انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير البغويالآيات 80–142

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير البغوي.

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَتَأْتُونَ ٱلْفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٨٠ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ۝٨١

قوله تعالى: {وَلُوطًا} أي: وأرسلنا لوطاً، وقيل: معناه واذكر لوطاً. وهو لوط بن هاران بن تارخ بن أخي إبراهيم، {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ}، وهم أهل سدوم وذلك أن لوطاً شخص من أرض بابل [سافر] مع عمّه إبراهيم عليه السلام مؤمناً به مهاجراً معه إلى الشام، فنزل إبراهيم فلسطين وأنزل لوطاً الأردن، فأرسله الله عزّ وجلّ إلى أهل سدوم فقال لهم، {أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ}، يعني: إتيان الذكران، {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَـٰلَمِينَ}، قال عمرو بن دينار: ما يُرى ذكر على ذكر في الدنيا حتى كان من قوم لوطٍ.

{إنّكُمْ}، قرأ أهل المدينة وحفص (إِنكم) بكسر الألف على الخبر، وقرأ الآخرون على الاستئناف، {لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ}، في أدبارهم، {شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ}، فسَّر تلك الفاحشة يعني أدبار الرجال أشهى إليكم من فروج النساء، {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ}، مجاوزون الحلال إلى الحرام.

قال محمد بن إسحاق: كانت لهم ثمار وقرى لم يكن في الأرض مثلها فقصدهم الناس فآذوهم، فعرض لهم إبليس في صورة شيخ، فقال: إن فعلتم بهم كذا نَجَوْتُم، فأبوا فلما ألحّ عليهم قصدوهم فأصابوهم غلماناً صباحاً، فأخذوهم وقهروهم على أنفسهم فأخبثوا بهم، واستحكم ذلك فيهم. قال الحسن: كانوا لا ينكحون إلا الغرباء.

وقال الكلبي: إن أول من عمل عمل قوم لوط إبليس، لأن بلادهم أخصبت فانتجعها أهل البلدان، فتمثل لهم إبليس في صورة شاب، ثم دعا إلى دُبُره فنكح في دبره، فأمر الله تعالى السماء أن تحصبهم والأرض أن تخسف بهم.

وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ۝٨٢ فَأَنجَيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ ۝٨٣ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ ۝٨٤ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَٰحِهَا ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝٨٥

قوله عزّ وجلّ: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ}، قال بعضهم لبعض، {أَخْرِجُوهُم}، يعني: لوطاً وأهل دينه، {مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}، يتنزهون عن أدبار الرجال.

{فَأَنجَيْنَـٰهُ}، يعني: لوطاً، {وَأَهْلَهُ} المؤمنين، وقيل: أهله ابنتاه، {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ}، يعني: الباقين في العذاب. وقيل: معناه كانت من الباقين المُعَمَّرين، قد أتى عليها دهر طويل فهلكتْ مع من هلك من قوم لوط، وإنما قال: "من الغابرين"، لأنه أراد ممن بقي من الرجال فلما ضمَّ ذِكْرَها إلى ذِكْرِ الرجال قال: "من الغابرين".

{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا}، يعني: حجارة من سجيل، قال وهب: الكبريت والنار، {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ}، قال أبو عبيدة: يقال في العذاب أمطر، وفي الرحمة: مطر.

قوله تعالى: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا}، أي: وأرسلنا إلى ولد مدين - وهو مدين بن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام - وهم أصحاب الأيكة أخاهم شعيباً في النسب لا في الدين. قال عطاء: هو شعيب بن توبة بن مدين بن إبراهيم. وقال ابن إسحاق: هو شعيب بن ميكائيل بن يسخر بن مدين بن إبراهيم، وأم ميكائيل بنت لوط. وقيل: هو شعيب بن يثرون بن مدين وكان شعيب أعمى وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، وكان قومه أهل كفر وبخس للمكيال والميزان.

{قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ}، فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: "قد جاءتكم بينة من ربكم"، ولم تكن لهم آية؟

قيل: قد كانت لهم آية إلاّ أنها لم تذكر، وليست كل الآيات مذكورة في القرآن.

وقيل: أراد بالبينة مجيء شعيب.

{فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ}، أتموا الكيل، {وَٱلْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ}، لا تظلموا الناس حقوقهم ولا تنقصوها إياها، {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا}، أي: ببعث الرسل والأمر بالعدل، وكل نبي بعث إلى قوم فهو صلاحهم، {ذَلِكُم} الذي ذكرت لكم وأمرتكم به، {خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}، مصدّقين بما أقول.

وَلَا تَقْعُدُوا۟ بِكُلِّ صِرَٰطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝٨٦

{وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٍ} أي: على كل طريق، {تُوعِدُونَ}، تهددون، {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}، دين الله، {مَنْ ءَامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا}، زيغاً، وقيل: تطلبون الإعوجاج في الدين والعدول عن القصد، وذلك أنهم كانوا يجلسون على الطريق فيقولون لمن يريد الإيمان بشعيب، إن شعيب كذاب فلا يفتننَّك عن دينك ويتوعدون المؤمنين بالقتل ويخوّفونهم. وقال السدي: كانوا عشارين. {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنتُم قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ}، فكثر عددكم، {وَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ}، أي: آخر أَمر قوم لوط.

وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ ءَامَنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ فَٱصْبِرُوا۟ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ ۝٨٧ قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَنُخْرِجَنَّكَ يَٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَٰرِهِينَ ۝٨٨ قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَٰتِحِينَ ۝٨٩

{وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ ءامَنُواْ بِٱلَّذِىۤ أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُواْ}، أي: إن اختلفتم في رسالتي فصرتم فرقتين مكذبين ومصدقين، {فَٱصْبِرُواْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا}، بتعذيب المكذبين وإنجاء المصدقين، {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ}.

{قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ}، يعني: الرؤساء الذين تعظموا عن الإيمان به، {لَنُخْرِجَنَّكَ يـٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا}، لترجعن إلى ديننا الذي نحن عليه، {قال} شعيب {أَوَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ}، يعني: لو كنا، أي: وإن كنا كارهين لذلك فتجبروننا عليه؟

{قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ}، بعد إذ أنقذنا الله منها، {إِلآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا}، يقول إلاّ أن يكون قد سبق لنا في علم الله ومشيئته أنا نعود فيها فحينئذ يمضي قضاء الله فينا وينفذ حكمه علينا.

فإن قيل: ما معنى قوله: "أو لَتَعُودُنّ في ملتنا"، "وما يكون لنا أن نعودَ فيها"، ولم يكن شعيب قط على ملتهم حتى يصح قولهم ترجع إلى ملتنا؟

قيل: معناه أو لتدخلن في ملتنا، فقال: وما كان لنا أن ندخل فيها.

وقيل: معناه إن صرنا في ملتكم. ومعنى عاد: صار.

وقيل: أراد به قوم شعيب لأنهم كانوا كفاراً فآمنوا فأجاب شعيب عنهم.

قوله تعالى: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا}، أحاط علمه بكل شيء، {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا}، فيما توعدوننا به، ثم دعا شعيب بعد ما أيِس من فلاحهم، فقال: {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا}، أي: اقضِ بيننا، {بِٱلْحَقِّ}، والفتاح: القاضي، {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ}، أي: الحاكمين.

وَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَٰسِرُونَ ۝٩٠ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَٰثِمِينَ ۝٩١ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ شُعَيْبًا كَانُوا۟ هُمُ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٩٢

{وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً}، وتركتم دينكم، {إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَـٰسِرُونَ}، مغبونون، وقال عطاء: جاهلون. قال الضحاك: عجزة.

{فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ}، قال الكلبي: الزلزلة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: فتح الله عليهم باباً من جهنم، فأرسل عليهم حراً شديداً، فأخذ بأنفاسهم ولم ينفعهم ظلّ ولا ماء، فكانوا يدخلون الأسراب ليتبردوا فيها، فإذا دخلوها وجدوها أشدَّ حراً من الظاهر، فخرجوا هرباً إلى البرية فبعث الله سحابة فيها ريح طيبة فأظلتهم، وهي الظلة، فوجدوا لها برداً ونسيماً فنادى بعضهم بعضاً حتى اجتمعوا تحت السحابة، رجالهم ونساؤهم وصبيانهم، ألْهَبها اللَّهُ عليهم ناراً، ورجفت بهمُ الأرض فاحترقوا كما يحترق الجراد المقلي، وصاروا رماداً.

ورُوي أن الله تعالى حبس عنهم الريح سبعة أيام ثم سلّط عليهم الحرَّ. قال يزيد الجريري: سلّط الله عليهم الحرّ سبعة أيام ثم رُفع لهم جبلٌ من بعيد، فأتاه رجل فإذا تحته أنهار وعيون، فاجتمعوا تحته كلهم فوقع ذلك الجبل عليهم، فذلك قوله:

{ { عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ } } [الشعراء: 189]، قال قتادة: بعث الله شعيباً إلى أصحاب الأيكة وأصحاب مدين، أما أصحاب الأيكة فأُهلكوا بالظلة، وأمّا أصحاب مدين فأخذتهم الصيحة، صاح بهم جبريل عليه السلام صيحة فهلكوا جميعاً. قال أبو عبدالله البجلي: كان أبو جاد وهوّز وحطى وكلمن وسعفص وقرشت ملوك مدين، وكان ملكهم في زمن شعيب عليه السلام يوم الظلة كلمن، فلما هلك قامت ابنته تبكيه:

كَلَمُنْ قد هَدَّ رُكْنِيهُلْكُـهُ وَسْــطْ المَحِلَّــهْ سيَّــدُ القَــوْمِ أتــاهُالحَتْفُ ناراً تحت ظُلَّهْ جُعِلَتْ نَـاراً عَلَيْهِــمدارُهُــمُ كَالمُضْمَحِلَّــهْ

وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا}، أي: ولم يقيموا لم ينزلوا فيها، من قولهم: غنيت بالمكان إذا قمت به، والمغاني المنازل واحدها مغنى، وقيل: كأن لم يتنعموا فيها. {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ ٱلْخَـٰسِرِينَ}، لا المؤمنين كما زعموا.

فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَٰفِرِينَ ۝٩٣ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِىٍّ إِلَّآ أَخَذْنَآ أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ۝٩٤ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا۟ وَّقَالُوا۟ قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَٰهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ۝٩٥

{فَتَوَلَّى}، أعرض {عَنْهُمْ} شعيب شاخصاً من بين أظهرهم حين أتاهم العذاب، {وَقَالَ يَٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ ءَاسَىٰ}، أحزن، {عَلَىٰ قَوْمٍ كَـٰفِرِينَ}، والأسى: الحزن، والأسى: الصبر.

قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِىٍّ}، فيه إضمار، يعني: فكذّبوه، {إِلآ أَخَذْنَآ}، عاقبنا {أَهْلَهَا}، حين لم يؤمنوا، {بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ}، قال ابن مسعود: البأساء: الفقر، والضراء: المرض، وهذا معنى قول من قال البأساء في المال، والضراء في النفس. وقيل: البأساء البؤس وضيق العيش، والضراء الضر وسوء الحال. وقيل: البأساء في الحرب والضراء: في الجدب، {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ}، لكي يتضرعوا فيتوبوا.

{ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ}، يعني مكان البأساء والضراء الحسنة, يعني: النعمة والسعة والخصب والصحة، {حَتَّىٰ عَفَواْ}، أي: كثروا وازْدادوا، أو كثرت أموالهم، يقال: عفا الشعر إذا كثر. قال مجاهد: كثرت أموالهم وأولادهم، {وَّقَالُواْ}، من غرتهم وغفلتهم بعد ما صاروا إلى الرخاء، {قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ}، أي: هكذا كانت عادة الدهر قديماً لنا ولآبائنا، ولم يكن ما مسّنا من الضراء عقوبة من الله، فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم فإنهم لم يتركوا دينهم لِما أصابهم من الضراء، قال الله تعالى: {فَأَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً}، فجأةً آمَنَ ما كانُوا {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}، بنزول العذاب.

