انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير البغويالآيات 50–79

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير البغوي.

وَنَادَىٰٓ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا۟ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٥٠ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَجْحَدُونَ ۝٥١ وَلَقَدْ جِئْنَٰهُم بِكِتَٰبٍ فَصَّلْنَٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٥٢ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُوا۟ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ۝٥٣

قوله تعالى: {وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ} أي: صُبّوا، {عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ}، أي: أوسعوا علينا مما رزقكم الله من طعام الجنّة.

قال عطاء عن ابن عباس: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار في الفرج، وقالوا: يا رب إنّ لنا قََرابات من أهل الجنة، فأذنْ لنا حتى نراهم ونكلّمهم، فينظرون إلى قرابتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فيعرفونهم ولم يعرفهم أهل الجنة لسواد وجوههم، فينادي أصحابُ النار أصحابَ الجنة بأسمائهم، وأخبروهم بقراباتهم أن أفيضوا علينا من الماء أو ممّا رزقكم الله، {قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ}، يعني: الماء والطعام، {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا}، وهو ما زيّن لهم الشيطان من تحريم البَحيرة وأخواتها والمُكاء والتصدية حول البيت، وسائر الخصال الذميمة، التي كانوا يفعلونها في الجاهلية. وقيل: دينهم أي عيدهم، {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ}، نتركهم في النار، {كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا}، أي: كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا، {وَمَا كَانُواْ بِـآيَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ}.

{وَلَقَدْ جِئْنَـٰهُمْ بِكِتَـٰبٍ}، يعني: القرآن {فَصَّلْنَـٰهُ}، بيّناه، {عَلَىٰ عِلْمٍ} منّا لِما يصلحهم، {هُدًى وَرَحْمَةً} أي جعلنا القرآن هادياً وذا رحمة {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} {هَلْ يَنظُرُونَ}، أي: هل ينتظرون، {إِلاَّ تَأْوِيلَهُ}، قال مجاهد: جزاءه. وقال السدي: عاقبته. ومعناه: هل ينتظرون إلا ما يؤل إليه أمرهم، في العذاب ومصيرهم إلى النار. {يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ}، أي: جزاؤه وما يؤول إليه أمرهم، {يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ}، اعترفوا به حين لا ينفعهم الاعتراف، {فَهَل لَّنَا}، اليوم، {مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ}، إلى الدنيا، {فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ}، أهلكوها بالعذاب، {وَضَلَّ}، وبطل، {عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}.

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٥٤

قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ}، أراد به في مِقدَارِ سِتَّةِ أيام لأن اليوم من لَدن طلوع الشمس إلى غروبها، ولم يكن يومئذ يوم ولا شمس ولا سماء، وقيل: ستة أيام كأيام الآخرة كل يوم ألف سنة. وقيل: كأيام الدنيا. قال سعيد بن جبير: كان الله عزّ وجلّ قادراً على خلق السموات والأرض في لمحة ولحظة، فخلقهن في ستة أيام تعليماً لخلقه التثبت والتأني في الأمور. وقد جاء في الحديث:

التأنّي من الله والعجلة من الشيطان».

{ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ}، قال الكلبي ومقاتل: استقرّ. وقال أبو عبيدة: صعد. وأوّلت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء. فأمّا أهل السنة يقولون: الاستواء على العرش صفة لله تعالى، بلا كيف، يجب على الرجل الإيمان به ويكل العلم فيه إلى الله عزّ وجلّ. وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله:

{ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } [طه: 5] كيف استوى؟ فأطرق رأسه مَلِيَّاً، وعلاه الرُّحَضَاء ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلا ضالاًّ، ثم أمر به فأخرج.

وروي عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وعبدالله بن المبارك وغيرهم من علماء السنّة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهة: أمِرّوها كما جاءت بلا كيف.

والعرش في اللغة: هو السرير. وقيل: هو ما علا فأظلّ، ومنه عرش الكروم. وقيل: العرشُ المُلْكُ.

{يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ}، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب: "يُغشّي" بالتشديد ها هنا وفي سورة الرعد، والباقون بالتخفيف، أي: يأتي الليل على النهار فيغطيه، وفيه حذف أي: ويغشي النهار الليل، ولم يذكر لدلالة الكلام عليه وذكر في آية أخرى فقال:

{ { يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ } } [الزمر: 5]، {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا}، أي: سريعاً، وذلك أنه إذا كان يعقب أحدهما الآخر ويخلفه، فكأنه يطلبه. {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍ}، قرأ ابن عامر كلها بالرفع على الابتداء والخبر، والباقون بالنصب، وكذلك في سورة النحل عطفاً على قوله: {خلقَ السمـواتِ والأرْضَ}، أي: خلق هذه الأشياء مسخراتٍ، أي: مُذلّلاتٍ {بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ ٱلْخَلْقُ}، له الخلق لأنه خلقهم وله الأمر، يأمر في خلقه بما يشاء، قال سفيان بن عيينة: فرّق الله بين الخلق والأمر فمن جمع بينهما فقد كفر.

{تَبَارَكَ ٱللَّهُ}، أي: تعالى الله وتعظّم. وقيل: ارتفع. والمبارك المرتفع. وقيل: تبارك تفاعل من البركة وهي النماء والزيادة، أي: البركةُ تُكتسبُ وتُنال بذكره.

وعن ابن عباس قال: جاء بكل بركة. قال الحسن: تجيء البركة من قِبَلِه. وقيل: تبارك تقدّس، والقدس الطهارة. وقيل: تبارك الله أي باسمه يُتبرّك في كل شيء. وقال المحققون: معنى هذه الصفة ثبت ودام كما لم يزل ولا يزال. وأصل البركة الثبوت. ويُقال: تبارك الله، ولا يقال: متبارك ولا مبارك، لأنه لم يرد به التوقيف.{رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}.

ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ۝٥٥ وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٥٦

{ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً}، تذلّلاً واستكانة، {وَخُفْيَةً}، أي: سرّاً. قال الحسن: بينَ دعوةِ السرّ ودعوة العلانية سبعون ضعفاً، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يُسمع لهم صوت، وإنْ كان إلاّ همساً بينهم وبين ربِّهم، ذلك أن الله سبحانه يقول: "ادْعوا ربَّكم تضرّعاً وَخُفْيةً"، وإنّ الله ذكرَ عبداً صالحاً ورضيَ فعله فقال:

{ { إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً } } [مريم: 3]. {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ}، قيل: المعتدين في الدعاء. وقال أبو مجلز: هم الذين يسألون منازل الأنبياء عليهم السلام.

