انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يس

تفسير القرطبيالآيات 33–59

تفسير سورة يس آية آية، من تفسير القرطبي.

وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلْأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَٰهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ۝٣٣ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّٰتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَٰبٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ ۝٣٤ لِيَأْكُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ۝٣٥ سُبْحَٰنَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ۝٣٦

قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} نبَّههم الله تعالى بهذا على إحياء الموتى، وذكَّرهم توحيده وكمال قدرته، وهي الأرض الميتة أحياها بالنبات وإخراج الحبّ منها. {فَمِنْهُ} أي من الحب {يَأْكُلُونَ} وبه يتغذَّون. وشدّد أهل المدينة «الْمَيْتَةُ» وخفف الباقون، وقد تقدّم. {وَجَعَلْنَا فِيهَا} أي في الأرض. {جَنَّاتٍ} أي بساتين. {مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} وخصصهما بالذكر؛ لأنهما أعلى الثمار. {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ} أي في البساتين. {لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ} الهاء في «ثمرِهِ» تعود على ماء العيون؛ لأن الثمر منه ٱندرج؛ قاله الجرجاني والمهدوي وغيرهما. وقيل: أي ليأكلوا من ثمر ما ذكرنا؛ كما قال:

{ وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ } [النحل: 66]. وقرأ حمزة والكسائي: «مِن ثُمُرِهِ» بضم الثاء والميم. وفتحهما الباقون. وعن الأعمش ضم الثاء وإسكان الميم. وقد مضى الكلام فيه في «الأنعام». {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} «ما» في موضع خفض على العطف على «مِنْ ثَمَرِهِ» أي ومما عملته أيديهم. وقرأ الكوفيون: «وَمَا عَمِلَتْ» بغير هاءٍ. الباقون «عَمِلَته» على الأصل من غير حذف. وحذف الصلة أيضاً في الكلام كثير لطول الاسم. ويجوز أن تكون «ما» نافية لا موضع لها فلا تحتاج إلى صلة ولا راجع. أي ولم تعمله أيديهم من الزرع الذي أنبته الله لهم. وهذا قول ٱبن عباس والضحاك ومقاتل. وقال غيرهم: المعنى ومِن الذي عملته أيديهم أي من الثمار، ومن أصناف الحلاوات والأطعمة، ومما ٱتخذوا من الحبوب بعلاج كالخبز والدهن المستخرج من السمسم والزيتون. وقيل: يرجع ذلك إلى ما يغرسه الناس. روي معناه عن ٱبن عباس أيضاً. {أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} نعمه.

قوله تعالى: {سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} نزّه نفسه سبحانه عن قول الكفار؛ إذ عبدوا غيره مع ما رأوه من نعمه وآثار قدرته. وفيه تقدير الأمر؛ أي سبِّحوه ونزِّهوه عما لا يليق به. وقيل: فيه معنى التعجب؛ أي عجباً لهؤلاء في كفرهم مع ما يشاهدونه من هذه الآيات؛ ومَن تعجب من شيء قال: سبحان الله! والأزواج الأنواع والأصناف؛ فكل زوج صنف؛ لأنه مختلف في الألوان والطعوم والأشكال والصغر والكبر، فاختلافها هو ٱزدواجها. وقال قتادة: يعني الذكر والأنثى. {مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ} يعني من النبات؛ لأنه أصناف. {وَمِنْ أَنفُسِهِمْ} يعني وخلق منهم أولاداً أزواجاً ذكوراً وإناثاً. {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} أي من أصناف خلقه في البر والبحر والسماء والأرض. ثم يجوز أن يكون ما يخلقه لا يعلمه البشر وتعلمه الملائكة. ويجوز ألا يعلمه مخلوق. ووجه الاستدلال في هذه الآية أنه إذا ٱنفرد بالخلق فلا ينبغي أن يشرَك به.

وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ ۝٣٧ وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ۝٣٨

قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ} أي وعلامة دالة على توحيد الله وقدرته ووجوب إلاهِيَّته. والسلخ: الكشط والنزع؛ يقال: سلخه الله من دينه، ثم تستعمل بمعنى الإخراج. وقد جعل ذهاب الضوء ومجيء الظلمة كالسلخ من الشيء وظهور المسلوخ فهي ٱستعارة. و {مُّظْلِمُونَ} داخلون في الظلام؛ يقال: أظلمنا أي دخلنا في ظلام الليل، وأظهرنا دخلنا في وقت الظهر، وكذلك أصبحنا وأضحينا وأمسينا. وقيل: «مِنه» بمعنى عنه، والمعنى نسلخ عنه ضياء النهار. «فَإذَا هُمْ مُظْلِمُونَ» أي في ظلمة؛ لأن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء؛ فإذا خرج منه أظلم.

قوله تعالى: {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} يجوز أن يكون تقديره وآية لهم الشمس. ويجوز أن يكون «الشمس» مرفوعاً بإضمار فعل يفسره الثاني. ويجوز أن يكون مرفوعاً بالابتداء {تَجْرِي} في موضع الخبر أي جارية. وفي صحيح مسلم

