انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير البغويالآيات 143–169

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير البغوي.

وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَىٰنِى وَلَٰكِنِ ٱنظُرْ إِلَى ٱلْجَبَلِ فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوْفَ تَرَىٰنِى فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٤٣

قوله عزّ وجلّ: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَـٰتِنَا}، أي: للوقت الذي ضربنا له أن نكلمه فيه. قال أهل التفسير: إن موسى تطهَّر وطهَّر ثيابه لميعاد به فلما أتى طور سيناء. وفي القصة: إن الله عزّ وجلّ أنزل ظلمة على سبعة فراسخ وطرد عنه الشيطان وطرد عنه هوام الأرض ونحى عنه الملكين وكشط له السماء ورأى الملائكة قياماً في الهواء ورأى العرش بارزاً وكلمه الله وناجاه حتى أسمعه، وكان جبريل عليه السلام معه فلم يسمع ما كلّمه ربّه وأدناه حتى سمع صرير القلم فاستحلى موسى عليه السلام كلام ربه واشتاق إلى رؤيته، {قَالَ رَبِّ أَرِنِىۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}، قال الزجاج: فيه اختصار تقديره أرني نفسك أنظر إليك. قال ابن عباس: أعطني النظر إليك. فإن قيل: كيف سأل الرؤية وقد علم أن الله تعالى لا يُرى في الدنيا؟ قال الحسن: هاج به الشوق فسأل الرؤية. وقيل: سأل الرؤية ظناً منه أنه يجوز أن يُرى في الدنيا {قَالَ} الله تعالى: {لَن تَرَانِى}، وليس لبشر أن يطيق النظر [إلَيَّ في الدنيا من نظر إليّ] في الدنيا مات، فقال: إلهي سمعت كلامك فاشتقت إلى النظر إليك ولأن أنظر إليك ثم أموت أحبّ إليّ من أن أعيش ولا أراك، فقال الله عزّ وجلّ: {وَلَـٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ}، وهو أعظمَ جبل بمدين يقال له زبير.

قال السدي: لمّا كلم الله موسى غاص الخبيث إبليس في الأرض حتى خرج من بين قدمي موسى، فوسوس إليه وقال: إن يكلمك شيطان فعند ذلك سأل موسى الرؤية، فقال الله عزّ وجلّ: {لَن تَرَانِى}، وتعلقت نفاة الرؤية بظاهر هذه الآية، وقالوا: قال الله تعالى {لَن تَرَانِى}، ولن تكون للتأبيد، ولا حجّة لهم فيها، ومعنى الآية: لن تراني في الدنيا أو في الحال، لإنه كان يسأل الرؤية في الحال و"لن" لا تكون للتأبيد؛ كقوله تعالىٰ:

{ { وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً } } [البقرة: 95]، إخباراً عن اليهود، ثم أخبر عنهم أنهم يتمنّون الموت في الآخرة؛ كما قال الله تعالى: { يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } } [الزخرف: 77]، { { يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ } } [الحاقة: 27]، والدليل عليه أنه لم ينسبه إلى الجهل بسؤال الرؤية وأنه لم يقل إني لا أُرى حتى تكون لهم حجة بل علّق الرؤية على استقرار الجبل واستقرار الجبل عند التجلّي غير مستحيل إذا جعل الله تعالى له تلك القوّة، والمُعلَّق بما لا يستحيل لا يكون محالاً.

قال الله تعالى: {وَلَـٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى}، قال وهب وابن إسحاق: لما سأل موسى ربّه الرؤية أرسل الله الضباب والصواعق والظلمة والرعد والبرق وأحاط بالجبل الذي عليه موسى أربعة فراسخ من كل جانب، وأمر الله ملائكة السماء أن يعترضوا على موسى فمرّت به ملائكة السماء الدنيا كثيرَانِ البقر تنبع أفواههم بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد، ثم أمر الله ملائكة السماء الثانية أن اهبطوا على موسى فهبطوا عليه واعترضوا عليه أمثال الأسود لهم لجب بالتسبيح والتقديس، ففزع العبد الضعيف ابن عمران ممّا رأى وسمع واقشعرت كل شعرة في رأسه وجسده، ثم قال: لقد ندم على مسألتي فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه شيء؟ فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا موسى اصبِرْ لِما سألت، فقليلٌ من كثيرٍ ما رأيتَ.

ثم أمر الله ملائكة السماء الثالثة أنِ اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه، فهبطوا أمثال النسور لهم قصف ورجف ولجب شديد، وأفواههُمُ تنبع بالتسبيح والتقديس كجلب الجيش العظيم ألوانهم كلهب النار، ففزع موسى واشتد فزعه وأيِس من الحياة، فقال له خير الملائكة: مكانك يا بن عمران حتى ترى ما لا تصبر عليه، ثم أمر الله ملائكة السماء الرابعة أنِ اهبطوا فاعترضوا على موسى بن عمران، فهبطوا عليه لا يشبههم شيء من الذين مرّوا به قبلهم ألوانهم كلهب النار، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض أصواتهم عالية بالتقديس والتسبيح لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مرّوا به من قبلهم، فاصطكت ركبتاه وارتعد قلبه واشتد بكاؤه فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا بن عمران اصبِرْ لما سألت فقليلٌ من كثيرٍ ما رأيت.

ثم أمر الله ملائكة السماء الخامسة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى فهبطوا عليه لهم سبعة ألوان فلم يستطع موسى أن يتبعهم بصره، فلم يرَ مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم فامتلأ جوفه خوفاً واشتدّ حزنه وكثر بكاؤه، فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا بن عمران مكانك حتى ترى بعض ما لا تصبر عليه.

ثم أمر الله ملائكة السماء السادسة أنِ اهبطوا على عبدي الذي طلب يراني، فهبطوا عليه في يد كل مَلَكٍ منهم مثل النخلة الطويلة، نار أشدّ ضوءاً من الشمس، ولباسهم كلهب النار إذا سبحوا وقدّسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السموات، كلهم يقولون بشدّة أصواتهم: سُبُّوحٌ قُدّوسٌ، ربُّ العزّة أبداً لا يموت، وفي رأس كل ملك منهم أربعة أوجه، فلما رآهم موسى رفع صوته يسبح معهم حين سبحوا وهو يبكي ويقول: ربِّ اذكرني ولا تنسَ عبدك لا أدري أأنفلتُ ممّا أنا فيه أم لا؟ إنْ خرجتُ احترقتُ وإن مكثتُ مت، فقال له كبير الملائكة ورأسهم: قد أوشكت يا بن عمران أن يشتدَّ خوفُك وينخلع قلبك فاصبرْ للذي سألت.