أخبرنا محمد بن عبدالعزيز القاشاني، أنبأنا القاسم بن جعفر الهاشمي، أنبأنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي، ثنا أبو داود السجستاني، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد يعني ابن سلمة أنبأنا سعيد الجريري، عن أبي نعامة: أن عبدالله بن مغفَّل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنّة إذا دخلتها، فقال: يا بني سلِ اللَّهَ الجنة وتعوّذْ به من النار، فإنّي سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إنّه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطّهور والدّعاء».

وقيل: أراد به الاعتداء بالجهر [والصياح]، قال ابن جريج: من الاعتداء رفع الصوت والنداء بالدعاء والصياح.

وروينا عن أبي موسى قال: لمّا غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر أشرفَ الناسُ على وادٍ فرفعوا أصواتهم بالتكبير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أرْبِعُوا على أنفسِكم، إنّكم لا تدعُون أصمَّ ولا غائباً، إنّكم تدعون سميعاً قريباً ».

وقال عطية: هم الذين يدعون على المؤمنين فيما لا يحلّ، فيقولون: اللّهمّ أخزهم اللهم العنهم.

{وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا}، أي: لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إيّاها ببعث الرسل وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله، وهذا معنى قول الحسن والسدي والضحاك والكلبي.

وقال عطية: لا تعصوا في الأرض فيُمسك الله المطر ويُهلك الحرث بمعاصيكم. فعلى هذا معنى قوله: "بعد إصلاحها"، أي: بعد إصلاح الله إيّاها بالمطر والخصب.

{وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا}، أي: خوفاً منه ومن عذابه وطمعاً فيما عنده من مغفرته وثوابه. وقال ابن جريج: خوف العدل وطمع الفضل. {إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}، ولم يقل قريبة، قال سعيد بن جبير: الرحمة هاهنا الثواب فرجع النعت إلى المعنى دون اللفظ؛ كقوله:

{ { وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينُ فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ } } [النساء: 8]، ولم يقل منها لأنه أراد الميراث والمال.

وقال الخليل بن أحمد: القريب والبعيد يستوي فيهما في اللغة: المذكر والمؤنّث والواحد والجمع: قال أبو عمرو بن العلاء: القريب في اللغة يكون بمعنى القرب وبمعنى المسافة، تقول العرب: هذه امرأة قريبة منك إذا كانت بمعنى القرابة، وقريب منك إذا كانت بمعنى المسافة.

وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَٰهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۝٥٧ وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ وَٱلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَٰتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ۝٥٨

قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً}، قرأ عاصم "بُشْراً" بالباء وضمها وسكون الشين هاهنا وفي الفرقان وسورة النمل، يعني: أنها تبشر بالمطر بدليل قوله تعالى:

{ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ } [الروم: 46]، وقرأ حمزة والكسائي "نَشْراً" بالنون وفتحها، وهي الرياح الطيبة اللينة، قال الله تعالى: { { وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً } } [المرسلات: 3]، وقرأ ابن عامر بضم النون وسكون الشين، وقرأ الآخرون بضم النون والشين، جمع نشور، مثل صبور وصبر ورسول ورسل، أي: متفرّقة وهي الرياح التي تهب من كل ناحية. {بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ}، أي: قدام المطر.

أخبرنا عبدالوهّاب بن محمد الخطيب أنبأنا عبدالعزيز بن أحمد الخلال أنبأنا أبو العباس الأصم أنبأنا الربيع أنبأنا الشافعي أنبأنا الثقة عن الزهري عن ثابت بن قيس عن أبي هريرة قال: أخذتِ الناسَ ريحٌ بطريق مكة وعمر حاج فاشتدّتْ، فقال عمر رضي الله عنه لمن حوله: ما بلغكم في الريح فلم يرجعوا إليه شيئاً، فبلغني الذي سأل عمر عنه من أمر الريح فاستحثثت راحلتي حتى أدركتُ عمرَ رضي الله عنه، وكنتُ في مؤخر الناس، فقلت: يا أمير المؤمنين أُخبرت أنك سألتَ عن الريح وإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

الريح من روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب فلا تسبوها، وسلوا الله من خيرها، وتعوّذوا به من شرّها, ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري بإسناده.

{حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ}، حملت الرياح، {سَحَابًا ثِقَالاً}، بالمطر، {سُقْنَـٰهُ}، وردّ الكناية إلى السحاب، {لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ}، أي: إلى بلد ميت محتاج إلى الماء. وقيل: معناه لإحياء بلد ميّتٍ لا نباتَ فيه، {فَأَنزَلْنَا بِهِ}، أي: بالسحاب. وقيل: بذلك البلد الميت، {ٱلْمَآءِ}، يعني: المطر، {فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ}، استدل بإحياء الأرض بعد موتها على إحياء الموتى، {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، قال أبو هريرة وابن عباس: إذا مات الناس كلهم في النفخة الأولى أرسل الله عليهم مطراً كمنيّ الرجال من تحت العرش يُدعى ماء الحيوان، فينبتون في قبورهم نبات الزرع حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم الروح، ثم يُلقي عليهم النوم فينامون في قبورهم، ثم يُحشرون بالنفخة الثانية وهم يجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم، فعند ذلك يقولون:

{ { يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } } [يس: 52].

قوله عزّ وجلّ: {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ}، هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر فمثل المؤمن مثل البلد الطيب، يصيبه المطر فيخرج نباته بإذن ربّه، {وَٱلَّذِى خَبُثَ}، يريد الأرض السبخة التي، {لاَ يَخْرُجُ} نباتُها، {إِلاَّ نَكِدًا}، قرأ أبو جعفر بفتح الكاف، وقرأ الآخرون بكسرها، أي: عسراً قليلاً بعناء ومشقة.

