انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الحاقة

تفسير القرطبيالآيات 1–52

تفسير سورة الحاقة آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

ٱلْحَآقَّةُ ۝١ مَا ٱلْحَآقَّةُ ۝٢ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْحَآقَّةُ ۝٣

قوله تعالى: {ٱلْحَاقَّةُ مَا ٱلْحَآقَّةُ} يريد القيامة؛ سُميّت بذلك لأن الأمور تُحَقّ فيها؛ قاله الطبري. كأنه جعلها من باب «ليل نائم». وقيل: سُمِّيَت حاقة لأنها تكون من غير شك. وقيل: سُمِّيت بذلك لأنها أحقّت لأقوام الجنة، وأحقّت لأقوام النار. وقيل: سُمِّيَت بذلك لأن فيها يصير كل إنسان حقيقاً بجزاء عمله. وقال الأزهريّ: يقال حاققته فَحَقَقْتُه أُحقّه؛ أي غالبته فغلبته. فالقيامة حاقّة لأنها تَحُقّ كلَّ محاقٍّ في دين الله بالباطل؛ أي كل مخاصم. وفي الصحاح: وحاقّه أي خاصمه وادّعى كل واحد منهما الحق؛ فإذا غلبه قيل حَقّه. ويقال للرجل إذا خاصم في صِغار الأشياء: إنه لَنَزِق الحِقاق. ويقال: ما له فيه حق ولا حِقاق؛ أي خصومة. والتحاقّ التخاصم. والاحتقاق: الاختصام. والحاقة والحَقّة والحقّ ثلاث لغات بمعنًى. وقال الكسائي والمؤَرِّج: الحاقّة يوم الحقّ. وتقول العرب: لمّا عَرَف الحَقّة منّي هرب. والحاقّة الأولى رفع بالابتداء، والخبر المبتدأ الثاني وخبره وهو {مَا ٱلْحَآقَّةُ} لأن معناها ما هي. واللفظ استفهام، معناه التعظيم والتفخيم لشأنها؛ كما تقول: زيد ما زيد! على التعظيم لشأنه. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ} استفهام أيضاً؛ أي أيّ شيء أعلمك ما ذلك اليوم. والنبيّ صلى الله عليه وسلم كان عالماً بالقيامة ولكن بالصفة. فقيل تفخيماً لشأنها: وما أدراك ما هي؛ كأنك لستَ تعلمها إذ لم تعاينها. وقال يحيـى بن سلام: بلغني أن كل شيء في القرآن «وَمَا أَدْرَاكَ» فقد أدراه إياه وعلمه. وكل شيء قال: «وَمَا يُدْرِيك» فهو مما لم يعلمه. وقال سفيان بن عُيينة: كل شيء قال فيه: {وَمَآ أَدْرَاكَ} فإنه أُخبر به، وكل شيء قال فيه: «وَمَا يُدْرِيكَ» فإنه لم يخبرَ به.

كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌۢ بِٱلْقَارِعَةِ ۝٤

ذكر من كذب بالقيامة. والقارعة القيامة؛ سُمّيت بذلك لأنها تقرع الناس بأهوالها. يقال: أصابتهم قوارع الدهر؛ أي أهواله وشدائده. ونعوذ بالله من قوارع فلان ولواذعه وقوارِص لسانه؛ جمع قارصة وهي الكلمة المؤذية. وقوارع القرآن: الآيات التي يقرؤها الإنسان إذا فَزِع من الجن أو الإنس، نحو آية الكرسيّ؛ كأنها تقرع الشيطان. وقيل: القارعة مأخوذة من القُرْعة في رفع قوم وحطّ آخرين؛ قاله المبرد. وقيل: عنى بالقارعة العذاب الذي نزل بهم في الدنيا؛ وكان نبيّهم يخوّفهم بذلك فيكذبونه. وثمود قوم صالح؛ وكانت منازلهم بالْحِجر فيما بين الشام والحجاز. قال محمد بن إسحاق: وهو وادي القُرَى؛ وكانوا عُرْباً. وأما عاد فقوم هود؛ وكانت منازلهم بالأحقاف. والأحقاف: الرمل بين عُمَان إلى حضرموت واليمن كله؛ وكانوا عُرْباً ذوي خَلْق وبَسْطة؛ ذكره محمد بن إسحاق. وقد تقدم.

فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا۟ بِٱلطَّاغِيَةِ ۝٥

فيه إضمار؛ أي بالفعلة الطاغية. وقال قتادة: أي بالصيحة الطاغية؛ أي المجاوزة للحدّ؛ أي لحدّ الصيحات من الهول. كما قال:

{ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ }.[القمر:31] والطغيان: مجاوزة الحدّ؛ ومنه: «إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ» أي جاوز الحدّ. وقال الكلبيّ: بالطاغية بالصاعقة. وقال مجاهد: بالذنوب. وقال الحسن: بالطغيان؛ فهي مصدر كالكاذبة والعاقبة والعافية. أي أهلكوا بطغيانهم وكفرهم. وقيل: إن الطاغية عاقرُ الناقة؛ قاله ابن زيد. أي أهلكوا بما أقدم عليه طاغيتهم من عَقْر الناقة، وكان واحداً، وإنما هلك الجميع لأنهم رَضُوا بفعله ومالئوه. وقيل له طاغية كما يقال: فلان راوية الشعر، وداهية وعلاّمة ونَسّابة.

وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا۟ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ۝٦ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ۝٧

قوله تعالى: {وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ} أي باردة تَحْرِق ببردها كإحراق النار؛ مأخوذ من الصِّر وهو البرد؛ قاله الضحاك. وقيل: إنها الشديدة الصوت. وقال مجاهد: الشديدة السَّموم. {عَاتِيَةٍ} أي عَتت على خُزَّانها فلم تطعهم، ولم يطيقوها من شدّة هبوبها؛ غضبت لغضب الله. وقيل: عَتَت على عاد فقهرتهم. روى سفيان الثوري عن موسى بن المسيّب عن شَهْر بن حَوْشَب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما أرسل الله من نَسَمة من ريح إلا بمكيال ولا قطرة من ماء إلا بمكيال إلا يوم عاد ويوم نوح فإن الماء يوم نوح طغى على الخُزَّان فلم يكن لهم عليه سبِيل ـ ثم قرأ ـ {إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ} والريح لما كان يوم عاد عَتَت على الخُزَّان فلم يكن لهم عليها سبيل ـ ثم قرأ ـ {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ}. {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ} أي أرسلها وسَلّطها عليهم. والتسخير: استعمال الشيء بالاقتدار. {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً} أي متتابعة لا تَفْتِرُ ولا تنقطع؛ عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما. قال الفرّاء: الحُسُوم التِّباع، من حَسْمِ الدّاء إذا كُوِيَ صاحبُه، لأنه يُكْوَى بالمِكواة ثم يُتابَع ذلك عليه. قال عبد العزيز بن زُرارة الكِلابيّ:

ففرّق بين بينهم زمانتتابع فيه أعوامٌ حسومُ

وقال المبرّد: هو من قولك حَسَمْتُ الشيء إذا قطعته وفصلته عن غيره. وقيل: الحَسْم الاستئصال. ويقال للسيف حُسام؛ لأنه يَحْسِم العدوّ عما يريده من بلوغ عداوته. وقال الشاعر:

حُسامٌ إذا قمتُ مُعْتَضِداً بهكَفَى الْعَوْدَ منه البَدْءُ ليس بِمْعضَدِ

والمعنى أنها حسمتهم، أي قطعتهم وأذهبتهم. فهي القاطعة بعذاب الاستئصال. قال ابن زيد: حسمتهم فلم تُبق منهم أحداً. وعنه أنها حَسَمت الليالي والأيام حتى استوعبتها، لأنها بدأت طلوعَ الشمس من أوّل يومٍ وانقطعت غروبَ الشمس من آخر يوم. وقال اللّيث: الحسوم الشؤوم. ويقال: هذه ليالي الحسوم، أي تَحْسِم الخير عن أهلها، وقاله في الصحاح. وقال عكرمة والربيع بن أنس: مشائيم، دليله قوله تعالى: { فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ }[فصلت:16] عطِية العَوْفِي: «حُسُوماً» أي حَسَمت الخير عن أهلها. واختلف في أوّلها، فقيل: غداة يوم الأحد، قاله السدّي. وقيل: غداة يوم الجمعة، قاله الربيع بن أنس. وقيل: غداة يوم الأربعاء، قاله يحيـى بن سلام ووهب بن مُنَبِّه. قال وهب: وهذه الأيام هي التي تسمّيها العرب أيام العجوز، ذات برد وريح شديدة، وكان أولها يوم الأربعاء وآخرها يوم الأربعاء؛ ونُسبت إلى العجوز لأن عجوزاً من عادٍ دخلت سَرَباً فتبعتها الريح فقتلتها في اليوم الثامن. وقيل: سُمِّيت أيام العجوز لأنها وقعت في عجز الشتاء. وهي في آذار من أشهر السُّرْيانيّين. ولها أسامٍ مشهورةٌ، وفيها يقول الشاعر وهو ابن أحمر:

كُسِع الشتاءُ بسبعة غُبْرٍأيامِ شَهْلَتِنا من الشَّهْرِ فإذا انقضت أيامها ومضتصِنٌّ وصنَّبْرٌ مع الوَبْرِ وبآمرٍ وأخيه مُؤْتَمِرٍومُعَلِّل وبمُطْفِىء الجَمْرِ ذهب الشتاء مُوَلِّياً عَجِلاًوأتتك واقدة من النَّجْرِ

و «حُسُوماً» نصب على الحال. وقيل على المصدر. قال الزجاج: أي تَحْسِمهم حسوماً، أي تُفْنيهم، وهو مصدر مؤكّد. ويجوز أن يكون مفعولاً له؛ أي سَخَّرها عليهم هذه المدّة للاستئصال؛ أي لقطعهم واستئصالهم. ويجوز أن يكون جمع حاسم. وقرأ السّدي «حَسُوماً» بالفتح، حالاً من الريح؛ أي سَخَّرها عليهم مستأصلة.

قوله تعالى: {فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا} أي في تلك الليالي والأيام. {صَرْعَىٰ} جمع صَرِيع؛ يعني موتى. وقيل: «فِيها» أي في الريح. {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ} أي أصول. {نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} أي بالية؛ قاله أبو الطفيل. وقيل: خالية الأجواف لا شيء فيها. والنخل يذكَّر ويؤنَّث. وقد قال تعالى في موضع آخر:

{ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ }[القمر:20] فيحتمل أنهم شُبِّهوا بالنخل التي صرعت من أصلها، وهو إخبار عن عِظَم أجسامهم. ويحتمل أن يكون المراد به الأصول دون الجذوع؛ أي إن الريح قد قطعتهم حتى صاروا كأصول النخل خاوية. أي الريح كانت تدخل أجوافهم فتصرعهم كالنخلة الخاوية الجوف. وقال ابن شجرة: كانت الريح تدخل في أفواههم فتُخرج ما في أجوافهم من الحَشْو من أدبارهم، فصاروا كالنخل الخاوية. وقال يحيـى بن سلام؛ إنما قال «خاوية» لأن أبدانهم خَوَت من أرواحهم مثل النخل الخاوية. ويحتمل أن يكون المعنى كأنهم أعجاز نخل خاوية عن أصولها من البقاع؛ كما قال تعالى: { فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً }[النمل:52] أي خَرِبة لا سُكَّان فيها. ويحتمل الخاوية بمعنى البالية كما ذكرنا؛ لأنها إذا بَلِيت خلت أجوافها. فشُبِّهوا بعد أن هلكوا بالنخل الخاوية.

فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٍ ۝٨

أي من فِرْقة باقية أو نفس باقية. وقيل: من بقيّة. وقيل: من بقاء. فاعلةٍ بمعنى المصدر؛ نحو العاقبة والعافية. ويجوز أن يكون ٱسماً؛ أي هل تجد لهم أحداً باقياً. وقال ابن جُريج: كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الله من الريح، فلما أمسوا في اليوم الثامن ماتوا، فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر فذلك قوله عز وجل: {فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ}، وقوله عز وجل:

{ فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ }[الأحقاف:25].

وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُۥ وَٱلْمُؤْتَفِكَٰتُ بِٱلْخَاطِئَةِ ۝٩

قوله تعالى: {وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ} قرأ أبو عمرو والكسائي «ومَن قِبَله» بكسر القاف وفتح الباء؛ أي ومن معه وتبعه من جنوده. وٱختاره أبو عبيد وأبو حاتم اعتباراً بقراءة عبد الله وأبَيّ «ومَن مَعَهُ». وقرأ أبو موسى الأشعرِيّ «ومَن تلقاءه». الباقون «قَبْلَه» بفتح القاف وسكون الباء؛ أي ومن تقدّمه من القرون الخالية والأمم الماضية. {وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ} أي أهل قرى لوط. وقراءة العامة بالألف. وقرأ الحسن والجَحْدَرِيّ «وَالْمُؤْتَفِكَة» على التوحيد. قال قتادة: إنما سُمِّيت قُرَى قوم لوط «مؤتفكات» لأنها ائتفكت بهم، أي انقلبت. وذكر الطبري عن محمد بن كعب القُرَظِيّ قال: خمس قَرْيات: صبعة وصعرة وعمرة ودوما وسدوم؛ وهي القرية العظمى. {بِالْخَاطِئَةِ } أي بالفعلة الخاطئة وهي المعصية والكفر. وقال مجاهد: بالخطايا التي كانوا يفعلونها. وقال الجرجانِيّ: أي بالخطأ العظيم؛ فالخاطئة مصدر.

فَعَصَوْا۟ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً ۝١٠

قوله تعالى: {فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ} قال الكَلْبيّ: هو موسى. وقيل: هو لوط لأنه أقرب. وقيل: عنى موسى ولوطاً عليهما السلام؛ كما قال تعالى:

{ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }.[الشعراء:16] وقيل: «رسول» بمعنى رسالة. وقد يعبّر عن الرسالة بالرسول؛ قال الشاعر:

لقد كذب الواشون ما بُحْت عندهمبِسِرٍّ ولا أرسلتهم برسول

{فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً} أي عالية زائدة على الأخذات وعلى عذاب الأمم. ومنه الرّبَا إذا أخذ في الذهب والفضة أكثر مما أعطى. يقال: ربا الشيء يربو أي زاد وتضاعف. وقال مجاهد: شديدة. كأنه أراد زائدة في الشدّة.

إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ ۝١١ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَٰعِيَةٌ ۝١٢

قوله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ} أي ارتفع وعلاَ. وقال عليّ رضي الله عنه: طغى على خُزّانه من الملائكة غضباً لربّه فلم يقدروا على حبسه. قال قتادة: زاد على كل شيء خمسة عشر ذراعاً. وقال ابن عباس: طغى الماء زمن نوح على خُزّانه فكثر عليهم فلم يَدْرُوا كم خرج. وليس من الماء قطرة تنزل قبله ولا بعده إلا بكيل معلوم غير ذلك اليوم. وقد مضى هذا مرفوعاً أوّل السورة. والمقصود من قصص هذه الأمم وذكر ما حلّ بهم من العذاب: زجر هذه الأمة عن الاقتداء بهم في معصية الرسول. ثم مَنّ عليهم بأن جعلهم ذُرِّية من نجا من الغرق بقوله: {حَمَلْنَاكُمْ} أي حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم. {فِي ٱلْجَارِيَةِ} أي في السفن الجارية. والمحمول في الجارية نوح وأولاده، وكلّ مَن على وجه الأرض من نسل أولئك. {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً} يعني سفينة نوح عليه الصلاة والسلام. جعلها الله تذكرة وعِظَة لهذه الأمة حتى أدركها أوائلهم؛ في قول قتادة. قال ابن جريج: كانت ألواحها على الجُودِيّ. والمعنى: أبقيت لكم تلك الخشبات حتى تذكروا ما حلّ بقوم نوح، وإنجاء الله آباءكم؛ وكم من سفينة هلكت وصارت تراباً ولم يبق منها شيء. وقيل: لنجعل تلك الفعلة من إغراق قوم نوح وإنجاء من آمن معه موعظة لكم؛ ولهذا قال الله تعالى: {وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} أي تحفظها وتسمعها أُذُنٌ حافظة لما جاء من عند الله. والسفينة لا توصف بهذا. قال الزجاج: ويقال وَعَيْتُ كذا أي حفِظته في نفسي، أَعِيه وَعْياً. ووَعَيْتُ العلم، ووَعَيْت ما قلت؛ كلُّه بمعنًى. وأوعيت المتاع في الوِعاء. قال الزجاج: يقال لكل ما حَفِظته في غير نفسك: «أوعيته» بالألف، ولِمَا حفِظته في نفسك «وعيته» بغير ألف. وقرأ طلحة وحُميد والأعرج «وتَعْيها» بإسكان العين؛ تشبيها بقوله: {أَرْنَا} وٱختلف فيها عن عاصم وابن كثِير. الباقون بكسر العين؛ ونظير قوله تعالى: {وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}،

{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ }.[ق:37] وقال قتادة: الأذن الواعية أذن عقلت عن الله تعالى، وانتفعت بما سمعت من كتاب الله عز وجلّ. وروي مكحول: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال عند نزول هذه الآية:«سألت رَبِّي أن يجعلها أذُنَ عليٍّ». قال مكحول: فكان عليّ رضي الله عنه يقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قطّ فنسيته إلا وحفظته. ذكره الماوردِيّ. وعن الحسن نحوه ذكره الثعلبي قال: لما نزلت {وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«سألت رَبِّي أن يجعلها أذنَك يا عليّ»قال عليّ: فوالله ما نسيت شيئاً بعدُ، وما كان لي أن أنسى . وقال أبو بَرْزة الأسْلَمِيّ: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لعليّ:يا عليّ إن الله أمرني أن أُذْنيك ولا أقصِيَك وأن أعلمك وأن تَعِي وحقٌّ على الله أن تَعِيَ».

فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَٰحِدَةٌ ۝١٣

قال ابن عباس: هي النفخة الأولى لقيام الساعة، فلم يبق أحد إلا مات. وجاز تذكير {نُفِخَ} لأن تأنيث النفخة غير حقيقي. وقيل: إن هذه النفخة هي الأخيرة. وقال: {نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} أي لا تُثَنّى. قال الأخفش: ووقع الفعل على النفخة إذ لم يكن قبلها اسم مرفوع فقيل: نفخة. ويجوز «نفخةً» نصباً على المصدر. وبها قرأ أبو السَّمال. أو يقال: اقتصر على الإخبار عن الفعل كما تقول: ضرب ضرباً. وقال الزجاج: «فيِ الصُّورِ» يقوم مقام ما لم يسم فاعله.

