انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الحج

تفسير البغويالآيات 32–78

تفسير سورة الحج آية آية، من تفسير البغوي.

ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ ۝٣٢

{ذَٰلِكَ}، يعني: الذي ذكرت من اجتناب الرجس وقول الزور، {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ}، قال ابن عباس: "شعائر الله" البُدْن والهدي، وأصلها من الإِشعار، وهو إعلامها ليعرف أنها هدي، وتعظيمها استسمانها واستحسانها. وقيل: "شعائر الله" أعلام دينه، "فإنها من تقوى القلوب"، أي: فإن تعظيمها من تقوى القلوب.

لَكُمْ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ۝٣٣

{لَكُمْ فِيهَا} أي: في البُدْنِ قبل تسميتها للهدي، {مَنَـٰفِعُ}، في درها ونسلها وأصوافها وأوبارها وركوب ظهورها، {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}، وهو أن يسميها ويوجبها هدياً، فإذا فعل ذلك لم يكن له شيء من منافعها، هذا قول مجاهد، وقول قتادة والضحاك، ورواه مقسم عن ابن عباس.

وقيل: معناه لكم في الهدايا منافع بعد إيجابها وتسميتها هدياً بأن تركبوها وتشربوا ألبانها عند الحاجة "إلى أجل مسمى"، يعني: إلى أن تنحروها، وهو قول عطاء بن أبي رباح.

واختلف أهل العلم في ركوب الهدي.

فقال قوم: يجوز له ركوبُها والحمل عليها غير مضرٍّ بها، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، لِما. أخبر أبو الحسن السرخسي، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنة فقال له: "اركبها، فقال يا رسول الله إنها بدنة، فقال: اركبها، ويلك، في الثانية أو الثالثة" وكذلك قال له: "اشرب لبنها بعدما فضل عن رَيّ ولدها" .«

وقال أصحاب الرأي: لا يركبها.

وقال قوم: لا يركبها إلا أن يضطر إليه.

وقال بعضهم: أراد بالشعائر: المناسك ومشاهد مكة، "لكم فيها منافع" بالتجارة والأسواق "إلى أجل مسمى" وهو الخروج من مكة.

وقيل: "لكم فيها منافع" بالأجر والثواب في قضاء المناسك."إلى أجل مسمى"، أي: إلى انقضاء أيام الحج.

{ثُمَّ مَحِلُّهَآ} أي: منحرها، {إلى ٱلبَيْتِ ٱلعَتِيْقِ}، أي: منحرها عند البيت العتيق، يريد أرض الحرم كلها، كما قال:

{ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ }[التوبة:28] أي: الحرم كله.

وروي عن جابر في قصة حجة الوداع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

"نحرتُ هاهنا ومِنَى كلها منحر فانحروا في رحالكم".

ومن قال "الشعائر" المناسك، قال: معنى قوله: "ثم محلها إلى البيت العتيق" أي: محل الناس من إحرامهم إلى البيت العتيق، أي: أن يطوفوا به طواف الزيارة يوم النحر.

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَٰمِ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ فَلَهُۥٓ أَسْلِمُوا۟ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ ۝٣٤ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ وَٱلْمُقِيمِى ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ ۝٣٥

قال الله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ}، أي: جماعة مؤمنة سلفت قبلكم، {جَعَلْنَا مَنسَكًا}، قرأ حمزة والكسائي بكسر السين هاهنا وفي آخر السورة، على معنى الاسم مثل المجلس والمطلع، أي: مذبحاً وهو موضع القربان، وقرأ الآخرون بفتح السين على المصدر، مثل المدخل والمخرج، أي: إراقة الدماء وذبح القرابين، {لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَـٰمِ}، [عند نحرها وذبحها، وسماها بهيمة] لأنها لا تتكلم، وقال: "بهيمة الأَنعام" وقيدها بالنَّعم، لأن من البهائم ما ليس من الأنعام كالخيل والبغال والحمير، لا يجوز دخلها في القرابين.

{فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ}، أي: سموا على الذبائح اسم الله وحده، فإن إلهكم إله واحد، {فَلَهُ أَسْلِمُواْ}، انقادوا وأطيعوا، {وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ}، قال ابن عباس وقتادة: المتواضعين. وقال مجاهد: المطمئنين إلى الله عزّ وجلّ، "والخَبْتُ" المكان المطمئن من الأرض. وقال الأخفش: الخاشعين. وقال النخعي: المخلصين. وقال الكلبي: هم الرقيقة قلوبهم. وقال عمرو بن أوس: هم الذين لا يَظلِمون وإذا ظُلموا لم ينتصروا.

{ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ}، من البلاء والمصائب، {وَٱلْمُقِيمِى ٱلصَّلَوٰةِ}، أي: المقيمين للصلاة في أوقاتها، {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ}، يتصدقون.

وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَٰهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝٣٦

قوله عز وجل: {وَٱلْبُدْنَ}، جمع بَدَنَةٍ سميت بدنة لعظمها وضخامتها، يريد: الإِبل العظام الصحاح الأجسام، يقال بَدُنَ الرجل بَدْناً وبدانةً إذا ضخم، فأما إذا أسَنَّ واسترخى يقال بَدَّنَ تبديناً. قال عطاء والسدي: البُدن: الإِبل والبقر أما الغنم لا تسمى بدنة. {جَعَلْنَـٰهَا لَكُم مِّن شَعَـٰئِرِ ٱللَّهِ}، من أعلام دينه، سُميت شعائر لأنها تُشعرَ، وهو أن تُطعن بحديدة في سنامها فيعلم أنها هدي، {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ}، النفع في الدنيا والأجر في العقبى، {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا}، عند نحرها، {صَوَآفَّ}، أي: قياماً على ثلاث قوائم قد صفت رجليها وإحدى يديها، ويدها اليسرى معقولة فينحرها كذلك.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد الله بن مسلمة، أخبرنا يزيد بن زريع، عن يونس، عن زياد بن جبير قال: رأيت ابن عمر أتى على رجل قد أناخَ بَدَنةً ينحرها، قال: ابعثها قياماً مقيدةً سنةَ محمد صلى الله عليه وسلم.

وقال مجاهد: الصواف إذا عقلت رجلها اليسرى وقامت على ثلاث قوائم.

وقرأ ابن مسعود "صوافن" وهي أن تعقل منها يد وتنحر على ثلاث، وهو مثل صواف. وقرأ أُبّي والحسن ومجاهد: "صوافي" بالياء أي: صافية خالصة لله لا شريك له فيها.

{فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا}، أي: سقطت بعد النحر فوقعت جنوبها على الأرض، وأصل الوجوب: الوقوع. يقال: وجبت الشمس إذا سقطت للمغيب، {فَكُلُواْ مِنْهَا}، أمر إباحة، {وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَـٰنِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ}، اختلفوا في معناها:

فقال عكرمة وإبراهيم وقتادة: "القانع" الجالس في بيته المتعفف يقنع بما يُعطي ولا يسأل، و"المعتر" الذي يسأل.

وروى العوفي عن ابن عباس: "القانع": الذي لا يتعرض ولا يسأل، و"المعتر" الذي يريك نفسه ويتعرض ولا يسأل، فعلى هذين التأويلين يكون "القانع": من القناعة، يقال: قنع قناعة إذ رضى بما قُسم له.

وقال سعيد بن جبير والحسن والكلبي: "القانع": الذي يسأل، "والمعتر": الذي يتعرض ولا يسأل، فيكون "القانع" من قنع يقنع قنوعاً إذا سأل.

وقرأ الحسن "والمعتري" وهو مثل المعتر، يقال: عره واعتره وعراه واعتراه إذا أتاه يطلب معروفه، إمّا سؤالاً وإما تعرضاً.

وقال ابن زيد: "القانع": المسكين، "والمعتر": الذي ليس بمسكين، ولا يكون له ذبيحة يجيء إلى القوم فيتعرض لهم لأجل لحمهم.

{كَذَٰلِكَ} أي: مثل ما وصفنا من نحرها قياماً، {سَخَّرْنَـٰهَا لَكُمْ}، نعمة منا لتتمكنوا من نحرها، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، لكي تشكروا إنعام الله عليكم.

لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٣٧ إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ۝٣٨ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ۝٣٩

{لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا}، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن لطخوا الكعبة بدمائها قربة إلى الله، فأنزل الله هذه الآية: "لنْ ينال الله لحومُها ولا دماؤُها" قرأ يعقوب "تنال وتناله" بالتاء فيهما، وقرأ العامة بالياء، قال مقاتل: لن يُرفع إلى الله لحومُها ولا دماؤُها، {وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ}، ولكن تُرفع إليه منكم الأعمال الصالحة والتقوى، والإِخلاص وما أريد به وجه الله تعالى {كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ}، يعني: البدن، {لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ}، أرشدكم لمعالم دينه ومناسك حجه، وهو أن يقول: الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أبلانا وأولانا، {وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ}، قال ابن عباس: الموحدين.

قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ}، قرأ ابن كثير وأهل البصرة: "يدفع"، وقرأ الآخرون: "يدافع" بالألف، يريد: يدفع غائلة المشركين عن المؤمنين ويمنعهم عن المؤمنين. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ}، أي: خوان في أمانة الله كفور لنعمته، قال ابن عباس: خانوا الله فجعلوا معه شريكاً وكفروا نعَمه. قال الزجاج: من تقرب إلى الأصنام بذبيحته وذكر عليها اسم غير الله فهو خوان كفور.

قوله عز وجل: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ}، قرأ أهل المدينة والبصرة وعاصم: "أذن" بضم الألف والباقون بفتحها، أي: أذن الله، "للذين يُقاتَلُون"، قرأ أهل المدينة وابن عامر وحفص "يقاتلون" بفتح التاء يعني المؤمنين الذين يقاتلهم المشركون، وقرأ الآخرون بكسر التاء يعني الذين أذن لهم بالجهاد "يقاتلون" المشركين.

قال المفسرون: كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يزالون محزونين من بين مضروب ومشجوج، ويشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال، حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية، وهي أول آية أَذِنَ الله فيها بالقتال، فنزلت هذه الآية بالمدينة.

وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في قوم بأعيانهم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة، فكانوا يُمنعون فأذِنَ اللَّهُ لهم في قتال الكفار الذين يمنعونهم من الهجرة، {بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ}، أي: بسبب ما ظُلِموا، واعتدوا عليهم بالإيذاء، {وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}.

ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ وَمَسَٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ ۝٤٠ ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا۟ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا۟ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ ۝٤١

{ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ}، بدل "عن الذين" الأولى {إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ}، أي: لم يخرجوا من ديارهم إلا لقولهم ربنا الله وحده.

{وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ}، بالجهاد وإقامة الحدود، {لَّهُدِّمَتْ}، قرأ أهل الحجاز بتخفيف الدال، وقرأ الآخرون بالتشديد على التكثير، فالتخفيف يكون للقليل والكثير، والتشديد يختص بالكثير، {صَوَٰمِعُ}، قال مجاهد والضحاك: يعني: صوامع الرهبان. وقال قتادة: صوامع الصابئين، {وَبِيَعٌ}، بِيَع النصارى جمع "بيعة" وهي كنيسة النصارى، {وَصَلَوَٰتٌ}، يعني كنائس اليهود، ويسمونها بالعبرانية صلوتا، {وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً}، يعني مساجد المسلمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

ومعنى الآية: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهُدِّم في شريعة كل نبي مكان صلاتهم، لهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى البيع والصوامع، وفي زمن محمد صلى الله عليه وسلم المساجد.

وقال ابن زيد: أراد بالصلوات صلوات أهل الإِسلام فإنها تنقطع إذا دخل العدو عليهم.

{وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ}، أي: ينصر دينه ونبيه، {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ}.

{ٱلَّذِينَ إِن مَّكْنَّـٰهُمْ فِى ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَـوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ}، قال الزجاج: هذا من صفة ناصريه، ومعنى "مكناهم في الأرض": نصرناهم على عدوهم حتى يتمكنوا في البلاد. قال قتادة: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الحسن: هم هذه الأمة {وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلأُمُورِ}، أي: آخر أمور الخلق ومصيرهم إليه، يعني: يبطل كل ملك سوى ملكه، فتصير الأمور إليه بلا منازع ولا مدَّع.

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ ۝٤٢ وَقَوْمُ إِبْرَٰهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ ۝٤٣ وَأَصْحَٰبُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ۝٤٤ فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَٰهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ۝٤٥

قوله عز وجل: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ}، يعزِّي نبيه صلى الله عليه وسلم، {فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ}.

{وَقَوْمُ إِبْرَٰهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ }.

{وَأَصْحَـٰبُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَـٰفِرِينَ}، أي: أمهلتهم وأخّرت عقوبتهم، {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ}، عاقبتُهم، {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}، أي: إنكاري، أي: كيف أنكرت عليهم ما فعلوا من التكذيب بالعذاب والهلاك، يخوف به من يُخالِفُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ويكذبه.

{فَكَأَيِّن}، فكم {مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا}، بالتاء، هكذا قرأ أهل البصرة ويعقوب، وقرأ الآخرون "أهلكناها" بالنون والألف على التعظيم، {وَهِىَ ظَالِمَةٌ}، أي: وأهلها ظالمون، {فَهِىَ خَاوِيَةٌ} ساقطة {عَلَىٰ عُرُوشِهَا}، على سقوفها، {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ}: أي وكم بئر معطلة متروكة مخلاة عن أهلها {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ}، قال قتادة والضحاك ومقاتل: رفيع طويل، من قولهم شاد بناءه إذا رفعه. وقال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء: مجصّص، من الشيد، وهو الجص. وقيل: إن البئر المعطلة والقصر المشيد باليمن، أما القصر فعلى قُلَّة جبل، والبئر في سفحه، ولكل واحد منهما قوم كانوا في نعمة فكفروا فأهلكهم الله، وبقي البئر والقصر خاليين.

وروى أبو روق عن الضحاك: أن هذه البئر كانت بحضرموت في بلدة يقال لها حاضوراء، وذلك أن أربعة آلاف نفر ممن آمن بصالح، نجوا من العذاب، أتوا حضرموت ومعهم صالح فلما حضروه مات صالح، فسمي حضرموت، لأن صالحاً لما حضر مات فبنوا حاضوراء وقعدوا على هذه البئر وأمّروا عليهم رجلاً فأقاموا دهراً وتناسلوا حتى كثروا، ثم إنّهم عبدوا الأصنام وكفروا فأرسل الله إليهم نبياً يقال له حنظلة بن صفوان، كان حمالاً فيهم، فقتلوه في السوق فأهلكهم الله، وعطلت بئرهم وخربت قصورهم.

أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَٰرُ وَلَٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ ۝٤٦ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ۝٤٧

{أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ}، يعني: كفارَ مكة، فينظروا إلى مصارع المكذبين من الأمم الخالية، {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا}، يعني: ما يذكر لهم من أخبار القرون الماضية فيعتبرون بها، {فَإِنَّهَا}، الهاء عماد، {لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ}، ذَكَر "التي في الصدور" تأكيداً كقوله:

{ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ }[الأنعام: 38] معناه أن العمى الضار هو عمى القلب، فأمّا عمى البصر فليس بضار في أمر الدين، قال قتادة: البصر الظاهر: بُلْغة ومتعة، وبصر القلب: هو البصر النافع.

{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ}، نزلت في النضر بن الحارث حيث قال: إن كان هذا هو الحقُّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء. {وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ}، فأُنجز ذلك يوم بدر. {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}، قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: "يعدون" بالياء هاهنا لقوله: {يستعجلونك}، وقرأ الباقون: بالتاء لأنه أعم، لأنه خطاب للمستعجلين والمؤمنين، واتفقوا في تنزيل "السجدة" أنه بالتاء.

قال ابن عباس: يعني يوماً من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض.

وقال مجاهد وعكرمة: يوماً من أيام الآخرة، والدليل عليه ما رُوي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم::

أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذلك مقداره خمسمائة سنة. «

قال ابن زيد: "وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون" هذه أيام الآخرة. وقوله: "كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون" يوم القيامة. والمعنى على هذا: أنهم يستعجلون بالعذاب، وإن يوماً من أيام عذابهم في الآخرة ألف سنة.

وقيل: معناه وإن يوماً من أيام العذاب الذي استعجلوه في الثقل والاستطالة والشدة كألف سنة مما تعدون، فكيف تستعجلونه هذا؟ كما يقال: أيام الهموم طوال، وأيام السرور قصار.

وقيل: معناه إن يوماً عنده وألف سنة في الإِمهال سواء، لأنه قادر متى شاء أخذهم لا يفوتُه شيء بالتأخير، فيستوي في قدرته وقوع ما يستعجلون به من العذاب وتأخره، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء.

وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ ۝٤٨ قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ۝٤٩ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ۝٥٠ وَٱلَّذِينَ سَعَوْا۟ فِىٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ ۝٥١

{وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا}، أي أمهلتها، {وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ}.

{قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}.

{فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، الرزق الكريم الذي لا ينقطع أبداً. وقيل: هو الجنة.

{وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِىۤ ءَايَـٰتِنَا}، أي عملوا في إبطال آياتنا، {مُعَـٰجِزِينَ}، قرأ ابن كثير وأبو عمرو: "معجّزين" بالتشديد هاهنا وفي سورة سبأ أي: مثَبِّطين الناس عن الإِيمان، وقرأ الآخرون: "معاجزين" بالألف أي معاندين مشاقين. وقال قتادة: معناه ظانين ومقدرين أنهم يعجزوننا بزعمهم أن لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار، ومعنى يعجزوننا، أي: يفوتوننا فلا نقدر عليهم. وهذا كقوله تعالى:

{ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا }[العنكبوت: 4]، {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ}، وقيل: "معاجزين" مغالبين، يريد كل واحد أن يُظهر عجز صاحبه.

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى ٱلشَّيْطَٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ۝٥٢ لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَٰنُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍ ۝٥٣

قوله عزّ وجل: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىۤ أُمْنِيَّتِهِ} الآية. قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما من المفسرين: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم توليَ قومه عنه وشقّ عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به من الله تمنّى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه لحرصه على إيمانهم، فكان يوماً في مجلس لقريش فأنزل الله تعالى سورة "النجم" فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ قوله: (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى) ألقى الشيطان على لسانه بما كان يحدِّث به نفسه ويتمناه: "تلك الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهم لتُرتَجى"، فلما سمعت قريش ذلك فرحوا به ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته، فقرأ السورة كلها وسجد في آخر السورة فسجد المسلمون بسجوده، وسجد جميع من في المسجد من المشركين، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلاَّ سجد إلاَّ الوليد بن المغيرة وأبو أحيحة سعيد بن العاص، فإنهما أخذا حفنة من البطحاء ورفعاها إلى جبهتيهما وسجدا عليها، لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود. وتفرقت قريش وقد سرّهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم ويقولون: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيى ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فإذا جعل لها نصيباً فنحن معه، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل فقال: يا محمد ماذا صنعت؟ لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله عزّ وجلّ! فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً وخاف من الله خوفاً كثيراً فأنزل الله هذه الآية يعزيه، وكان به رحيماً، وسمع بذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبلغهم سجود قريش. وقيل: أسلمت قريش وأهل مكة فرجع أكثرهم إلى عشائرهم، وقالوا: هم أحب إلينا حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن الذي كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلاً فلم يدخل أحد إلا بجوار أو مستخفياً، فلما نزلت هذه الآية قالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله فغيَّر ذلك. وكان الحرفان اللذان ألقىٰ الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وقعا في فم كل مشرك فازدادوا شراً إلى ما كانوا عليه، وشدةً على من أسلم.

