار يفنيان، ومنهم من قال لم يُخلقا. والعبدِية ـ جحدوا الرسل وقالوا إنما هم حكماء. والواقفية ـ قالوا: لا نقول إن القرآن مخلوق ولا غير مخلوق. والقَبْرية ـ ينكرون عذاب القبر والشفاعة. واللفْظية ـ قالوا: لفظنا بالقرآن مخلوق.

وانقسمت المرجئة ٱثنتى عشرة فرقة: التّارِكيّة ـ قالوا ليس لله عز وجل على خلقه فريضة سوى الإيمان به، فمن آمن به فليفعل ما شاء. والسّائِبيّة ـ قالوا: إن الله تعالى سيب خلقه ليفعلوا ما شاءوا. والراجِيّة ـ قالوا: لا يُسمّى الطائع طائعاً ولا العاصي عاصياً، لأنَا لا ندري ما لَه عند الله تعالى. والسّالِبيّة ـ قالوا: الطاعة ليست من الإيمان. والبهيشية ـ قالوا: الإيمان عِلْمٌ ومن لا يعلم الحق من الباطل والحلال من الحرام فهو كافر. والعَمَلِيّة ـ قالوا: الإيمان عَمَلٌ. والمَنْقُوصيّة ـ قالوا: الإيمان لا يزيد ولا ينقص. والمسْتَثْنِية ـ قالوا: الاستثناء من الإيمان. والمشبِّهة ـ قالوا: بَصَرٌ كبصرٍ ويَدٌ كيدٍ. والحشوية ـ قالوا: حكم الأحاديث كلها واحد؛ فعندهم أن تارك النفل كتارك الفرض. والظاهِرِية ـ الذين نفوا القياس. والبِدْعية ـ أوّل من ابتدع هذه الأحداث في هذه الأُمة.

وانقسمت الرافضة ٱثنتي عشرة فرقة: العلوية ـ قالوا: إن الرسالة كانت إلى عليّ وإن جبريل أخطأ. والأمِرِيّة ـ قالوا: إن عليّاً شريك محمد في أمره. والشِّيعة ـ قالوا: إن عليّاً رضي الله عنه وصِيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ووَليُّه من بعده، وإن الأمّة كفرت بمبايعة غيره. والإسحاقية ـ قالوا: إن النبوّة متصلة إلى يوم القيامة، وكلّ مَن يعلم علم أهل البيت فهو نبيّ. والناوُوسيّة ـ قالوا: عليّ أفضل الأمة، فمن فضّل غيره عليه فقد كفر. والإمامية ـ قالوا: لا يمكن أن تكون الدنيا بغير إمام من ولد الحسين، وإن الإمام يعلِّمه جبريل عليه السلام، فإذا مات بدّل غيره مكانه. والزيدِية ـ قالوا: ولد الحسين كلهم أئمة في الصلوات، فمتى وُجد منهم أحد لم تجز الصلاةُ خلف غيرهم، برّهم وفاجرهم. والعباسية ـ زعموا أن العباس كان أولى بالخلافة من غيره. والتناسخية ـ قالوا: الأرواح تتناسخ؛ فمن كان مُحسناً خرجت روحه فدخلت في خلق يسعد بعيشه. والرَّجعية ـ زعموا أن عليّاً وأصحابه يرجعون إلى الدنيا، وينتقمون من أعدائهم. واللاّعِنَة ـ يلعنون عثمان وطلحة والزبير ومعاوية وأبا موسى وعائشةَ وغيرَهم. والمتربّصة ـ تشبهوا بزيّ النُّساك ونصبوا في كل عصر رجلاً ينسُبون إليه الأمر، يزعمون أنه مَهدِيُّ هذه الأُمة، فإذا مات نصبوا آخر.

ثم ٱنقسمت الجَبْرية اثنتى عشرة فرقة: فمنهم المضطرية ـ قالوا: لا فعل للآدميّ، بل الله يفعل الكل. والأفعالية ـ قالوا: لنا أفعال ولكن لا ٱستطاعة لنا فيها، وإنما نحن كالبهائم نقاد بالحبل. والمفروغية ـ قالوا: كل الأشياء قد خُلقت، والآن لا يُخلق شيء. والنجارية ـ زعمت أن الله تعالى يعذّب الناس على فعله لا على فعلهم. والمنّانيّة ـ قالوا: عليك بما يخطر بقلبك، فافعل ما توسّمت منه الخير. والكَسْبية ـ قالوا: لا يكتسب العبد ثواباً ولا عقاباً. والسّابقية ـ قالوا: من شاء فليعمل ومن شاء (فـ) ـلا يعمل، فإن السعيد لا تضرّه ذنوبه والشّقي لا ينفعه بِرّه. والحِبِّية ـ قالوا: من شرب كأس محبة الله تعالى سقطت عنه عبادة الأركان. والخوفية ـ قالوا: من أحبّ الله تعالى لم يسعه أن يخافه؛ لأن الحبيب لا يخاف حبيبه. والفكرية ـ قالوا: من ٱزداد علماً أسقط عنه بقدر ذلك من العبادة.