فالأول: مثل المؤمن الذي إذا سمع القرآن وعاه وعقله وانتفع به، والثاني مثل الكافر الذي يسمع القرآن ولا يؤثر فيه، كالبلد الخبيث الذي لا يتبيّن فيه أثر المطر، {كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلأَيَـٰتِ} نبيّنها، {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ}.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حماد بن أسامة عن بريد بن عبدالله عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

مثلُ ما بعثني اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى والعلمِ كمثلِ الغيثِ الكثيرِ أصابَ أرضاً فكانت منها طائفة طيبة قبلتِ الماءَ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكتِ الماءَ فنفع اللَّهُ بها الناسَ فشربُوا وسَقَوْا وزرعُوا، وأصاب منها طائفةً أخرى إنّما هي قيعانٍ لا تُمسك ماءً ولا تُنبتُ كلأً، فذلك مثلُ من فَقُهَ في دينِ الله ونفعه وما بعثني اللَّهُ بهِ فَعَلِمَ وعلّمَ، ومثلُ مَنْ لم يرفعْ بذلك رأساً ولم يقبلْ هُدى الله الذي أُرسلتُ به».

لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ۝٥٩ قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٦٠ قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَٰلَةٌ وَلَٰكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٦١ أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّى وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝٦٢

قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ} وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس، وهو أول نبيّ بُعِث الله بعد إدريس، وكان نجاراً بعثه الله إلى قومه وهو ابن خمسين سنة. وقال ابن عباس: ابن أربعين سنة. وقيل: بُعث وهو ابن مائتين وخمسين سنة. وقال مقاتل: ابن مائة سنة. وقال ابن عباس: سُمي نوحاً لكثرة ما ناح على نفسه.

واختلفوا في سبب نوحه فقال بعضهم: لدعوته على قومه بالهلاك. وقيل: لمراجعته ربَّه في شأن ابنه كنعان. وقيل: لأنه مرّ بكلب مجذوم، فقال: اخسأ يا قبيح فأوحى الله تعالى إليه أعِبْتَني أم عِبْتَ الكلب؟ {فَقَالَ} لقومه: {يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ}، قرأ أبو جعفر والكسائي {من إله غيره}، بكسر الراء حيث كان على نعت الإله، وافق حمزة في سورة فاطر:

{ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ } } [فاطر: 3]، وقرأ الآخرون برفع الراء على التقديم، تقديره: ما لكم غيره من إله، {إِنِّىۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ}، إن لم تؤمنوا، {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.

{قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَـٰلٍ}، خطأ وزوال عن الحق، {مُّبِينٍ}، بيّن.

{قَالَ} نوح: {يَـٰقَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَـٰلَةٌ}، ولم يقل ليست، لأن معنى الضلالة: الضلال، أو على تقديم الفعل، {وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}.

{أُبَلِّغُكُمْ}، قرأ أبو عمرو: "أبلغكم" بالتخفيف حيث كان من الإبلاغ، لقوله:

{ { لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ } } [الأعراف: 93]، {رِسَـٰلـٰتِ رَبِّى}، "ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم" وقرأ الآخرون بالتشديد من التبليغ؛ لقوله تعالى: { بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ }[المائدة: 67]، رسالات ربي، {وَأَنصَحُ لَكُمْ}، يقال: نصحته ونصحت له، والنصح أن يريد لغيره من الخير ما يريد لنفسه، {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، أن عقابه لا يُردُّ عن القوم المجرمين.

أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا۟ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ۝٦٣ فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا عَمِينَ ۝٦٤ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ أَفَلَا تَتَّقُونَ ۝٦٥ قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ ۝٦٦ قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٦٧

{أَوَعَجِبْتُمْ}، ألف استفهام دخلت على واو العطف، {أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: موعظة. وقيل: بيان. وقيل: رسالة. {عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ}، عذاب الله إن لم تؤمنوا، {وَلِتَتَّقُواْ}، أي: لكي تتّقوا الله، {وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، لكي ترحموا.

{فَكَذَّبُوهُ} يعني: كذبوا نوحاً، {فَأَنجَيْنَـٰهُ}، من الطوفان، {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ}، في السفينة، {وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ}، أي: كفاراً. قال ابن عباس: عميت قلوبهم عن معرفة الله. قال الزجاج: عموا عن الحق والإيمان، يقال: رجلٌ عمٍ عن الحق وأعمى في البصر. وقيل: العمى والأعمى كالخضر والأخضر. قال مقاتل: عموات عن نزول العذاب بهم وهو الغرق.

قوله تعالى: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا}، أي: وأرسلنا إلى عاد - وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام - وهي عاد الأولى "أَخاهم" في النسب لا في الدين، "هودًا" وهو هود بن عبدالله بن رباح بن الجلود بن عاد بن عوص، وقال ابن إسحاق: هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، {قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ}، أفلا تخافون نقمته؟.

{قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ}، يا هود، {فِي سَفَاهَةٍ}، في حمق وجهالة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: تدعو إلى دين لا تعرفه، {وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ}، أنك رسول الله إلينا.

{قَال} هود: {يَـٰقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}.

أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّى وَأَنَا۠ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ۝٦٨ أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِى ٱلْخَلْقِ بَصْۜطَةً فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝٦٩ قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝٧٠ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَٰدِلُونَنِى فِىٓ أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَٰنٍ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ۝٧١ فَأَنجَيْنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَمَا كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ ۝٧٢

{أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ}، ناصح أدعوكم إلى التوبة أمين على الرسالة. قال الكلبي: كنتُ فيكم قبل اليوم أميناً.

{أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ}، يعني: نفسه، {لِيُنذِرَكُمْ وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ}، يعني: في الأرض، {مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ}، أي: من بعد إهلاكهم، {وَزَادَكُمْ فِى ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً}، أي: طولاً وقوّة. قال الكلبي والسدي: كانت قامة الطويل منهم مائة ذراع، وقامة القصير ستون ذراعاً. وقال أبو حمزة الثمالي: سبعون ذراعاً. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ثمانون ذراعاً. وقال مقاتل: كان طول كل رجل اثني عشر ذراعاً. وقال وهب: كان رأس أحدهم مثل القبة العظيمة وكان عين الرجل يفرخ فيها بالضِّباع وكذلك مناخرهم. {فَٱذْكُرُوۤاْ ءَالآءَ ٱللَّهِ} نِعَم الله، واحدها إلىً، وآلاء مثل مِعَىً وأمعاء وقفا وأقفاء، ونظيرها:

{ { آنَآءَ ٱللَّيْلِ } } [الزمر: 9]، واحدها أناً وآناء، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

{قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا}، من الأصنام، {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ}، من العذاب، {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ}.

