انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير البغويالآيات 170–201

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير البغوي.

وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَٰبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ ۝١٧٠ وَإِذْ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٌ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُۥ وَاقِعٌۢ بِهِمْ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ۝١٧١ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا۟ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَٰفِلِينَ ۝١٧٢

{وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتَابِ} قرأ أبو عامر عن عاصم: "يُمْسِكون" بالتخفيف، وقراءة العامة بالتشديد لأنه يقال تمسّكت بالشيء، ولا يقال أمسكت بالشيء، إنما يقال أمسكته، وقرأ أُبيّ بن كعب: "والذين تمسّكوا بالكتاب"، على الماضي وهو جيد لقوله تعالى: {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ}، إذْ قَلّ ما يعطف ماضٍ على مستقبل إلاّ في المعنى، [وأراد] الذين يعملون بما في الكتاب، قال مجاهد: هم المؤمنون من أهل الكتاب، عبدالله بن سلام وأصحابه، تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى فلم يحرّفوه ولم يكتموه ولم يتخذوه مأكلةً. وقال عطاء: هم أمّة محمد صلى الله عليه وسلم. {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ}.

قوله تعالى: {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ}، أي: فلقنا الجبل. وقيل: رفعناه {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ}، قال عطاء: سقيفة. والظلّة: كل ما أظلك، {وَظَنُّوۤاْ} وعلموا {أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ}، أي: وقلنا لهم خذوا، {مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ}، بجدٍ واجتهاد، {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ}، واعلموا به، {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، وذلك حين أبَوْا أن يقبلوا أحكام التوراة، فرفع الله على رؤسهم جبلاً. قال الحسن: فلما نظروا إلى الجبل خرّ كل رجل منهمَ ساجداً على حاجبه الأيسر ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً من أن يسقط عليه، ولذلك لا تجد يهودياً إلا ويكون سجوده على حاجبه الأيسر.

قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِىۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}، الآية.

أخبرنا أبُو الحسن محمد بن محمد السرخسي أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن زيد بن أبي أنيسة عن عبدالحميد بن عبد الرحمن، عن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سُئل عن هذه الآية: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِىۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية، قال عمر بن الخطاب:

سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم [يُسأل عنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم]: إن الله عزّ وجلّ خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذُرّيةً، فقال: خلقتُ هؤلاء للجنّة وبعمل أهل الجنّة يعملون. ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذريّةً فقال: خلقتُ هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: فَفِيمَ العملُ يا رسولَ الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن اللَّهَ عزّ وجلّ إذا خلق العبد للجنّة استعمله بعمل أهل الجنّة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنّة، فيدخله به الجنّة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمالِ أهل النار فيدخله به النار. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن. ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وعمر رجلاً.

قال مقاتل وغيره من أهل التفسير: إن الله مسح صفحةَ ظهرِ آدمَ اليمنى فأخرج منه ذريةً بيضاء كهيئة الذر يتحركون، ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذريةً سوداء كهيئة الذر، فقال: يا آدم هؤلاء ذريتك، ثم قال لهم: ألستُ بربكم؟ قالوا: بلى، فقال للبيض: هؤلاء في الجنّة برحمتي ولا أبالي وهم أصحاب اليمين، وقال للسود: هؤلاء في النار ولا أبالي، وهم أصحاب الشمال، ثم أعادهم جميعاً في صلبه، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء. قال الله تعالى فيمن نقض العهد الأول:

{ وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ }[الأعراف: 102].

وقال بعض أهل التفسير: إن أهل السعادة أقرّوا طوعاً وقالوا بلى، وأهل الشقاوة قالوا تَقِيَّةً وكرهاً، وذلك معنى قوله:

{ { وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً } } [آل عمران: 83].