والخشبية ـ قالوا: الدنيا بين العباد سواء، لا تفاضُل بينهم فيما ورَّثَهم أبوهم آدم. والمَنّيّه ـ قالوا: منا الفعل ولنا الاستطاعة. وسيأتي بيان الفرقة التي زادت في هذه الأُمة في آخر سورة «الأنعام» إن شاء الله تعالى. وقال ابن عباس لسماك الحنفي: يا حنفي، الجماعةَ الجماعةٰ فإنما هلكت الأُمم الخالية لتفرّقها؛ أما سمعت الله عز وجل يقول: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل ٱلله جميعاً ولا تفرقوا ويكره لكم ثلاثاً قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال. فأوجب تعالى علينا التمسك بكتابه وسنة نبيه والرجوع إليهما عند الاختلاف، وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة ٱعتقاداً وعملاً، وذلك سبب اتفاق الكلمة وٱنتظام الشتات الذي يتم به مصالح الدنيا والدين، والسلامة من الاختلاف، وأمر بالاجتماع ونهى عن الافتراق الذي حصل لأهل الكتابين. هذا معنى الآية على التمام، وفيها دليل على صحة الإجماع حسبما هو مذكور في موضعه من أُصول الفقه، وٱلله أعلم.

قوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا}. أمر تعالى بتذكّر نعمه وأعظمها الإسلام وٱتباع نبيه محمد عليه السلام؛ فإن به زالت العداوة والفرقة وكانت المحبة والألفة. والمراد الأوْس والخزرج؛ والآية تَعُم. ومعنى {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} أي صرتم بنعمة الإسلام إخواناً في الدِّين. وكل ما في القرآن «أصبحتم» معناه صرتم؛ كقوله تعالى:

{ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً } [الملك: 30] أي صار غائراً. والإخوان جمع أخ، وسُمِّي أخاً لأنه يتوخى مذهب أخيه، أي يقصده. وشَفا كلِّ شيء حرفهُ، وكذلك شفيره ومنه قوله تعالى: { عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ } [التوبة: 109]. قال الراجز:

نحن حفرنا للحجيج سَجْلَهْ نابتة فوق شِفاها بَقْلَهْ

وأشْفَى على الشيء أشرف عليه؛ ومنه أشفى المريض على الموت. وما بقي منه إلا شَفاً أي قليل. قال ٱبن السّكّيت: يقال للرجل عند موته وللقمر عند ٱمحّاقه وللشمس عند غروبها: ما بقي منه إلا شفاً أي قليل. قال العجاج:

ومَرْبَإ عالٍ لمن تشرّفَاأشرفْتُه بلا شفًى أو بشَفَى

قوله «بلا شفى» أي غابت الشمس. «أو بشفى» وقد بقيت منها بقيّة. وهو من ذوات الياء، وفيه لغة أنه من الواو. وقال النحاس: الأصل في شفا شَفَو، ولهذا يكتب بالألف ولا يمال. وقال الأخفش: لمّا لم تَجُز فيه الإمالة عُرف أنه من الواو؛ ولأن الإمالة بين الياء، وتثنيته شفوان. قال المَهْدَويّ: وهذا تمثيل يراد به خروجُهم من الكفر إلى الإيمان.

وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝١٠٤

قد مضى القولُ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه السورة. و «مِن» في قوله «مِنكم» للتبعيض، ومعناه أن الآمِرِين يجب أن يكونوا علماء وليس كل الناس علماء. وقيل: لبيان الجنس، والمعنى لتكونوا كلكم كذلك.