{قَالَ} هود: {قَدْ وَقَعَ}، وجب ونزل، {عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ}، أي: عذاب، والسين مبدلة من الزاي، {وَغَضَبٌ}، أي: سخط، {أَتُجَـٰدِلُونَنِي فِىۤ أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ}، وضعتموها، {أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم}، قال أهل التفسير: كانت لهم أصنام يعبدونها سمّوها أسماء مختلفة، {مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ}، حجّة وبرهان، {فَٱنتَظِرُوۤاْ}، نزول العذاب، {إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ}.

{فَأَنجَيْنَـٰهُ}، يعني: هوداً عند نزول العذاب، {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَا}، أي: استأصلناهم وأهلكناهم عن آخرهم، {وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ}.

وكانت قصةُ عاد على ما ذكره محمد بن إسحاق وغيره: أنهم كانوا ينزلون اليمن وكانت مساكنهم بالأحقاف، وهي رمال بين عمان وحضرموت، وكانوا قد فشوا في الأرض كلها وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله عزّ وجلّ، وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها، صنم يقال له صدى، وصنم يقال له صمود، وصنم يقال له الهباء، فبعث الله إليهم هوداً نبياً، وهو من أوسطهم نسباً وأفضلهم حسباً، فأمرهم أن يُوحّدُوا الله ويكفّوا عن ظلم الناس لم يأمرهم بغير ذلك، فكذّبوه فقالوا من أشد منّا قوة وبنو المصانع وبطشوا بطشة الجبارين، فلما فعلوا ذلك أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك.

وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء فطلبوا الفرج كانت طلبتهم إلى الله عز وجل عند بيته الحرام بمكة مسلمهم ومشركهم، فيجتمع بمكة ناس كثير شتى، مختلفة أديانهم وكلهم معظّم لمكة، وأهل مكة يومئذ العماليق سموا عماليق، لأن أباهم عمليق بن لاذا بن سام بن نوح، وكان سيد العماليق إذ ذاك بمكة رجل يقال له معاوية بن بكر وكانت أم معاوية كلهدة بنت الخيبري رجل من عاد، فلما قحط المطر عن عاد وجهدوا قالوا جهّزوا وفداً منكم إلى مكة فليستسقوا لكم، فبعثوا قيل بن عنز، ولقيم بن هزال من هزيل، وعقيل بن صندين بن عاد الأكبر، ومرثد بن سعد بن عفير وكان مسلماً يكتم إسلامه، وجهلمة بن الخيبري خال معاوية بن بكر، ثم بعثوا لقمان بن عاد الأصغر بن صندين بن عاد الأكبر، فانطلق كل رجل من هؤلاء ومعه رهط من قومه حتى بلغ عدد وفدهم سبعين رجلاً.

فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجاً من الحرم، فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان، قينتان لمعاوية بن بكر، وكان مسيرهم شهراً ومقامهم شهراً فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم وقد بعثهم قومهم يتغوّثون بهم من البلاء الذي أصابهم شقّ ذلك عليه، وقال: هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء مقيمون عندي وهم ضيفي، والله ما أدري كيف أصنع بهم، استحي أن آمرهم بالخروج إلى ما بُعِثُوا إليه، فيظنون أنه ضيق مني بمقامهم عندي، وقد هلك من وراءهم من قومهم جهداً وعطشاً، فشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين، فقالتا: قلْ شعراً نُغنّيهم به، لا يدرون من قاله لعلّ ذلك أن يُحرِّكَهم، فقال معاوية بن بكر:

ألاَ يا قيـلَ ويحــكَ قــمْ فَهَيْنِـــملعــلّ اللَّـهَ يُسْقينــا غمامــــا فيسقـي أرضَ عـــادٍ إنّ عـــاداًقد أمْسُوا لا يَبينُون الكلامـــا منَ العطشِ الشديدِ فليسَ نرجُوبه الشيخَ الكبيرَ ولا الغُلامـــا وقــدْ كانــتْ نساؤُهـــم بـخيـــرٍفقدْ أمسـت نساؤُهم أيـامَــى وإنّ الــوحــش تأتيهــم جِهـــاراًفلا تخـشَى لعـادي سهامــا وأنتــم هـاهنــا فيمــا اشتهيـتــمنهارُكمـو وليلكمـو التمامــا فَقُبِّــحَ وفـدُكُــمُ مــنْ وَفْــدِ قــومٍولا لقُـوا التحيَّـةَ والسَّلاما

فلمّا غنّتهم الجرادتان هذا قال بعضهم لبعض: يا قوم إنّما بعثكم قومكم يتغوثون بكم من البلاء الذي نزل بهم، وقد أبطأتم عليهم، فادخلوا هذا الحرم فاستسقوا لقومكم، فقال مرثد بن سعد بن عفير، وكان قد آمن بهود سراً: إنكم والله لا تُسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم وأنبتم إلى ربكم سُقيتم، فأظهر إسلامه عند ذلك وقال شعراً:

عصتْ عادٌ رسولَهمُ فأمسُواعطاشــاً مــا تبلـهـــم السمـــاء لهم صنم يُقــال لــه صمــودٌيقابــلــه صـــــــداءٌ والهبـــــاءُ فبصّرنا الرسولُ سبيلَ رشدفأبصرنا الهُــدى وجَــلَى العمــاءُ وإن إلـه هــود هـو إلهــــيعلـــى اللَّـــهِ التوكــلُ والرجـــاءُ

فقالوا: لمعاوية بن بكر: احبس عنّا مرثد بن سعد فلا يقدمنّ معنا مكة، فإنه قد اتبع دين هود، وترك ديننا، ثم خرجوا إلى مكة يستسقون لعادٍ، فلما ولّوا إلى مكة خرج مرثد بن سعد من منزل معاوية حتى أدركهم قبل أن يدعوا الله بشيء مما خرجُوا له، فلمّا انتهى إليهم قام يدعو الله، بها ووفد عاد يدعون، فقال: اللهم أعطني سؤالي وحدي ولا تدخلني في شيء مما يدعوكَ به وفدُ عاد، وكان قِيلُ بنُ عنز رأسَ وفد عاد، فقال وفد عاد: اللهم أعط قيلاً ما سألك واجعل سؤلنا مع سؤله.