ثم أمر الله تعالى أن يحمل عرشه ملائكة السماء السابعة فلمّا بدَا نورُ العرش انفرج الجبل من عظمة الرب جلّ جلاله، ورفعت ملائكة السموات أصواتهم جميعاً يقولون: سبحان الملك القدّوس ربِّ العزّة أبداً لا يموت بشدّة أصواتهم، فارتجّ الجبل واندكتّ كل شجرة كانت فيه وخرّ العبد الضعيف موسى صَعِقاً على وجهه ليس معه روحه، فأرسل الله برحمته الروح فتغشاه، وقلب عليه الحجر الذي كان موسى عليه وجعله كهيئة القبة لئلا يحترق موسى، فأقامه الروح مثل اللامة، فقام موسى يسبّح الله تعالى ويقول آمنتُ بكَ ربّي وصدقت أنه لا يراك أحد فيحيا، من نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه فما أعظمك وأعظم ملائكتك أنت ربّ الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك، ولا يَعْدِلُك شيء ولا يقوم لك شيء، ربِّ تبتُ إليك الحمد لك لا شريك لك ما أعظمك ما أجلّك رب العالمين، فذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا}، قال ابن عباس: ظهر نورُ ربِّه للجبل، جبل زبير. وقال الضحاك: أظهر الله من نور الحجب مثل منخر ثور. وقال عبدالله بن سلام وكعب الأحبار: ما تجلى من عظمة لله للجبل إلا مثل سم الخياط حتى صار دكاً. وقال السدي: ما تجلى إلاّ قدر الخنصر، يدلّ عليه ما روى ثابت عن أنس

أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال هكذاووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل ».

وحكي عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نوراً قدر الدرهم، فجعل الجبل دكاً. أي: مستوياً بالأرض. قرأ حمزة والكسائي (دكاء) ممدوداً غير منوّن ها هنا وفي سورة الكهف، وافق عاصم في الكهف، وقرأ الآخرون (دكا) مقصوراً منوّناً، فمن قَصَرَه فمعناه جعله مدقوقاً: والدك والدق واحد، وقيل: معناه دكه الله دكاً، أي: فَتَّقه كما قال:

{ { كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً } } [الفجر: 21]، ومن قرأ بالمدّ أي: جعله مستوياً أرضاً دكاء.

وقيل: معناه جعله مثل دكاء وهي الناقة التي لا سنام لها، قال ابن عباس: جعله تراباً. وقال سفيان: ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب فيه. وقال عطية العوفي: صار رملاً هائلاً. وقال الكلبي: جعله دكاً أي كسراً جبالاً صغاراً.

ووقع في بعض التفاسير: طارت لعظمته ستة أجبل وقعت ثلاثة بالمدينة: أحد وورقان ورضوي، ووقعت ثلاثة بمكة: ثور وثبير وحراء.

قوله عزّ وجلّ: {وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقًا}، قال ابن عباس والحسن: مغشيّاً عليه. وقال قتادة: ميّتاً. وقال الكلبي: خرّ موسى صعقاً يوم الخميس يوم عرفة وأعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر.

قال الواقدي: لمّا خرّ موسى صَعِقاً قالتْ ملائكة السموات: مَا لاِبْنِ عمران وسؤال الرؤية؟ وفي بعض الكتب: أن ملائكة السموات أتوا موسى وهو مغشي عليه فجعلوا يركلونه بأرجلهم ويقولون: يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية ربّ العزّة؟. {فَلَمَّآ أَفَاقَ}، موسى من صعقته وثاب إليه عقله وعرف أنه قد سأل أمراً لا ينبغي له، {قَالَ سُبْحَـٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ}، عن سؤال الرؤية {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، بأنّك لا تُرى في الدنيا. وقال مجاهد والسدي: وأنا أول من آمن بك من بني إسرائيل.

قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِى وَبِكَلَٰمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ۝١٤٤

{قَالَ يَٰمُوسَىٰ إِنْى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ}، أي: اخترتك على الناس، قرأ ابن كثير وأبو عمرو "إِني" بفتح الياء وكذلك

{ { أَخِي ٱشْدُدْ } } [طه: 30-31]، {بِرِسَالاَتِي} قرأ أهل الحجاز برسالتي على التوحيد، والآخرون بالجمع، {وَبِكَلَـٰمِي فَخُذْ مَآ ءاتَيْتُكَ}، أعطيتك، {وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ}، لله على نعمه.

فإن قيل: فما معنى قوله: "اصطفيتك على الناس برسالاتي"، وقد أعطى غيره الرسالةَ؟ قيل: لمّا لم تكن الرسالة على العموم في حق الناس كافة استقام قوله اصطفيتك على الناس وإن شاركه فيه غيره، كما يقول الرجل: خصصتك بمشورتي وإن شاور غيره إذا لم تكن المشورة على العموم يكون مستقيماً.