قلت: القول الأوّل أصح؛ فإنه يدل على أن الأمر بالمعروف والنهيّ عن المنكر فرض على الكفاية، وقد عيّنهم الله تعالى بقوله:

{ ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ } [الحج: 41] الآية. وليس كل الناس مُكِّنُوا. وقرأ ٱبن الزبير: «وَلْتَكُنَ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ويَستَعينونَ اللَّهَ على ما أصابهم». قال أبو بكر الأنباري: وهذه الزيادة تفسير من ٱبن الزبير، وكلام من كلامه غَلِط فيه بعض الناقلين فألحقه بألفاظ القرآن؛ يدلّ على صحة ما أصِفُ الحديثُ الذي حدّثنيه أبي حدّثنا (حسن) بن عرفة حدّثنا وكيع عن أبي عاصم عن أبي عون عن صبيح قال: سمعت عثمان بن عفّان يقرأ «ويأمرون بِالمعروفِ وَيَنْهَوْنَ عن المنكرِ ويستعينون الله على ما أصابهم» فما يشكّ عاقل في أن عثمان لا يعتقد هذه الزيادة من القرآن؛ إذ لم يكتبها في مصحفه الذي هو إمام المسلمين، وإنما ذكرها واعظاً بها ومؤكِّداً ما تقدمها من كلام رب العالمين جل وعلا.

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخْتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝١٠٥

يعني اليهود والنصارى في قول جمهور المفسرين. وقال بعضهم: هم المبتدِعة من هذه الأمة. وقال أبو أمامة: هم الحَرُورِيّة؛ وتلا الآية. وقال جابر بن عبد الله: «الّذِينَ تَفَرّقُوا وٱخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّناتُ» اليهود والنصارى. «جاءهم» مذكر على الجمع، وجاءتهم على الجماعة.

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ۝١٠٦ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝١٠٧

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} يعني يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم تكون وجوهُ المؤمنين مبيضّة ووجُوه الكافرين مسْوَدّة. ويقال: إن ذلك عند قراءة الكتاب، إذا قرأ المؤمن كتابه فرأى في كتابه حسناته ٱستبشر وٱبيَضّ وجهُه، وإذا قرأ الكافر والمنافق كتابه فرأى فيه سيئاته ٱسودّ وجهه. ويقال: إن ذلك عند الميزان إذا رجحت حسناته ٱبيضّ وجهه، وإذا رجحت سيئاته ٱسودّ وجهه. ويقال: ذلك عند قوله تعالى:

{ وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ } [يسۤ: 59]. ويقال: إذا كان يوم القيامة يُؤْمر كل فريق بأن يجتمع إلى معبوده، فإذا ٱنتهوا إليه حزِنوا وٱسودّت وجوههم، فيبقى المؤمنون وأهل الكتاب والمنافقون؛ فيقول الله تعالى للمؤمنين: «من ربكم»؟ فيقولون: ربنا الله عز وجل. فيقول لهم: «أتعرفونه إذا رأيتموه». فيقولون: سبحانهٰ إذا اعترف عرفناه. فيرونه كما شاء الله.فيخِرّ المؤمنون سُجَّدا لله تعالى، فتصير وجوههم مثل الثلج بياضاً، ويبقى المنافقون وأهل الكتاب لا يقدرون على السجود فيحزنوا وتسودّ وجوههم؛ وذلك قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}. ويجوز «تِبْيَضّ وتِسْوَدّ» بكسر التائين؛ لأنك تقول: ابيضت، فتكسر التاء كما تكسر الألف، وهي لغة تميم وبها قرأ يحيى بن وثاب. وقرأ الزهريّ «يوم تبياض وتسوادّ» ويجوز كسر التاء أيضاً، ويجوز «يوم يبيض وجوه» بالياء على تذكير الجمع، ويجوز «أجوه» مثل «أقتت». وٱبيِضَاض الوجوه إشراقها بالنّعيم. وٱسْوِدادها هو ما يرهقها من العذاب الأليم.

الثانية: وٱختلفوا في التعيين؛ فقال ٱبن عباس: تبيضّ وجُوه أهلِ السنّة وتسودّ وجوه أهل البِدعة.

