انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة ص

تفسير البغويالآيات 36–88

تفسير سورة ص آية آية، من تفسير البغوي.

فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ ۝٣٦ وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ ۝٣٧ وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ ۝٣٨ هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ۝٣٩

قوله عزّ وجلّ: {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَآءً}، لينة ليست بعاصفة، {حَيْثُ أَصَابَ}، [حيث أراد]، تقول العرب: أصاب الصواب [فأخطأ الجواب، تريد أراد الصواب].

{وَٱلشَّيَـٰطِينَ}، أي: وسخرنا له الشياطين، {كُلَّ بَنَّآءٍ}، يبنون له ما يشاء من محاريب وتماثيل، {وَغَوَّاصٍ}، يستخرجون له اللآليء من البحر، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر.

{وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلأَصْفَادِ}، مشدودين في القيود، أي: وسخرنا له آخرين، يعني: مردة الشياطين، سخروا له حتى قرنهم في الأصفاد.

{هَـٰذَا عَطَآؤُنَا}، أي قلنا له هذا عطاؤنا، {فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}، المنُّ: هو الإحسان إلى من لا يستثنيه، معناه: أعطِ من شئت وأمسك عمن شئت، {بِغَيْرِ حِسَابٍ}، لا حرج عليك فيما أعطيت وفيما أمسكت.

قال الحسن: ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه تبعة، إلا سليمان فإنه أعطى أُجر، وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة.

وقال مقاتل: هذا في أمر الشياطين، يعني: خلِّ من شئت منهم، وأمسك من شئت في وثاقك، لا تبعة عليك فيما تتعاطاه.

وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍ ۝٤٠ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ۝٤١ ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَٰذَا مُغْتَسَلٌۢ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ۝٤٢ وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ ۝٤٣ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَٰهُ صَابِرًا نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ۝٤٤

{وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَآبٍ}.

قوله عزّ وجلّ: {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّى مسَّنِىَ ٱلْشَّيْطَانُ بنُصْبٍ وَعَذَابٍ}، بمشقة وضر.

قرأ أبو جعفر: "بنُصُب" بضم النون والصاد، وقرأ يعقوب بفتحهما، وقرأ الآخرون بضم النون وسكون الصاد، ومعنى الكل واحد.

قال قتادة ومقاتل: بنصب في الجسد، وعذاب في المال. وقد ذكرنا قصة أيوب ومدة بلائه في سورة الأنبياء عليهم السلام.

فلما انقضت مدة بلائه قيل له: {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ}، اضرب برجلك الأرض ففعل فنبعت عين ماء، {هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ}، فأمره الله أن يغتسل منها، ففعل فذهب كل داء كان بظاهره، ثم مشى أربعين خطوة، فركض الأرض برجله الأخرى، فنبعت عين أخرى، ماء عذب بارد، فشرب منه، فذهب كل داء كان بباطنه، فقوله: {هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ}، يعني: الذي اغتسل منه، {وَشَرَابٌ} أراد الذي شرب منه.

{وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً}، وهو ملء الكف من الشجر أو الحشيش، {فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ}، في يمينك، وكان قد حلف أن يضرب امرأته مائة سوط، فأمره الله أن يأخذ ضغثاً يشتمل على مائة عود صغار، ويضربها به ضربة واحدة، {إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}.

وَٱذْكُرْ عِبَٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَٰرِ ۝٤٥ إِنَّآ أَخْلَصْنَٰهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ ۝٤٦ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلْأَخْيَارِ ۝٤٧ وَٱذْكُرْ إِسْمَٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلْأَخْيَارِ ۝٤٨ هَٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـَٔابٍ ۝٤٩

{وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ}، قرأ ابن كثير "عبدنا" على التوحيد، وقرأ الآخرون "عبادنا" بالجمع، {إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِى ٱلأَيْدِى}، قال ابن عباس: أولي القوة في طاعة الله تعالى، {وَٱلأَبْصَـٰرِ} في المعرفة بالله، أي: البصائر في الدين، قال قتادة ومجاهد: أُعْطو قوة في العبادة وبصراً في الدين.

{إِنَّآ أَخْلَصْنَٰهُمْ}، اصطفيناهم، {بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ}، قرأ أهل المدينة: "بخالصةِ" مضافاً، وقرأ الآخرون بالتنوين، فمن أضاف فمعناه: أخلصناهم بذكر الدار الآخرة، وأن يعملوا لها، والذكرى: بمعنى الذكر. قال مالك بن دينار: نزعنا من قلوبهم حبّ الدنيا وذكرها، وأَخْلَصْناهم بحب الآخرة وذكرها.