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰٓ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا۟ فَأَخَذْنَٰهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ۝٩٦ أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَٰتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ ۝٩٧ أَوَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ۝٩٨ أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ۝٩٩ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ۝١٠٠

{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}، يعني: المطر من السماء والنبات من الأرض. وأصل البركة: المواظبة على الشيء، أي: تابعنا عليهم المطر والنبات ورفعنا عنهم القحط والجدب، {وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَـٰهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}، من الأعمال الخبيثة. {أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ}، الذين كفروا وكذّبوا، يعني: أهل مكة وما حولها، {أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا}، عذابنا، {بَيَـٰتًا}، ليلاً، {وَهُمْ نَآئِمُونَ}.

{أَوَ أَمِنَ} قرأ أهل الحجاز والشام: "أوْ أمِنَ" بسكون الواو، والباقون بفتحها، {أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى}، أي: نهاراً، والضحى: صدر النهار، وقت انبساط الشمس، {وَهُمْ يَلْعَبُونَ}، ساهون لاهون.

{أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ}، ومكر الله استدراجه إيّاهم بما أنعم عليهم في دنياهم. وقال عطية: يعني أخذه وعذابه.

{أَوَلَمْ يَهْدِ}، قرأ قتادة ويعقوب: "نهد" بالنون على التعظيم، والباقون بالياء على التفريد، يعني: أوَ لم نبين، {لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ}، هلاك {أَهْلَهَا}، الذين كانوا فيها قبلهم، {أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَـٰهُم}، أخذناهم وعاقبناهم، {بِذُنُوبِهِمْ} كما عاقبنا من قبلهم، {وَنَطْبَعُ}، نختم، {عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ}، الإيمان ولا يقبلون الموعظة، قال الزجاج: قوله {وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ} منقطع عما قبله لأن قوله: {أَصَبْنَـٰهُم} ماض و {وَنَطْبَعُ} مستقبل.

تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآئِهَا وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ مِن قَبْلُ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝١٠١ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَٰسِقِينَ ۝١٠٢

{تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ}، أي: هذه القرى التي ذكرت لك أمرها وأمر أهلها، يعني: قرى يوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيب. {نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا}، أخبارها لما فيها من الاعتبار، {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ}، بالآيات والمعجزات والعجائب، {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ}، أي: فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية المعجزات والعجائب بما كذبوا من قبل رؤيتهم تلك العجائب، نظيره قوله عزّ وجلّ:

{ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ }[المائدة: 102].

قال ابن عباس والسدي: يعني فما كان هؤلاء الكفار الذين أهلكناهم ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا من قبل يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم، فأقرّوا باللسان وأضمروا التكذيب. وقال مجاهد: معناه فما كانوا لو أحييناهم بعد إهلاكهم ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم؛ كقوله عزّ وجلّ:

{ { وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } } [الأنعام: 28].

قال يمانُ بن رباب: هذا على معنى أن كل نبي أنذر قومه بالعذاب فكذبوه، يقول: ما كانوا ليؤمنوا بما كذب به أوائلهم من الأمم الخالية، بل كذبوا بما كذب أوائلهم، نظيره قوله عزّ وجلّ:

{ { كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } } [الذاريات: 52]. {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَـٰفِرِينَ}، أي: كما طبع الله على قلوب الأمم الخالية التي أهلكهم، كذلك يطبع الله على قلوب الكفار الذين كُتِب عليهم أنْ لا يؤمنوا من قومك.

{وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} أي: وفاء بالعهد الذي عاهدهم يوم الميثاق، حين أخرجهم من صلب آدم، {وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَـٰسِقِينَ}، أي: ما وجدنا أكثرهم إلا َفاسقين ناقضين للعهد.

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَظَلَمُوا۟ بِهَا فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝١٠٣ وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰفِرْعَوْنُ إِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٠٤ حَقِيقٌ عَلَىٰٓ أَن لَّآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ۝١٠٥ قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِـَٔايَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝١٠٦ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ۝١٠٧

قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم}، أي: من بعد نوح وهود وصالح وشعيب، {مُّوسَىٰ بِـآيَـٰتِنَآ}، بأدلّتنا، {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا}، فجحدوا بها. والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، فظلمهم وضع الكفر موضع الإيمان، {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ}، وكيف فعلنا بهم.

{وَقَالَ مُوسَىٰ}، لما دخل على فرعون، {يَٰفِرْعَوْنُ إِنَّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} إليك، فقال فرعون: كذبتَ، فقال موسى:

{حَقِيقٌ عَلَى أَن لآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ}، أي: أنا خليق بأن لا أقول على الله إلا الحق، فتكون {عَلَى} بمعنى الباء كما تقول: رميت بالقوس ورميت على القوس، وجئت على حال حسنة وبحال حسنة، يدل عليه قراءة أُبيّ والأعمش «حقيقٌ بأنْ لا أقول على الله إلا الحق»، وقال أبو عبيدة: معناه حريص على أن لا أقول على الله إلاّ الحق، وقرأ نافع (عَلَيَّ) بتشديد الياء أي حق واجب عليّ أن لا أقول على الله إلا الحق. {قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}، يعني العصا، {فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ}، أي: أطلق عنهم وخلِّهم يرجعون إلى الأرض المقدّسة، وكان فرعون قد استخدمهم في الأعمال الشاقّة من ضرب اللَّبِن ونقل التراب ونحوهما، فقال فرعون مجيباً لموسى:

{قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِـآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ}.

{فَأَلْقَىٰ} موسى {عَصَاهُ} من يده {فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ}، والثعبان: الذكر العظيم من الحيات، فإن قيل: أليس قد قال في موضع آخر

{ { كَأَنَّهَا جَآنٌّ } } [النمل: 10]، والجانّ الحية الصغيرة؟ قيل: إنها كانت كالجان في الحركة والخفة، وهي في جثتها حية عظيمة.