قلت: وقول ٱبن عباس هذا رواه مالك بن سليمان الهرويّ أخو غسّان عن مالك بن أنس عن نافع عن ٱبن عمر قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} قال: «يعني تبيض وجوه أهل السنة وتسودّ وجوه أهل البدعة» ذكره أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب. وقال فيه: منكر من حديث مالك. قال عطاء: تبيض وجوه المهاجرين والأنصار، وتسودّ وجوه بني قريظة والنضِير. وقال أُبيّ بن كعب: الذين ٱسودّت وجوههم هم الكفار، وقيل لهم: أكفرتم بعد إيمانكم لإقراركم حين أخْرِجتم من ظهر آدم كالذّرّ. هذا ٱختيار الطبري. الحسن: الآية في المنافقين. قتادة هي في المرتدِّين. عِكرمة: هم قوم من أهل الكتاب كانوا مصدِّقين بأنبيائهم مصدقين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فلما بُعث عليه السلام كفروا به؛ فذلك قوله: {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}. وهو ٱختيار الزجاج. مالك بن أنس: هي في أهل الأهواء. أبو أمامة الباهِليّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: هي في الحرورِية. وفي خبر آخر أنه عليه السلام قال:هي في القدرية. روى الترمذيّ عن أبي غالب قال: رأى أبو أمامة رؤوساً منصوبة على درج مسجد دمشق، فقال أبو أمَامة: كلابُ النار شرُّ قتلى تحت أَدِيم السماء، خيرُ قتلى من قتلوهـ ثم قرأ ـ {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} إلى آخر الآية. قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً ـ حتى عدّ سبعاً ـ ما حدثتكموه. قال: هذا حديث حسن. وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إنى فرطكم على الحوض من مرّ عليّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً لَيرِدنّ عليّ أقوام أعرِفهم ويعرِفوني ثم يحال بيني وبينهم. قال أبو حازم؛ فسمعني النُّعمان بن أبي عياش فقال: أهكذا سمعتَ من سهل بن سعد؟ فقلت نعم. فقال: أشهد على أبي سعيدٍ الخدرِيّ لسمعته وهو يزيد فيها:فأقول إنهم منِّي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقاً سحقاً لمن غيَّر بعدي. وعن أبي هريرة أنه كان يحدّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يرِد عليَّ الحوضَ يوم القيامة رهْطٌ من أصحابي فيُجْلَون عن الحَوْض فأقول يا ربِّ أصحابي فيقول إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ٱرتدّوا على أدبارهم القهقري. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فمن بدّل أو غيّر أو ٱبتدَعَ في دين الله ما لا يرضاه الله ولم يأذَنْ به الله فهو من المطْرُودين عن الحوض المبتَعِدين منه المسودِّي الوُجُوه، وأشدّهم طرداً وإبعاداً من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم؛ كالخوارج على ٱختلاف فِرَقها، والرَوافِض على تَباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها؛ فهؤلاء كلهم مبدِّلون ومبتدِعون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وطمس الحق وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستخِفُّون بالمعاصي، وجماعة أهل الزّيْع والأهْواء والبِدَع؛ كلٌّ يُخاف عليهم أن يكونوا عُنُوا بالآية، والخبر كما بيّنا، ولا يَخلُد في النار إلا كافر جاحِدٌ ليس في قلبه مثقالُ حبّةِ خرْدلٍ من إيمان. وقد قال ٱبن القاسم: وقد يكون من غير أهل الأهْواء من هو شرٌّ من أهل الأهواء. وكان يقول: تمام الإخلاص تَجنّب المعاصي.

الثالثة: قوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} في الكلام حذف، أي فيقال لهم {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} يعني يوم الميثاق حين قالوا بلى. ويقال: هذا لليهود وكانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به. وقال أبو العالية: هذا للمنافقين، يقال: أكفرتم في السر بعد إقراركم في العلانية. وأجمع أهل العربية على أنه لا بدّ من الفاء في جواب «أما» لأن المعنى في قولك: «أما زيد فمنطلق، مهما يكن من شيء فزيد منطلق». وقوله تعالى: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ} هؤلاء أهل طاعة الله عز وجل والوفاءِ بعهده. {فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي في جنته ودار كرامته خالدون باقون. جعلنا الله منهم وجنّبنا طرق البِدَع والضّلالات، ووفقنا لطريق الذين آمنوا وعملوا الصالحات. آمين.

تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَٰلَمِينَ ۝١٠٨ وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ۝١٠٩

قوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ} ٱبتداء وخبر، يعني القرآن. {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ} يعني نُنْزِلْ عليك جبريل فيقرؤها عليك. {بِٱلْحَقِّ} أي بالصدق. وقال الزجاج: «تلك آيات الله» المذكورة حُجَجُ الله ودلائله. وقيل: «تلك» بمعنى هذه ولكنها لما ٱنقضت صارت كأنها بَعُدَتْ فقيل «تلك» ويجوز أن تكون «آيات الله» بدلاً من «تلك» ولا تكون نعتاً؛ لأن المبْهَم لا ينعت بالمضاف. {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ} يعني أنه لا يعذبهم بغير ذنب. {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} قال المهدويّ: وجه ٱتصال هذا بما قبله أنه لما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين وأنه لا يريد ظلماً للعالمين، وصله بذكر ٱتِّساع قدرته وغناه عن الظلم لكون ما في السموات وما في الأرض (في قبضته، وقيل: هو ٱبتداء كلام، بيّن لعباده أن جميع ما في السموات وما في الأرض) له حتى يسألوه ويعبدوه ولا يعبدوا غيره.