وقال قتادة: كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله عزّ وجلّ.

وقال السدي: أخلصوا بخوف الآخرة.

وقيل: معناه أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة.

قال ابن زيد: ومن قرأ بالتنوين: فمعناه بخلةٍ خالصة، وهي ذكرى الدار، فيكون "ذكرى" بدلاً عن الخالصة.

وقيل: "أخلصناهم": جعلناهم مخلصين، بما أخبرنا عنهم من ذكر الآخرة.

{وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأخْيَارِ * وَٱذْكُرْ إِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ * هَـٰذَا ذِكْرٌَ}، أي: هذا الذي يتلى عليكم ذكر، أي: شرف، وذكر جميل تُذكرون به {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ}.

جَنَّٰتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلْأَبْوَٰبُ ۝٥٠ مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ۝٥١ وَعِندَهُمْ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ ۝٥٢ هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ ۝٥٣ إِنَّ هَٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ ۝٥٤ هَٰذَا وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٍ ۝٥٥ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ۝٥٦ هَٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ۝٥٧

{جَنَّـٰتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ}، أي أبوابها [مفتحة لهم].

{مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَـٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِندَهُمْ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ}، مستويات الأسنان، بنات ثلاث وثلاثين سنة، واحدها تِرْب. وعن مجاهد قال: متواخيات لا يتباغضن ولا يتغايرن.

{هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ}، قرأ ابن كثير: "يوعدون" بالياء هاهنا وفي "ق" أي: ما يوعد المتقون، وافق أبو عمرو هاهنا، وقرأ الباقون بالتاء فيهما، أي قل للمؤمنين: هذا ما توعدون، {لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ}، أي في يوم الحساب.

{إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ}، فناء وانقطاع.

{هَـٰذَا} أي الأمر هذا {وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ}، للكافرين، {لَشَرَّ مَـآبٍ}، مرجع.

{جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا}، يدخلونها، {فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ}.

{هَـٰذَا}، أي هذا العذاب، {فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسَّاقٌ}، قال الفراء: أي هذا حميم وغساق فليذوقوه، والحميم: الماء الحار الذي انتهى حره.

"وغساق": قرأ حمزة، والكسائي وحفص: "وغسَّاق" حيث كان بالتشديد، وخففها الآخرون، فمن شدد جعله اسماً على فعَّال، نحو: الخباز والطباخ، ومن خفف جعله اسماً على فَعَال نحو العذاب.

واختلفوا في معنى الغساق، قال ابن عباس: هو الزمهرير يحرقهم ببرده، كما تحرقهم النار بحرّها.

وقال مقاتل ومجاهد: هو الذي انتهى برده.

وقيل: هو المنتن بلغة الترك.

وقال قتادة: هو ما يغسق أي: ما يسيل من القيح والصديد من جلود أهل النار، ولحومهم، وفروج الزناة، من قوله: غَسِقَتْ عينه إذا انصبَّت، والغسقان الانصباب.

وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِۦٓ أَزْوَٰجٌ ۝٥٨ هَٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لَا مَرْحَبًۢا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا۟ ٱلنَّارِ ۝٥٩ قَالُوا۟ بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًۢا بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ ۝٦٠

{وَءَاخَرُ}, قرأ أهل البصرة: "وأُخر" بضم الألف على جمع أخرى، مثل: الكبرى والكبر، واختاره أبو عبيدة لأنه نعته بالجمع، فقال: أزواج، وقرأ الآخرون بفتح الهمزة مشبعة على الواحد. {مِن شَكْلِهِ}، مثله أي: مثل الحميم والغساق، {أَزْوَٰجٌ}، أي: أصناف أخر من العذاب.

{هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ}، قال ابن عباس: "هذا" هو أن القادة إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم الأتباع قالت الخزنة للقادة. هذا يعني: الأتباع، فوج: جماعة مقتحم معكم النار، أي: داخلوها كما أنتم دخلتموها، والفوج: القطيع من الناس وجمعه أفواج، والاقتحام الدخول في الشيء رمياً بنفسه فيه، قال الكلبي: إنهم يضربون بالمقامع حتى يوقعوا أنفسهم في النار، خوفاً من تلك المقامع، فقالت القادة: {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ}، يعني: بالأتباع، {إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ}، أي: داخلوها كما صلِينا.