وفي بعض القصة: أن موسى كان بعدما كلمه ربه لا يستطيع أحد أن ينظر إليه لِمَا غُشي وجهه من النور، ولم يزل على وجهه برقع حتى مات. وقالت له امرأته: أنا أيم منك منذ كلمك ربك فكشف لها عن وجهه فأخذها مثل شعاع الشمس فوضعت يدها على وجهها وخرت لله ساجدة، وقالت: ادع الله أن يجعلني زوجتك في الجنة، قال: ذاك إن لم تتزوجي بعدي، فإن المرأة لآخر أزواجها.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبدالله محمد بن أحمد بن علي المزني أنا أبو العباس محمد بن أحمد بن إسحاق السراج حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا راشد بن أسعد عن عبد الرحمن المغافري عن أبيه عن كعب الأحبار أن موسى نظر في التوراة فقال: إني أجد أمة خير الأمم أخرجت للناس يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله وبالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال، ربِّ اجعلهم أمتي، قال: هي أمة محمد يا موسى، فقال: ربي إني أجد أمةً هم الحمادون رعاة الشمس المحكمون إذا أرادوا أمراً قالوا نفعل إن شاء الله فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة محمد، فقال: ربِّ إنّي أجد أمة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم، وكان الأولون يحرقون صدقاتهم بالنار، وهم المستجيبون والمستجاب لهم الشافعون المشفوع لهم فاجعلهم أمّتي، قال: هي أمّة محمد، فقال: يا ربِّ إنّي أجد أمة إذأ أشرف أحدهم على شرف كبّر الله فإذا هبط وادياً حمد الله، الصعيدُ لهم طهور والأرض لهم مسجد حيث ما كانوا، يتطهّرون من الجنابة بالصعيد طهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء، غرٌّ محجلون من آثار الوضوء فاجعلهم أمّتي، قال: هي أمة أحمد، فقال: يا ربِّ إنّي أجد أمة إذا همّ أحدهم بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة مثلها وإن عملها كتبت ضعف عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وإذا همّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه وإن عملها كُتبت له سيئة مثلها، فاجعلهم أمّتي، قال: هي أمّة أحمد، فقال: يا ربِّ إني أجد أمّة مَرْحُومةً ضعفاء يرثون الكتاب من الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات فلا أجد أحداً منهم إلاَّ مرحوماً فاجعلهم أمّتي، قال: هي أمة محمدٍِ، قال: يا ربِّ إني أجد أمة مصاحفهم في صدورهم يلبسون ألوان ثياب أهل الجنة يُصفون في صلاتهم صفوف الملائكة أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل لا يدخل النار أحد منهم أبداً إلاّ من يرى من الحسنات مثل ما يرى الحجر من ورق الشجر، فاجعلهم أمّتي، قال: هي أمّة أحمد، فلما عجب موسى من الخير الذي أعطى الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته قال: يا ليتني من أصحاب محمد أو أمته، فأوحى الله إليه ثلاث آيات يرضيه بهن: "يا موسى إني اصطفتيُك على الناس برسالاتي وبكلامي" إلى قوله: "سأريكم دار الفاسقين. ومن قَوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون"، فرضي موسى كلَّ الرّضا.

وَكَتَبْنَا لَهُۥ فِى ٱلْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا۟ بِأَحْسَنِهَا سَأُو۟رِيكُمْ دَارَ ٱلْفَٰسِقِينَ ۝١٤٥

قوله عزّ وجلّ: {وَكَتَبْنَا لَهُ}، يعني لموسى، {فِى ٱلأَلْوَاحِ}،

قال ابن عباس: يريد ألواح التوراة. وفي الحديث: «كانت من سدر الجنة طول اللوح اثنا عشر ذراعاً». وجاء في أحاديث:خلق الله آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده».

قال الحسن: كانت الألواح من خشب. قال الكلبي: كانت من زبرجدة خضراء. وقال سعيد بن جبير: كانت من ياقوت أحمر. وقال الربيع بن أنس: كانت الألواح من برد. وقال ابن جريج: كانت من زمرد، أمر الله جبريل حتى جاء بها من عدن، وكتبها بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور وقال وهب: أمر الله بقطع الألواح من صخرة صماء ليّنها الله له فقطعها بيده ثم شققها بإصبعه، وسمع موسى صرير القلم بالكلمات العشر وكان ذلك في أول يوم من ذي القعدة، وكانت الألواح عشرة أذرع على طول موسى. وقال مقاتل ووهب: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِى ٱلأَلْوَاحِ}، كنقش الخاتم. وقال الربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منه في سنة, لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى، ويوشع، وعزير، وعيسى.

وقال الحسن: هذه الآية في التوراة ألف آية، يعني "وكتبنا له فى الألواح"، {مِن كُلِّ شَىْءٍ}، مما أُمروا به ونُهوا عنه، {مَّوْعِظَةً} نهياً عن الجهل، وحقيقة الموعظة: التذكير والتحذير مما يخاف عاقبته، {وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَىْءٍ}، أي: تبييناً لكل شيء من الأمر والنهي، والحلال والحرام، والحدود والأحكام. {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ}، أي: بجد واجتهاد. وقيل: بقوة القلب وصحة العزيمة، لأنه إذا أخذه بضعف النيّة أدّاه إلى الفتور، {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا}، قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: يُحِلُّوا حلالها، ويُحرّموا حرامها ويتدَبَّروا أمثالها، ويعملوا بمُحْكَمِها، ويقفوا عند متشابهها. وكان موسى عليه السلام أشدَّ عبادة من قومه، فأُِمر بما لم يُؤمروا به.

قال قطرب: بأحسنها أي بحسنها، وكلها حسن. وقيل: أحسنها الفرائض والنوافل، وهي ما يستحق عليها الثواب وما دونها المباح، لأنه لا يستحق عليه الثواب. وقيل: بأحسنها، بأحسن الأمرين في كل شيء كالعفو أحسن من القصاص والصبر أحسن من الانتصار.

{سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ}، قال مجاهد: مصيرها في الآخرة، وقال الحسن وعطاء: يعني جهنم يحذركم أن تكونوا مثلهم. وقال قتادة وغيره: سأدخلكم الشأم فأريكم منازل القرون الماضية الذين خالفوا أمر الله لتعتبروا بها. وقال عطية العوفي: أراد دار فرعون وقومه وهي مصر، يدل عليه قراءة قسامة بن زهير: "سأورثكم دار الفاسقين". وقال السدي: دار الفاسقين مصارع الكفار. وقال الكلبي: ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والقرون الذين أُهلكوا.

سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَٰفِلِينَ ۝١٤٦ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلْـَٔاخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١٤٧

قوله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَـٰتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ}، قال ابن عباس: يريد الذين يتجبرون على عبادي ويحاربون أوليائي حتى لا يؤمنوا بي، يعني سأصرفهم عن قبول آياتي والتصديق بها عوقبوا بحرمان الهداية لعنادهم للحق؛ كقوله: {فلمّا زاغوا أزاغَ اللَّهُ قلوبَهم}.

قال سفيان بن عيينة: سأمنعهم فهم القرآن. قال ابن جريج: يعني عن خلق السموات والأرض وما فيها، أي سأصرفهم أن يتفكّروا فيها ويعتبروا بها. وقيل: حكم الآية لأهل مصر خاصة، وأراد بالآيات الآيات التسع التي أعطاها الله تعالى موسى عليه السلام. والأكثرون على أنّ الآية عامة {وَإِن يَرَوْاْ}، [يعني: هؤلاء المتكبّرين]، {كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ}، قرأ حمزة والكسائي "الرُّشَد" بفتح الراء والشين، والآخرون بضم الراء وسكون الشين وهما لغتان كالسُّقم والسَّقم والبُخل والبَخل والحُزن والحَزن.