واختلفوا في موضع الميثاق، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ببطن نَعْمان - وادٍ إلى جنب عرفة -، وروي عنه أيضاً أنه بدهناء من أرض الهند، وهو الموضع الذي هبط آدم عليه السلام عليه. وقال الكلبي: بين مكّة والطائف. وقال السدي: أخرج الله آدم عليه السلام من الجنّة فلم يهبط من السماء ثم مسح ظهره فأخرج ذريّته. وروي: أن الله أخرجهم جميعاً وصوّرهم وجعل لهم عقولاً يعملون بها وألسناً ينطقون بها ثم كلّمهم قبلاً يعني عياناً، وقال: ألست بربّكم؟ قال الزجاج: وجائز أن يكون الله تعالى جعل لأمثال الذرَّ فهما تعقل به؛ كما قال تعالى:

{ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ } } [النمل: 18].

وروي أن الله تعالى قال لهم جميعاً: اعلموا أنه لا إله غيري وأنا ربّكم لا ربَّ لكم غيري فلا تشركوا بي شيئاً، فإني سأنتقم ممن أشرك بي ولم يؤمن بي وإني مرسل إليكم رسلاً يذكرونكم عهدي وميثاقي، ومنزّل عليكم كتباً. فتكلموا جميعاً، وقالوا: شهدنا أنك ربُّنا وإلهنا لاَ ربّ لنا غيرُك، فأخذ بذلك مواثيقهم، ثم كتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم، فنظر إليهم آدم فرأى منهم الغنيَّ والفقيرَ وحَسنَ الصورة ودون ذلك، فقال: يا ربِّ لولا سوّيتَ بينهم؟ قال: إني أحب أن أُشكر، فلمّا قرّرهم بتوحيده وأشهد بعضهم على بعض أعادهم إلى صلبه فلا تقوم الساعة حتى يولد كل من أخذ ميثاقه، فذلك قوله تعالى: "وإذْ أخذ ربُّك من بني آدم مِنْ ظهورِهم"، أي: من ظهور بني آدم ذريتهم، قرأ أهل المدينة وأبو عمرو وابن عامر: "ذريَّاتِهم" بالجمع وكسر التاء، وقرأ الآخرون "ذريَّتَهم" على التوحيد، ونصب التاء.

فإن قيل: ما معنى قوله "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم" وإنما أخرجهم من ظهر آدم؟ قيل: إنّ الله أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء في الترتيب، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لِمَا علم أنهم كلهم بنوه وأخرجوا من ظهره.

قوله تعالى: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ}، أي: أشهد بعضهم على بعض:

قوله تعالى: {شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ}، قرأ أبو عمرو: "أن يقولوا" أو يقولوا بالياء فيهما، وقرأ الآخرون بالتاء فيهما.

واختلفوا في قوله: "شهدنا"، قال السدي: هو خبر من الله عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم. وقال بعضهم: هو خبر عن قول بني آدم أشهدَ اللَّهُ بعضَهم على بعض، فقالوا: بلى شهدنا. وقال الكلبي: ذلك من قول الملائكة وفيه حذف تقديره: لما قالت الذرية: بلى قال الله للملائكة: اشهدوا، قالوا: شهدنا، قوله: "أن يقولوا"، يعني: وأشهدهم على أنفسهم أن يقولوا، أي: لئلا يقولوا أو كراهية أن يقولوا، ومن قرأ بالتاء فتقدير الكلام: أخاطبكم: ألستُ بربِّكم لئلا تقولوا، {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ}، أي: عن هذا الميثاق والإقرار، فإن قيل: كيف تلزم الحجّة واحد لا يذكر الميثاق؟ قيل: قد أوضح الله الدلائل على وحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا، فمن أنكره كان معانداً ناقضاً للعهد ولزمته الحجّة، وبنسيانهم وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاجُ بعد إخبار المخبِر الصادق صاحب المعجزة.

أَوْ تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنۢ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ ۝١٧٣ وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَٰتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝١٧٤ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ۝١٧٥

قوله تعالى: {أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ} يقول إنما أُخذ الميثاق عليكم لئلا تقولوا أيّها المشركون:إنّما أشرك آباؤنا من قبل ونقضوا العهد وكنّا ذرية من بعدهم، أي: كنّا أتباعاً لهم فاقتدينا بهم، فتجعلوا هذا عذراً لأنفسكم وتقولوا، {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ}، أفتعذبنا بجناية آبائنا المبطلين فلا يمكنهم أن يحتجّوا بمثل هذا الكلام بعد تذكير الله تعالى بأخذ الميثاق على التوحيد.

{وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلأَيَـٰتِ}، أي: نُبيّن الآيات ليتدبّرها العباد، {وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، من الكفر إلى التوحيد.

قوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىۤ ءاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا} الآية، اختلفوا فيه، قال ابن عباس: هو بلعم بن باعوراء. وقال مجاهد: بلعام بن باعر. وقال عطية عن ابن عباس: كان من بني إسرائيل. ورُوي عن عليّ بن أبي طلحة رضي الله عنه أنه كان من الكنعانيين من مدينة الجبارين. وقال مقاتل: هو من مدينة بلقا.

وكانت قصته - على ما ذكره ابن عباس وابن إسحاق والسدي وغيرهم - أن موسى لما قصد حرب الجبارين ونزل أرض بني كنعان من أرض الشام أتى قوم بلعام إلى بلعم - وكان عنده اسم الله الأعظم - فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جند كثير، وأنه جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرجْ فادعُ الله أن يردّهم عنّا، فقال لهم: ويلكم نبيّ الله ومعه الملائكة والمؤمنون كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم، وإني إن فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي، فراجعوه وألحّوا عليه فقال: حتى أُؤامر ربي، وكان لا يدعوه حتى ينظر ما يؤمر به في المنام فآمر في الدعاء عليهم، فقيل له في المنام: لا تدع عليهم، فقال لقومه: إني قد آمرتُ ربي وإني قد نُهيتُ فأُهدوا إليه هديةً فقبلها، ثم راجعوه فقال: حتى أؤامر ربّي فآمر، فلم يوحَ إليه شيء، فقال: قد آمرتُ فلم يوح إليّ شيء، فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك في المرّة الأولى، فلم يزالوا يتضرّعون إليه حتى فتنوه فافتتن فركب أتاناً له متوجهاً إلى جبل يُطلعه على عسكر بني إسرائيل يقال له حُسْبان، فلما سار عليه غيرَ كثيرٍ رَبَضَتْ به، فنزل عنها فضربها حتى إذا أذلقها، قامت فركبها، فلم تَسِرْ به كثيراً حتى ربضت، ففعل بها مثل ذلك فقامت، فركبها فلم تسر به كثيراً حتى ربضت، فضربها حتى إذا أذلقها، أذن الله لها الكلام فكلّمته حجّة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب بي؟ ألاَ ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا؟ أتذهب بي إلى نبيّ الله والمؤمنين تدعو عليهم؟ فلم ينزع، فخلّى الله سبيلها فانطلقت حتى إذا أشرفت به على جبل حُسْبَان جعل يدعو عليهم ولا يدعو بشيء إلا صرف الله به لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف الله به لسانه إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: يا بلعم أتدري ماذا تصنع إنما تدعو لهم علينا؟ فقال: هذا ما لا أملكه، هذا شيء قد غلب الله عليه فاندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت الآن مني الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال جمِّلُوا النساء وزيّنوهنّ وأعطوهنّ السلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه، ومُروهنّ فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنا رجلٌ واحد منهم كفيتموهم، ففعلوا فلما دخل النساء العسكر مَرَّتِ امرأة من الكنعانيّين، اسمها كستى بنت صور، برجل من عظماء بني إسرائيل يقال له زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب، فقام إليها فأخذ بيدها حين أعجبه جماله ثم أقبل بها حتى وقف بها على موسى، فقال: إني أظنك ستقول هذه حرام عليك؟ فقال: أجلْ هي حرام عليك لا تقربها، قال: فوالله لا أطيعك في هذا، ثم دخل بها قبته فوقع عليها، فأرسل الله الطاعون على بني إسرائيل في الوقت، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى، وكان رجلاً قد أُعطي بسطة في الخلق وقوّة في البطش، وكان غائباً حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، فجاء والطاعون يجوس بني إسرائيل فأُخبر الخبر، فأخذ حربته وكانت من حديد كلها، ثم دخل عليهما القبّة، وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لحيته وكان بِكر العيزار، وجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك ورُفع الطاعون، فحُسِبَ مَنْ هلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص، فوجدوا قد هلك منهم سبعون ألفاً في ساعة من النهار، فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ولدَ فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها القبةَ والذراع واللحى لاعتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إيّاها بذراعه، وإسناده إياها إلى لحيته، والبكرَ من كل أموالهم وأنفسهم، لأنه كان بكر العيزار، وفي بلعم أنزل الله تعالى;: "واتْلُ عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا" الآية.