{قَالُواْ}، فقال الأتباع للقادة، {بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ}، والمرحب، والرحب: السعة، تقول العرب: مرحباً وأهلاً وسهلاً، أي: أتيت رحباً وسعة، وتقول: لا مرحباً بك، أي: لا رحبت عليك الأرض. {أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا}، يقول الأتباع للقادة: أنتم بدأتم بالكفر قبلنا، وشرعتم وسننتموه لنا. وقيل: أنتم قدمتم هذا العذاب لنا، بدعائكم إيّانا إلى الكفر، {فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ}، أي: فبئس دار القرار جهنم.

قَالُوا۟ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَٰذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِى ٱلنَّارِ ۝٦١ وَقَالُوا۟ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلْأَشْرَارِ ۝٦٢ أَتَّخَذْنَٰهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلْأَبْصَٰرُ ۝٦٣ إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ ۝٦٤ قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ۝٦٥

{قَالُواْ}، يعني: الأتباع، {رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا}، أي: شرعه وسنَّه لنا، {فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِى ٱلنَّارِ}، أي: ضعِّف عليه العذاب في النار. قال ابن مسعود: يعني: حيَّات وأفاعي.

{وَقَالُواْ}، يعني صناديد قريش وهم في النار، {مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ}، في الدنيا، {مِّنَ ٱلأَشْرَارِ}، يعنون فقراء المؤمنين: عماراً، وخباباً، وصهيباً، وبلالاً، وسلمان رضي الله عنهم، ثم ذكروا أنهم كانوا يسخرون من هؤلاء، فقالوا: {أَتَّخَذْنَـٰهُمْ سِخْرِيّاً}، قرأ أهل البصرة، وحمزة، والكسائي:

{مِّنَ ٱلأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَـٰهُمْ} وَصْلٌ، ويكسرون الألف عند الابتداء، وقرأ الآخرون بقطع الألف وفتحها على الاستفهام.

قال أهل المعاني: القراءة الأولى أَولى؛ لأنهم علموا أنهم اتخذوهم سِخرياً فلا يستقيم الاستفهام، وتكون "أم" على هذه القراءة بمعنى "بل"، ومن فتح الألف قال: هو على اللفظ لا على المعنى ليعادل "أم" في قوله: {أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَـٰرُ}، قال الفراء: هذا من الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتعجب، "أم زاغت"، أي: مالت، {عَنْهُمُ ٱلأَبْصَـٰرُ}، ومجاز الآية: ما لنا لا نرى هؤلاء الذين اتخذناهم سخريّاً لم يدخلوا معنا النار؟ أم دخلوها فزاغت عنهم أبصارنا، فلم نرهم حين دخلوها.

وقيل: أم هم في النار ولكن احتجبوا عن أبصارنا؟

وقال ابن كيسان: أم كانوا خيراً منّا ولكن نحن لا نعلم، فكانت أبصارنا تزيغ عنهم في الدنيا فلا نعدهم شيئاً.

{إِنَّ ذَلِكَ}، الذي ذكرت، {لَحَقٌّ} ثم بيَّن فقال، {تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ}، أي: تخاصم أهل النار في النار لحقٌّ.

{قُلْ}، يا محمد لمشركي مكة، {إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ}، مخوف، {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ}.

رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّٰرُ ۝٦٦ قُلْ هُوَ نَبَؤٌا۟ عَظِيمٌ ۝٦٧ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ۝٦٨ مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍۭ بِٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ۝٦٩ إِن يُوحَىٰٓ إِلَىَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ۝٧٠

{رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ}.

{قُلْ}، يا محمد، {هُوَ}، يعني: القرآن، {نَبَأٌ عَظِيمٌ}، قاله ابن عباس ومجاهد، وقتادة، وقيل: يعني: القيامة كقوله:

{ عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ }[النبأ:1-2].

{أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ *مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَـَلإِ ٱلأَعْلَىٰ}، يعني: الملائكة، {إذْ يَخْتَصِمُونَ} يعني: في شأن آدم عليه السلام، حين قال الله تعالى:

{ إِنِّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوۤاْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا }[البقرة: 30].

{إِن يُوحَىٰ إِلَىَّ إِلآَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}، قال الفراء: إن شئت جعلت "أنّما" في موضع رفع، أي: ما يوحى إليَّ إلاَّ الإِنذار، وإن شئت جعلت المعنى: ما يُوحى إليَّ إلاَّ أني نذير مبين.