وكان أبو عمر يفرِّق بينهما، فيقول: الرُّشد ـ بالضم ـ الصلاح في الأمر وبالفتح الاستقامة في الدين. معنى الآية: إن يروا طريق الهدى والسداد، {لاَ يَتَّخِذُوهُ} لأنفسهم {سَبِيلاً}، {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ}، أي: طريق الضلال {يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ}، عن التفكير فيها والاتعاظ بها غافلين ساهين.

{وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ} أي: ولقاء الدار الآخرة التي هي موعد الثواب والعقاب، {حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ}، بطلت وصارت كأن لم تكن، {هَلْ يُجْزَوْنَ} في العقبى {إِلاَّ مَا كَانُواْ}، أي: إلا جزاء ما كانوا {يَعْمَلُونَ} في الدنيا.

وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُۥ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُوا۟ ظَٰلِمِينَ ۝١٤٨ وَلَمَّا سُقِطَ فِىٓ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا۟ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا۟ قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝١٤٩

قوله عزّ وجلّ: {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ}، أي: من بعد انطلاقه إلى الجبل {مِنْ حُلِيِّهِمْ} التي استعاروها من قوم فرعون. قرأ حمزة والكسائي {مِنْ حُلِيِّهِمْ} بكسر الحاء وقرأ يعقوب بفتح الحاء وسكون اللام، اتّخذ السامريّ منها {عِجْلاً}، وألقى في فمه من تراب أثر فرس جبريل عليه السلام فتحول عجلاً، {جَسَداً}، حياً لحماً ودماً {لَّهُ خُوَارٌ}، وهو صوت البقر، وهذا قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، وجماعة أهل التفسير.

وقيل: كان جسداً مجسداً من ذهب لا روح فيه، كان يسمع منه صوت.

وقيل: كان يسمع صوت حفيف الريح يدخل في جوفه ويخرج. والأول أصح.

وقيل: إنه ما خار إلا مرة واحدة. وقيل: إنه كان يخور كثيراً كلما خار سجدوا له وإذا سكت رفعوا رؤوسهم. وقال وهب: كان يسمع منه الخوار وهو لا يتحرك.

وقال السدي: كان يخور ويمشي، {أَلَمْ يَرَوْاْ}، يعني: الذين عبدوا العجل {أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً}. قال الله عزّ وجلّ: {ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَـٰلِمِينَ}، أي: اتخذوه إلهاً وكانوا كافرين.

{وَلَمّا سُقِطَ فِي أيْدِيهِمْ}، أي: ندموا على عبادة العجل، تقول العرب لكل نادم على أمر: قد سقط في يديه، {وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا}، يَتُبْ علينا ربُّنا، {وَيَغْفِرْ لَنَا}، يتجاوز عنا، {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ}، قرأ حمزة والكسائي: "ترحمنا وتغفر لنا" بالتاء فيهما، "رَبَّنَا" بنصب الباء. وكان هذا الندم والاستغفار منهم بعد رجوع موسى إليهم.

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَٰنَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِنۢ بَعْدِىٓ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى ٱلْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيْهِ قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا۟ يَقْتُلُونَنِى فَلَا تُشْمِتْ بِىَ ٱلْأَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٥٠ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ۝١٥١

قوله عزّ وجلّ: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَـٰنَ أَسِفًا}، قال أبو الدرداء الأَسف: شديد الغضب. وقال ابن عباس والسدي: أسفاً أي حزيناً. والأسف أشد الحزن. {قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِن بَعْدِىۤ}، أي: بئس ما عملتم بعد ذهابي، يقال: خلفه بخير أو بشرٍّ إذا أولاه في أهله بعد شخوصه عنهم خيراً أو شراً، {أَعَجِلْتُمْ}، أسبقتم {أَمْرَ رَبِّكُمْ}، قال الحسن: وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين ليلة. وقال الكلبي: أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمرُ ربكم. {وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ}، التي فيها التوراة وكان حاملاً لها، فألقاها على الأرض من شدة الغضب.

قالت الرواة: كانت التوراة سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح تكسَّرت فرفعت ستة أسباعها وبقي سبع، فرفع ما كان من أخبار الغيب، وبقي ما فيه الموعظة والأحكام والحلال والحرام، {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ}، بذوائبه ولحيته {يَجُرُّهُ إِلَيْهِ}، وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين وأحبَّ إلى بني إسرائيل من موسى، لأنه كان ليَّن الغضب. {قَالَ} هارون عند ذلك، {ٱبْنَ أُمَّ}، قرأ أهل الكوفة والشام ها هنا وفي طه بكسر الميم، يريد: يا ابن أمي، فحذف ياء الإضافة وأبقيت الكسرة لتدل على الإضافة كقوله: "يا عبادِ" وقرأ أهل الحجاز والبصرة وحفص: بفتح الميم على معنى يا ابن أماه. وقيل: جعله اسماً واحداً وبناه على الفتح، كقولهم: حضرموت، وخمسة عشر، ونحوهما، وإنما قال ابنَ أُمَّ وكان هارون أخاه لأبيه وأمه ليرققه ويستعطفه.

وقيل: كان أخاه لأمه دون أبيه، {إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى}، يعني: عَبَدَةَ العجل، {وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِى}، هَمَّوا وقاربوا أن يقتلوني، {فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ ٱلأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِى}، في مؤاخذتك عليّ {مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ}، يعني: عبدة العجل.