وكان قد تخلف عن وفد عاد - حين - دعوا لُقمانُ بنُ عاد، وكان سيّدَ عاد، حتى إذا فرغوا من دعوتهم، فقال: اللهم إني جئتك وحدي في حاجتي فأعطني سؤالي، وسأل اللَّهَ طول العمر فعمر عمر سبعة أنسر، وقال قِيْلُ بنُ عنز حين دعا: يا إلهنا إن كان هودُ صادقاً فاسقنا فإنا قد هلكنا، فأنشأ الله سحائب ثلاث بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مُنادٍ من السحاب [يا قيل] اختر لنفسك وقومك من هذه السحائب [ما شئت]، فقال قيلُ: / اخترتُ السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماءً فناداه منادٍ: اخترت رماداً رمدداً لا يبقي من آل عاد أحداً، وساق الله سبحانه وتعالى السحابة السوداء التي اختارها قِيلُ بما فيها من النقمة إلى عاد حتى خرجت عليهم من وادٍ لهم يقال له "المغيث"، فلمّا رأوها استبشروا وقالوا: هذا عارض ممطرنا، يقول الله تعالى:

{ { بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا } } [الأحقاف: 24-25]، أي: كل شيء مرّتْ به.

وكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح مهلكة امرأة من عاد يقال لها مهدد، فلما تبينت ما فيها صاحت ثم صُعقت، فلما أفاقت قالوا لها: ماذا رأيتِ؟ قالتْ: رأيت الريح فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها، فسخّرها الله عليهم سبعَ ليالٍ وثمانية أيام حسوماً، فلم تدع من آل عادٍ أحداً إلا هلك، واعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه هو ومن معه من الريح إلا ما تلين عليه الجلود وتلذ الأنفس، وإنها لَتَمرُّ من عاد بالظعن فتحملهم بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة، وخرج وفد عاد من مكة حتى مرّوا بمعاوية بن بكر فنزلوا علينا فبينما هم عنده إذا أقبل رجل على ناقة في ليلة مقمرة مساء ثالثة من مصاب عاد فأخبرهم الخبر، فقالوا له: فأين فارقت هوداً وأصحابه؟ فقال: فارقتهم بساحل البحر فكأنهم شكّوا فيما حدثهم به، فقالت هزيلة بنت بكر: صدق وربِّ مكة.

وذكروا أن مرثد بن سعد ولقمان بن عاد وقيل بن عنز، حين دعوا بمكة قيل لهم: قد أعطيتم مُنَاكم فاختاروا لأنفسكم، إلاّ أنه لا سبيل إلى الخلود، ولا بُدَّ من الموت، فقال مرثد: اللهم أعطني صدقاً وبراً فأُعطي ذلك، وقال لقمان: أعطني يا ربِّ عمراً، فقيلَ له: اختر، فاختار عمر سبعة أنسر، فكان يأخذ الفرخ حين يخرج من بيضته فيأخذ الذكر منها لقوته، حتى إذا مات أخذ غيره فلم يزل يفعل ذلك حتى أتى على السابع، وكان كل نسر يعيش ثمانين سنة، وكان آخرها لبداً فلما مات لبد مات لقمان معه.

وأمّا قيلُ فإنه قال: أختار أن يصيبني ما أصاب قومي، فقيل له: إن الهلاك، فقال: لا أبالي لا حاجة لي في البقاء بعدهم، فأصابه الذي أصاب عاداً من البلاء والعذاب فهلك.

قال السدي: بعث الله على عاد الريح العقيم فلما دنت منهم نظروا إلى الإبل والرجال، تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فلمّا رأوها تبادروا البيوت فدخلوها وأغلقوا أبوابهم، فجاءت الريح فقلعت أبوابهم فدخلت عليهم فأهلكتهم فيها، ثم أخرجتهم من البيوت، فلمّا أهلكهم الله أرسل عليهم طيراً سوداء فنقلتهم إلى البحر فألقتهم فيه.

ورُوي أن الله عزّ وجلّ أمر الريح فأهالت عليهم الرمال، فكانوا تحت الرمال سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين تحت الرمل، ثم أمر الريح فكشفت عنهم الرمال فاحتملتهم فرمت بهم في البحر ولم تخرج ريح قط إلا بمكيال إلا يومئذ فإنها عتت على الخزنة فغلبتهم فلم يعلموا كم كان مكيالها.

وفي الحديث:

إنها خرجت على قدر خرق الخاتم ». ورُوي عن علي رضي الله عنه: أن قبر هود عليه السلام بحضرموت في كثيب أحمر. وقال عبدالرحمن بن سابط: بين الركن والمقام وزمزم قبر تسعة وتسعين نبياً، وإن قبر هود وشعيب وصالح وإسماعيل في تلك البقعة. ويُروى: أنّ النبيَّ من الأنبياء إذا هلك قومُه جاءَ هو والصالحون معه إلى مكة يعبدون الله فيها حتى يموتوا.

وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَٰلِحًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٧٣ وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتًا فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ۝٧٤ قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَٰلِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِۦ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِۦ مُؤْمِنُونَ ۝٧٥

قوله عزّ وجلّ: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا}. وهو ثمود بن عابر بن أرم بن سام بن نوح، وأراد هاهنا القبيلة.

قال أبو عمرو بن العلاء: سُميت ثمود لقلّة مائها، والثمد: الماء القليل، فكانت مساكنهم الحِجْر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى {أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا}، أي: أرسلنا إلى ثمود أخاهم في النسب لا في الدين، وهو صالح بن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بن خادر بن ثمود، {قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ}، حجة من ربكم على صدقي، {هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ}، أضافها إليه على التفضيل والتخصيص، كما يقال بيت الله، {لَكُمْ ءَايَةً}، نصب على الحال، {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ}، العشب، {فِىۤ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ}، لا تصيبوها بعقر، {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

{وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ}، أسكنكم وأنزلكم، {فِى ٱلأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتًا}، كانوا ينقبون في الجبال البيوت ففي الصيف يسكنون بيوت الطين، وفي الشتاء بيوت الجبال، وقيل: كانوا ينحتون البيوت في الجبل لأن بيوت الطين ما كانت تبقى مدة أعمارهم لطول أعمارهم، {فَٱذْكُرُوۤاْ ءَالآءَ ٱللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ}، والعيث: أشدّ الفساد.