وَحُمِلَتِ ٱلْأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَٰحِدَةً ۝١٤

قوله تعالى: {وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ} قراءة العامة بتخفيف الميم؛ أي رفعت من أماكنها. {فَدُكَّتَا} أي فتتا وكسِرتا. {دَكَّةً وَاحِدَةً} لا يجوز في «دَكَّة» إلا النصب لارتفاع الضمير في «دُكَّتَا». وقال الفراء: لم يقل فَدُكِكْن لأنه جعل الجبال كلّها كالجملة الواحدة، والأرض كالجملة الواحدة. ومثله:

{ أَنَّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً }[الأنبياء:30] ولم يقل كنّ. وهذا الدك كالزلزلة؛ كما قال تعالى: { إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا }.[الزلزلة:1] وقيل: «دُكَّتَا» أي بُسِطَتا بسطةً واحدة؛ ومنه ٱندك سنام البعير إذا انفرش في ظهره. وقد مضى في سورة «الأعراف» القول فيه. وقرأ عبد الحميد عن ابن عامر «وَحُمِّلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ» بالتشديد على إسناد الفعل إلى المفعول الثاني. كأنه في الأصل وَحَمّلْتُ قُدْرَتَنا أو مَلَكاً من ملائكتنا الأرضَ والجبال؛ ثم أسنِد الفعل إلى المفعول الثاني فَبُنِيَ له. ولَوْ جِيء بالمفعول الأول لأسند الفعل إليه؛ فكأنه قال: وَحُمِّلت قُدْرتُنا الأرضَ. وقد يجوز بناؤه للثاني على وجه القلب فيقال: حُمِّلت الأرضُ المَلَك؛ كقولك: أُلْبِس زيدٌ الجُبّةَ، وألْبِست الجبةُ زيداً.

فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ ۝١٥ وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ۝١٦ وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰٓ أَرْجَآئِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَٰنِيَةٌ ۝١٧

قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} أي قامت القيامة. {وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ} أي ٱنصدعتْ وتفطّرت. وقيل: تنشق لنزول ما فيها من الملائكة؛ دليله قوله تعالى:

{ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً }[الفرقان:25] وقد تقدم. {فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} أي ضعيفة. يقال: وَهَى البناء يَهِي وَهْياً فهو واهٍ إذا ضَعُف جدًّا. ويقال: كلامٌ وَاهٍ؛ أي ضعيف. فقيل: إنها تصير بعد صلابتها بمنزلة الصوف في الوَهْي؛ ويكون ذلك لنزول الملائكة كما ذكرنا. وقيل: لهول يوم القيامة. وقيل: {وَاهِيَةٌ } أي متخرّقة؛ قاله ابن شجرة. مأخوذ من قولهم: وهَى السقاء إذا تخرّق. ومن أمثالهم:

خَلِّ سبيلَ من وَهَى سِقاؤهومن هُرِيق بالفلاة ماؤه

أي من كان ضعيف العقل لا يحفظ نفسه. {وَٱلْمَلَكُ} يعني الملائكة؛ اسم للجنس. {عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ} أي على أطرافها حين تنشق؛ لأن السماء مكانهم؛ عن ابن عباس. الماوردِيّ: ولعله قول مجاهد وقتادة. وحكاه الثعلبيّ عن الضحاك، قال: على أطرافها مما لم ينشق منها. يريد أن السماء مكان الملائكة فإذا انشقت صاروا في أطرافها. وقال سعيد بن جُبَير: المعنى والمَلَكُ على حافات الدنيا؛ أي ينزلون إلى الأرض ويحرسون أطرافها. وقيل: إذا صارت السماء قِطَعاً تقف الملائكة على تلك القطع التي ليست متشققة في أنفسها. وقيل: إن الناس إذا رأوا جهنم هالتهم؛ فَينِدُّوا كما تَنِدّ الإبل، فلا يأتون قُطْراً من أقطار الأرض إلا رأوا ملائكة فيرجعون من حيث جاءوا. وقيل: {عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ} ينتظرون ما يؤمرون به في أهل النار من السَّوق إليها، وفي أهل الجنة من التّحية والكرامة. وهذا كله راجع إلى معنى قول ابن جُبير. ويدل عليه: { وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً }وقوله تعالى: { يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }[الرحمن:33] على ما بيناه هناك. والأرجاء النواحي والأقطار بلغة هذيل، واحدها رَجاً مقصور، وتثنيته رَجَوان؛ مثل عَصاً وعَصَوان. قال الشاعر:

فلا يُرْمَى بِيَ الرَّجَوَان أنّيأقلُّ القومِ مَن يُغْنِي مكانِي

ويقال ذلك لحرف البئر والقبر.

قوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} قال ابن عباس: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله. وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وعن الحسن: الله أعلم كم هم، ثمانية أم ثمانية آلاف. وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم

أن حملة العرش اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله تعالى بأربعة آخرين فكانوا ثمانية. ذكره الثعلبيّ. وخَرّجه الماورديّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يحمله اليوم أربعة وهم يوم القيامة ثمانية. وقال العباس بن عبد الملك: هم ثمانية أملاك على صورة الأوعال. ورواه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث:إن لكل مَلَك منهم أربعة أوجه وجه رجل ووجه أسد ووجه ثَوْر ووجه نَسْر وكلّ وجه منها يسأل الله الرزق لذلك الجنس. ولما أنشد بين يدي النبيّ صلى الله عليه وسلم قولُ أُميَّة بن أبي الصَّلْت:

رَجُلٌ وثَوْرٌ تحت رِجل يمينهوالنَّسْرٌ للآخرى ولَيْثٌ مُرْصَدُ والشمس تطلع كلّ آخر ليلةٍحمراء يُصبح لَوْنُهَا يَتَوَرَّدُ ليست بطالعة لهم في رِسْلِهاإلاّ مُعَذّبةً وإلاّ تُجْلَدُ

قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:صَدَق. في الخبر «أن فوق السماء السابعة ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء وفوق ظهورهن العرش». ذكره القشيريّ وخرّجه الترمذيّ من حديث العباس بن عبد المطلب. وقد مضى في سورة «البقرة» بكماله. وذكر نحوه الثعلبيّ ولَفْظه. وفي حديث مرفوع: أن حملة العرش ثمانية أملاك على صورة الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاماً للطائر المسرع. وفي تفسير الكلبيّ: ثمانية أجزاء من تسعة أجزاء من الملائكة. وعنه: ثمانية أجزاء من عشرة أجزاء من الملائكة. ثم ذكر عدّة الملائكة بما يطول ذكره. حكى الأوّل عنه الثعلبيّ والثاني القشيريّ. وقال الماورديّ عن ابن عباس: ثمانية أجزاء من تسعة وهم الكَرُوبِيّون. والمعنى ينزل بالعرش. ثم إضافة العرش إلى الله تعالى كإضافة البيت، وليس البيت للسكنى، فكذلك العرش. ومعنى: «فَوْقَهُمْ» أي فوق رؤوسهم. قال السُّدِّيّ: العرش تحمله الملائكة الحملة فوقهم ولا يحمل حملة العرش إلا الله. وقيل: «فَوْقَهُمْ» أي إن حملة العرش فوق الملائكة الذين في السماء على أرجائها. وقيل: «فَوْقَهُمْ» أي فوق أهل القيامة.

يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ ۝١٨

قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ} أي على الله؛ دليله:

{ وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً }} [الكهف:48] وليس ذلك عرضاً يعلم به ما لم يكن عالماً به، بل معناه الحساب وتقرير الأعمال عليهم للمجازاة. وروى الحسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يُعْرض الناس يومَ القيامة ثلاث عَرْضات فأما عَرْضتان فجدال ومعاذير وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذٌ بيمينه وآخذ بشماله. خرجه الترمذيّ قال: ولا يصح مِن قِبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة. {لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ} أي هو عالم بكل شيء من أعمالكم. فـ «ـخَافِيَةٌ» على هذا بمعنى خَفِيّة، كانوا يخفونها من أعمالهم؛ قاله ابن شجرة. وقيل: لا يخفى عليه إنسان؛ أي لا يبقى إنسان لا يحاسَب. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: لا يخفى المؤمن من الكافر ولا البَرُّ من الفاجر. وقيل: لا تستتر منكم عَوْرَةٌ. كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:يُحْشَر الناس حفاةً عُراةً. وقرأ الكوفيون إلا عاصماً «لاَ يَخْفَى» بالياء؛ لأن تأنيث الخافية غير حقيقي؛ نحو قوله تعالى: { وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ }[هود:67] واختاره أبو عبيد؛ لأنه قد حال بين الفعل وبين الاسم المؤنث الجارُّ والمجرور. الباقون بالتاء. واختاره أبو حاتم لتأنيث الخافية.

فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُوا۟ كِتَٰبِيَهْ ۝١٩ إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَٰقٍ حِسَابِيَهْ ۝٢٠ فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ۝٢١ فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ۝٢٢ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ۝٢٣ كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ هَنِيٓـًٔۢا بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِى ٱلْأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ ۝٢٤ وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَٰبَهُۥ بِشِمَالِهِۦ فَيَقُولُ يَٰلَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ ۝٢٥ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ۝٢٦ يَٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ ۝٢٧ مَآ أَغْنَىٰ عَنِّى مَالِيَهْ ۝٢٨ هَلَكَ عَنِّى سُلْطَٰنِيَهْ ۝٢٩ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ۝٣٠ ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ ۝٣١ ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَٱسْلُكُوهُ ۝٣٢ إِنَّهُۥ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ ۝٣٣ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ۝٣٤

قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} إعطاء الكتاب باليمين دليلٌ على النجاة. وقال ابن عباس: أوّلُ مَن يُعطَى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب، وله شعاع كشعاع الشمس. قيل له: فأين أبو بكر؟ فقال هيهات هيهات زَفَّته الملائكة إلى الجنة. ذكره الثعلبي. وقد ذكرناه مرفوعاً من حديث زيد بن ثابت بلفظه ومعناه في كتاب «التذكرة». والحمد لله. {فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ} أي يقول ذلك ثقةً بالإسلام وسروراً بنجاته؛ لأن اليمين عند العرب من دلائل الفرح، والشِّمال من دلائل الغَمّ. قال الشاعر:

أبِينِي أفي يُمْنَى يَدَيْكِ جعلتِنيفأفرح أم صيَّرتنِي في شمالِك

ومعنى: «هَاؤُمُ» تعالوا؛ قاله ابن زيد. وقال مقاتل: هَلُمَّ. وقيل: أي خذوا؛ ومنه الخبر في الربا «إلا هَاءَ وَهَاءَ» أي يقول كلّ واحد لصاحبه: خذ. قال ابن السِّكيّت والكسائي: العرب تقول هاءَ يا رجُل ٱقرأ، وللاثنين هاؤما يا رجلان، وهاؤم يا رجال، وللمرأة هاءِ (بكسر الهمزة) وهاؤما وهاؤُمْنَ. والأصل هاكم فأبدلت الهمزة من الكاف؛ قاله القتيبي. وقيل: إن «هاؤم» كلمةٌ وضعت لإجابة الداعي عند النشاط والفرح. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ناداه أعرابي بصوت عالٍ فأجابه النبيّ صلى الله عليه وسلم«هاؤم» يطوّل صوته. «وَكِتَابِيَهْ» منصوب بـ «ـهاؤم» عند الكوفيين. وعند البصريين بـ «ـاقرءوا» لأنه أقرب العاملين. والأصل «كتابي» فأدخلت الهاء لتبيّن فتحة الياء، وكان الهاء للوقف، وكذلك في أخواته: «حِسَابِيَهْ، وماليه، وسلطانيه» وفي القارعة «ماهيه». وقراءة العامة بالهاء فيهن في الوقف والوصل معاً؛ لأنهنّ وقعن في المصحف بالهاء فلا تترك. واختار أبو عبيد أن يتعمد الوقف عليها ليوافق اللغة في إلحاق الهاء في السَّكْت ويوافق الخط. وقرأ ٱبن مُحَيْصِن ومجاهد وحميد ويعقوب بحذف الهاء في الوصل وإثباتها في الوقف فيهن جُمَع. ووافقهم حمزة في «ماليه وسلطانيه»، و «ماهيه» في القارعة. وجملة هذه الحروف سبعة. وٱختار أبو حاتم قراءة يعقوب ومن معه اتباعاً للغة. ومن قرأهن في الوصل بالهاء فهو على نية الوقف. {إِنِّي ظَنَنتُ} أي أيقنت وعلمت، عن ابن عباس وغيره. وقيل: أي إني ظننت أن يؤاخذني الله بسيئاتي عذبني فقد تفضل عليّ بعفوه ولم يؤاخذني بها. قال الضحاك: كل ظَنٍّ في القرآن من المؤمن فهو يقين. ومن الكافر فهو شكّ. وقال مجاهد: ظَنُّ الآخرة يقين، وظَنُّ الدنيا شكّ. وقال الحسن في هذه الآية: إن المؤمن أحسنَ الظن بربّه فأحسن العمل، وإن المنافق أساء الظن بربّه فأساء العمل. {أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ} أي في الآخرة ولم أنكر البعث؛ يعني أنه ما نجا إلا بخوفه من يوم الحساب، لأنه تيقّن أن الله يحاسبه فعمل للآخرة. {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} أي في عَيش يرضاه لا مكروه فيه. وقال أبو عبيدة والفرّاء: «رَاضِيَةٍ» أي مرضية؛ كقولك: ماء دافق؛ أي مدفوق. وقيل: ذات رِضاً؛ أي يرضى بها صاحبها. مثل لابِن وتامِر؛ أي صاحب اللبن والتمر. وفي الصحيح: عن النبيّ صلى الله عليه وسلمأنهم يعيشون فلا يموتون أبداً ويصحّون فلا يَمْرَضون أبداً ويَنْعَمون فلا يَرَوْن بؤساً أبداً ويَشبّون فلا يَهْرَمُون أبداً. {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} أي عظيمة في النفوس. {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} أي قريبة التناول، يتناولها القائم والقاعد والمضطجع على ما يأتي بيانه في سورة «الإنسان». والقُطُوف جمعِ قطف (بكسر القاف) وهو ما يُقطف من الثمار. والقَطْف (بالفتح المصدر). والْقِطَاف (بالفتح والكسر) وقت القطف. {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} أي يقال لهم ذلك. {هَنِيئَاً} لا تكدير فيه ولا تنغيص. {بِمَآ أَسْلَفْتُمْ} قدّمتم من الأعمال الصالحة. {فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ} أي في الدنيا. وقال: «كُلُوا» بعد قوله: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} لقوله: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ} و «مَن» يتضمن معنى الجمع. وذكر الضحاك أن هذه الآية نزلت في أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزوميّ؛ وقاله مقاتل. والآية التي تليها في أخيه الأسود بن عبد الأسد؛ في قول ٱبن عباس والضحاك أيضاً؛ قاله الثعلبيّ. ويكون هذا الرجل وأخوه سبب نزول هذه الآيات. ويعمّ المعنى جميع أهل الشقاوة وأهل السعادة؛ يدل عليه قوله تعالى: «كُلُوا وَٱشْرَبُوا». وقد قيل: إن المراد بذلك كلُّ من كان متبوعاً في الخير والشر. فإذا كان الرجل رأساً في الخير، يدعو إليه ويأمر به ويكثر تَبَعه عليه، دُعيَ بٱسمه وٱسم أبيه فيتقدّم، حتى إذا دنا أخرج له كتاب أبيض بخط أبيض، في باطنه السيئات وفي ظاهره الحسنات؛ فيبدأ بالسيئات فيقرأها فيُشْفِق ويصفرّ وجهه ويتغيّر لونه؛ فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه «هذه سيئاتك وقد غفرت لك» فيفرح عند ذلك فرحاً شديداً، ثم يقلب كتابَه فيقرأ حسناتِه فلا يزداد إلا فرحاً؛ حتى إذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه «هذه حسناتك قد ضُوعفت لك» فيبيض وجهه ويُؤْتى بتاج فيوضع على رأسه، ويُكْسَى حُلَّتين، ويُحلّى كل مفصل منه ويطول ستين ذراعاً وهي قامة آدم عليه السلام؛ ويقال له: انطلق إلى أصحابك فأخبرهم وبشّرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا. فإذا أدبر قال: {هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ} }. قال الله تعالى: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} أي مرضيّة قد رضيها {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} في السماء «قُطُوفُهَا» ثمارها وعناقيدها. «دَانَيِةٌ» أدنيت منهم. فيقول لأصحابه: هل تعرفوني؟ فيقولون: قد غمرتك كرامة، من أنت؟ فيقول: أنا فلان بن فلان أبشّر كلَّ رجلٍ منكم بمثل هذا. {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ} أي قدَّمتم في أيام الدنيا. وإذا كان الرجل رأساً في الشر، يدعو إليه ويأمر به فيكثر تبعه عليه، نودي بٱسمه وٱسم أبيه فيتقدم إلى حسابه، فيخرج له كتاب أسود بخط أسود في باطنه الحسنات وفي ظاهره السيئات، فيبدأ بالحسنات فيقرأها ويظن أنه سينجو، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه «هذه حسناتك وقد رُدّت عليك» فيسودّ وجهه ويعلوه الحزن ويقنط من الخير، ثم يقلب كتابه فيقرأ سيئاته فلا يزداد إلا حزناً، ولا يزداد وجهه إلاّ سواداً، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه «هذه سيئاتك وقد ضوعفت عليك» أي يضاعف عليه العذاب. ليس المعنى أنه يزاد عليه ما لم يعمل ـ قال ـ فيعظم للنار وتزرقّ عيناه ويسودّ وجهه، ويكسى سرابيل القَطِرَان ويقال له: انطلق إلى أصحابك وأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا؛ فينطلق وهو يقول: {يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ} يتمنىّ الموت. {هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} تفسير ابن عباس: هلكتْ عني حُجتي. وهو قول مجاهد وعِكرمة والسدّي والضحاك. وقال ابن زيد: يعني سلطانيه في الدنيا الذي هو المُلْك. وكان هذا الرجل مطاعاً في أصحابه؛ قال الله تعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ} قيل: يبتدره مائة ألف مَلَك ثم تجمع يده إلى عنقه وهو قوله عز وجل: «فَغُلُّوهُ» أي شدّوه بالأغلال {ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ} أي اجعلوه يَصْلَى الجحيم {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً} الله أعلم بأيّ ذراع، قاله الحسن. وقال ابن عباس: سبعون ذراعاً بذراع المَلَك. وقال نَوْف: كل ذراع سبعون باعاً، وكل باع أبعد ما بينك وبين مكة. وكان في رحبة الكوفة. وقال مقاتل: لو أن حَلْقة منها وُضعت على ذُرْوة جبل لذاب كما يذوب الرّصاص. وقال كعب: إن حَلْقة من السلسلة التي قال الله تعالى ذرعها سبعون ذراعاً ـ أن حلقة منها ـ مثل جميع حديدِ الدنيا. {فَاسْلُكُوهُ } قال سفيان: بلغنا أنها تدخل في دبره حتى تخرج من فيه. وقاله مقاتل. والمعنى ثم ٱسلكوا فيه سلسلة. وقيل: تدخل عنقه فيها ثم يجرّ بها. وجاء في الخبر: أنها تدخل من دبره وتخرج من مَنْخِرَيْهِ. وفي خبر آخر: تدخل مِن فيه وتخرج من دبره، فينادي أصحابه هل تعرفوني؟ فيقولون لا، ولكن قد نرى ما بك من الخزي فمن أنت؟ فينادي أصحابه أنا فلان بن فلان، لكل إنسان منكم مثل هذا.