قال ابن عباس والسدي: إنه لما ألقى العصا صارت حيّة عظيمة صفراء شعراء فاغرةً فاها بين لحييها ثمانون ذراعاً ارتفعت من الأرض بقدر ميل، وقامت له على ذنبها واضعةً لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر، وتوجهت نحو فرعون لتأخذه، ورُوي أنها أخذت قبة فرعون بين نابيها فوثب فرعون من سريره هارباً وأحْدَثَ.

وقيل: أخذه البطن في ذلك اليوم أربعمائة مرة، وحملت على الناس فانهزموا وصاحوا ومات منهم خمسة وعشرون ألفاً وقتل بعضهم بعضاً ودخل فرعون البيت وصاح: يا موسى أنشدك بالذي أرسلك خذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذها موسى فعادت عصاً كما كانت ثم قال فرعون: هل معك آية أخرى؟ قال: نعم.

وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ ۝١٠٨ قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٌ ۝١٠٩ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ۝١١٠ قَالُوٓا۟ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ۝١١١ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٍ ۝١١٢

{ونَزَعَ يَدَهُ فإِذَا هِي بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ}، فأدخل يده في جيبه ثم نزعها، وقيل: أخرجها من تحت إبطه فإذا هي بيضاء لها شعاع غلب نور الشمس، وكان موسى آدم، ثم أدخلها جيبه فصارت كما كانت.

{قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌ} يعنون أنه ليأخذ بأعين الناس حتى يخيل إليهم العصا حية والآدم أبيض، ويُري أن الشيء بخلاف ما هو به.

{يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم}، يا معشر القبط، {مِّنْ أَرْضِكُمْ}، مصر، {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}، أي: تشيرون إليه، هذا يقوله فرعون وإن لم يذكره، وقيل: من قول الملأ لفرعون وخاصته.

{قَالُوۤاْ}، يعني الملأ، {أَرْجِهْ}، قرأ ابن كثير وأهل البصرة وابن عامر بالهمزة وضم الهاء، وقرأ الآخرون بلا همز، ثم نافع برواية ورش والكسائي يشبعان الهاء كسراً، ويسكنها عاصم وحمزة، ويختلسها أبو جعفر وقالون.

قال عطاء: معناه أخّره. وقيل: احبسه. {وَأَخَاهُ}، معناه أشاروا عليه بتأخير أمره وترك التعرض إليه بالقتل، {وَأَرْسِلْ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَـٰشِرِينَ}، يعني: الشُرط في المدائن، وهي مدائن الصعيد من نواحي مصر، قالوا: أرسل إلى هذه المدائن رجالاً يحشرون إليك من فيها من السحرة، وكان رؤوس السحرة بأقصى مدائن الصعيد، فإن غلبهم موسى صدقناه وإن غلبوا علمنا أنه ساحر.

فذلك قوله: {يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍ} قرأ حمزة والكسائي: "سحار" هاهنا وفي سورة يونس، ولم يختلفوا في الشعراء أنه "سحار".

قيل: الساحر: الذي يَعْلمُ السحر ولا يُعَلِّمُ، والسحَّار: الذي يعلّم وقيل: الساحر من يكون سحره في وقت دون وقت، والسحار من يديم السحر.

قال ابن عباس وابن إسحاق والسدي: قال فرعون لمّا رأى من سلطان الله في العصا ما رأى: إنّا لا نُغالب إلا بمن هو منه، فاتخذ غلماناً من بني إسرائيل فبعث بهم إلى قرية يقال لها الفرحاء يعلمونهم السحر، فعلّموهم سحراً كثيراً، وواعد فرعون موسى موعداً فبعث إلى السحرة فجاؤوا ومعلمهم معهم، فقال له: ماذا صنعتم؟ قال: قد علَّمْتُهم سحراً لا يطيقه سحرة أهل الأرض إلا أن يكون أمراً من السماء، فإنه لا طاقة لهم به، ثم بعث فرعون في مملكته فلم يترك في سلطانه ساحراً إلا أتى به.

واختلفوا في عددهم، فقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين، إثنان من القبط، وهم رأسا القوم وسبعون من بني إسرائيل.

وقال الكلبي: كان الذين يعلمونهم رجلين مجوسيين من أهل نينوى، وكانوا سبعين غير رئيسهم.

وقال كعب: كانوا اثني عشر ألفاً. وقال السدي: كانوا بضعة وثلاثين ألفاً.

وقال عكرمة: كانوا سبعين ألفاً. وقال محمد بن المنكدر: كانوا ثمانين ألفاً. وقال مقاتل: كان رئيس السحرة شمعون. وقال ابن جريج: كان رئيس السحرة يوحنا.

وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوٓا۟ إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَٰلِبِينَ ۝١١٣ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ۝١١٤ قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ ۝١١٥ قَالَ أَلْقُوا۟ فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ سَحَرُوٓا۟ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ۝١١٦ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ۝١١٧

{وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ} واجتمعوا، {قَالُوۤاْ} لفرعون {إِنَّ لَنَا لأَجْرًا}، أي: جُعْلاً ومالاً {إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَـٰلِبِينَ}، قرأ أهل الحجاز وحفص: "ان لنا" على الخبر، وقرأ الباقون بالاستفهام، ولم يختلفوا في الشعراء أنه مستفهم.

{قَالَ} فرعون: {نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ}، في المنزلة الرفيعة عندي مع الأجر، قال الكلبي: يعني أوّل من يدخل وآخر من يخرج.

{قَالُوۤاْ} يعني السحرة، {يَٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ} عصاك، {وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ}، لعصيّنا وحبالنا.

{قَالَ} موسى بل {أَلْقَواْ} أنتم، {فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ}، أي: صرفوا أعينهم عن إدراك حقيقة ما فعلوه من التمويه التخييل، وهذا هو السحر، {وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ}، أي: أرهبوهم وأفزعوهم، {وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ}، وذلك أنهم ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضاً. وفي القصة أن الأرض كانت ميلاً في ميل صارت حيات وأفاعي في أعين الناس.

{وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ}، فألقاها فصارت حية عظيمة حتى سدت الأفق. قال ابن زيد: كان اجتماعهم بالإسكندرية. ويقال: بلغ ذنب الحية من وراء البحر ثم فتحت فاها ثمانين ذراعاً، {فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ}، قرأ حفص "تلْقف" ساكنة اللام، خفيفة، حيث وقع، وقرأ الآخرون: بفتح اللام وتشديد القاف، أي: تبتلع، {مَا يَأْفِكُونَ}، يكذبون من التخاييل، وقيل: يزوِّرون على الناس. فكانت تلتقم حبالهم وعصيّهم واحداً واحداً حتى ابتلعت الكلَّ وقصدت القوم الذين حضروا فوقع الزحام عليهم فهلك منهم في الزحام خمسة وعشرون ألفاً، ثم أخذها موسى فصارت عصاً كما كانت.

فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١١٨ فَغُلِبُوا۟ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُوا۟ صَٰغِرِينَ ۝١١٩ وَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ۝١٢٠ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٢١ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ۝١٢٢ قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا۟ مِنْهَآ أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ۝١٢٣ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَٰفٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ۝١٢٤

{فَوَقَعَ الحَقُّ} قال الحسن ومجاهد: ظهر الحق، {وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من السحر، وذلك أن السحرة قالوا: لو كان ما يصنع موسى سحراً لبقيت حبالنا وعصينا، فلما فقدت علموا أن ذلك من أمر الله.

{فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَـٰغِرِينَ}، ذليلين مقهورين.

{وَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِينَ} لله تعالى. قال مقاتل: ألقاهم الله. وقيل: ألهمهم الله أن يسجدوا فسجدوا. قال الأخفش: من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا.

{قَالُوۤاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، فقال فرعون: إياي تعنون فقالوا: {رَبِّ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ}، قال مقاتل: قال موسى لكبير السحرة: تُؤمن بي إن غلبتك؟ فقال: لآتين بسحر لا يغلبه سحر، ولئن غلبتني لأؤمنن بك، وفرعون ينظر.

{قَالَ} لهم {فِرْعَوْنُ} حين آمنوا: {ءَامَنتُمْ بِهِ}، قرأ حفص "آمنتم" على الخبر هاهنا وفي طه والشعراء، وقرأ الآخرون بالاستفهام أآمنتم به، {قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ}، أصدّقتم موسى من غير أمري إيّاكم، {إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ}، أي: صنيع صنعتموه أنتم وموسى: {فِى ٱلْمَدِينَةِ} في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع لتستولوا على مصر، {لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}، ما أفعل بكم.

{لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ}، وهو أن يقطع من كل شق طرفاً. قال الكلبي: لأقطعن أيديكم اليمنى وأرجلكم اليسرى، {ثُمَّ لاَُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ}، على شاطىء نهر مصر.

قَالُوٓا۟ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ۝١٢٥ وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ۝١٢٦ وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَٰهِرُونَ ۝١٢٧

{قَالُوۤاْ}، يعني السحرة لفرعون: {إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ}، راجعون في الآخرة.

{وما تَنقِمُ مِنَّآ}، أي: ما تكره منّا. وقال الضحاك وغيره: وما تطعن علينا. وقال عطاء: مالنا عندك من ذنب تعذبنا عليه، {إِلآ أَنْ ءَامَنَّا بِـآيَـٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا}، ثم فزعوا إلى الله عزّ وجلّ فقالوا: {رَبَّنَآ أَفْرِغْ} أصببْ {عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}، ذكر الكلبي: أن فرعون قطّع أيديهم وأرجلهم وصلبهم، وذكر غيره: أنه لم يقدر عليهم لقوله تعالى:

{ { فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَالِبُونَ } } [القصص: 35].

{وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ} له: {أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ}، وأرادوا بالإفساد في الأرض دعاءهم الناس إلى مخالفة فرعون في عبادته، {وَيَذَرَكَ}، أي: وليذرك، {وَءالِهَتَكَ}، فلا يعبدك ولا يعبدها. قال ابن عباس: كان لفرعون بقرة يعبدها، وكان إذا رأى بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها، فلذلك أخرج السامري لهم عجلاً. وقال الحسن: كان قد علق على عنقه صليباً يعبده. وقال السدي: كان فرعون قد اتّخذ لقومه أصناماً وأمرهم بعبادتها، وقال لقومه: هذه آلهتكم وأنا ربها وربكم، فذلك قوله:

{ { أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } } [النازعات: 24]، وقرأ ابن مسعود وابن عباس والشعبي والضحاك: "ويذرك وإلاَهَتَكَ" بكسر الألف، أي: عبادتك فلا يعبدك، لأن فرعون كان يُعْبَد ولا يَعْبُد. وقيل: أراد بالآلهة الشمس، وكانوا يعبدونها. قال الشاعر:

تَرَوَّحْنَا من اللَّعْبَاءِ قَصْراًوَأعْجَلْنَا الإلاهةَ أَنْ تُؤبَا

{قَالَ} فرعون: {سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ}، قرأ أهل الحجاز: "سنقتل" بالتخفيف من القتل، وقرأ الآخرون بالتشديد من التقتيل على التكثير، {وَنَسْتَحْيِـى نِسَآءَهُمْ}، نتركهن أحياء، {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـٰهِرُونَ}، غالبون. قال ابن عباس: كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل في العام الذي قيل له إنه يولد مولود يذهب بملكك، فلم يزل يقتلهم حتى أتاهم موسى بالرسالة، وكان من أمره ما كان، فقال فرعون: أعيدوا عليهم القتل فأعادوا عليهم القتل، فشكت ذلك بنو إسرائيل.

قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوٓا۟ إِنَّ ٱلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَٱلْعَٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ۝١٢٨ قَالُوٓا۟ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِنۢ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ۝١٢٩ وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ۝١٣٠

{قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱلأَرْضَ لِلَّهِ}، يعني: أرض مصر، {يُورِثُهَا} يعطيها، {مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، النصر والظفر. وقيل: السعادة والشهادة. وقيل: الجنّة.