{قَالَ ٱلْمَلأُ}، قرأ ابن عامر: (وقالَ الملأ) بالواو، {ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ}، يعني: الأشراف والقادة الذين تعظموا عن الإيمان بصالح، {لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ}، يعني الأتباع، {لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ}، يعني: قال الكفار للمؤمنين، {أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَـٰلِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ}، إليكم، {قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ}.

قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا بِٱلَّذِىٓ ءَامَنتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ۝٧٦ فَعَقَرُوا۟ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْا۟ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا۟ يَٰصَٰلِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝٧٧ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَٰثِمِينَ ۝٧٨ فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ ۝٧٩

{قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا بِٱلَّذِىۤ ءَامَنتُم بِهِ كَـٰفِرُونَ}، جاحدون.

{فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ}، قال الأزهري: العقر هو قطع عرقوب البعير، ثم جُعل النحر عقراً لأنّ ناحر البعير يعقره ثم ينحره. {وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ}، والعتوّ الغلو بالباطل، يقال: عتا يعتو عُتُواً: إذا استكبروا، والمعني: عصوا الله وتركوا أمره في الناقة وكذّبوا نبيّهم. {وَقَالُواْ يَاصَـٰلِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ}، أي: من العذاب، {إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}.

{فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} وهي زلزلة الأرض وحركتها وأهلكوا بالصيحة والرجفة، {فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ}، قيل: أراد الديار، وقيل: أراد في أرضهم وبلدتهم، ولذلك وحّد الدار، {جَـٰثِمِينَ}، خامدين ميتين. قيل: سقطوا على وجوههم موتى عن آخرهم.

{فَتَوَلَّىٰ} أعرض صالح، {عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّـٰصِحِينَ}، فإن قيل: كيف خاطبهم بقوله لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحتُ لكم بعدما هلكوا بالرجفة؟

قيل: كما

خاطب النبي صلى الله عليه وسلم الكفار من قتلى بدر حين ألقاهم في القليب، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: أَيَسرّكم أنّكم أطعتم الله ورسوله فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنْ لا يجيبون».

وقيل: خاطبهم ليكون عبرة لمن خلفهم.

وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها: فتولّى عنهم، وقال يا قوم لقد أبلغتُكم رسالة ربي فأخذتهم الرجفة.

وكان قصة ثمود على ما ذكره محمد بن إسحاق ووهب وغيرهما: أن عاد لما هلكت وانقضى أمرها عمرت ثمود بعدها، واستخلفوا في الأرض فدخلوا فيها وكثروا وعمروا، حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر فينهدم والرجل منهم حي، فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتاً، وكانوا في سعة من معاشهم فعتوا وأفسدُوا في الأرض وعبدُوا غير الله، فبعث الله إليهم صالحاً وكانوا قوماً عرباً، وكان صالح من أوسطهم نسباً وأفضلهم حسباً وموضعاً، فبعثه الله إليهم غلاماً شاباً، فدعاهم إلى الله حتى شمط وكبر لا يتبعه منهم إلاّ قليل مستضعفون، فلمّا ألحّ عليهم صالح بالدعاء والتبليغ وأكثر لهم التحذير والتخويف سألوه أن يُريهم آية تكون مصداقاً إلى ما يقول، فقال لهم: أيّ آية تريدون؟ قالوا: تخرج معنا غداً إلى عيدنا، وكان لهم عيد يخرجون فيه بأصنامهم في يوم معلوم من السنة فتدعو إلهك وندعوا آلهتنا، فإن استُجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتّبعتنا، فقال لهم صالح: نعم، فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم، وخرج صالح معهم فدعوا أوثانهم، وسألوها أن لا يُستجاب لصالح في شيء مما يدعو به، ثم قال جندع بن عمرو بن حوَّاس وهو يومئذ سيد ثمود: يا صالح أخرج لنا من هذه الصخرة - لصخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاثبة - ناقةً مخترجة جوفاء وبراء عشراء - والمخترجة ما شاكل البخت من الإبل - فإن فعلتَ صدّقناك وآمنّا بك، فأخذ عليهم صالح مواثيقهم لئن فعلت لَتُصَدِّقُنِّي ولتؤمُننَّ بي، قالوا: نعم، فصلّى صالح ركعتين ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، ثم تحركت الهضبة فانصدت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وَصَفُوا لا يعلم ما بين جنبيها عِظَماً إلاَّ الله، وهم ينظرون ثم نتجت سقياً مثلها في العظم، فآمن به جندع بن عمرو ورهط من قومه، وأراد أشراف ثمود أن يُؤمنوا به ويصدّقوه فنهاهم ذُؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صمغر وكان كاهنهم وكانوا من أشراف ثمود.

فلما خرجت الناقة قال لهم صالح: هذه ناقة الله، لها شرب ولكم شرب يوم معلوم، فمكثت الناقة ومعها سقيها في أرض ثمود، ترعى الشجر وتشرب الماء، فكانت ترد الماء غِبَّاً فإذا كان يومها وضعت رأسها في بئر في الحجر يقال لها بئر الناقة فما ترفع رأسها حتى تشرب كل ماء فيها، فلا تدع قطرة، ثم ترفع رأسها فتفشج حتى تفحج لهم فيحلبون ما شاؤوا من لبن، فيشربون ويدخرون، حتى يملؤوا أوانيهم كلّها ثم تصدر من غير الفج الذي منه وردت لا تقدر أن تصدر من حيث تَرِدُ، يضيق عنها، حتى إذا كان الغد كان يومهم فيشربون ما شاءوا من الماء ويدّخرون ما شاءوا ليوم الناقة، فهم من ذلك في سعة ودعة، وكانت الناقة تُصِّيف إذا كان الحر بظهر الوادي، فتهرب منها المواشي، أغنامهم وبقرهم وإبلهم، فتهبط إلى بطن الوادي في حرّه وجدبه، وتشتو ببطن الوادي إذ كان الشتاء، فتهرب مواشيهم إلى [ظهر] الوادي في البرد والجدب فأضرّ ذلك بمواشيهم للبلاء والاختبار، فكبر ذلك عليهم وعتوا عن أمر ربهم وحملهم ذلك على عقر الناقة، فأجمعوا على عقرها.