قال الله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ} وهو الذي يأتيه جبريل بالوحي عياناً، {وَلا َنَبِىٍّ}، وهو الذي تكون نبوته إلهاماً أو مناماً، وكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً. {إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ}، قال بعضهم: أي: أحب شيئاً واشتهاه وحدّث به نفسه مما لم يؤمر به. "ألقى الشيطان في أمنيته" أي مراده.

وعن ابن عباس قال: إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه ووجد إليه سبيلاً، وما من نبي إلا تمنى أن يؤمن به قومه ولم يتمنَّ ذلك نبي إلا ألقىٰ الشيطان عليه ما يرضى به قومه، فينسخ الله ما يلقي الشيطان.

وأكثر المفسرين قالوا: معنى قوله: (تمنى) أي: تلا وقرأ كتاب الله تعالى. "ألقى الشيطان في أمنيته" أي: في تلاوته، قال الشاعر في عثمان حين قتل:

تَمَنَّىٰ كتابَ اللهِ أوّلَ ليلةٍوآخِرَهَا لاقَىٰ حِمَامَ المَقادِرِ

واختلفوا في أنه هل كان يقرأ في الصلاة أو في غير الصلاة؟ فقال قوم: كان يقرأ في الصلاة. وقال قوم: كان يقرأ في غير الصلاة. فإن قيل كيف يجوز الغلط في التلاوة على النبي صلى الله عليه وسلم وكان معصوماً من الغلط في أصل الدين، وقال جلّ ذكره في القرآن: { لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }[فصلت: 42] يعني إبليس؟

قيل: قد اختلف الناس في الجواب عنه فقال بعضهم: إن رسول صلى الله عليه وسلم لم يقرأ، ولكن الشيطان ذكر ذلك بين قراءته، فظن المشركون أن الرسول قرأه.

وقال قتادة: أغفىٰ النبي صلى الله عليه وسلم إغفاءةً فجرى ذلك على لسانه بإلقاء الشيطان ولم يكن له خبر.

والأكثرون قالوا: جرى ذلك على لسانه بإلقاء الشيطان على سبيل السهو والنسيان ولم يلبث أن نبهه الله عليه.

وقيل: إن شيطاناً يقال له الأبيض عمل هذا العمل، وكان ذلك فتنة ومحنة من الله تعالى والله تعالى يمتحن عباده بما يشاء.

{فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ}، أي: يُبطله ويذهبه، {ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِ}، فيثبتها، {وَٱلله عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي: محنة وبلية، شك ونفاق، {وَٱلْقَاسِيَةِ}، يعني الجافية، {قُلُوبُهُمْ}، عن قبول الحق وهم المشركون، وذلك أنهم افتتنوا لما سمعوا ذلك، ثم نُسخ ورفع فازدادوا عُتواً، وظنوا أن محمداً يقوله من تلقاء نفسه ثم يندم فيبطل، {وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ}، المشركين {لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أي: في خلاف شديد.

وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا۟ بِهِۦ فَتُخْبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝٥٤ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ۝٥٥ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِى جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ۝٥٦ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ۝٥٧ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓا۟ أَوْ مَاتُوا۟ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ۝٥٨

{وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ}، التوحيد والقرآن. وقال السدي: التصديق بنسخ الله تعالى، {أَنَّهُ}، يعني: أن الذي أحكم اللهُ من آيات القرآن هو {ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ}، أي: يعتقدوا أنه من الله، {فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ}، أي: فتسكن إليه قلوبهم، {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، أي: طريق قويم هو الإِسلام.

{وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ}، أي: في شك مما ألقى الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: ما باله ذكرها بخير ثم ارتد عنها. وقال ابن جريج: "منه" أي من القرآن. وقيل: من الدين، وهو الصراط المستقيم. {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً}، يعني: القيامة. وقيل: الموت، {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ}، قال الضحاك وعكرمة: عذاب يوم لا ليلة له وهو يوم القيامة.

والأكثرون على أن اليوم العقيم يوم بدر، لأنه ذكر الساعة من قبل وهو يوم القيامة. وسُمي يوم بدر عقيماً لأنه لم يكن في ذلك اليوم للكفار خير، كالريح العقيم التي لا تأتي بخير، سحابٍ ولا مطر، والعقم في اللغة: المنع، يقال: رجل عقيم إذا مُنع من الولد. وقيل: لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه. وقال ابن جريج: لأنهم لم يُنظروا فيه إلى الليل حتى قتلوا قبل المساء.

{ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ}، يعني يوم القيامة، {لِلَّهِ}، وحده من غير منازع، {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ}، ثم بيّن الحكم، فقال تعالى: {فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ}.

{وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـآيـَٰتِنَا فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}.

{وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ}، فارقوا أوطانهم وعشائرهم في طاعة الله وطلب رضاه، {ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ}، وهم كذلك، قرأ ابن عام "قتلوا" بالتشديد {لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً}، والرزق الحسن الذي لا ينقطع أبداً وهو رزق الجنة، {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ}، قيل: هو قوله:

{ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }[آل عمران: 169].

لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُۥ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ۝٥٩ ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ۝٦٠ ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ ۝٦١ ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلْبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ ۝٦٢

{لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ}، لأن لهم فيه ما تشتهي الأنفس وتلذُّ الأعين، {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ}، بنياتهم، {حَلِيمٌ}، عنهم.