عن أبي ذرّ قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} قال «مستقرّها تحت العرش». وفيه عن أبي ذرّ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال يوماً: «أتدرون أين تذهب هذه الشمس»؟ قالوا الله ورسوله أعلم؛ قال: «إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرّها تحت العرش فتخرّ ساجدة ولا تزال كذلك حتى يقال لها ٱرتفعي ٱرجعي من حيث جئتِ فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري يستنكر الناس منها شيئاً حتى تنتهي إلى مستقرّها ذاك تحت العرش فيقال لها ٱرتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون متى ذلكم ذاك حين {لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَانِهَا خَيْراً} [الأنعام: 158]». ولفظ البخاري عن أبي ذرّ قال قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي ذرّ حين غربت الشمس: «تدري أين تذهب» قلت الله ورسوله أعلم، قال: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها ٱرجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى: {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ }». ولفظ الترمذي عن أبي ذرّ قال: دخلت المسجد حين غابت الشمس والنبيّ صلى الله عليه وسلم جالس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذرّ أتدري أين تذهب هذه قال قلت: الله ورسوله أعلم؛ قال: فإنها تذهب فتستأذنُ في السجود فيؤذن لها وكأنها قد قيل لها ٱطلعي من حيث جئت فتطلع من مغربها قال: ثم قرأ «ذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا» قال وذلك قراءة عبد الله. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال عكرمة: إن الشمس إذا غَرَبت دخلت محراباً تحت العرش تسبّح الله حتى تصبح، فإذا أصبحت ٱستعفت ربها من الخروج فيقول لها الرب: ولم ذاك؟ قالت: إني إذا خرجت عُبِدت من دونك. فيقول الرب تبارك وتعالى: ٱخرجي فليس عليك من ذاك شيء، سأبعث إليهم جهنم مع سبعين ألف مَلَك يقودونها حتى يدخلوهم فيها. وقال الكلبي وغيره: المعنى تجري إلى أبعد منازلها في الغروب، ثم ترجع إلى أدنى منازلها؛ فمستقرها بلوغها الموضع الذي لا تتجاوزه بل ترجع منه؛ كالإنسان يقطع مسافة حتى يبلغ أقصى مقصوده فيقضي وَطَره، ثم يرجع إلى منزله الأوّل الذي ٱبتدأ منه سفره. وعلى تبليغ الشمس أقصى منازلها، وهو مستقرها إذا طلعت الهَنْعَة، وذلك اليوم أطول الأيام في السنة، وتلك الليلة أقصر الليالي، فالنهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات، ثم يأخذ في النقصان وترجع الشمس، فإذا طلعت الثريا ٱستوى الليل والنهار، وكل واحد ثنتا عشرة ساعة، ثم تبلغ أدنى منازلها وتطلع النَّعائم، وذلك اليوم أقصر الأيام، والليل خمس عشرة ساعة، حتى إذا طلع فَرْغ الدَّلْو المؤخَّر ٱستوى الليل والنهار، فيأخذ الليل من النهار كل يوم عشر ثلث ساعة، وكل عشرة أيام ثلث ساعة، وكل شهر ساعة تامة، حتى يستويا ويأخذ الليل حتى يبلغ خمس عشرة ساعة، ويأخذ النهار من الليل كذلك. وقال الحسن: إن للشمس في السنة ثلثمائة وستين مطلعاً، تنزل في كل يوم مطلعاً، ثم لا تنزله إلى الحول؛ فهي تجري في تلك المنازل وهي مستقرّها. وهو معنى الذي قبله سواء. وقال ابن عباس: إنها إذا غربت وٱنتهت إلى الموضع الذي لا تتجاوزه ٱستقرّت تحت العرش إلى أن تطلع.

قلت: ما قاله ٱبن عباس يجمع الأقوال فتأمله. وقيل: إلى ٱنتهاء أمدها عند ٱنقضاء الدنيا. وقرأ ٱبن مسعود وٱبن عباس «وَالشَّمْسُ تَجْرِي لاَ مُسْتَقَرَّ لَهَا» أي إنها تجري في الليل والنهار لا وقوف لها ولا قرار، إلى أن يكوّرها الله يوم القيامة. وقد ٱحتج من خالف المصحف فقال: أنا أقرأ بقراءة ٱبن مسعود وٱبن عباس. قال أبو بكر الأنباري: وهذا باطل مردود على من نقله؛ لأن أبا عمرو روى عن مجاهد عن ٱبن عباس وٱبنُ كثير روى عن مجاهد عن ٱبن عباس «وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا» فهذان السندان عن ٱبن عباس اللذان يشهد بصحتهما الإجماع ـ يبطلان ما روي بالسند الضعيف مما يخالف مذهب الجماعة، وما ٱتفقت عليه الأمة.

قلت: والأحاديث الثابتة التي ذكرناها تردّ قوله، فما أجرأه على كتاب الله، قاتله الله. وقوله: {لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} أي إلى مستقرّها، والمستقرّ موضع القرار. {ذَلِكَ تَقْدِيرُ} أي الذي ذكر من أمر الليل والنهار والشمس تقدِير {ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ}.

وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ ۝٣٩

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَٱلْقَمَرَ} يكون تقديره وآيةٌ لهم القمرُ. ويجوز أن يكون «وَالْقَمَرُ» مرفوعاً بالابتداء. وقرأ الكوفيون «وَالْقَمَرَ» بالنصب على إضمار فعل وهو ٱختيار أبي عبيد. قال: لأن قبله فعلاً وبعده فعلاً؛ قبله «نَسْلَخُ» وبعده «قَدَّرْنَاهُ». النحاس: وأهل العربية جميعاً فيما علمت على خلاف ما قال، منهم الفرّاء قال: الرفع أعجب إليّ، وإنما كان الرفع عندهم أولى؛ لأنه معطوف على ما قبله ومعناه وآيةٌ لهم القمرُ. وقوله: إن قبله «نَسْلَخُ» فقبله ما هو أقرب منه وهو «تَجْرِي» وقبله «وَالشَّمْسُ» بالرفع. والذي ذكره بعده وهو «قَدَّرْنَاهُ» قد عمل في الهاء. قال أبو حاتم: الرفع أولى؛ لأنك شغلت الفعل عنه بالضمير فرفعته بالابتداء. ويقال: القمر ليس هو المنازل فكيف قال {قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} ففي هذا جوابان: أحدهما قدّرناه ذا منازل؛ مثل:

{ وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ }[يوسف: 82]. والتقدير الآخر قدّرنا له منازل ثم حذفت اللام، وكان حذفها حسناً لتعدي الفعل إلى مفعولين مثل { وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً } [الأعراف: 155]. والمنازل ثمانية وعشرون منزلاً، ينزل القمر كل ليلة منها بمنزل؛ وهي: الشَّرَطَان. البُطَيْن. الثُّرَيَّا. الدَّبَران. الهَقْعَة. الهنعة. الذِّراع. النَّثْرة. الطَّرْف. الْجَبْهة. الخَراتانِ. الصَّرْفة. العَوَّاء. السِّمَاك. الْغَفْر. الزُّبَانَيان. الإِكْليل. القَلْب. الشَّوْلة. النَّعَائم. البَلَدّة. سَعدْ الذَّابح. سَعدْ بُلَع. سَعْد السُّعود. سَعدْ الأَخْبِية. الفَرْغ المقدَّم. الفَرْغ المؤخَّر. بطن الحوت. فإذا صار القمر في آخرها عاد إلى أوّلها، فيقطع الفلك في ثمان وعشرين ليلة. ثم يَسْتَسِرُّ ثم يطلع هلالاً، فيعود في قطع الفلك على المنازل، وهي منقسمة على البروج لكل برج منزلان وثلث. فللحمَل الشَّرَطان والبُطَين وثلث الثريا، وللثور ثلثا الثريا والدَّبران وثلثا الهَقْعة، ثم كذلك إلى سائرها. وقد مضى في «الحجر» تسمية البروج والحمد لله. وقيل: إن الله تعالى خلق الشمس والقمر من نارٍ ثم كُسِيا النور عند الطلوع، فأما نور الشمس فمن نور العرش، وأما نور القمر فمن نور الكرسي، فذلك أصل الخلقة وهذه الكسوة. فأما الشمس فترِكت كسوتها على حالها لتشعشع وتشرق، وأما القمر فأمرَّ الروحُ الأمين جناحه على وجهه فمحا ضوءه بسلطان الجناح، وذلك أنه روح والروح سلطانه غالب على الأشياء. فبقي ذلك المحو على ما يراه الخلق، ثم جعل في غلاف من ماء، ثم جعل له مجرى، فكل ليلة يبدو للخلق من ذلك الغلاف قمراً بمقدار ما يقمِر لهم حتى ينتهي بدؤه، ويراه الخلق بكماله واستدارته. ثم لا يزال يعود إلى الغلاف كل ليلة شيء منه فينقص من الرؤية والإقمار بمقدار ما زاد في البدء. ويبتدىء في النقصان من الناحية التي لا تراه الشمس وهي ناحية الغروب حتى يعود كالعرجون القديم، وهو العِذْق المتقوِّس ليُبسه ودقته. وإنما قيل القمر؛ لأنه يُقمِر أي يبيض الجوّ ببياضه إلى أن يَسْتِسرَّ.