{قَالَ} موسى لما تبين له عذر أخيه، {رَبِّ ٱغْفِرْ لِى}، ما صنعت إلى أخي، {وَلأَخِى}، إن كان منه تقصير في الإنكار على عبدة العجل، {وَأَدْخِلْنَا} جميعاً {فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَٰحِمِينَ}.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ ۝١٥٢ وَٱلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِهَا وَءَامَنُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝١٥٣ وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ أَخَذَ ٱلْأَلْوَاحَ وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ۝١٥٤

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ}، أي: اتخذوه إلهاً {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ}، في الآخرة {وَذِلَّةٌ فِى ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا}، قال أبو العالية: هو ما أمروا به من قتل أنفسهم. وقال عطية العوفي: "إن الذين اتخذوا العجل"، أراد اليهودَ الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم عيّرهم بصنيع آبائهم فنسبه إليهم، {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِى ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا}، أراد ما أصاب بني قريظة والنضير من القتل والجلاء.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو الجزية، {وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ}، الكاذبين، قال أبو قلابة: هو ـ والله ـ جزاء كل مفترٍ إلى يوم القيامة أن يذلّه الله. قال سفيان بن عيينة: هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة.

قوله عزّ وجلّ: {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَءَامَنُوۤاْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

قوله تبارك وتعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ} أي: سكن، {عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ}، التي كان ألقاها وقد ذهبت ستة أسباعها {وَفِى نُسْخَتِهَا}، اختلفوا فيه، قيل: أراد بها الألواح لأنها نسخت من اللوح المحفوظ.

وقيل: إن موسى لمّا ألقى الألواح تكسرت فنسخ نسخة أخرى فهو المراد من قوله: {وَفِى نُسْخَتِهَا}.

وقيل: أراد فيما نسخ منها. وقال عطاء: فيما بقي منها. وقال ابن عباس وعمر بن دينار: لما ألقى موسى الألواح فتكسّرت صام أربعين يوماً فردت عليه في لوحين فكان فيه، {هُدًى وَرَحْمَةً}، أي: هدى من الضلالة ورحمة من العذاب، {لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ}، أي: للخائفين من ربهم، واللام في {لِرَبِّهِمْ} زيادة للتوكيد؛ كقوله:

{ { رَدِفَ لَكُم } } [النمل: 72]، وقال الكسائي: لما تقدمتْ قبل الفعل حَسُنَتْ، كقوله: { { لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } } [يوسف: 43]، وقال قطرب: أراد من ربهم يرهبون. وقيل: أراد راهبون. وقيل: أراد راهبون لربهم.

وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُۥ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَٰتِنَا فَلَمَّآ أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّٰىَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَٰفِرِينَ ۝١٥٥

قوله تعالى: {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ}، أي من قومه، فانتصب لنزع حرف الصفة، {سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَـٰتِنَا} فيه دليل على أن كلهم لم يعبدوا العجل. قال السدي: أمر الله تعالى موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً، {فَلَمَّآ} أتوا ذلك المكان قالوا: لن نؤمنَ لك حتى نرى الله جهرة فأخَذَتْهُم الصاعقةُ فماتُوا.

وقال ابن إسحاق: اختارهم ليتوبوا إليه مما صنعوا ويسألوا التوبة على مَنْ تركوا وراءهم من قومهم، فهذا يدل على أن كلهم عبدوا العجل.

قال قتادة وابن جريج, ومحمد بن كعب: {أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ}، لأنهم لم يُزايلوا قومهم حين عبدوا العجل، ولم يأمروهم بالمعروف ولم ينهوهم عن المنكر.

وقال ابن عباس: إن السبعين الذين قالوا:

{ { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ } } [البقرة: 55]، كانوا قبل السبعين الذين أخذتهم الرجفة، وإنما أمر الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام أن يختار من قومه سبعين رجلاً، فاختارهم وبرز بهم ليدعوا ربهم، فكانوا فيما دعوا أن قالوا: اللّهمّ أعطنا ما لم تعطه أحداً قبلنا، ولا تعطه أحداً بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم، فأخذتهم الرجفة.

وقال وهب: لم تكن الرجفة صوتاً، ولكنَّ القوم لمّا رأوا تلك الهيبة أخذتهم الرعدة وقلقوا ورجفوا، حتى كادت أن تَبِيْنَ منهم مفاصلُهم، فلما رأى ذلك موسى رحمهم وخاف عليهم الموت، فاشَتدَّ عليه فَقْدُهُم، وكانوا له وزراء على الخير، سامعين مطيعين، فعند ذلك دعا وبكى وناشد ربّه، فكشف الله عنهم تلك الرجفة، فاطمأنوا وسمعوا كلام ربهم، فذلك قوله عزّ وجلّ: {قَالَ}، يعني موسى {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ}، يعني: عند عبادة العجل، {وَإِيَّـٰىَ}، بقتل القبطي، {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ}، يعني: عَبَدَةَ العجل، وظنّ موسى أنهم عُوقبوا باتخاذ العجل، وقال: هذا على طريق السؤال، يسأل: أتهلكنا بفعل السفهاء.

وقال المبرِّد: قوله "أتهلكنا بما فعل السفهاءُ منّا"، استفهام استعطاف، أي: لا تهلكنا، وقد علم موسى عليه السلام أن الله تعالى أعدلُ من أن يأخذ بجريرة الجاني غيره.

قوله تعالى: {إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ}، أي: التي وقع فيها السفهاء، لم تكن إلا اختبارك وابتلاءك، أضللت بها قوماً فافتتنوا، وهديت قوماً فعصمتَهم حتى ثبتوا على دينك، فذلك هو معنى قوله: {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ أَنتَ وَلِيُّنَا}، ناصرنا وحافظنا، {فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَـٰفِرِينَ}.

وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤْمِنُونَ ۝١٥٦ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلْأَغْلَٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلنُّورَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝١٥٧

{وَٱكْتُبْ لَنَا} أوجب لنا {فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً}، النعمة والعافية، {وَفِي ٱلأَخِرَةِ}، أي: المغفرة والجنّة، {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ}، أي: تبنا إليك، {قَالَ} الله تعالى: {عَذَابِىۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ}، من خلقي، {وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}، عمَّتْ كلَّ شيء، قال الحسن وقتادة: وسعت رحمته في الدنيا البرَّ والفاجر، وهي يوم القيامة للمتقين خاصة. قال عطية العوفي: وسعت كل شيء ولكن لا تجب إلا للذين يتقون، وذلك أن الكافر يرزق، ويدفع عنهم بالمؤمنين لسعة رحمة الله للمؤمنين، فيعيش فيها، فإذا صار إلى الآخرة وجبت للمؤمنين خاصة، كالمستضيء بنار غيره إذا ذهب صاحب السراج بسراجه.