{ذَٰلِكَ}، أي: الأمر ذلك الذي قصصنا عليكم، {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ}، جازى الظالم بمثل ظلمه. قال الحسن: يعني قاتل المشركين كما قاتلوه، {ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ}، أي: ظُلم بإخراجه من منزله يعني، ما آتاه المشركون من البغي على المسلمين حتى أحوجوهم إلى مفارقة أوطانهم، نزلت في قوم من المشركين أتوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فكره المسلمون قتالهم وسألوهم أن يكفوا عن القتال أجل الشهر الحرام فأبى المشركون وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم، وثبت المسلمون لهم فنُصروا عليهم، قال الله تعالى: {لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ}، والعقاب الأول بمعنىٰ الجزاء، {إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ}، عفا عن مساوىء المؤمنين وغفر لهم ذنوبهم.

{ذَٰلِكَ} أي: ذلك النصر {بِأَنَّ ٱللَّهَ}، القادرعلى ما يشاء، فمن قدرته أنه: {يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}.

{ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ}، قرأ أهل البصرة وحمزة والكسائي وحفص: بالياء، وقرأ الآخرون: بالتاء، يعني المشركين، {مِن دُونِهِ هُوَ ٱلْبَـٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ}، العالي على كل شيء، {ٱلْكَبِيرُ}، العظيم الذي كل شيء دونه.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ۝٦٣ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ ۝٦٤ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ۝٦٥ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَكَفُورٌ ۝٦٦

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً}، بالنبات؛ {إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ}، بأرزاق عباده واستخراج النبات من الأرض، {خَبِيرٌ}، بما في قلوب العباد واستخرج النبات من الأَرض، إذا تأخر المطر عنهم.

{لَّهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ}، عبيداً ومُلْكاً، {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِىُّ}، عن عباده، {ٱلْحَمِيدُ}، في أفعاله.

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ وَٱلْفُلْكَ} أي: وسخر لكم الفلك، {تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ}، وقيل: "ما في الأرض": الدوابُّ تركب في البر، و"الفلك" تركب في البحر، {وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ}، يعني: لكيلا تسقطَ على الأرض، {إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}.

{وَهُوَ ٱلَّذِىۤ أَحْيَاكُمْ}، أي: أنشأكم ولم تكونوا شيئاً، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ}، عند انقضاء آجالكم، {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}، يوم البعث للثواب والعقاب، {إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَكَفُورٌ}، لنعم الله.

لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِى ٱلْأَمْرِ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ ۝٦٧ وَإِن جَٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ۝٦٨ ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ۝٦٩ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ إِنَّ ذَٰلِكَ فِى كِتَٰبٍ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ۝٧٠ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِۦ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ۝٧١ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٍ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكُمُ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ۝٧٢

قوله عز وجل: {لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ}، قال ابن عباس: يعني شريعة هم عاملون بها. وروى عنه أنه قال: عيداً. قال قتادة ومجاهد: موضع قربان يذبحون فيه. وقيل: موضع عبادة. وقيل: مَألفاً يألفونه.

والمنسك في كلام العرب: الموضع المعتاد لعمل خير أو شر، ومنه "مناسك الحج" لتردد الناس إلى أماكن أعمال الحج.

{فَلاَ يُنَـٰزِعُنَّكَ فِى ٱلأَمْرِ}، يعني في أمر الذبائح. نزلت في بُدَيْل بن ورقاء، وبشر بن سفيان، ويزيد بن خنيس قالوا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: مالكم تأكلون مما تقتلون بأيديكم ولا تأكلون مما قتله الله؟

قال الزجاج: معنى قوله: {فَلاَ يُنَـٰزِعُنَّكَ} أي: لا تنازعهم أنت، كما يقال: لا يخاصمك فلان، أي: لا تخاصمه، وهذا جائز فيما يكون بين الإِثنين، ولا يجوز: لا يضربنك فلان، وأنت تريد: لا تضربه، وذلك أن المنازعة والمخاصمة لا تتم إلا باثنين، فإذا ترك أحدهما فلا مخاصة هناك.

{وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ}، إلى الإِيمان بربك، {إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ}.

{وَإِن جَـٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

{ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}، فتعرفون حينئذ الحق من الباطل. والاختلاف: ذهاب كل واحد من الخصمين إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر.

{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّ ذَٰلِكَ}، كله، {فِى كِتَـٰبٍ}، يعني اللوح المحفوظ، {إِنَّ ذَٰلِكَ} يعني: علمه بجميع ذلك، {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ}.

{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً}، حجة، {وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ}، يعني أنهم فعلوا ما فعلوا عن جهل لا عن علم، {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ}، للمشركين، {مِن نَّصِيرٍ}، مانع يمنعهم من عذاب الله.

{وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍ}، يعني: القرآن، {تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنكَرَ}، يعني الإِنكار يتبين ذلك في وجوههم من الكراهية والعبوس، {يَكَـٰدُونَ يَسْطُونَ}، أي: يقعون ويبسطون إليهم أيديهم بالسوء. وقيل: يبطشون، {بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِنَا}، أي: بمحمد وأصحابه من شدة الغيظ. يقال: سطا عليه وسطا به إذا تناوله بالبطش والعنف، وأصل السطو: القهر.