وقرأ أبو جعفر: "إنّما" بكسر الألف، لأن الوحيَ قولٌ.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال مر خالد بن اللجلاج، فدعاه مكحول فقال: يا إبراهيم حدثنا حديث عبد الرحمن بن عائش، قال: سمعت عبد الرحمن بن عائش الحضرمي يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

رأيتُ ربي عزَّ وجلَّ في أحسن صورة، فقال: فِيمَ يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: أنت أعلم أيْ ربِّ، مرتين، قال: فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض، قال: ثم تلا هذه الآية: { وَكَذَلِكَ نُرِىۤ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ }[الأنعام: 75]، ثم قال:فِيمَ يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات، قال: وما هن؟ قلت: المشي على الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكاره، قال: ومَنْ يفعلْ ذلك يعشْ بخير ويمتْ بخير، ويكنْ من خطيئته كيومِ ولدته أمه، ومن الدرجات إطعام الطعام، وبذل السلام، وأن يقوم بالليل والناس نيام، قال: قل اللهمّ إني أسألك الطيباتِ، وترك المنكرات، وحبَّ المساكين، وأن تغفر لي، وترحمني، وتتوب عليَّ، وإذا أردت فتنةً في قوم فتوفني غير مفتون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعلّموهن، فوالذي نفس بيده إنهن لحق».

إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى خَٰلِقٌۢ بَشَرًا مِّن طِينٍ ۝٧١ فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ۝٧٢ فَسَجَدَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ۝٧٣ إِلَّآ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٧٤ قَالَ يَٰٓإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ ۝٧٥ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍ ۝٧٦ قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ۝٧٧ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ۝٧٨ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ۝٧٩ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ ۝٨٠ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ۝٨١

قوله عزّ وجلّ: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنِّى خَـٰلِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ}، يعني: آدم عليه السلام. {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ}, أتممت خلقه، {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلآَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ * قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرتَ}، ألف استفهام دخلت على ألف الوصل، {أَمْ كُنْتَ مِنَ ٱلْعَـٰلِينَ}، المتكبرين. استفهام توبيخ وإنكار، يقول: أستكبرت بنفسك حتى أبيت السجود؟ أم كنت من القوم الذين يتكبرون فتكبرت عن السجود لكونك منهم؟

{قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا}، أي: من الجنة، وقيل: من السموات. وقال الحسن وأبو العالية: أي من الخلقة التي أنت فيها. قال الحسين بن الفضل: هذا تأويل صحيح لأن إبليس تجبَّرَ وافتخر بالخلقة، فغيّر الله خلقته، فاسود وقبح بعد حسنه, {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ}، مطرود.

{وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِىۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىۤ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ}، وهو النفخة الأولى.

قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝٨٢ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ۝٨٣ قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ ۝٨٤ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ۝٨٥ قُلْ مَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ ۝٨٦ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَٰلَمِينَ ۝٨٧ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعْدَ حِينٍۭ ۝٨٨

{قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ * قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ}، قرأ عاصم وحمزة ويعقوب: "فالحقُّ" برفع القاف على الابتداء، وخبره محذوف تقديره: الحق مني، ونصب الثانية أي: وأنا أقول الحق، قاله مجاهد، وقرأ الآخرون بنصبهما، واختلفوا في وجههما، قيل: نصب الأولى على الإغراء كأنه قال: الزم الحق، والثاني بإيقاع القول عليه أي: أقول الحق. وقيل: الأول قسم، أي: فبالحق وهو الله عزّ وجلّ، فانتصب بنزع الخافض، وهو حرف الصفة، وانتصاب الثاني بإيقاع القول عليه. وقيل: الثاني تكرار القسم، أقسم الله بنفسه.

{لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ * قُلْ مَآ أَسْـأَلُكُمْ عَلَيْهِ}، على تبليغ الرسالة، {مِنْ أَجْرٍ}، جُعل، {وَمَآ أَنَا مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ}، المتقوّلين القرآن من تلقاء نفسي، وكل من قال شيئاً من تلقاء نفسه فقد تكلّف له.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: دخلنا على عبد الله بن مسعود فقال: يا أيها الناس من علم شيئاً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، قال الله تعالى لنبيه: {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَا مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ}.

قوله: {إِنْ هُوَ}, ما هو، يعني: القرآن، {إِلاَّ ذِكْرٌ}، موعظة، {لِّلْعَـٰلَمِينَ}، للخلق أجمعين. {وَلَتَعْلَمُنَّ}، أنتم يا كفار مكة، {نَبَأَهُ}، خبر صدقه، {بَعْدَ حِينٍ}، قال ابن عباس وقتادة: بعد الموت: وقال عكرمة: يعني يوم القيامة. وقال الكلبي: من بقي علم ذلك إذا ظهر أمره وعلا، ومن ماتَ عَلِمَهُ بعدَ موتِه. قال الحسن: ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين.

الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