الثانية: {حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ} قال الزجاج: هو عود العِذْق الذي عليه الشماريخ، وهو فُعْلون من الانعراج وهو الانعطاف، أي سار في منازله، فإذا كان في آخرها دقّ واستقوس وضاق حتى صار كالعُرجون. وعلى هذا فالنون زائدة. وقال قتادة: هو العِذْق اليابس المنحني من النخلة. ثعلب: «كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ» قال: «الْعُرْجُون» الذي يبقى من الكباسة في النخلة إذا قطعت، و «القَديم» البالي. الخليل: في باب الرباعي «الْعُرْجُون» أصل العِذْق وهو أصفر عريض يشبَّه به الهلالُ إذا ٱنحنى. الجوهري: «العرجون» أصل العِذق الذي يعوج وتقطع منه الشماريخ فيبقى على النخل يابسا؛ وعَرْجَنه: ضربه بالعرجون. فالنون على قول هؤلاء أصلية؛ ومنه شعر أعشى بني قيس:

شرق المسْك والعبير بهافهي صفراء كعرجون القمر

فالعرجون إذا عَتق ويَبِس وتقوّس شبِّه القمرُ في دقّته وصفرته به. ويقال له أيضاً الإهان والكباسة والقِنْو، وأهل مصر يسمونه الإسباطة. وقرىء: «العِرْجَوْن» بوزن الفِرجون وهما لغتان كالبُزْيون والبِزْيَون؛ ذكره الزمخشري وقال: هو عود العِذْق ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة. وٱعلم أن السَّنَة منقسمة على أربعة فصول، لكل فصل سبعة منازل: فأوّلها الربيع، وأوله خمسة عشر يوماً من أَذَار، وعدد أيامه ٱثنان وتسعون يوماً؛ تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج: الحمل، والثور، والجوزاء، وسبعة منازل: الشَّرَطان والبُطَين والثُّريا والدَّبَران والهَقْعة والهَنْعة والذِّراع. ثم يدخل فصل الصيف في خمسة عشر يوماً من حَزِيران، وعدد أيامه ٱثنان وتسعون يوماً؛ تقطع الشمس فيه ثلاثة بروج: الشَّرَطان، والأسد، والسُّنْبلة، وسبعة منازل: وهي النثرة والطَّرْف والجبهة والخَرَاتان والصّرفة والعوَّاء والسِّماك. ثم يدخل فصل الخريف في خمسة عشر يوماً من أيلول، وعدد أيامه أحد وتسعون يوماً، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج؛ وهي الميزان، والعقرب، والقوس، وسبعة منازل الغُفْر والزُّبانان والإكليل والقلب والشولة والنعائم والبلدة. ثم يدخل فصل الشتاء في خمسة عشر يوماً من كانون الأوّل، وعدد أيامه تسعون يوماً وربما كان أحداً وتسعين يوماً، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج: وهي الْجَدي والدَّلْو والحوت، وسبعة منازل سعد الذابح وسعد بُلَع وسعد السّعود وسعد الأَخبِية والفَرْغ المقدم، والفرغ المؤخر وبطن الحوت. وهذه قسمة السريانيين لشهورها: تشرين الأوّل، تشرين الثاني، كانون الأوّل، كانون الثاني، أشباط، آذار، نيسان، أيار، حَزِيران، تَمُّوز، آب، أيلول، وكلها أحد وثلاثون إلا تشرين الثاني ونيسان وحزِيران وأيلول، فهي ثلاثون، وأشباط ثمانية وعشرون يوماً وربع يوم. وإنما أردنا بهذا أن تنظر في قدرة الله تعالى؛ فذلك قوله تعالى: {وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} فإذا كانت الشمس في منزل أهلّ الهلالُ بالمنزل الذي بعده، وكان الفجر بمنزلتين من قبله. فإذا كانت الشمس بالثريا في خمسة وعشرين يوماً من نيسان، كان الفجر بالشرطين، وأهلّ الهلال بالدبران، ثم يكون له في كل ليلة منزلة حتى يقطع في ثمان وعشرين ليلة ثمانياً وعشرين منزلة. وقد قطعت الشمس منزلتين فيقطعهما، ثم يطلع في المنزلة التي بعد منزلة الشمس فـ {ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ}.

الثالثة: قوله تعالى: {ٱلْقَدِيمِ} قال الزمخشري: القديم المحوِل وإذا قَدُم دَقّ وٱنحنى وٱصفر فشبه القمر به من ثلاثة أوجه. وقيل: أقل عدّة الموصوف بالقديم الحَوْل، فلو أن رجلاً قال: كل مملوك لي قديم فهو حر، أو كتب ذلك في وصيته عتق من مضى له حول أو أكثر.

قلت: قد مضى في «البقرة» ما يترتب على الأهِلة من الأحكام والحمد لله.

لَا ٱلشَّمْسُ يَنۢبَغِى لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلْقَمَرَ وَلَا ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ۝٤٠

قوله تعالى: {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ} رفعت «الشمس» بالابتداء، ولا يجوز أن تعمل «لا» في معرفة. وقد تكلم العلماء في معنى هذه الآية، فقال بعضهم: معناها أن الشمس لا تدرك القمر فتبطل معناه. أي لكل واحد منهما سلطان على حياله، فلا يدخل أحدهما على الآخر فيذهب سلطانه، إلى أن يبطل الله ما دبر من ذلك، فتطلع الشمس من مغربها على ما تقدّم في آخر سورة «الأنعام» بيانه. وقيل: إذا طلعت الشمس لم يكن للقمر ضوء، وإذا طلع القمر لم يكن للشمس ضوء. روي معناه عن ٱبن عباس والضحاك. وقال مجاهد: أي لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر. وقال قتادة: لكلٍّ حدّ وعَلَم لا يعدوه ولا يقصر دونه إذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان هذا. وقال الحسن: إنهما لا يجتمعان في السماء ليلة الهلال خاصة. أي لا تبقى الشمس حتى يطلع القمر، ولكن إذا غرَبت الشمس طلع القمر. يحيى بن سلاّم: لا تدرك الشمس القمر ليلة البدر خاصة؛ لأنه يبادر بالمغيب قبل طلوعها. وقيل: معناه إذا ٱجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر في منازل لا يشتركان فيها؛ قاله ٱبن عباس أيضاً. وقيل: القمر في السماء الدنيا، والشمس في السماء الرابعة فهي لا تدركه؛ ذكره النحاس والمهدوي. قال النحاس: وأحسن ما قيل في معناها وأبينه مما لا يُدفَع: أن سير القمر سيْر سريع والشمس لا تدركه في السير؛ ذكره المهدوي أيضاً. فأما قوله سبحانه:

{ وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ } [القيامة: 9] فذلك حين حَبْس الشمس عن الطلوع على ما تقدّم بيانه في آخر «الأنعام» ويأتي في سورة «القيامة» أيضاً. وجمعهما علامة لانقضاء الدنيا وقيام الساعة. {وَكُلٌّ} يعني من الشمس والقمر والنجوم {فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} أي يجرون. وقيل: يدورون. ولم يقل تسبح؛ لأنه وصفها بفعل من يعقل. وقال الحسن: الشمس والقمر والنجوم في فلك بين السماء والأرض غير ملصَقة؛ ولو كانت ملصقة ما جرت؛ ذكره الثعلبي والماوردي. وٱستدلّ بعضهم بقوله تعالى: {وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} على أن النهار مخلوق قبل الليل، وأن الليل لم يسبقه بخلق. وقيل: كل واحد منهما يجيء وقته ولا يسبق صاحبه إلى أن يجمع بين الشمس والقمر يوم القيامة؛ كما قال {وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} وإنما هذا التعاقب الآن لتتم مصالح العباد. { وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ } [الإسراء: 12] ويكون الليل للإجمام والاستراحة، والنهار للتصرف؛ كما قال تعالى: { وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } [القصص: 73] وقال: { وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً } [النبأ: 9] أي راحة لأبدانكم من عمل النهار. فقوله: {وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} أي غالب النهار؛ يقال: سبق فلان فلاناً أي غلبه. وذكر المبّرد قال: سمعت عمارة يقرأ «وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارَ» فقلت ما هذا؟ قال: أردت سابِقٌ النهارَ فحذفت التنوين؛ لأنه أخفّ. قال النحاس: يجوز أن يكون «النهارَ» منصوباً بغير تنوين ويكون التنوين حذف لالتقاء الساكنين.

وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ۝٤١ وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِۦ مَا يَرْكَبُونَ ۝٤٢ وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ ۝٤٣

قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمْ} يحتمل ثلاثة معان: أحدها عبرة لهم؛ لأن في الآيات ٱعتباراً. الثاني نعمة عليهم؛ لأن في الآيات إنعاماً. الثالث إنذار لهم؛ لأن في الآيات إنذاراً. {أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} من أشكل ما في السورة؛ لأنهم هم المحمولون. فقيل: المعنى وآية لأهل مكة أنا حملنا ذرية القرون الماضية «فيِ الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ» فالضميران مختلفان؛ ذكره المهدوي. وحكاه النحاس عن عليّ بن سليمان أنه سمعه يقوله. وقيل: الضميران جميعاً لأهل مكة على أن يكون ذرياتهم أولادهم وضعفاءهم؛ فالفلك على القول الأوّل سفينة نوح. وعلى الثاني يكون ٱسماً للجنس؛ خبّر جل وعز بلطفه وٱمتنانه أنه خلق السفن يحمل فيها من يصعب عليه المشي والركوب من الذرية والضعفاء، فيكون الضميران على هذا متفقين. وقيل: الذرية الآباء والأجداد، حملهم الله تعالى في سفينة نوح عليه السلام؛ فالآباء ذرية والأبناء ذرية؛ بدليل هذه الآية؛ قاله أبو عثمان. وسمّي الآباء ذرية؛ لأن منهم ذرأ الأبناء. وقول رابع: أن الذرية النُّطَف حملها الله تعالى في بطون النساء تشبيهاً بالفلك المشحون؛ قاله عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه؛ ذكره الماوردي. وقد مضى في «البقرة» ٱشتقاق الذرية والكلام فيها مستوفًى. و «الْمَشْحُون» المملوء الموقَر، و «الْفُلْك» يكون واحداً وجمعاً. وقد تقدّم في «يونس» القول فيه.

قوله تعالى: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } والأصل يركبونه فحذفت الهاء لطول الاسم وأنه رأس آية. وفي معناه ثلاثة أقوال: مذهب مجاهد وقتادة وجماعة من أهل التفسير، وروي عن ٱبن عباس أن معنى «مِنْ مِثْلِهِ» للإبل، خلقها لهم للركوب في البر مثل السفن المركوبة في البحر؛ والعرب تشبه الإبل بالسفن. قال طرفة:

كأنّ حُدُوجَ المالكيةِ غُدوةًخَلاَيَا سفِينٍ بالنواصِفِ مِن دَدِ

جمع خلّية وهي السفينة العظيمة. والقول الثاني أنه للإبل والدواب وكل ما يركب. والقول الثالث أنه للسفن؛ النحاس: وهو أصحها لأنه متصل الإسناد عن ٱبن عباس. {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } قال: خلق لهم سفناً أمثالها يركبون فيها. وقال أبو مالك: إنها السفن الصغار خلقها مثل السفن الكبار؛ وروي عن ٱبن عباس والحسن. وقال الضحاك وغيره: هي السفن المتخذة بعد سفينة نوح. قال الماورديّ: ويجيء على مقتضى تأويل علي رضي الله عنه في أن الذرّية في الفلك المشحون هي النطف في بطون النساء قول خامس في قوله: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } أن يكون تأويله النساء خلقن لركوب الأزواج لكن لم أره محكياً.

قوله تعالى: {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ} أي في البحر فترجع الكناية إلى أصحاب الذرية، أو إلى الجميع، وهذا يدلّ على صحة قول ابن عباس ومن قال: إن المراد «مِنْ مِثْلِهِ» السفن لا الإبل. {فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ} أي لا مغيث لهم رواه سعيد عن قتادة. وروى شيبان عنه: فلا منعة لهم ومعناهما متقاربان. و «صَرِيَخ» بمعنى مُصرِخ فعيل بمعنى فاعل. ويجوز {فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ}؛ لأن بعده ما لا يجوز فيه إلا الرفع؛ لأنه معرفة وهو {وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ} والنحويون يختارون لا رجل في الدار ولا زيد. ومعنى: «يُنْقَذُونَ» يخلصون من الغرق. وقيل: من العذاب. {إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا} قال الكسائي: هو نصب على الاستثناء. وقال الزجاج: نصب مفعولٍ من أجله؛ أي للرحمة {وَمَتَاعاً} معطوف عليه. {إِلَىٰ حِينٍ} إلى الموت؛ قاله قتادة. يحيى بن سّلام: إلى القيامة أي إلا أن نرحمهم ونمتعهم إلى آجالهم، وأن الله عجل عذاب الأمم السالفة، وأخّر عذاب أمة محمد صلى الله عليه وسلم وإن كذبوه إلى الموت والقيامة.

إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٍ ۝٤٤ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُوا۟ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ۝٤٥ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ۝٤٦ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٤٧ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٤٨ مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ۝٤٩ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَآ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ۝٥٠

قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ} قال قتادة: يعني «ٱتَّقُوا مَا بَيْن أَيْدِيكُمْ» أي من الوقائع فيمن كان قبلكم من الأمم، «وَمَا خَلْفَكُمْ» من الآخرة. ٱبن عباس وابن جُبير ومجاهد: «مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ» ما مضى من الذنوب، «وَمَا خَلْفَكُمْ» ما يأتي من الذنوب. الحسن: «مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ» ما مضى من أجَلِكُمْ «وَمَا خَلْفَكُمْ» ما بقي منه. وقيل: «مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ» من الدنيا، «وَمَا خَلْفَكُمْ» من عذاب الآخرة؛ قاله سفيان. وحكى عكس هذا القول الثعلبي عن ٱبن عباس. قال: «مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ» من أمر الآخرة وما عملوا لها، «وَمَا خَلْفَكُمْ» من أمر الدنيا فٱحذروها ولا تغتروا بها. وقيل: «مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ» ما ظهر لكم «وَمَا خَلْفَكُمْ» ما خفي عنكم. والجواب محذوف، والتقدير: إذا قيل لهم ذلك أعرضوا؛ دليله قوله بعد: {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} فٱكتفى بهذا عن ذلك.

قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ ٱلله} أي تصدّقوا على الفقراء. قال الحسن: يعني اليهود أمروا بإطعام الفقراء. وقيل: هم المشركون قال لهم فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أعطونا ما زعمتم من أموالكم أنها لله؛ وذلك قوله:

{ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً }[الأنعام: 136] فحرموهم وقالوا: لو شاء الله أطعمكم ـ ٱستهزاء ـ فلا نطعمكم حتى ترجعوا إلى ديننا. قالوا: {أَنُطْعِمُ} أي أنرزق {مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ} كان بلغهم من قول المسلمين: أن الرازق هو الله. فقالوا هزءا: أنرزق من لو يشاء الله أغناه. وعن ٱبن عباس: كان بمكة زنادقة، فإذا أمروا بالصدقة على المساكين قالوا: لا والله! أيفقره الله ونطعمه نحن. وكانوا يسمعون المؤمنين يعلقون أفعال الله تعالى بمشيئته فيقولون: لو شاء الله لأغنى فلاناً، ولو شاء الله لأعزَّ، ولو شاء الله لكان كذا. فأخرجوا هذا الجواب مخرج الاستهزاء بالمؤمنين، وبما كانوا يقولونه من تعليق الأمور بمشيئة الله تعالى. وقيل: قالوا هذا تعلقاً بقول المؤمنين لهم: {أَنفِقُواْ مِمَّا رزَقَكُمُ ٱلله} أي فإذا كان الله رزقنا فهو قادر على أن يرزقكم فلم تلتمسون الرزق منا؟. وكان هذا الاحتجاج باطلاً؛ لأن الله تعالى إذا ملّك عبداً مالاً ثم أوجب عليه فيه حقّاً فكأنه ٱنتزع ذلك القدر منه، فلا معنى للاعتراض. وقد صدقوا في قولهم: لو شاء الله أطعمهم ولكن كذبوا في الاحتجاج. ومثله قوله: { سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا }[الأنعام: 148]، وقوله: { قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ }[المنافقون: 1]. {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} قيل: هو من قول الكفار للمؤمنين؛ أي في سؤال المال وفي ٱتباعكم محمداً. قال معناه مقاتل وغيره. وقيل: هو من قول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لهم. وقيل: من قول الله تعالى للكفار حين ردّوا بهذا الجواب. وقيل: إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يطعم مساكين المسلمين فلقيه أبو جهل فقال: يا أبا بكر أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء؟ قال: نعم. قال: فما باله لم يطعمهم؟ قال: ٱبتلى قوماً بالفقر، وقوماً بالغنى، وأمر الفقراء بالصبر، وأمر الأغنياء بالإعطاء. فقال: والله يا أبا بكر ما أنت إلا في ضلال! أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء وهو لا يطعمهم ثم تطعمهم أنتٰ؟ فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى: { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰوَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ } [الليل: 5 ـ 6] الآيات. وقيل: نزلت الآية في قوم من الزنادقة، وقد كان فيهم أقوام يتزندقون فلا يؤمنون بالصانع، وٱستهزءوا بالمسلمين بهذا القول؛ ذكره القشيري والماوردي.

قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ} لما قيل لهم: «ٱتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ» قالوا: «مَتَى هَذاَ الْوَعْدُ» وكان هذا ٱستهزاء منهم أيضاً أي لا تحقيق لهذا الوعيد، قال الله تعالى: {مَا يَنظُرُونَ} أي ما ينتظرون {إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} وهي نفخة إسرافيل {تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} أي يختصمون في أمور دنياهم فيموتون في مكانهم؛ وهذه نفخة الصَّعْق. وفي «يَخِصِّمُون» خمس قراءات: قرأ أبو عمرو وٱبن كثير: «وَهُمْ يَخَصِّمُونَ» بفتح الياء والخاء وتشديد الصاد. وكذا روى وَرْش عن نافع. فأما أصحاب القراءات وأصحاب نافع سوى ورش فرووا عنه «يَخْصِّمُونَ» بإسكان الخاء وتشديد الصاد على الجمع بين ساكنين. وقرأ يحيى بن وثّاب والأعمش وحمزة: «وَهُمْ يَخْصِمُونَ» بإسكان الخاء وتخفيف الصاد من خصمه. وقرأ عاصم والكسائيّ «وَهُم يَخِصِّمُونَ» بكسر الخاء وتشديد الصاد، ومعناه يخصم بعضهم بعضاً. وقيل: تأخذهم وهم عند أنفسهم يختصمون في الحجة أنهم لا يبعثون. وقد روى ٱبن جبير عن أبي بكر عن عاصم، وحماد عن عاصم كسر الياء والخاء والتشديد. قال النحاس: القراءة الأولى أبينها، والأصل فيها يختصمون فأدغمت التاء في الصاد فنقلت حركتها إلى الخاء. وفي حرف أُبَيّ «وَهُمْ يَخْتَصِمُونَ» ـ وإسكان الخاء لا يجوز، لأنه جمع بين ساكنين وليس أحدهما حرف مدٍّ وَلِين. وقيل: أسكنوا الخاء على أصلها، والمعنى يخصم بعضهم بعضاً فحذف المضاف، وجاز أن يكون المعنى يخصمون مجادلَهم عند أنفسهم فحذف المفعول. قال الثعلبي: وهي قراءة أبيّ بن كعب. قال النحاس: فأما «يَخِصمُون» فالأصل فيه أيضاً يختصمون، فأدغمت التاء في الصاد ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين. وزعم الفرّاء أن هذه القراءة أجود وأكثر؛ فترك ما هو أولى من إلقاء حركة التاء على الخاء وٱجتلب لها حركة أخرى وجمع بين ياء وكسرة، وزعم أنه أجود وأكثر. وكيف يكون أكثر وبالفتح قراءة الخلق من أهل مكة وأهل البصرة وأهل المدينةٰ وما روي عن عاصم من كسر الياء والخاء فللإتباع. وقد مضى هذا في «البقرة» في {يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} وفي «يونس» {يَهْدِي}. وقال عِكرمة في قوله جل وعز: {إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} قال: هي النفخة الأولى في الصور. وقال أبو هريرة: يُنفخ في الصُّور والناس في أسواقهم: فمن حالبٍ لقحة، ومن ذارعٍ ثوباً، ومن مارّ في حاجة. وروى نعيم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه فلا يطويانه حتى تقوم الساعة، والرجل يَلِيط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم الساعة، والرجل يخفض ميزانه فما يرفعه حتى تقوم الساعة، والرجل يرفع أكلته إلى فيه فما يَتَبلَّعها حتى تقوم الساعة. وفي حديث عبد الله بن عمرو: «وأوّل من يسمعه رجل يَلُوط حوضَ إبله ـ قال ـ فيصعق ويصعق الناس» الحديث . {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً} أي لا يستطيع بعضهم أن يوصي بعضاً لما في يده من حق. وقيل: لا يستطيع أن يوصي بعضهم بعضاً بالتوبة والإقلاع؛ بل يموتون في أسواقهم ومواضعهم. {وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} إذا ماتوا. وقيل: إن معنى «وَلاَ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ» لا يرجعون إليهم قولاً. وقال قتادة: «وَلاَ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ» أي إلى منازلهم؛ لأنهم قد أعجلوا عن ذلك.

وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ۝٥١ قَالُوا۟ يَٰوَيْلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ ۝٥٢ إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ۝٥٣ فَٱلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْـًٔا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٥٤

قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} هذه النفخة الثانية للنشأة. وقد بيّنا في سورة «النمل» أنهما نفختان لا ثلاث. وهذه الآية دالة على ذلك. وروى المبارك بن فضالة عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

بين النفختين أربعون سنة: الأولى يميت الله بها كلّ حيّ، والأخرى يحيي الله بها كل ميّت. وقال قتادة: الصُّور جمع صُورَة؛ أي نفخ في الصور والأرواح. وصُورَة وصُور مثل سُورَة البناء وسُور؛ قال العَجَّاج:

ورُبَّ ذِي سُرَادِقٍ مَحْجُورِسِرْتُ إليهِ في أَعالِي السُّورِ

وقد روي عن أبي هريرة أنه قرأ: «وَنُفِخَ فيِ الصُّورِ». النحاس: والصحيح أن «الصور» بإسكان الواو: القَرْن؛ جاء بذلك التوقيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك معروف في كلام العرب. أنشد أهل اللغة:

نحنُ نَطَحْنَاهُمْ غَداةَ الْغُورَيْنبالضَّابِحاتِ في غُبَار النَّقْعَيْننَطْحًا شديداً لا كَنَطْحِ الصُّورَيْن

وقد مضى هذا في «الأنعام» مستوفًى. {فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ} أي القبور. وقرىء بالفاء «مِنَ الأَجْدَافِ» ذكره الزمخشري. يقال: جَدَثٌ وَجَدَفٌ. واللغة الفصيحة الجدث (بالثاء) والجمع أَجْدُث وأجداث؛ قال المتنخِّل الهذليّ:

عَرفتُ بأَجْدُثٍ فنِعافِ عِرْقٍعَلاَماتٍ كتَحبِير النِّمَاطِ

وٱجتدثَ: أي ٱتخذ جَدَثاً. {إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} أي يخرجون؛ قاله ٱبن عباس وقتادة. ومنه قول ٱمرىء القيس:

فَسُلِّي ثِيابي منْ ثِيَابِكِ تَنْسُليِ

ومنه قيل للولد نَسْل؛ لأنه يخرج من بطن أمه. وقيل: يسرعون. والنَّسَلان والعَسَلان: الإسراع في السير، ومنه مشية الذئب؛ قال:

عسَلانَ الذِّئْبِ أَمْسَى قَارِباًبَرَدَ الليلُ عليه فَنَسَلْ

يقال: عَسَل الذئبُ ونَسَل، يَعْسِل ويَنْسِل، من باب ضرب يضرب. ويقال: يَنسُل بالضم أيضاً. وهو الإسراع في المشي؛ فالمعنى يخرجون مسرعين. وفي التنزيل: { مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ }[لقمان: 28]، وقال: { يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ }[القمر: 7]، وفي { سَأَلَ سَآئِلٌ } [المعارج: 1]: { يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ } [المعارج: 43] أي يسرعون. وفي الخبر: شكونا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم الضعف فقال «عليكم بالنَّسْل» أي بالإسراع في المشي فإنه ينشط.

قوله تعالى: {قَالُواْ يٰوَيْلَنَا} قال ٱبن الأنباري: «يَاوَيْلَنَا» وقف حسن ثم تبتدىء {مَن بَعَثَنَا}. وروي عن بعض القراء «يَاوَيْلَنَا مِنْ بَعْثِنَا» بكسر مِنْ والثاء من البعث. روي ذلك عن عليّ رضي الله عنه؛ فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على قوله: {يٰوَيْلَنَا} حتى يقول {مِن مَّرْقَدِنَا}. وفي قراءة أبيّ بن كعب «مَنْ هَبَّنَا» بالوصل «مِنْ مَرْقَدِنَا» فهذا دليل على صحة مذهب العامة. قال المهدوي: قرأ ٱبن أبي ليلى: «قَالُوا يَاوَيْلَتَنَا» بزيادة تاء وهو تأنيث الويل، ومثله:

{ يٰوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ }[هود: 72]. وقرأ عليّ رضي الله عنه «يَاوَيْلَتَا مِنْ بَعثِنَا» فـ «ـمن» متعلقة بالويل أو حال من «ويلتا» فتتعلق بمحذوف؛ كأنه قال: يا ويلتا كائناً مِن بعثنا؛ وكما يجوز أن يكون خبراً عنه كذلك يجوز أن يكون حالاً منه. و «مِن» من قوله: {مِن مَّرْقَدِنَا} متعلقة بنفس البعث. ثم قيل: كيف قالوا هذا وهم من المعذبين في قبورهم؟ فالجواب أن أُبيّ بن كعب قال: ينامون نومة. وفي رواية فيقولون: ياويلتا من أَهَبَّنَا من مرقدنا. قال أبو بكر الأنباري: لا يحمل هذا الحديث على أن «أَهبَّنا» من لفظ القرآن كما قاله من طعن في القرآن، ولكنه تفسير «بَعَثَنَا» أو معبر عن بعض معانيه. قال أبو بكر: وكذا حفظته «مَن هَبَّنَا» بغير ألف في أهبنا مع تسكين نون مَن. والصواب فيه على طريق اللغة «مَنَ اهَبَنَا» بفتح النون على أن فتحة همزة أهب ألقيت على نون «من» وأسقطت الهمزة؛ كما قالت العرب: من اخبرك من اعلمك؟ وهم يريدون من أخبرك. ويقال: أهببتُ النائم فهبّ النائمُ. أنشدنا أحمد بن يحيى النحوي:

وعَاذِلَة هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُومُنيولم يَعتمرْني قبل ذاكَ عَذُول

وقال أبو صالح: إذا نفخ النفخة الأولى رفع العذاب عن أهل القبور وهجعوا هجعة إلى النفخة الثانية وبينهما أربعون سنة؛ فذلك قولهم: «مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا» وقاله ٱبن عباس وقتادة. وقال أهل المعاني: إن الكفار إذا عاينوا جهنم وما فيها من أنواع العذاب صار ما عذبوا به في قبورهم إلى جنب عذابها كالنوم. قال مجاهد: فقال لهم المؤمنون: {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ}. قال قتادة: فقال لهم من هدى الله {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ}. وقال الفراء: فقال لهم الملائكة: {هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ}. النحاس: وهذه الأقوال متفقة؛ لأن الملائكة من المؤمنين وممن هدى الله عز وجل. وعلى هذا يتأول قول الله عز وجل: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ } [البينة: 7] وكذا الحديث: المؤمن عند الله خير من كل ما خلق. ويجوز أن تكون الملائكة صلى الله عليهم وغيرهم من المؤمنين قالوا لهم: «هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ». وقيل: إن الكفار لما قال بعضهم لبعض: «مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنَا» صدّقوا الرسل لما عاينوا ما أخبروهم به، ثم قالوا: «هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ» فكذبنا به؛ أقروا حين لم ينفعهم الإقرار. وكان حفص يقف على «مِنْ مَرْقَدِنَا» ثم يبتدىء فيقول: «هَذَا». قال أبو بكر بن الأنباري: «مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا» وقف حسن؛ ثم تبتدىء: «هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ» ويجوز أن تقف على مرقدِنا هذا» فتخفض هذا على الإتباع للمرقد، وتبتدىء: «مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ» على معنى بَعْثكم ما وعد الرحمن؛ أي بَعْثكم وعد الرحمن. النحاس: التمام على «مِنْ مَرْقَدِنَا» و «هَذَا» في موضع رفع بالابتداء وخبره «مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ». ويجوز أن يكون في موضع خفض على النعت لـ «مَرْقَدِنَا» فيكون التمام «مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا». «مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ» في موضع رفع من ثلاث جهات. ذكر أبو إسحاق منها ٱثنتين قال: يكون بإضمار هذا. والجهة الثانية أن يكون بمعنى حق ما وعد الرحمن بعثكم. والجهة الثالثة أن يكون بمعنى بعثكم ما وعد الرحمن. {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} يعني إن بعثهم وإحياءهم كان بصيحة واحدة وهي قول إسرافيل: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، والشعور المتمزِّقة! إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وهذا معنى قوله الحق: { يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ }[قۤ: 42]. وقال: { مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ }[القمر: 8] على ما يأتي. وفي قراءة ٱبن مسعود إن صحّ عنه «إِنْ كَانَتْ إِلاَّ زَقْيَةً وَاحِدَةً» والزقية الصيحة؛ وقد تقدّم هذا. {فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} «فَإذَا هُمْ» مبتدأ وخبره «جَمِيعٌ» نكرة، و «مُحْضَرُونَ» من صفته. ومعنى «مُحْضَرُونَ» مجموعون أحضروا موقف الحساب؛ وهو كقوله: { وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ } [النحل: 77]. قوله تعالى: {فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} أي لا تنقص من ثواب عمل. {وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} «مَا» في محل نصب من وجهين: الأول أنه مفعول ثانٍ لما لم يسم فاعله. والثاني بنزع حرف الصفة؛ تقديره: إلا بما كنتم تعملون؛ أي تعملونه فحذف.

إِنَّ أَصْحَٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱلْيَوْمَ فِى شُغُلٍ فَٰكِهُونَ ۝٥٥ هُمْ وَأَزْوَٰجُهُمْ فِى ظِلَٰلٍ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ ۝٥٦ لَهُمْ فِيهَا فَٰكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ۝٥٧ سَلَٰمٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ ۝٥٨ وَٱمْتَٰزُوا۟ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ ۝٥٩