{قُلْ}، يا محمد، {أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكُمُ}، أي: بشرٍّ لكم وأكره إليكم من هذا القرآن الذي تستمعون، {ٱلنَّارُ} أي: هي النار، {وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥٓ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُوا۟ ذُبَابًا وَلَوِ ٱجْتَمَعُوا۟ لَهُۥ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْـًٔا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ ۝٧٣ مَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ ۝٧٤

{يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ}، معنىٰ: ضُرِب: جُعِل، كقولهم: ضربَ السلطانُ البعثَ على الناس، وضرب الجزيةَ على أهل الذمة، أي جعل ذلك عليهم. ومعنى الآية: جُعِل لي شَبَه، وشُبِّه بَي الأوثان، أي: جعل المشركون الأصنام شركائي فعبدوها ومعنى {فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ}، أي: فاستمعوا حالها وصفتها، ثم بين ذلك فقال:

{إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}، يعني: الأصنام، قرأ يعقوب بالياء والباقون بالتاء {لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً}، واحداً في صغره وقلته لأنها لا تقدرعليه. والذباب: واحد وجمعه القليل: أَذِبَّة، والكثير: ذِبَّان، مثل غُراب وأَغْرِبَة وغِرْبَان، {وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ}، أي: لخلقه، {وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ}، قال ابن عباس: كانوا يطلُون الأصنام بالزعفران، فإذا جفَّ جاء الذباب فاستلب منه.

وقال السدي: كانوا يضعون الطعام بين يدي الأصنام فتقع الذباب عليه فيأكلن منه.

وقال ابن زيد: كانوا يحلون الأصنام باليواقيت واللآلىء وأنواع الجواهر، ويطيبونها بألوان الطيب فربما تسقط منها واحدة فيأخذها طائر أو ذباب فلا تقدر الآلهة على استردادها، فذلك قوله: {وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً} أي: وإن يسلب الذبابُ الأصنامَ شيئاً مما عليها لا يقدرون أن يستنقذوه منه، {ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ}، قال ابن عباس: "الطالب": الذباب يطلب ما يسلب من الطيب من الصنم، و"المطلوب": الصنم يطلب الذباب منه السلب. وقيل: على العكس: "الطالب": الصنم و"المطلوب": الذباب. وقال الضحاك: "الطالب": العابد و"المطلوب": المعبود.

{مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}، ما عظَّموه حقَّ عظمتِهِ وما عرفوه حقَّ معرفتِهِ، ولا وصفوه حقَّ صفتِهِ إنْ أَشركوا به ما لا يمتنع من الذباب ولا ينتصف منه، {إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ}.

ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ ۝٧٥ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ۝٧٦ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱرْكَعُوا۟ وَٱسْجُدُوا۟ وَٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝٧٧

{ٱللَّهُ يَصْطَفِى}، يعني يختار {مِنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً}، وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وغيرهم، {وَمِنَ ٱلنَّاسِ}، أي: يختار من الناس رسلاً مثل إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام، نزلت حين قال المشركون: "أَأُنزلَ عليه الذكر من بيننا"، فأخبر أن الاختيار إليه، يختار من يشاء من خلقه.

{إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}، أي: سميع لقولهم، بصير بمن يختارُهُ لرسالته.

{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}، قال ابن عباس: ما قدَّموا، {وَمَا خَلْفَهُمْ}، ما خلَّفوا. وقال الحسن: "ما بين أيديهم": ما عملوا "وما خلفهم" ما هم عاملون من بعد. وقيل: "ما بين أيديهمْ: ملائكته وكتبه ورسله قبل أن خلقهم، "وما خلفهم" أي: يعلم ما هو كائن بعد فنائهم. {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ}.

{يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ}، أي: صلُّوا لأن الصلاةَ لا تكونُ إلا بالركوع والسجود، {وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ}، وحِّدوه، {وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ}، قال ابن عباس: صلة الرحم ومكارم الأخلاق، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، لكي تسعدوا وتفوزوا بالجنة. واختلف أهلُ العلم في سجود التلاوة عند قراءة هذه الآية.

فذهب قوم إلى أنه يسجد عندها، وهو قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وبه قال ابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. واحتجوا بما أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، أخبرنا قتيبة، أخبرنا ابن لهيعة، عن مشرح بن هاعان،

عن عقبة بن عامر قال: قلت يا رسول الله فُضِّلت سورةُ الحج بأنّ فيها سجدتين؟ فقال: «نعم، ومن لم يسجدْهما فلا يقرأْهُما».

وذهب قوم إلى أنه لا يسجد هاهنا، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي.

وعدة سجود القرآن أربعةَ عشرَ عند أكثر أهل العلم، منها ثلاث في المفصَّل.

وذهب قوم إلى أنه ليس في المفصل سجود. روي ذلك عن أبيّ بن كعب، وابن عباس، وبه قال مالك. وقد صح عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في "اقرأ"، و"إذا السماء انشقت". وأبو هريرة من متأخري الإِسلام.