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ ۝١١٠

قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} فيه ثلاث مسائل:

الأولى: روى الترمذيّ عن بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جدّه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال:

أنتم تُتمّون سبعين أُمَّة أنتم خيرها وأكرمها عند الله. وقال: هذا حديث حسن. وقال أبو هريرة: نحن خير الناس للناس نسوقهم بالسلاسل إلى الإسلام. وقال ٱبن عباس: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وشهدوا بَدْراً والحُديبِيّة. وقال عمر بن الخطاب: من فعل فعلهم كان مثلهم. وقيل: هم أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، يعني الصالحين منهم وأهل الفضل. وهم الشهداء على الناس يوم القيامة؛ كما تقدّم في البقرة. وقال مجاهد: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} على الشرائط المذكورة في الآية. وقيل: معناه (كنتم) في اللوح المحفوظ. وقيل: كنتم مُذْ آمنتم خيرَ أمَّةٍ. وقيل: جاء ذلك لتقدّم البشارة بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وأمّته. فالمعنى كنتم عند من تقدّمكم من أهل الكتب خيرَ أمّةٍ. وقال الأخفش: يريد أهل أمّةٍ، أي خير أهل دين؛ وأنشد:

حلفتُ فلم أتْركْ لنفسك رِيبةًوهلْ يأْثَمَنْ ذو أمَّةٍ وهو طائعُ

وقيل: هي كان التامّة، والمعنى خُلِقْتم ووُجِدتُم خيرَ أمّةٍ. «فخير أمّة» حال. وقيل: كان زائدة، والمعنى أنتم خير أمّةٍ. وأنشد سيبويه:

وجِيـرانٍ لنـا كانـوا كـرامِ

ومثله قوله تعالى: { كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً }} [مريم: 29]. وقوله: { وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ }} [الأعراف: 86]. وقال في موضع آخر: { وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ }} [الأنفال: 26]. وروى سفيان عن مَيْسَرة الأشجعيّ عن أبي حازم عن أبي هريرة {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال: تجرّون الناس بالسلاسل إلى الإسلام. قال النحاس: والتقدير على هذا كنتم للناس خير أمّة. وعلى قول مجاهد: كنتم خيرَ أمّةٍ إذ كنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر. وقيل: إنما صارت أمَّةٍ محمد صلى الله عليه وسلم خير أمَّةٍ لأن المسلمين منهم أكثر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أَفْشَى. فقيل: هذا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: خير الناس قرني أي الذين بعثت فيهم.

الثانية: وإذا ثبت بنَصِّ التنزيل أن هذه الأمة خير الأمم؛ فقد روى الأئمّة من حديث عِمران بن حصين عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:

خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. (الحديث) وهذا يدل على أن أوّل هذه الأمة أفضل ممن بعدهم، وإلى هذا ذهب معظم العلماء، وأن من صحب النبيّ صلى الله عليه وسلم ورآه ولو مرّة في عمره أفضل ممن يأتي بعده، وأن فضيلة الصحبة لا يعدِلها عمل.

وذهب أبو عمر بن عبد البِّر إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة، وأن قوله عليه السَّلام:

خير الناس قرنيليس على عمومه بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول. وقد جمع قرنه جماعة من المنافقين المظهِرين للإيمان وأهلِ الكبائر الذين أقام عليهم أو على بعضهم الحدود، وقال لهم: ما تقولون في السارق والشارب والزاني. وقال مُوَاجهةً لمن هو في قرنه:لا تسبوا أصحابي. وقال لخالد بن الوليد في عمّار: «لا تسب من هوخير منك» وروى أبو أمَامة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى سبع مرّات لمن لم يرني وآمن بي. وفي مسند أبي داود الطيالِسِيّ عن محمد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال: كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أتدرون أي الخلق أفضل إيماناً» قلنا الملائكة. قال: «وحق لهم بل غيرهم» قلنا الأنبياء. قال: «وحق لهم بل غيرهم» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الخلق إيماناً قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني يجِدون ورقا فيعملون بما فيها فهم أفضل الخلق إيماناً». وروى صالح بن جبير عن أبي جُمْعَة قال: قلنا يا رسول الله، هل أحد خير منا؟ قال: «نعم قوم يجِيئون من بعدكم فيجدون كتاباً بين لوحين فيؤمنون بما فيه ويؤمنون بي ولم يروني». وقال أبو عمر: وأبو جمعة له صحبة وٱسمه حَبِيب بن سِبَاع، وصالح بن جبير من ثِقَات التابعين. وروى أبو ثعلبة الخشنِي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أمامكم أياماً الصّابر فيها على دينه كالقابض على الجَمْر للعامل فيها أجر خمسين رجلاً يعمل مثل عمله»قيل: يا رسول الله، منهم؟ قال: «بل منكم». قال أبو عمر: وهذه اللفظة {بَلِ مِّنكُمْ} قد سكت عنها بعض المحدّثين فلم يذكرها. وقال عمر بن الخطاب في تأويل قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال: من فعل مثل فعلِكم كان مثلكم. ولا تعارض بين الأحاديث؛ لأن الأوّل على الخصوص، والله الموفِّق.