{قَالُوۤاْ أُوذِينَا}، قال ابن عباس: لمّا آمنت السحرة اتّبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل، فقالوا - يعني قوم موسى -: إنا أوذينا {مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا}، بالرسالة بقتل الأبناء، {وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}، بإعادة القتل علينا. وقيل: فالمراد منه أن فرعون كان يستسخرهم قبل مجيء موسى إلى نصف النهار، فلما جاء موسى استسخرهم جميع النهار بلا أجر. وذكر الكلبي أنهم كانوا يضربون اللَّبِن بتبن فرعون، فلما جاء موسى أجبرهم أن يضربوه بتبن من عندهم. {قَالَ} موسى: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ} فرعون، {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ}، أي: يسكنكم أرض مصر من بعدهم، {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}، فحقق الله ذلك فأغرق فرعون واستخلافهم في ديارهم وأموالهم فعبدوا العجل.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ الَ فِرْعَوْنَ بِٱلسِّنِينَ}، أي: بالجدب والقحط. تقول العرب: مسّتهم السنَةُ، أي: جدب السنة وشدّة السنة. وقيل: أراد بالسنين القحط سنة بعد سنة، {وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ}، والغلات بالآفات والعاهات. قال قتادة: أمّا السنين فلأهل البوادي، وأمّا نقص الثمرات فلأهل الأمصار، {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}، أي: يتعظون، وذلك لأن الشدّة ترقق القلوب وترغبها فيما عند الله عزّ وجلّ.

فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُوا۟ لَنَا هَٰذِهِۦ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا۟ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَلَآ إِنَّمَا طَٰٓئِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝١٣١ وَقَالُوا۟ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِۦ مِنْ ءَايَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ۝١٣٢ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَٰتٍ مُّفَصَّلَٰتٍ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ ۝١٣٣

{فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ}، يعني: الخصب والسعة والعافية، {قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ}، أي: نحن أهلها ومستحقوها على العادة التي جرت لنا في سعة أرزاقنا ولم يروها تفضّلاً من الله عزّ وجلّ فيشكروا عليها، {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ}، جدب وبلاء ورأوا ما يكرهون، {يَطَّيَّرُواْ} يتشاءموا، {بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ}، وقالوا: ما أصابنا بلاء حتى رأيناهم، فهذا من شؤم موسى وقومه.

وقال سعيد بن جبير ومحمد بن المنكدر: وكان مُلْكُ فرعون أربعمائة سنة، وعاش ستمائة وعشرين سنة لا يرى مكروهاً، ولو كان له في تلك المدة جوع يوم أو حُمَّى ليلة، أو وجع ساعة، لمَا ادّعى الربوبية قط. قال الله تعالى: {أَلاَۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ}، أي: انصباؤهم من الخصب والجدب والخير والشر كله من الله. وقال ابن عباس: طائرهم ما قضى الله عليهم وقدّر لهم، وفي رواية عنه: شُؤمهم عند الله ومن قِبَل الله، أي: إنّما جاءهم الشؤم بكفرهم بالله. وقيل: معناه الشؤم العظيم هو الذي لهم عند الله من عذاب النار، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}، أن الذي أصابهم من الله.

{وَقَالُوا} يعني: القبط لموسى، {مَهْمَا تَأْتِنَا} متى، ما كلمة تستعمل للشرط والجزاء، {تَأْتِنَا بِهِ مِن ءَايَةٍ}، علامة، {لِّتَسْحَرَنَا بِهَا}، لتنقلنا عمّا نحن عليه من الدين، {فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ}، بمصدقين.

{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ}، قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق - دخل كلام بعضهم في بعض -: لمّا آمنت السحرة، ورجع فرعون مغلوباً، أبى هو وقومه إلاّ الإقامة على الكفر والتمادي في الشرّ، فتابع الله عليهم الآيات وأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات، فلما عالج بالآيات الأربع: العصا، واليد، والسنين، ونقص الثمار، فأبوا أن يؤمنوا فدعا عليهم، فقال: يا رب إن عبدك فرعون علا في الأرض وطغى وعتا وإن قومه قد نقضوا عهدك، ربِّ فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمةً ولقومي عظةً ولمن بعدهم آيةً وعبرة، فبعث الله عليهم الطوفان، وهو الماء أرسل الله عليهم الماء وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة مختلطة، فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم من جلس منهم غرق، ولم يدخل بيوتَ بني إسرائيل من الماءِ قطرة، وركد الماء على أرضهم لا يقدرون أن يحرثوا ولا يعملوا شيئاً، ودام ذلك عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت.

وقال مجاهد وعطاء: الطوفان الموت. وقال وهب: الطوفان الطاعون بلغة اليمن. وقال أبو قلابة: الطوفان الجدري، وهم أول من عذّبوا به فبقي في الأرض.

وقال مقاتل: الطوفان الماء طغى فوق حروثهم.

وروي عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: الطوفان أمر من الله أطاف بهم، ثم قرأ:

{ { فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ } } [القلم: 19].

قال نحاة الكوفة: الطوفان مصدر لا يُجْمَعُ كالرجحان والنقصان.

وقال أهل البصرة: هو جمعٌ، واحدها طوفانة، فقالوا لموسى: ادعُ لنا ربك يكشف عنا المطر فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربَّه فرفع عنهم الطوفان، فأنبت الله لهم في تلك السنة شيء لم ينبته لهم قبل ذلك من الكلأ والزرع والثمر وأخصبت بلادهم، فقالوا: ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا وخصباً، فلم يؤمنوا وأقاموا شهراً في عافية، فبعث الله عليهم الجراد فأكل عامة زروعهم وثمارهم وأوراق الشجر حتى كان يأكل الأبواب وسقوف البيوت والخشب والثياب والأمتعة ومسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم، وابتلى الجراد بالجوع، فكان لا يشبع ولم يصب بني إسرائيل شيء من ذلك فعجوا وضجّوا، وقالوا: يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشف عنا الرجز لنؤمننّ لك، وأعطوه عهد الله وميثاقه، فدعا موسى عليه السلام ربه فكشف الله عنهم الجراد بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت.

وفي الخبر:

مكتوب على صدر كل جرادة جند الله الأعظم».