واختلفوا في سجود صاد، فذهب الشافعي: إلى أنه سجود شكر ليس من عزائم السجود، ويروىٰ ذلك عن ابن عباس، وذهب قوم إلى أنه يسجد فيها، روي ذلك عن عمر، وبه قال سفيان الثوري، وابن المبارك، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق، فعند ابن المبارك، وإسحاق، وأحمد، وجماعة: سجود القرآن خمسَ عشرة سجدة، فعدوا سجدتي الحج وسجدة ص، وروى عن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه خمسَ عشرةَ سجدةً في القرآن.

وَجَٰهِدُوا۟ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ هُوَ ٱجْتَبَىٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعْتَصِمُوا۟ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلَىٰكُمْ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ ۝٧٨

قوله عز وجل: {وَجَـٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَـٰدِهِ}، قيل: جاهدوا في سبيل الله أعداءَ الله "حقَّ جهاده" هو استفراغ الطاقة فيه، قاله ابن عباس: وعنه أيضاً أنه قال: لا تخافوا في الله لومة لائم فهو حق الجهاد، كما قال تعالى:

{ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ }[المائدة: 54].

قال الضحاك ومقاتل: اعملوا لله حقَّ عمله واعبدوه حق عبادته.

وقال مقاتل بن سليمان: نسخها قوله:

{ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ }[التغابن: 16]، وقال أكثر المفسرين: "حق الجهاد": أن يكون نيتُه خالصةً صادقةً لله عزّ وجلّ. وقال السدي: هو أن يطاع فلا يعصى.

وقال عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى، وهو الجهاد الأكبر، وهو حق الجهاد. وقد رُوي

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»، وأراد بالجهاد الأصغر الجهادَ مع الكفار، والجهاد الأكبر الجهادَ مع النفس.

{هُوَ ٱجْتَبَـٰكُمْ} أي: اختاركم لدينه، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، ضيق، معناه: أن المؤمن لا يبتلىٰ بشيء من الذنوب إلا جعل الله له منه مخرجاً، بعضها بالتوبة، وبعضها برد المظالم والقصاص، وبعضها بأنواع الكفارات، فليس في دين الإِسلام ذنب لا يجد العبد سبيلاً إلى الخلاص من العقاب فيه.

وقيل: من ضيقٍ في أوقات فروضكم مثل هلال شهر مضان والفطر ووقت الحج إذا التبس ذلك عليكم، وسَّع ذلك عليكم حتى تتيقنوا.

وقال مقاتل: يعني الرُّخَص عند الضرورات، كقصر الصلاة في السفر، والتيمم، وأكل الميتة عند الضرورة، والإِفطار بالسفر والمرض، والصلاة قاعداً عند العجز. وهو قول الكلبي.

وروي عن ابن عباس أنه قال: الحَرَجُ ما كان على بني إسرائيل من الآصار التي كانت عليهم، وضعها الله عن هذه الأمة.

{مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ}، أي كلمة أبيكم، نصب بنزع حرف الصفة. وقيل: نصب على الإِغراء، أي اتَّبِعوا مِلّة أبيكم إبراهيم، وإنما أمرنا باتباع ملة إبراهيم لأنها داخلة في ملة محمد صلى الله عليه وسلم.

فإن قيل: ما وجه قوله: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ} وليس كل المسلمين يرجع نسبهم إلى إبراهيم؟.

قيل: خاطب به العرب وهم كانوا من نسل إبراهيم. وقيل: خاطب به جميع المسلمين، وإبراهيم أبٌ لهم، على معنى وجوب احترامه وحفظ حقه كما يجب احترام الأب، وهو كقوله تعالى:

{ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ }[الأحزاب: 6]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنّما أنا لكم مثل الوالد لولده «.

{هُوَ سَمَّـٰكُمُ}، يعني أن الله تعالى سماكم {ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ}، يعني من قبل نزول القرآن في الكتب المتقدمة. {وَفِى هَـٰذَا} أي: في هذا الكتاب، هذا قول أكثر المفسرين. وقال ابن زيد: "هو" يرجع إلى إبراهيم أي إن إبراهيم هو سماكم المسلمين في أيامه، من قبل هذا الوقت، وفي هذا الوقت، وهو قوله:

{ رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } [البقرة: 128]، {لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ}، يوم القيامة أن قد بلَّغَكم، {وَتَكُونُواْ}، أنتم، {شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ}، أن رسلَهم قد بلَّغتْهم، {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَـوٰةَ وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ} أي: ثقوا بالله وتوكلوا عليه. قال الحسن: تمسَّكُوا بدينِ الله. وروي عن ابن عباس قال: سلوا ربكم أن يعصمَكم من كل ما يكره. وقيل: معناه ادعوه ليثبِّتكم على دينه. وقيل: الاعتصام بالله هو التمسكُ بالكتابِ والسنةِ، {هُوَ مَوْلَـٰكُمْ}، وليكم وناصركم وحافظكم، {فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ}، الناصر لكم.
الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