قوله تعالى: {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ } قال ٱبن مسعود وٱبن عباس وقتادة ومجاهد: شغلهم ٱفتضاض العَذَارى. وذكر الترمذيّ الحكيم في كتاب مشكل القرآن له: حدّثنا محمد بن حميد الرّازي، حدّثنا يعقوب القُمِّي، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود في قوله: {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ } قال: شغلهم ٱفتضاض العذارى. حدثنا محمد بن حميد، حدثنا هارون بن المغيرة، عن نهشل، عن الضحاك، عن ٱبن عباس بمثله. وقال أبو قِلابة: بينما الرجل من أهل الجنة مع أهله إذ قيل له تحوّل إلى أهلك فيقول أنا مع أهلي مشغول؛ فيقال تحوّل أيضاً إلى أهلك. وقيل: أصحاب الجنة في شغل بما هم فيه من اللذات والنعيم عن الاهتمام بأهل المعاصي ومصيرهم إلى النار، وما هم فيه من أليم العذاب، وإن كان فيهم أقرباؤهم وأهلوهم؛ قاله سعيد بن المسيّب وغيره. وقال وكيع: يعني في السماع. وقال ٱبن كيسان: «فِي شُغُلٍ» أي في زيارة بعضهم بعضاً. وقيل: في ضيافة الله تعالى. وروى أنه إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين عبادي الذين أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب؟ فيقومون كأنما وجوههم البدر والكوكب الدريّ، ركباناً على نجب من نور أزمتها من الياقوت، تطير بهم على رؤوس الخلائق، حتى يقوموا بين يدي العرش، فيقول الله جل وعز لهم: السلام على عبادي الذين أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب، أنا ٱصطفيتكم وأنا ٱجتبيتكم وأنا ٱخترتكم، ٱذهبوا فادخلوا الجنة بغير حساب فَـ {لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ }. فيمرون على الصراط كالبرق الخاطف فتفتح لهم أبوابها. ثم إن الخلق في المحشر موقوفون فيقول بعضهم لبعض: يا قوم أين فلان وفلانٰ؟ وذلك حين يسأل بعضهم بعضاً فينادي منادٍ {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ }. و «شُغُلٍ» و «شُغْلِ» لغتان قرىء بهما؛ مثل الرُّعُبِ والرعْبِ؛ والسحُت والسحْت؛ وقد تقدم. {فَاكِهُونَ} قال الحسن: مسرورون. وقال ٱبن عباس: فرحون. مجاهد والضحاك: معجبون. السّدّي: ناعمون. والمعنى متقارب. والفكاهة المزاح والكلام الطيّب. وقرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج: «فَكِهُونَ» بغير ألف وهما لغتان كالفارِه والفَره، والحاذَر والحَذِر؛ قاله الفراء. وقال الكسائي وأبو عبيدة: الفاكه ذو الفاكهة؛ مثل شاحم ولاحِم وتامِر ولابِن، والفَكِه: المتفكّه والمتّنعم. و «فَكِهُون» بغير ألف في قول قتادة: معجبون. وقال أبو زيد: يقال رجل فكِه إذا كان طيب النفس ضحوكاً. وقرأ طلحَة بن مُصرِّف: «فَاكِهِينَ» نصبه على الحال. {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ } مبتدأ وخبره. ويجوز أن يكون «هُمْ» توكيداً «وَأَزْوَاجُهُمْ» عطف على المضمر، و «مُتَّكِئُونَ» نعت لقوله «فَاكِهُونَ». وقراءة العامة: «فِي ظِلاَلٍ» بكسر الظاء والألف. وقرأ ٱبن مسعود وعبيد بن عمير والأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وخلف: «في ظُلَلٍ» بضم الظاء من غير ألف؛ فالظلال جمع ظِلّ، وظُلَل جمع ظُلّة. {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ} يعني السُّرر في الحجال واحدها أريكة؛ مثل سفينة وسفائن؛ قال الشاعر:

كأنّ أحمرارَ الوردِ فوق غُصُونِهبوقتِ الضحى في روضةِ المتضاحِك خُدُودُ عذارَى قد خَجِلن من الحَيَاتَهَادَيْنَ بالريحان فوق الأَراَئِكِ

وفي الخبر عن أبي سعيد الخدري قال النبي صلى الله عليه وسلم:إن أهل الجنة كلما جامعوا نساءهم عُدن أبكاراً. وقال ٱبن عباس: إنّ الرجل من أهل الجنة ليعانق الحوراء سبعين سنة، لا يملّها ولا تملّه، كلما أتاها وجدها بكراً، وكلما رجع إليها عادت إليه شهوته؛ فيجامعها بقوة سبعين رجلاً، لا يكون بينهما منيّ؛ يأتي من غير منيّ منه ولا منها. {لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ} ٱبتداء وخبر. {وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ} الدال الثانية مبدلة من تاء، لأنه يفتعلون من دعا أي من دعا بشيء أعطيه. قاله أبو عبيدة؛ فمعنى «يَدَّعُونَ» يتمنون من الدعاء. وقيل: المعنى أن من ٱدعى منهم شيئاً فهو له؛ لأن الله تعالى قد طبعهم على ألا يدّعي منهم أحد إلا ما يجمُل ويحسن أن يدّعيه. وقال يحيى بن سلام: «يَدَّعُونَ» يشتهون. ٱبن عباس: يسألون. والمعنى متقارب. قال ٱبن الأنباري: «وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ» وقف حسن، ثم تبتدىء: «سَلاَمٌ» على معنى ذلك لهم سلام. ويجوز أن يرفع السلام على معنى ولهم ما يدّعون مسلّم خالص. فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على «مَا يَدَّعُونَ». وقال الزجاج: «سلام» مرفوع على البدل من «ما» أي ولهم أن يسلّم الله عليهم، وهذا منَى أهلِ الجنة. وروي من حديث جرير بن عبد الله البَجَليّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الربّ تعالى قد ٱطلع عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة فذلك قوله: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ }. فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركاته عليهم في ديارهم ذكره الثعلبي والقشيري. ومعناه ثابت في صحيح مسلم، وقد بيّناه في «يونس» عند قوله تعالى: { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ }[يونس: 26]. ويجوز أن تكون «ما» نكرة، و «سَلاَمٌ» نعتاً لها؛ أي ولهم ما يدعون مسلّم. ويجوز أن تكون «ما» رفع بالابتداء، و «سلام» خبر عنها. وعلى هذه الوجوه لا يوقف على «وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ». وفي قراءة ٱبن مسعود «سلاماً» يكون مصدراً، وإن شئت في موضع الحال؛ أي ولهم ما يدعون ذا سلام أو سلامة أو مسلَّماً؛ فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على «يَدَّعُونَ». وقرأ محمد بن كعب القُرَظي «سِلمٌ» على الاستئناف كأنه قال: ذلك سلم لهم لا يتنازعون فيه، ويكون «وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ» تاماً. ويجوز أن يكون «سَلاَمٌ» بدلاً من قوله: {وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ}، وخبر «مَا يَدَّعُونَ» «لِهم». ويجوز أن يكون «سَلاَمٌ» خبراً آخر، ويكون معنى الكلام أنه لهم خالص من غير منازع فيه. {قَوْلاً} مصدر على معنى قال الله ذلك قولاً. أو بقوله قولاً، ودلّ على الفعل المحذوف لفظ مصدره. ويجوز أن يكون المعنى ولهم ما يدعون قولاً؛ أي عدة من الله. فعلى هذا المذهب الثاني لا يحسن الوقف على «يَدَّعُونَ». وقال السجستاني: الوقف على قوله «سَلاَمٌ» تام؛ وهذا خطأ لأن القول خارج مما قبله.

قوله تعالى: {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} ويقال تميّزوا وٱمّازوا وٱمتازوا بمعنى؛ ومزته فٱنماز وٱمتاز، وميّزته فتميّز. أي يقال لهم هذا عند الوقوف للسؤال حين يؤمر بأهل الجنة إلى الجنة؛ أي ٱخرجوا من جملتهم. قال قتادة: عزلوا عن كل خير. وقال الضحاك: يمتاز المجرمون بعضهم من بعض؛ فيمتاز اليهود فرقة، والنصارى فرقة، والمجوس فرقة، والصابئون فرقة، وعبدة الأوثان فرقة. وعنه أيضاً: إن لكل فرقة في النار بيتاً تدخل فيه ويردّ بابه؛ فتكون فيه أبداً لا تَرَى ولا تُرَى. وقال داود بن الجرّاح: فيمتاز المسلمون من المجرمين، إلا أصحاب الأهواء فيكونون مع المجرمين.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