ويقال: إن موسى برز إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجعت الجراد من حيث جاءت، وكانت قد بقيت من زروعهم وغلاتهم بقية، فقالوا: قد بقي لنا ما هو كافينا فما نحن بتاركي ديننا، فلم يفوا بما عاهدوا، وعادوا إلى أعمالهم السوء فأقاموا شهراً في عافية، ثم بعث الله عليهم القمل.

واختلفوا في القمل، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: القمل السوس الذي يخرج من الحنطة. وقال مجاهد والسدي وقتادة والكلبي: القمل الدَّبى والجراد الطيارة التي لها أجنحة، والدَّبى الصغار التي لا أجنحة لها. وقال عكرمة: هي بنات الجراد. وقال أبو عبيدة: وهو الحمْنَان وهو ضرب من القراد. وقال عطاء الخراساني: هو القَمْل. وبه قرأ الحسن (القَمْل) بفتح القاف وسكون الميم.

قالوا: أمر الله موسى أن يمشي إلى كثيب أعفر، بقرية من قرى مصر تدعى عين شمس، فمشى موسى إلى ذلك الكثيب وكان أهيل فضربه بعصاه فانثال عليهم القمل، فتتبع ما بقي من حروثهم وأشجارهم ونباتهم فأكله، ولحس الأرض كلها وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده فيعضّه، وكان أحدهم يأكل الطعام فيمتلىء قملاً.

قال سعيد بن المسيّب: القمل السوس الذي يخرج من الحبوب، وكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحا فلا يرد منها ثلاثة أقفزة، فلم يصابوا ببلاء كان أشدّ عليهم من القمل، وأخذ أشعارهم وأبشارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كأنه الجدري عليهم ومنعهم النوم والقرار فصرخوا وصاحوا إلى موسى: أنا نتوب فادع لنا ربك يكشف عنّا البلاء، فدعا موسى عليه السلام الله فرفع الله القمل عنهم بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، فمكثوا وعادوا إلى أخبث أعمالهم، وقالوا: ما كنّا قط أحق أن نستيقن أنه ساحر منا اليوم يجعل الرمل دواب، فدعا موسى بعدما أقاموا شهراً في عافية، فأرسل الله عليهم الضفادع فامتلأت منها بيوتهم وأفنيتهم وأطعمتهم وآنيتهم، فلا يكشف أحدٌ إناءً ولا طعاماً إلاّ وجد فيه الضفادع، وكان الرجل يجلس في الضفادع إلى ذقنه ويهمّ أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه، وكانت تثب في قدورهم فتفسد عليهم طعامهم وتطفىء نيرانهم، وكان أحدهم يضطجع فتركبه الضفادع فتكون عليه ركاماً حتى ما يستطيع أن ينصرف إلى شقه الآخر ويفتح فاه لأكلته فيسبق الضفدعُ أكلتَه إلى فيه، ولا يعجن عجيناً إلا تشدخت فيه، ولا يفتح قدراً إلا امتلأت ضفادع، فلقوا منها أذىً شديداً.

روى عكرمة عن ابن عباس قال: كانت الضفادع برية، فلما أرسلها الله على آل فرعون سمعت وأطاعت فجعلت تقذف أنفسها في القدور وهي تغلي، وفي التنانير وهي تفور، فأثابها الله بحسن طاعتها برد الماء، فلما رأوا ذلك بكوا وشكوا ذلك إلى موسى، وقالوا هذه المرة نتوب ولا نعود، فأخذ عهودهم ومواثيقهم، ثم دعا ربه فكشف عنهم الضفادع بعدما أقام سبعاً من السبت إلى السبت، فأقاموا شهراً في عافية ثم نقضوا العهود وعادوا إلى كفرهم، فدعا عليهم موسى فأرسل الله عليهم الدم، فسال النيل عليهم دماً وصارت مياههم دماً وما يستقون من الآبار والأنهار إلا وجدوه دماً عبيطاً أحمر، فشكوا ذلك إلى فرعون وقالوا ليس لنا شراب، فقال: إنه سحركم، فقال القوم: من أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئاً من الماء إلا دماً عبيطاً؟ وكان فرعون يجمع بين القبطي والإسرائيلي على الإناء الواحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء والقبطي دماً ويقومان إلى الجرة فيها الماء فيخرج للإسرائيلي ماء وللقبطي دم، حتى كانت المرأة من آل فرعون تأتي المرأة من بني إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول: اسقني من مائك فتصب لها من قربتها فيعود في الإناء دماً حتى كانت تقول: اجعليه في فيك ثم مجيه في فيَّ، فتأخذ في فيها ماء فإذا مّجَّتْه في فيها صار دماً، وإن فرعون اعتراه العطش حتى إنه ليضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة، فإذا مضغها يصير ماؤها في فيه ملحاً أُجاجاً فمكثوا في ذلك سبعة أيام لا يشربون إلاّ الدم.

قال زيد بن أسلم: الدم الذي سُلِّط عليهم كان الرعاف، فأتوا موسى وقالوا يا موسى ادع ربَّك يكشف عنّا هذا الدم فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربّه عزّ وجلّ فكشف عنهم، فلم يؤمنوا فذلك قوله عزّ وجلّ: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَـٰتٍ مُّفَصَّلاَتٍ}، يتبع بعضها بعضاً. وتفصيلها أن كل عذاب يمتدّ أسبوعاً، وبين كل عذابين شهراً، {فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ}.

وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ قَالُوا۟ يَٰمُوسَى ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ۝١٣٤ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَٰلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ۝١٣٥ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَٰفِلِينَ ۝١٣٦

{وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ}، أي: نزل بهم العذاب وهو ما ذكر الله عزّ وجلّ من الطوفان وغيره. وقال سعيد بن جبير: الرجز الطاعون، وهو العذاب السادس بعد الآيات [الخمس]، حتى مات منهم سبعون ألفاً في يوم أحد فأمسوا وهم لا يتدافنون، {قَالُوۤاْ} لموسى: {يَٰمُوسَى ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ}، أي: بما أوصاك.