وكانت امرأتان من ثمود إحداهما يقال لها عنيزة بنت غنم بن مجلز تكنّى بأم غنم، وكانت امرأة ذؤاب بن عمرو وكانت عجوزاً مسنة، وكانت ذات بنات حسان وذات مال من إبل وبقر وغنم، وامرأة أخرى يقال لها صدوف بنت المحيا وكانت جميلة غنية ذات مواشي كثيرة، وكانتا من أشدّ الناس عداوة لصالح وكانتا تحبان عقر الناقة [لما أضرّت] بهما من مواشيهما فتحيلتا في عقر الناقة فدعتْ صدوف رجلاً من ثمود يقال له الحباب لعقر الناقة، وعرضت عليه نفسها إن هو فعل فأبى عليها، فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهرج بن المحيا، وجعلت له نفسها على أن يعقر الناقة وكانت من أحسن الناس وأكثرهم مالاً، فأجابها إلى ذلك ودعت عنيزة بنت غنم قُدار بن سالف وكان رجلاً أحمر أزرق قصيراً، يزعمون أنه كان لزانية، ولم يكن لسالف، ولكنه ولد على فراش سالف، فقالت: أعطيك أيّ بناتي شئت على أن تعقر الناقة، وكان قدار عزيزاً منيعاً في قومه.

أخبرنا عبدالواحد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا هشام عن أبيه أنه أخبره عبدالله بن زمعة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وذكر الناقة والذي عقرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

{إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا } [الشمس: 12]، انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في قومه مثل أبي زمعة».

رجعنا إلى القصة، قالوا: فانطلق قدار بن سالف ومصدع بن مهرج فاستغويا غواة ثمود فاتبعهم سبعة نفر فكانوا تسعة رهط، فانطلق قدار وصدع وأصحابهما فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء، وقد كمن لها قدار في أصل صخرة على طريقها، وكمن لها مصدع في طريق آخر فمرّت على مصدع، فرماها بسهم فانتظم به في عضلة ساقها، وخرجت بنت غُنْم عنيزَةُ وأمرت ابنتها، وكانت من أحسن الناس، فأسفرتْ لقدار ثم ذَمَرَتْه، فشدّ على الناقة بالسيف فكشفت عرقوبها فخرَّت ورغت رُغاةً واحدة تحذَّر سَقْبَها، ثم طعن في لَبَّتها فنحرها، وخرج أهل البلد واقتسموا لحمها وطبخوه، فلما رأى سَقْبُها ذلك انطلق حتى أتى جبلاً منيفاً يقال له صنو، وقيل: اسمه قارة، وأتى صالح فقيل له: أدرك الناقة فقد عُقِرت، فأقبل وخرجوا يتلقَّونه ويعتذرون إليه: يا نبي الله إنّما عقرها فلان ولا ذنب لنا، فقال صالح: انظروا هل تذكرون فصيلها، فإن أدركتموه فعسى أن يُرْفَع الله عنكم العذاب، فخرجوا يطلبونه، فلما رأوه على الجبل ذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله إلى الجبل فتطاول في السماء حتى ما تناله الطير.

وجاء صالح فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه، ثم رغا ثلاثاً، وانفجرت الصخرةُ فدخلها. فقال صالح لكل رغوة أجل يوم فتمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب.

وقال ابن إسحاق: اتبع السَّقب أربعة نفر من التسعة الذين عقروا الناقة، وفيهم مصدع بن مهرج وأخوه ذؤاب بن مهرج، فرماه مصدع بسهم فانتظم في قلبه، ثم جرّه برجله فأنزله، وألقى لحمه مع لحم أمه، فقال لهم صالح: انتهكتم حرمة الله فأبشروا بعذاب الله ونقمته، فقالوا وهم يهزؤون به: ومتى ذلك يا صالح؟ وما آية ذلك؟ وكانوا يسمون الأيام فيهم: الأحد أول، والاثنين أهون، والثلاثاء دبار، والأربعاء جبار والخميس مؤنس والجمعة العَروبة، والسبت شيار، وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء، فقال لهم صالح حين قالوا ذلك: تُصبحون غداة يوم مؤنس ووجوهكم مصفرَّة، ثم تُصبحون يوم العَروبة ووجوهكم محمرَّة، ثم تُصبحون يوم شبار ووجوهكم مسودَّة، ثم يصبحكم العذاب يوم أول.

فلما قال لهم صالح قال التسعة الذين عقروا الناقة: هلمَّ فلنقتلْ صالحاً فإن كان صادقاً عجلناه قبلنا، وإن كان كاذباً قد كنّا ألحقناه بناقته، فأتوه ليلاً ليبيتوه في أهله، فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطؤوا على أصحابهم أتوا منزل صالح فوجدوهم قد رُضخوا بالحجارة، فقالوا لصالح: أنت قتلتهم، ثم همّوا به فقامت عشيرته دونه ولبسوا السلاح، وقالوا لهم: والله لا تقتلونه أبداً فقد وعدكم أن العذاب نازل بكم بعد ثلاث، فإن كان صادقاً لم تزيدوا ربكم عليكم إلاّ غضباً وأن كان كاذباً فأنتم من وراء ما تريدون، فانصرفوا عنهم ليلتهم فأصبحوا يوم الخميس ووجوههم مصفرة كأنّما طُليت بالخلوق، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، فأيقنوا بالعذاب وعرفوا أن صالحاً قد صدقهم، فطلبوه ليقتلوه، وخرج صالح هارباً منهم حتى لجأ إلى بطن من ثمود يقال لهم بني غُنْم، فنزل على سيدهم، رجل يقال له نفيل ويُكنّى بأبي هدب، وهو مشرك فغيَّبه، عنهم ولم يقدروا عليه، فغدوا على أصحاب صالح يعذِّبونهم ليدلُّوهم عليه، فقال رجل من أصحاب صالح يقال له مبدع بن هرم: يا نَبيَّ الله إنهم ليعذبوننا لنهديهم عليك، أَفَنَدُلّهم؟ قال: نعم، فدلّهم عليه، وأتوا أبا هدب فكلموه في ذلك، فقال: نعم عندي صالح وليس لكم عليه سبيل، فأعرضوا عنه وتركوه وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم من عذابه، فجعل بعضهم يخبر بعضاً بما يرون في وجوههم فلما أمْسَوا صاحوا بأجمعهم ألاَ قدْ مضى يوم من الأجل، فلما أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوههم محمرة كأنما خضبت بالدماء فصاحوا وضجوا وبكوا، وعرفوا أنه العذاب، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم: ألا قد مضى يومان من الأجل وحضركم العذاب، فلما أصبحوا اليوم الثالث إذا وجوههم مسودة كأنّما طُليت بالقار، فصاحوا جميعاً ألاَ قد حضركم العذاب.