قال ابن عباس - رضي الله عنهما - وقتادة، وابن جريج: لمّا نزلت: "ورحمتي وَسِعَتْ كلَّ شيء"، قال إبليس: أنا من ذلك الشيء، فقال الله سبحانه وتعالى: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـآيَـٰتِنَا يُؤْمِنُونَ} فتمنّاها اليهود والنصارى، وقالوا: نحن نتقي ونؤمن، ونؤتي الزكاة، فجعلها الله لهذه الأمة فقال:

{ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلأُمِّىَّ} الآية. قال نوف البِكَالي الحميري: لما اختار موسى سبعين رجلاً، قال الله تعالى لموسى: أجعلُ لكم الأرض مسجداً وطهوراً، تصلون حيث أدركتكم الصلاة إلا عند مرحاض أو حمام أو قبر، وأجعل السكينة في قلوبكم، وأجعلكم تقرؤون التوراة عن ظهر قلوبكم، يقرؤها الرجل والمرأة، والحرّ والعبد، والصغير والكبير، فقال ذلك موسى لقومه، فقالوا: لا نريد أن نصلي إلاّ في الكنائس، ولا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهور قلوبنا، ولا نريد أن نقرأها إلا نظراً، فقال الله تعالى: {فسأكتُبها للذين يتّقُون ويُؤتون الزكاة} إلى قوله: {أولئك هم المفلحون}، فجعلها الله لهذه الأمة. فقال موسى عليه السلام: يا ربّ اجعلني نبيِّهم، فقال: نبيهم منهم. قال: ربّ اجعلني منهم، فقال: إنك لن تدركهم، فقال موسى عليه السلام: يا رب إني أتيتك بوفد بني إسرائيل فجعلت وفادتنا لغيرنا، فأنزل الله تعالى:

{ { وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } } [الأعراف: 159]، فرضي موسى.

قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلأُمِّىَّ}، وهو محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس رضي الله عنهما هو نبيكم كان أمياً لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

إنّا أُمّة أُمّيّة لا نكتب ولا نحسب ». وهو منسوب إلى الأم، أي هو على ما ولدته أمه. وقيل: هو منسوب إلى أمته، أصله أُمَّتِي، فسقطت التاء في النسبة كما سقطت في المكي والمدني وقيل: هو منسوب إلى أم القرى وهي مكة.

{ٱلَّذِى يَجِدُونَهُ}، أي: يجدون صفته ونعته ونبوّته، {مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ}.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن سنان حدثنا فليح حدثنا هلال عن عطاء بن يسار قال لقيت عبدالله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، قال: أجلْ، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيّها النبيّ إنّا أرسلناك شاهداً ومبشّراً ونذيراً، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكل، ليس بفظ ولا سَخَّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم له الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلاّ الله، ويفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صُمّاً وقلوباً غُلْفاً.

تابعه عبدالعزيز بن أبي سلمة، عن هلال عن عطاء عن ابن سلام. أخبرنا الإمام الحسين بن محمد القاضي أنا أبو العباس عبدالله بن محمد بن هارون الطيسفوني أنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي أنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو بن بسطام أنا أبو الحسن أحمد بن سيار القرشي حدثنا عبدالله بن عثمان عن أبي حمزة عن الأعمش عن أبي صالح عن عبدالله بن ضمرة: عن كعب - رضي الله عنه - قال: إني أجد في التوراة مكتوباً محمد رسول الله لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، أمته الحمادون يحمدون الله في كل منزل ويكبّرونه على كل نجد، يأتزرون على أنصافهم ويُوضِّؤون أطرافهم، صفهم في الصلاة وصفهم في القتال سواء، مناديهم ينادي في جوِّ السماء، لهم في جوف الليل دويّ كدوي النحل، مولده بمكة ومهاجره بطابة وملكه بالشام.

قوله تعالى: {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ}، أي: الإيمان، {وَيَنْهَـٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ}، أي: عن الشرك، وقيل: المعروف الشريعة والسنة، والمنكر مالا يعرف في شريعة ولا سنة. وقال عطاء: يأمرهم بالمعروف، بخلع الأنداد، ومكارم الأخلاق، وصلة الأرحام، وينهاهم عن المنكر: عن عبادة الأوثان وقطع الأرحام، {وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ}، يعني: ما كانوا يحرمونه في الجاهلية من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـٰئِثَ}، يعني: الميتة والدم، ولحم الخنزير، والزنا وغيرها من المحرمات، {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ}، قرأ ابن عامر "آصارهم" بالجمع، والإصر: كل ما يثقل على الإنسان من قول أو فعل.

قال ابن عباس والحسن والضحاك والسدي ومجاهد: يعني العهد الثقيل كان أُخذ على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة.

وقال قتادة: يعني التشديد الذي كان عليهم في الدين. {وَٱلأَغْلَـٰلَ}، يعني: الأثقال {ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ}، وذلك مثل: قتل النفس في التوبة، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض النجاسة عن الثوب بالمقراض، وتعيين القصاص في القتل وتحريم أخذ الدية، وترك العمل في السبت، وأن صلاتهم لا تجوز إلاّ في الكنائس وغير ذلك من التشديد، وشُبِّهَتْ بالأغلال التي تجمع اليد إلى العنق. {فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ}، أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم، {وَعَزَّرُوهُ}، وقّروه، {وَنَصَرُوهُ}، على الأعداء، {وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِىۤ أُنزِلَ مَعَهُ}، يعني: القرآن، {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}.

قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ۝١٥٨ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ ۝١٥٩

قوله تعالى: {قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ فَـآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِ} أي: آياته وهي القرآن. وقال مجاهد والسدي: يعني عيسى ابن مريم. ويقرأ "كلمته" {وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.

قوله عزّ وجلّ: {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ}، يعني: من بني إسرائيل {أُمَّةٌ}، أي: جماعة، {يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ}، أي: يرشدون ويدعون إلى الحق. وقيل: معناه يهتدون ويستقيمون عليه، {وَبِهِ يَعْدِلُونَ}، أي: بالحق يحكمون وبالعدل يقومون.

قال الكلبي والضحاك والربيع: هم قوم خلف الصين، بأقصى الشرق على نهر [يجرى الرمل] يسمّى نهر أوداف، ليس لأحد منهم مال دون صاحبه، يمطرون بالليل ويصحون بالنهار، ويزرعون لا يصل إليهم منا أحدٌ، وهم على الحق.