قلت: وهذا التفسير أصح ما قيل في هذه الآية، يدلّ عليه قوله تعالى:

{ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ }.[الإسراء:71] وفي الباب حديث أبي هريرة بمعناه خَرّجه الترمذيّ. وقد ذكرناه في سورة «سبحان» فتأمله هناك. {إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ} {وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} أي على الإطعام، كما يوضع العطاء موضع الإعطاء. قال الشاعر:

أكُفْراً بعد رَدّ الموت عنّيوبعد عطائك المائةَ الرِّتَاعَا

أراد بعد إعطائك. فبيّن أنه عُذّب على ترك الإطعام وعلى الأمر بالبخل، كما عُذّب بسبب الكفر. والحَضُّ: التحريض والحَثّ. وأصل «طعام» أن يكون منصوباً بالمصدر المقدّر. والطعام عبارة عن العين، وأضيف للمسكين للملابسة التي بينهما. ومن أعمل الطعام كما يعمل الإطعام فموضع المسكين نصب. والتقدير على إطعام المطْعِم المسكين؛ فحذف الفاعل وأضيف المصدر إلى المفعول.

فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَٰهُنَا حَمِيمٌ ۝٣٥ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ۝٣٦ لَّا يَأْكُلُهُۥٓ إِلَّا ٱلْخَٰطِـُٔونَ ۝٣٧

قوله تعالى: {فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ } خبر «ليس» قوله: «له» ولا يكون الخبر قوله: «هَا هُنَا» لأن المعنى يصير: ليس ها هنا طعام إلا من غِسْلِين، ولا يصح ذلك؛ لأن ثَمّ طعاماً غيره. و «هَا هُنَا» متعلق بما في «له» من معنى الفعل. والحميم ها هنا القريب. أي ليس لي قريب يرقّ له ويدفع عنه. وهو مأخوذ من الحميم وهو الماء الحارّ؛ كأنه الصديق الذي يرقّ ويحترق قلبه له. والغِسْلِين فِعْلين من الغَسل؛ فكأنه ينغسل من أبدانهم، وهو صَدِيدُ أهل النار السائل من جروحهم وفروجهم؛ عن ابن عباس. وقال الضحاك والربيع بن أنس: هو شجر يأكله أهل النار. والغِسْل (بالكسر): ما يغسل به الرأس من خِطْمِيّ وغيره. الأخفش: ومنه الغسلين، وهو ماانغسل من لحوم أهل النار ودمائهم. وزيد فيه الياء (والنون) كما زيد في عِفِرّين. وقال قتادة: هو شر الطعام وأبشعه. ابن زيد: لا يُعلم ما هو ولا الزّقوم. وقال في موضع آخر:

{ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ }[الغاشية:6] يجوز أن يكون الضّريع من الغسلين. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ والمعنى فليس له اليوم ها هنا حميم إلا من غسلين؛ ويكون الماء الحار. {وَلاَ طَعَامٌ} أي وليس لهم طعام ينتفعون به. {لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ} أي المذنبون. وقال ابن عباس: يعني المشركين. وقرىء «الخاطيون» بإبدال الهمزة ياء، و «الخاطون» بطرحها. وعن ابن عباس: ما الخاطون! كلنا نخطو. ورَوى عنه أبو الأسود الدُّؤَليّ: ما الخاطون؟ إنما هو الخاطئون. ما الصابون! إنما هو الصابئون. ويجوز أن يراد الذين يتخطّون الحقّ إلى الباطل ويتعدَّون حدود الله عز وجل.

فَلَآ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ۝٣٨ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ۝٣٩ إِنَّهُۥ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ۝٤٠

قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ. وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ} المعنى أقسم بالأشياء كلّها ما ترون منها وما لاترون. و «لا» صلة. وقيل: هو رَد لكلام سبق؛ أي ليس الأمر كما يقوله المشركون. وقال مقاتل: سبب ذلك أن الوليد بن المغيرة قال: إن محمداً ساحر. وقال أبو جهل: شاعر. وقال عقبة: كاهن؛ فقال الله عز وجل: {فَلاَ أُقْسِمُ} أي أقسم. وقيل: «لا» ها هنا نفي للقَسَم، أي لا يحتاج في هذا إلى قسم لوضوح الحق في ذلك، وعلى هذا فجوابه كجواب القسم. {إِنَّهُ} يعني القرآن {لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} يريد جبريل، قال الحسن والكلبيّ ومقاتل. دليله:

{ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ }[التكوير:19-20]. وقال الكلبيّ أيضاً والقُتَبِي: الرسول ها هنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ} وليس القرآن قول الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما هو من قول الله عز وجل ونسب القول إلى الرسول لأنه تاليه ومبلّغُه والعاملُ به، كقولنا: هذا قول مالك.

وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ ۝٤١ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ۝٤٢

قوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ} لأنه مباين لصنوف الشعر كلها. {وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ} لأنه ورد بسبّ الشياطين وشتمهم فلا ينزلون شيئاً على من يسبّهم. و «ما» زائدة في قوله: {قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ}، {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}؛ والمعنى: قليلاً تؤمنون وقَلِيلاً تَذَكَّرُون. وذلك القليل من إيمانهم هو أنهم إذا سئلوا مَن خلقهم قالوا: الله. ولا يجوز أن تكون «ما» مع الفعل مصدراً وتنصب «قليلاً» بما بعد «ما»، لما فيه من تقديم الصلة على الموصول؛ لأن ما عمل فيه المصدر من صلة المصدر. وقرأ ابن مُحَيْصِن وابن كثِير وابن عامر ويعقوب «مَا يُؤْمِنُونَ»، و «يذكرون» بالياء. الباقون بالتاء لأن الخطاب قبله وبعده. أما قبله فقوله: «تُبْصِرُونَ» وأما بعده: «فَمَا مِنْكُمْ» الآية.

تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٤٣

قوله تعالى: {تَنزِيلٌ} أي هو تنزيل. {مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} وهو عطف على قوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}، أي إنه لقوله رسول كريم، وهو تنزيل من رب العالمين.

وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ ۝٤٤ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ۝٤٥ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ ۝٤٦

قوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ} «تقوّل» أي تكلف وأتى بقول من قِبَل نفسه. وقرىء «وَلَوْ تُقُوِّلَ» على البناء للمفعول. {لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ} أي بالقوة والقدرة، أي لأخذناه بالقوّة. و «من» صلة زائدة. وعبر عن القوّة والقدرة باليمين لأن قوّة كل شيء في ميامنه، قال القُتَبيّ. وهو معنى قول ابن عباس ومجاهد. ومنه قول الشماخ:

إذا ما رايةٌ رُفعتْ لِمَجْدٍتلقّاها عَرَابة باليمين

أي بالقوّة. عرابة اسم رجل من الأنصار من الأوس. وقال آخر:

ولمَّا رأيتُ الشمس أشرق نورُهاتناولتُ منها حاجتي بيميني

وقال السّديّ والحكم: «باليمين» بالحق. وقال:

تلقّـاها عَـرَابةُ باليميـن

أي بالاستحقاق. وقال الحسن: لقطعنا يده اليمين. وقيل: المعنى لقبضنا بيمينه عن التصرف؛ قاله نَفْطَوَيْه. وقال أبو جعفر الطبري: إن هذا الكلام خرج مخرج الإذلال على عادة الناس في الأخذ بيد من يعاقَب. كما يقول السلطان لمن يريد هَوَانَه: خذوا يديه. أي لأمرنا بالأخذ بيده وبالغنا في عقابه. {ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ} يعني نِياط القلب؛ أي لأهلكناه. وهو عِرْقٌ يتعلّق به القلب إذا انقطع مات صاحبه؛ قاله ابن عباس وأكثر الناس. قال:

إذا بَلّغْتنِيِ وحَمَلْتِ رحْلِيعَرَابةَ فاشْرَقي بدَمِ الوَتِين

وقال مجاهد: هو حبل القلب الذي في الظهر وهو النخاع؛ فإذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه. والمَوْتون الذي قُطع وَتِينه. وقال محمد بن كعب: إنه القلب ومَرَاقّه وما يليه. قال الكلبيّ: إنه عرق بين العِلباء والحلقوم. والعلباء: عصب العنق. وهما علباوان بينهما ينبت العرق. وقال عكرمة: إن الوتين إذا قُطع لا ان جاع عَرَف، ولا إن شَبِع عَرَف.

فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَٰجِزِينَ ۝٤٧ وَإِنَّهُۥ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ۝٤٨

قوله تعالى: {فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} «ما» نفي و «أَحدٍ» في معنى الجمع، فلذلك نعته بالجمع؛ أي فما منكم قوم يحجزون عنه، كقوله تعالى:

{ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ }[البقرة:285] هذا جمع، لأن «بين» لا تقع إلا على اثنين فما زاد. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:لم تحِلّ الغنائم لأحد سُودِ الرءوس قبلكم. لفظه واحد ومعناه الجمع. و «مِن» زائدة. والحجز: المنع. و «حَاجِزِينَ» يجوز أن يكون صفة لأحد على المعنى كما ذكرنا؛ فيكون في موضع جَرّ. والخبر «مِنْكُمْ» ويجوز أن يكون منصوباً على أنه خبر و «مِنْكُمْ» مُلْغىً، ويكون متعلقاً بـ «حَاجِزِينَ». ولا يمنع الفصل به من انتصاب الخبر في هذا؛ كما لم يمتنع الفصل به في «إن فيك زيداً راغب».

قوله تعالى: {وَإِنَّهُ} يعني القرآن {لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} أي للخائفين الذين يخشون الله. ونظيره: {فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} على ما بيّناه أوّل سورة البقرة. وقيل: المراد محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي هو تذكرة ورحمة ونجاة.

وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ ۝٤٩ وَإِنَّهُۥ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٥٠ وَإِنَّهُۥ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ ۝٥١ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ ۝٥٢

قوله تعالى: {وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ} قال الربيع: بالقرآن. {وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ} يعني التكذيب. والحسرة: الندامة. وقيل: أي وإن القرآن لحسرة على الكافرين يوم القيامة إذا رأوا ثواب من آمن به. وقيل: هي حسرتهم في الدنيا حين لم يقدروا على معارضته عند تَحَدِّيهم أن يأتوا بسورة مثله. {وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ} يعني أن القرآن العظيم تنزيل من الله عز وجل؛ فهو لحق اليقين. وقيل: أي حَقّاً يقيناً ليكونن ذلك حسرة عليهم يوم القيامة. فعلى هذا {وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ} أي لَتَحَسُّر؛ فهو مصدر بمعنى التحسر، فيجوز تذكيره. وقال ابن عباس: إنما هو كقولك: لعَيْن اليقين ومحض اليقين. ولو كان اليقين نعتاً لم يجز أن يضاف إليه؛ كما لا تقول: هذا رجل الظريف. وقيل: أضافة إلى نفسه لاختلاف اللفظين. {فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} أي فَصلّ لربّك؛ قاله ابن عباس. وقيل: أي نزه الله عن السوء والنقائص.

الأربعاء، 4 نوفمبر 2026 24 جمادى الأولى 1448 هـ