فلما كان ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومَنْ أسلم معه إلى الشام، فنزل رملة فلسطين، فلما أصبح القوم تكفنوا وتحنطوا وألقوا أنفسهم بالأرض يقلِّبون أبصارهم إلى السماء مرّة وإلى الأرض مرّة، لا يدرون من أين يأتيهم العذاب، فلما اشتدّ الضحى من يوم الأحد أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شيء له صوت في الأرض، فقطعت قلوبهم في صدورهم، فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلاّ هلك؛ كما قال الله تعالى: "فأصبحوا في دارهم جـاثمين"، إلاّ جارية مقعدة يقال لها ذريعة بنت سالف، وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح فأطلق الله رجليها بعدما عاينت العذاب، فخرجت كأسرع ما يرى شيء قطّ حتى أتت قزح، وهو واد القرى، فأخبرتهم بما عاينته من العذاب وما أصاب ثمود، ثم استقت من الماء فَسُقِيَتْ فلما شربت ماتت.

وذكر السُّدي في عقر الناقة وجهاً آخر قال: فأوحى الله تعالى إلى صالح عليه السلام أنّ قومك سيعقرون ناقتك، فقال لهم ذلك قالوا: ما كنّا لنفعل، فقال صالح: إنه يولد في شهركم هذا غلام يعقرها فيكون هلاككم على يديه، فقالوا: لا يولد لنا ولد في هذا الشهر إلا قتلناه، قال: فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر فذبحوا أبناءهم ثم ولد للعاشر فأبى أن يذبح ابنه، وكان لم يولد له قبل ذلك، وكان ابنه أزرق أحمر فنبت نباتاً سريعاً وكان إذا مرّ بالتسعة ورأوه قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء لكانوا مثل هذا، فغضب التسعة على صالح لأنه كان سبب قتل أولادهم، فتقاسموا بالله لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهله، قالوا: نخرج ليرى الناسُ أنا قد خرجنا إلى سفر فنأتي الغار فنكون فيه، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى مسجده أتيناه فقتلناه، ثم رجعنا إلى الغار فكنا فيه ثم انصرفنا إلى رحلنا فقلنا: ما شهدنا مَهْلِكَ أهله وإنا لصادقون، فيصدقوننا، ويظنون أنَّا قد خرجنا إلى سفر. وكان صالح لا ينام معهم في القرية، وكان يبيت في مسجد يقال له: مسجد صالح، فإذا أصبح أتاهم فوعظهم وذكّرهم وإذا أمسى خرج إلى المسجد فبات فيه فانطلقوا فدخلوا الغار، فسقط عليهم الغار فقتلهم، فانطلق رجال ممن قد اطلع على ذلك منهم فإذا هم رضخ، فرجعوا يصيحون في القرية: أيْ عباد الله ما رضي صالح أن أمرهم بقتل أولادهم حتى قتلهم، فاجتمع أهل القرية على عقر الناقة.

وقال ابن إسحاق: كان تقاسم التسعة على تبييت صالح بعد عقرهم الناقة كما ذكرنا.

قال السدي وغيره: فلما ولد ابن العاشر، يعني: قذار، شَّب في اليوم شباب غيره في الجمعة، وشبّ في شهر شباب غيره في السنة، فلما كبر جلس مع أناس يصيبون من الشراب، فأرادوا ماءً يمزجون به شرابهم، وكان ذلك اليوم شِرْب الناقة فوجدوا الماء قد شربته الناقة، فاشتد ذلك عليهم وقالوا: ما نصنع نحن باللَّبَن؟ لو كنّا نأخذ هذا الماء الذي تشربه هذه الناقة فنسقيه أنعامنا وحروثنا كان خيراً لنا، فقال ابن العاشر: هل لكم في أن أعقرها لكم؟ قالوا: نعم، فعقروها.

أخبرنا عبدالواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا محمد بن مسكين ثنا يحيى بن حسان بن حيان أبو زكريا ثنا سليمان عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا نزل الحجر، في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئرها ولا يَسْتَقُوا منها، فقالوا: قد عَجَنَّا منها واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين ويهريقوا ذلك الماء. وقال نافع عن ابن عمر: فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا من آبارها وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة.

وروى أبو الزبير عن جابر قال:

لمّا مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه: لا يدخلنَّ أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائهم ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلاّ أن تكونُوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ثم قال: أما بعد فلا تسألوا رسولكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم، فبعث الله الناقة فكانت ترد من هذا الفجّ وتصدر من هذا الفج وتشرب ماءهم يوم ورودها، وأراهم مرتقى الفصيل من القارة، فعتوا عن أمر ربهم وعقروها، فأهلك الله مَنْ تحت أديم السماء منهم في مشارق الأرض ومغاربها إلاّ رجلاً واحداً يقال له أبو رُغَال، وهو أبو ثقيف كان في حرم الله فمنعه حرم الله من عذاب الله، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فَدُفِن ودُفِنَ معه غصن من ذهب، وأراهم قبر أبي رغال، فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم وحفروا عنه واستخرجوا ذلك الغصن.

وكانت الفرقة المؤمنة من قوم صالح أربعة آلاف فخرج بهم صالح إلى حضرموت، فلما دخلوها مات صالح فسمى حضرموت ثم بنى الأربعة آلاف مدينة، يقال لها حاصوراء، قال قوم من أهل العلم: توفي صالح وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وأقام في قومه عشرين سنة.

الخميس، 5 نوفمبر 2026 25 جمادى الأولى 1448 هـ