وذُكر: أن جبرائيل عليه السلام ذهب بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة أُسري به، فكلمهم [فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا، فقال لهم: هذا محمد النبي الأمي فآمنوا به]، فقالوا: يا رسول الله إن موسى عليه السلام أوصانا أن من أدرك منكم أحمد فليقرأ عليه منَّا السلام، فردّ النبي صلى الله عليه وسلم على موسى وعليهم، ثم أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة وأمرهم بالصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم، وكانوا يسبتون، فأمرهم أن يجمِّعوا ويتركوا السبت.

وقيل: هم الذين أسلموا من اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، والأول أصح.

وَقَطَّعْنَٰهُمُ ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسْتَسْقَىٰهُ قَوْمُهُۥٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنۢبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَٰمَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝١٦٠ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُوا۟ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا۟ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيٓـَٰٔتِكُمْ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝١٦١ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ ۝١٦٢

قوله عزّ وجلّ: {وَقَطَّعْنَـٰهُمُ} أي: فرّقناهم، يعني بني إسرائيل، {ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًاً أُمَمًا}.

قال الفراء: إنّما قال: "اثنتي عشرة"، والسبط مذكَّر لأنه قال: "أُمماً"، فرجع التأنيث إلى الأمم، وقال الزجاج: المعنى وقطعناهم اثنتا عشرة فرقة أمماً، وإنما قال: "أسباطاً أمماً"، بالجمع وما فوق العشرة لا يفسر بالجمع، فلا يقال: أتاني اثنا عشرة رجالاً، لأن الأسباط في الحقيقة نعت المفسر المحذوف وهو الفرقة، أي: وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة أمما.

وقيل: فيه تقديم وتأخير: تقديره: وقطعناهم أسباطاً أمما اثنتي عشرة، والأسباط القبائل واحدها سبط.

قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَـٰهُ قَوْمُهُ}، في التّيهِ، {أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنبَجَسَتْ}، انفجرت. وقال أبو عمرو بن العلاء: عرقت وهو الانبجاس، ثم انفجرت، {مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا}، لكل سبط عين، {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ}، كل سبط، {مَّشْرَبَهُمْ}، وكل سبط بنو أب واحد.

قوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَـٰمَ}، في التّيه تقيهم حَرّ الشمس، {وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.

{وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ}، قرأ أهل المدينة وابن عامر ويعقوب: "تُغْفَر" بالتاء وضمّها وفتح الفاء. وقرأ الآخرون بالنون وفتحها وكسر الفاء، {خَطِيۤئَـٰتِكُمْ}، قرأ ابن عامر "خطيئتكم" على التوحيد ورفع التاء، [وقرأ أبو عمرو: "خطاياكم" وقرأ أهل المدينة ويعقوب: "خطيئاتُكم" بالجمع ورفع التاء]. وقرأ الآخرون بالجمع وكسر التاء بالجمع. {سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ}.

{فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا}، عذاباً {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ}.

وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ۝١٦٣

قوله تعالىٰ: {وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ} قيل: هي "مدين" [أي: سلْ يا محمد هؤلاء اليهود الذين هم جيرانك، سؤال توبيخ وتقريع عن القرية التي كانت حاضرة البحر] أي: بقربه. قال ابن عباس: هي قرية يقال لها "إيلة" بين "مدين" و"الطور" على شاطىء البحر. وقال الزهري: هي "طبرية الشام". {إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ}، أي: يظلمون فيه ويجاوزون أمر الله تعالى بصيد السمك، {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا}، أي: ظاهرة على الماء كثيرة، جمع شارع. وقال الضحاك: متتابعة.

وفي القصة: أنها كانت تأتيهم يوم السبت مثل الكباش السمان البيض.

{وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ}، كإتيانهم يوم السبت، قرأ الحسن: "لا يُسبتون" بضم الياء، أي: لا يدخلون في السبت، والقراءة المعروفة بنصب الياء، ومعناه: لا يعظّمون السبت، {كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم}، نختبرهم، {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}، فوسوس إليهم الشيطان وقال: إن الله لم ينهكم عن الاصطياد إنما نهاكم عن الأكل، فاصطادوا. وقيل: وسوس إليهم أنكم إنما نُهيتم عن الأخذ، فاتّخذوا حياضاً على شاطىء البحر، تسوقون الحيتان إليها يوم السبت، ثم تأخذونها يوم الأحد، ففعلوا ذلك زماناً ثم تجرّؤوا على السبت، وقالوا: ما نرى السبت إلا قد أُحلّ لنا، فأخذوا وأكلوا وباعوا، فصار أهل القرية أثلاثاً، وكانوا نحواً من سبعين ألفاً، ثلث نهوا، وثلث لم ينهوا وسكتوا وقالوا: لِمَ تعظون قوماً اللَّهُ مُهلكهم؟ وثلث هم أصحاب الخطيئة، فلما لم ينتهوا قال الناهون: لا نُساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب، ولعنهم داود عليه السلام، فأصبح الناهون ذات يوم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إنّ لهم لشأناً لعلّ الخمر غلبتهم فعَلَوا على الجدار، فإذا هم قردة، فعرفت القردة أنسابها من الإنس ولم تعرف الإنس أنسابها من القرود، فجعلت القرود يأتيها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي، فيقول: ألم ننهكم فتقول برأسها نعم، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم.

وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا۟ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ۝١٦٤ فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦٓ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ بِعَذَابٍۭ بَـِٔيسٍۭ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ۝١٦٥

قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ}، اختلفوا في الذين قالوا هذا، قيل: كانوا من الفرقة الهالكة، وذلك أنهم لما قيل لهم انتهوا عن هذا العمل السيّء، قبل أن ينزل بكم العذاب وإنّا نعلم أن الله منزل بكم بأسه إن لم تنتهوا أجابوا وقالوا: (لِمَ تَعظون قوماً الله مهلكهم)، {أو} علمتم أنه {مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ}، أي: قال الناهون {مَعْذِرَةً}، أي: موعظتنا معذرة {إِلَىٰ رَبِّكُمْ}، وقرأ حفص: "معذرة" بالنصب، أي: نفعل ذلك معذرة إلى ربكم. والأصح أنها من قول الفرقة الساكتة، قالوا: لِمَ تعظون قوماً الله مهلكهم، قالوا: معذرة إلى ربكم، ومعناه: أن الأمر بالمعروف واجب علينا فعلينا موعظة هؤلاء عذراً إلى الله، {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}، أي: يتقوا الله ويتركوا المعصية، ولو كان الخطاب مع المعتدين لكان يقول ولعلّكم تتقون.

{فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} أي: تركوا ما وعِظوا به، {أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}، يعني: الفرقة العاصية، {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ}، أي: شديد وجيع، من البأس وهو الشدّة.

واختلف القراء، فيه، قرأ أهل المدينة وابن عامر "بئيس" بكسر الباء على وزنِ فعل، إلا أن ابن عامر يهمزه، وأبو جعفر ونافع لا يهمزان، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة على وزن فيعل مثل صيقل، وقرأ الآخرون على وزن فعيل مثل بعير وصغير.

{بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أسمع الله يقول: "أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس"، فلا أدري ما فعل بالفرقة الساكتة؟ قال عكرمة: قلت له جعلني الله فداك ألاَ تراهم قد أنكروا وكرهوا ما هم عليه، وقالوا: لِمَ تعظون قوماً الله مهلكهم؟ وإن لم يقل الله أنجيتهم فلم يقل: أهلكتهم، فأعجبه قولي، فَرَضِيَ وأمر لي بِبُرْدَيْن فكسانيهما.

وقال يمان بن رباب: نجت الطائفتان الذين قالوا لِمَ تَعظون قوماً والذينَ قالوا معذرةً إلى ربكم، وأهلك الله الذين أخذوا الحيتان، وهذا قول الحسن.

وقال ابن زيد: نَجَتِ الناهية، وهلكت الفرقتان، وهذه أشَدُّ آية في ترك النهي عن المنكر.

فَلَمَّا عَتَوْا۟ عَن مَّا نُهُوا۟ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ۝١٦٦ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝١٦٧

قوله تعالى: {فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ}، قال ابن عباس: أبوا أن يرجعوا عن المعصية {قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ}، مبعدين فمكثوا ثلاثة أيام ينظر الناس إليهم، ثم هلكوا.

{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ}، أي: آذن وأعلم ربك، يقال: تأذن وآذن، مثل توعد وأوعد. وقال ابن عباس: تأذّن ربك قال ربك. وقال مجاهد: أمر ربّك. وقال عطاء: حكم ربّك. {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ}، أي: على اليهود، {مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ}، بعث الله عليهم محمداً صلى الله عليه وسلم وأمّته يقاتلونهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

وَقَطَّعْنَٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ وَبَلَوْنَٰهُم بِٱلْحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝١٦٨ فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُۥ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ وَدَرَسُوا۟ مَا فِيهِ وَٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝١٦٩

{وَقَطَّعْنَـٰهُم} وفََرَّقْناهم {فِي ٱلأَرْضِ أُمَمًا}، فرقاً فرقهم الله فتشتت أمرهم ولم تجتمع لهم كلمة، {مِّنْهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ}، قال ابن عباس ومجاهد: يريد الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا به، {وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ}، يعني الذين بقوا على الكفر.

وقال الكلبي: منهم الصالحون هم الذين وراء نهر أوداف من وراء الصين، ومنهم دُون ذلك، يعني: من هاهنا من اليهود، {وَبَلَوْنَـٰهُمْ بِٱلْحَسَنَـٰتِ}، بالخصب والعافية، {وَٱلسَّيِّئَاتِ}، الجدب والشدة، {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، لكي يرجعوا إلى طاعة ربهم ويتوبوا.

قوله عزّ وجلّ: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ}، أي: جاء من بعد هؤلاء الذين وصفناهم {خَلْفٌ}، والخلف: القرن الذي يجيء بعد قرن. قال أبو حاتم: الخلف بسكون اللام الأولاد، الواحد والجمع فيه سواء، والخلَف بفتح اللام: البدل سواء كان ولداً أو غريباً.

وقال ابن الأعرابي: الخلَف بالفتح: الصالح، وبالجزم: الطالح.

وقال النضر بن شميل: الخلف: بتحريك اللام وإسكانها في القرْن السوء واحد، وأما في القَرْن الصالح فبتحريك اللام لا غير.

وقال محمد بن جرير: أكثر ما جاء في المدح بفتح اللام، وفي الذم بتسكينها وقد يُحرك في الذم ويُسكّن في المدح. {وَرِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ}، أي: انتقل إليهم الكتاب من آبائهم وهو التوراة، {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ}، العرض متاع الدنيا، فالعَرَضَ، والعَرْض، بسكون الراء، ما كان من الأموال سوى الدراهم والدنانير. وأراد بالأدنى العالَم. وهو هذه الدار الفانية، فهو تذكير الدنيا، فهؤلاء اليهود ورثوا التوراة فقرؤوها وضيّعوا العمل بما فيها، وخالفوا حكمها، يرتشون في حكم الله وتبديل كلماته، {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا}، ذنوبنا يتمنون على الله الأباطيل.

أخبرنا محمد بن عبدالله بن أبي توبة أنبأنا طاهر، محمد بن أحمد بن الحارث، أنبأنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أنبأنا عبدالله بن محمود أنبأنا إبراهيم بن عبدالله الخلال أنبأنا عبدالله بن المبارك عن أبي بكر بن أبي مريم الغساني عن ضمرة بن حبيب عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الكَيِّسُ منْ دَانَ نفسَه وعمِلَ لِما بعدَ الموتِ، والعاجِزُ من أتبع نفسَه هواها وتمنّى على الله».

{وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ}، هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وإصرارهم على الذنوب، يقول: إذا أشرف لهم شيء من الدنيا أخذوه حلالاً كان أو حراماً، ويتمنون على الله المغفرة وإن وجدوا من الغد مثله أخذوه. وقال السُّدُي: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضياً إلا ارتشى في الحكم، فيقال له: ما لك ترتشي؟ فيقول: سيغفر لي، فيطعن عليه الآخرون، فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه فيرتشي أيضاً، يقول: وإن يأت الآخرين عرضٌ مثله يأخذوه.

{أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ}، أي: أخذ عليهم العهد في التوراة أن لا يقولوا على الله الباطل، وهي تمني المغفرة مع الإصرار، وليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار، {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ}، قرأوا ما فيه فهم ذاكرون لذلك، ولو عقلوه لعملوا للدار الآخرة، ودَرْسُ الكتاب: قراءتُه وتدبّره مرةً بعد أخرى، {وَٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