قال عطاء: بما نَبَّأك. وقيل: بما عهد عندك من إجابة دعوتك {لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ}، وهو الطاعون، {لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ}.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ثنا زاهر بن أحمد ثنا أبو إسحاق الهاشمي ثنا أبو مصعب عن مالك عن محمد بن المنكدر عن أبي النضر مولى عمر بن عبيدالله عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد: أسمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون؟ فقال أسامة بن زيد:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الطاعونُ رجزٌ أُرْسِلَ على بني إسرائيل أو على مَنْ كان قَبْلَكُم، فإذا سمعتُم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه».

قوله عزّ وجلّ: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَـٰلِغُوهُ}، يعني: إلى الغرق في اليمّ، {إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ}، ينقضون العهد.

{فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ فِي ٱلْيَمِّ}، يعني البحر، {بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ}، أي: عن النقمة قبل حلولها غافلين. وقيل: معناه عن آياتنا معرضين.

وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُوا۟ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُۥ وَمَا كَانُوا۟ يَعْرِشُونَ ۝١٣٧ وَجَٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْا۟ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا۟ يَٰمُوسَى ٱجْعَل لَّنَآ إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ۝١٣٨ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَٰطِلٌ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١٣٩ قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٤٠

{وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ}، يُقهرون ويُستذلّون بذبح الأبناء واستخدام النساء [والاستعباد وهم بنو إسرائيل]، {مَشَـٰرِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا}، يعني مصر والشام، {ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا}، بالماء والأشجار والثمار والخصب والسّعة، {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىۤ إِسْرءِيلَ}، يعني: وفَّت كلمة الله وهي وعده إيّاهم بالنصر والتمكين في الأرض، وذلك قوله تعالىٰ:

{ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ }[القصص: 5]، {بِمَا صَبَرُواْ}، على دينهم وعلى عذاب فرعون، {وَدَمَّرْنَا} أهلكنا {مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ}، في أرض مصر من العمارات، {وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ}، قال مجاهد: يبنون من البيوت والقصور. وقال الحسن: يعرشون من الأشجار والثمار والأعناب. وقرأ أبو بكر وابن عامر {يَعْرِشُونَ} بضم الراء ها هنا وفي النحل، وقرأ الآخرون بكسرها.

قوله تعالى: {وَجَـٰوَزْنَا بِبَنِىۤ إِسْرءِيلَ ٱلْبَحْرَ}، قال الكلبي: عبر بهم موسى البحر يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه فصامه شكراً لله عزّ وجلّ، {فَأَتَوْاْ} فمرّوا {عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ}، يقيمون، قرأ حمزة والكسائي {يَعْكُفُونَ} بكسر الكاف، وقرأ الآخرون بضمها وهما لغتان، {عَلَىٰ أَصْنَامٍ}، أوثان {لَهُمْ}، يعبدونها من دون الله.

قال ابن جريج: كانت تماثيل بقر، قال: وذلك أول شأن العجل. قال قتادة: كان أولئك القوم من لخم وكانوا نزولاً بالرقّة، فقالت بنو إسرائيل لما رأوا ذلك، {قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهًا}، أي: مثالاً نعبده {كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ}، ولم يكن ذلك شكاً من بني إسرائيل في وحدانية الله، وإنّما معناه اجعل لنا شيئاً نعظّمه ونتقرّب بتعظيمه إلى الله عزّ وجلّ وظنوا أن ذلك لا يضرّ الديانة وكان ذلك لشدّة جهلهم. {قَالَ} موسى: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}، عظمة الله.

{إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ مُتَبَّرٌ}، مهلك، {مَّا هُمْ فِيهِ}، والتتبير الإهلاك، {وَبَـٰطِلٌ} مضمحل وزائل، {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.

{قَالَ} يعني موسى: {أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ}، أي: أبغي لكم وأطلب، {إِلَـٰهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ}، أي: عالمي زمانكم.

أخبرنا أبو سعيد عبدالله بن أحمد الطاهري، أنا جدي أبو سهل عبدالصمد بن عبدالرحمن البزاز، أنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري، أنا إسحاق بن إبراهيم الدبري أنا عبدالرزاق أنا معمر عن الزهري عن سنان بن أبي سنان الديلي

عن أبي واقد اللّيثي، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم قِبَلَ حُنين، فمررنا بسدرةٍ، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنْواطٍ كما كان للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة يعكفون حولها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى «اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة إنكم تركبون سنن من قبلكم»».

وَإِذْ أَنجَيْنَٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ۝١٤١ وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَٰهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝١٤٢

قوله عزّ وجلّ: {وَإِذْ أَنْجَيْنَـٰكُمْ} قرأ ابن عامر "أنجاكم"، وكذلك هو في مصاحف أهل الشام، {مِّنْ ءَالِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ}، قرأ نافع "يَقْتُلون" خفيفةً، من القتل، وقرأ الآخرون بالتشديد على التكثير من التقتيل، {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ}.

{وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةً}، ذي القعدة، {وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ}، من ذي الحجّة، {فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَىٰ} عند انطلاقه إلى الجبل للمناجاة {لأَخِيهِ هَـٰرُونَ ٱخْلُفْنِى}، كن خليفتي، {فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ}، أي: أصلحهم بحملك إياهم على طاعة الله، وقال ابن عباس: يريد الرفق بهم والإحسانَ إليهم، {وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ}، أي: لا تطع من عصى الله ولا توافقه على أمره، وذلك أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهم بمصر: أن الله إذا أهلك عدوهم أتاهم بكتاب فيه بيان ما يأتون وما يذرون! فلمّا فعل الله ذلك بهم سأل موسى ربّه الكتاب، فأمره الله عزّ وجلّ أن يصوم ثلاثين يوماً، فلما تمّت الثلاثون أنكر خُلوُف فمه فتسوِّك بعود خروب.

وقال أبو العالية: أكل من لحاء شجرة فقالت له الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة السمك، فأفسدتَه بالسواك، فأمره الله أن يصوم عشرة أيام من ذي الحجّة، وقال: أما علمت أنّ خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، فكانت فتنتهم في العشر التي زادها.

الجمعة، 30 أكتوبر 2026 19 جمادى الأولى 1448 هـ