وقد قيل في توجيه أحاديث هذا الباب: إن قرنه إنما فُضِّل لأنهم كانوا غُرَبَاء في إيمانهم لكثرة الكفار وصبرِهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم، وإن أواخر هذه الأمّة إذا أقاموا الدِّين وتمسّكوا به وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر والفسق والهَرَج والمعاصي والكبائر كانوا عند ذلك أيضاً غُرَبَاء، وزكت أعمالهم في ذلك الوقت كما زَكَتْ أعمال أوائلهم، و (مما) يشهد لهذا قوله عليه السَّلام:

بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء. ويشهد له أيضاً حديث أبي ثعلبة، ويشهد له أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: أُمَّتي كالمطر لا يُدْرَى أوّلُه خيرٌ أم آخره. ذكره أبو داود الطيالسِيّ وأبو عيسى الترمذي، ورواه هشام بن عبيد الله الرازي عن مالكٍ عن الزهري عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:مثل أمتي مثل المطرِ لا يُدْرَى أوّله خيرٌ أم آخره. ذكره الدارقطنِي في مسند حديث مالك. قال أبو عمر: هشام بن عبيد الله ثقةٌ لا يختلفون في ذلك. وروي أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله أن ٱكتب إليّ بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها؛ فكتب إليه سالم: إن عملت بسيرة عمر؛ فأنت أفضل من عمر لأن زمانك ليس كزمان عمر، ولا رجالك كرجال عمر. وكتب إلى فقهاء زمانه، فكلُّهم كتب إليه بمثل قول سالم. وقد عارض بعض الجِلّة من العلماء قوله صلى الله عليه وسلم:خير الناس قرنِي بقوله صلى الله عليه وسلم: خير الناس من طال عمره وحَسُن عملُه وشرُّ الناس من طال عمره وساء عمله. قال أبو عمر: فهذه الأحاديث تقتضي مع تَوَاتُر طرقها وحسنها التّسْويةَ بين أوّلِ هذه الأمّة وآخرِها. والمعنى في ذلك ما تقدّم ذكره من الإيمان والعمل الصالح في الزمان الفاسد الذي يرفع فيه من أهل العلم والدين، ويكثر فيه الفسق والهَرَج، ويُذَلّ المؤمنُ ويُعَزُّ الفاجر ويعود الدين غَرِيباً كما بدا غَرِيباً ويكون القائمُ فيه كالقابض على الجمر، فيستوي حينئذ أوّل هذه الأمّة بآخرها في فضل العمل إلاَّ أهل بدَرُ والحُديبية، ومن تدبّر آثار هذا الباب بان له الصّواب، والله يؤتي فضله من يشاء.

الثالثة: قوله تعالىٰ: {تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} مدح هذه الأمّة ما أقاموا ذلك وٱتصفوا به. فإذا تركوا التغيير وتَواطَئوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم ٱسم الذَّمِّ، وكان ذلك سبباً لهلاكهم. وقد تقدّم الكلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أوّل السورة.

قوله تعالىٰ: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} أخبر أن إيمان أهل الكتاب بالنبيّ صلى الله عليه وسلم خيرٌ لهم، وأخبر أن منهم مؤمناً وفاسقاً، وأن الفاسق أكثر.

لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًى وَإِن يُقَٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ۝١١١

قوله تعالى: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} يعني كذبهم وتحريفهم وبُهْتَهم؛ لا أنَّه تكون لهم الغَلَبَة؛ عن الحسن وقتادة. فالاستثناء متَّصِل، والمعنى لن يضروكم إلاَّ ضراً يسيراً؛ فوقع الأذى موقع المصدر. فالآية وعد من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، أن أهل الكتاب لا يغلبونهم وأنهم منصورون عليهم لا ينالهم منهم ٱصطلام إلاَّ إيذاء بالبهت والتحريف، وأما العاقبة فتكون للمؤمنين. وقيل: هو منقطع، والمعنى لن يضروكم ألْبَتّة، لكن يؤذونكم بما يُسمِّعونكم. قال مقاتل: إن رءوس اليهود: كعب وعديّ والنعمان وأبو رافع وأبو ياسر وكنانة وٱبن صوريا عمدوا إلى مؤمنيهم: عبد الله بن سلام وأصحابه فآذوهم لإسلامهم؛ فأنزل الله تعالىٰ: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} يعني باللسان، وتَمّ الكلام. ثم قال: {وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدُبَارَ} يعني منهزمين، وتمّ الكلام. {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} مستأنف؛ فلذلك ثبتت فيه النون. وفي هذه الآية معجزة للنبيّ عليه السَّلام؛ لأن من قاتله من اليهود ولاه دبره.

ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوٓا۟ إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ ۝١١٢ لَيْسُوا۟ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ۝١١٣ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝١١٤ وَمَا يَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ ۝١١٥

قوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ} يعني اليهود. {أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ} أي وُجدوا ولُقُوا، وتَمّ الكلام. وقد مضى في البقرة معنى ضربِ الذّلّة عليهم. {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ} ٱستثناء منقطع ليس من الأوّل. أي لكنهم يعتصمون بحبل من الله. {وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ} يعني الذِّمّة التي لهم. والناس: محمدٌ والمؤمنون يؤدّون إليهم الخَراج فيؤمِّنونهم. وفي الكلام ٱختصار، والمعنى: إلاَّ أن يعتصموا بحبل من الله، فحذف؛ قاله الفرّاء: {وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي رجعوا. وقيل ٱحتملوا. وأصله في اللغة أنه لزمهم، وقد مضى في البقرة. ثم أخبر لِم فعل ذلك بهم؛ فقال: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} وقد مضى في البقرة مستوفى. ثم أخبر فقال: {لَيْسُواْ سَوَآءً} وتمّ الكلام. والمعنى: ليس أهل الكتاب وأمّة محمد صلى الله عليه وسلم سواء؛ عن ٱبن مسعود. وقيل: المعنى ليس المؤمنون والكافرون من أهل الكتاب سواء. وذكر أبو خَيْثَمَة زُهَيْر بن حَرْب حدّثنا هاشم بن القاسم حدّثنا شيبان عن عاصم عن زر عن ٱبن مسعود قال:

أخَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليلة) صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصَّلاة فقال: «إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالىٰ في هذه الساعة غيركم» قال: وأنزلت هذه الآية: {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} ـ إلى قوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} وروى ٱبن وهب مثله. وقال ٱبن عباس: قول الله عزّ وجلّ {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} من آمن مع النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال ٱبن إسحاق عن ٱبن عباس لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سَعْيَة، وأَسِيد بن سعية، وأسيد بن عبيد، ومن أسلم من يهود؛ فآمنوا وصدّقوا ورغبوا في الإسلام ورسخوا فيه، قالت أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد ولا تبعه إلاَّ شرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره؛ فأنزل الله عزّ وجلّ في ذلك من قولهم: {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ}. إلى قوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ}. وقال الأخفش: التقدير من أهل الكتاب ذو أُمّة، أي ذو طريقة حسنة. وأنشد:

وهـل يَأْتَمَـنْ ذُو إمّـةٍ وَهْـوَ طَائِـعُ

وقيل: في الكلام حذف؛ والتقدير من أهل الكتاب أمّة قائمة وأخرى غير قائمة، فترك الأخرى ٱكتفاء بالأولىٰ؛ كقوله أبي ذؤيب:

عصَانِي إلَيْها القلبُ إنِّي لأمْرِهِمُطيعٌ فما أدرِي أَرُشْدٌ طِلابُها

أراد: أرُشْد أم غَيٌّ، فحذف. قال الفرّاء: «أمّة» رفع بـ «ـسواء»، والتقدير: ليس يستوي امّة من أهل الكتاب قائمة يتلون آيات الله وأمّة كافرة. قال النحاس: هذا قول خطأ من جهات: إحداها أنه يرفع «أمة» بـ «ـسواء» فلا يعود على ٱسم ليس بشيء، ويرفع بما ليس جارياً على الفعل ويضمر ما لا يحتاج إليه؛ لأنه قد تقدّم ذكر الكافر فليس لإضمار هذا وجه. وقال أبو عبيدة: هذا مثل قولهم: أكلوني البراغيثُ، وذهبوا أصحابُك. قال النحاس: وهذا غلط؛ لأنه قد تقدّم ذكرهم، وأكلوني البراغيث لم يتقدّم لهم ذكر. و {آنَآءَ ٱللَّيْلِ} ساعاته. واحدها إنًى وأَنًى وإِنْيٌ، وهو منصوب على الظرف. و {يَسْجُدُونَ} يصلون؛ عن الفراء والزجاج؛ لأن التلاوة لا تكون في الركُوع والسّجود. نظيره قوله: { وَلَهُ يَسْجُدُونَ } [الأعراف: 206] أي يصلون. وفي الفرقان: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰن }ِ} [الفرقان: 60] وفي النجم { فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُوا } [النجم: 62]. وقيل: يُراد به السجود المعروف خاصة. وسبب النزول يردّه، وأن المراد صلاة العتمةِ كما ذكرنا عن ٱبن مسعود؛ فعبدة الأوثان ناموا حيث جنّ عليهم الليل، والموَحِّدون قيام بين يدي الله تعالىٰ في صلاة العشاء يتلون آيات الله؛ ألا ترى لما ذكر قيامهم قال {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} أي مع القيام أيضاً. الثوريّ: هي الصَّلاة بين العشاءين. وقيل: هي في قيام الليل. وعن رجل من بني شيبة كان يدرس الكتب قال: إنّا نجد كلاماً من كلام الرب عزّ وجلّ: أيحسب راعي إبل أو راعي غنم إذا جنه الليل ٱنخذل كمن هو قائم وساجد آناء الليل. {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} يعني يقرون بالله ويصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم. {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} قيل: هو عموم. وقيل: يُراد به الأمر باتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم. {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} والنهي عن المنكر النهي عن مخالفته. {وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} التي يعملونها مبادرين غير متثاقلين لمعرفتهم بقدر ثوابهم. وقيل: يبادرون بالعمل قبل الفوت. {وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي مع الصالحين، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة. {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ} قرأ الأعمش وٱبن وَثّاب وحمزة والكِسائي وحفص وخَلَف بالياء فيهما؛ إخباراً عن الأمة القائمة، وهي قراءة ٱبن عباس وٱختيار أبي عبيد. وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب؛ لقوله تعالىٰ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}. وهي ٱختيار أبي حاتم، وكان أبو عمرو يرى القراءتين جميعاً الياء والتاء. ومعنى الآية: وما تفعلوا من خير فلن تُجحدوا ثوابه بل يُشكَر لكم وتُجازون عليه.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝١١٦

قوله تعالىٰ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ٱسم إن، والخبر {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}. قال مقاتل: لما ذكر تعالىٰ مؤمني أهل الكتاب ذكر كفارهم وهو قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}. وقال الكلبِي: جعل هذا ٱبتداء فقال: إن الذين كفروا لن تغني عنهم كثرة أموالهم ولا كثرة أولادهم من عذاب الله شيئاً. وخص الأولاد لأنهم أقرب أنسابهم إليهم. {وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} ٱبتداء وخبر، وكذا و {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. وقد تقدّم جميع هذا.

مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝١١٧

قوله تعالىٰ: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هِـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} «ما» تصلح أن تكون مصدرية، وتصلح أن تكون بمعنى الذي والعائد محذوف، أي مثل ما ينفقونه. ومعنى {كَمَثَلِ رِيحٍ} كمثل مَهبّ ريح. قال ٱبن عباس: والصِّرّ البرد الشديد. قيل: أصله من الصرير الذي هو الصوت، فهو صوت الريح الشديدة. الزجاج: هو صوت لَهَب النار التي كانت في تلك الريح. وقد تقدّم هذا المعنى في البقرة. وفي الحديث: إنه نهى عن الجراد الذي قتله الصِّر. ومعنى الآية: مثل نفقة الكافرين في بطلانها وذهابها وعدم منفعتها كمثل زرع أصابه ريح باردة أو نار فأحرقته وأهلكته، فلم ينتفع أصحابه بشيء بعدما كانوا يرجون فائدته ونفعه. قال الله تعالىٰ: {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ} بذلك {وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بالكفر والمعصية ومَنْعِ حق الله تعالىٰ. وقيل: ظلموا أنفسهم بأن زرعوا في غير وقت الزراعة أو في غير موضعها فأدّبهم الله تعالىٰ؛ لوضعهم الشيء في غير موضعه؛ حكاه المَهْدَوِيّ.

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 16 جمادى الأولى 1448 هـ