وقال مقاتل: إن ملك البلقاء قال لبلعام: ادعُ اللَّهُ على موسى، فقال: إنه من أهل ديني لا أدعو عليه، فنحت خشبة ليصلبه فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو عليه، فلما عاين عسكرهم قامت به الأتان ووقفت فضربها، فقالت له: لِمَ تضربني؟ إني مأمورة هذه نار أمامي قد منعتني أن أمشي فرجع وأخبر الملك، فقال: لتدعونّ عليه، أو لأصلبنّك، فدعا على موسى بالاسم الأعظم: أن لا يدخل المدينة فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بالدعاية، فقال موسى: يا رب بأيّ ذنب وقعنا في التيه؟ فقال: بدعاء بلعام، قال: فكما سمعتَ دعاءَه عليّ فاسمعْ دعائي عليه، فدعا موسى عليه السلام أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان، فنزع الله عنه المعرفة وسلخه منها فخرجت منه صدره كحمامة بيضاء، فذلك قوله: "فَانْسَلَخَ منهَا".

وقال عبدالله بن عمرو بن العاص، وسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم: نزلت هذه الآية في أميّة بن أبي الصلت الثقفي، وكانت قصته: أنه كان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولاً فَرَجَا أن يكون هو ذلك الرسول، فلمّا أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم حسده وكفر به، وكان صاحب حكمةٍ وموعظة حسنة، وكان قصَد بعض الملوك فلم رجع مرَّ على قتلى بدر، فسأل عنهم فقيل: قتلهم محمد، فقال: لو كان نبيّاً ما قتل أقرباءه، فلما مات أمية أتت أخته فارعةً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وفاة أخيها فقالت: بينما هو راقد أتاه آتيان فكشفا سقف البيت، فنزلا فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: أوعى؟ قال: وعى؟ قال أزكى؟ قال: أبى، قالت: فسألته عن ذلك، فقال: خيرٌ أُريدَ بي، فصرف عني فغشي عليه، فلما أفاق قال:

كل عيش وإن تطـاول دهـراًصـائــرٌ مــرةً إلـى أن يــزولا ليتني كنتُ قبلَ ما قدْ بدَا ليفي قلال الجبالِ أرعى الوُعولا إنّ يومَ الحسابِ يومٌ عظيــمٌشابَ فيه الصغيرُ يومـاً ثقـيــلاً

ثم قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:أنشديني من شعر أخيك، فأنشدته بعض قصائده، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: آمَن شِعْرُهُ وكفر قلبه،فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىۤ ءاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا} الآية.

وفي رواية عن ابن عباس: أنها نزلت في البسوس، رجل من بني إسرائيل وكان قد أعطي له ثلاث دعوات مستجابات، وكان له امرأة له منها ولد، فقالت: اجعلْ لي منها دعوة، فقال: لكِ منها واحدة فما تريدين؟ قالت: ادعُ الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا لها فجُعلت أجمل النساء في بني إسرائيل، فلما علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه، فغضب الزوج ودعا عليها فصارت كلبة نباحة، فذهب فيها دعوتان، فجاء بنوها وقالوا: ليس لنا على هذا قرار، قد صارت أُمُّنا كلبةً نباحة، والناس يعيّروننا بها، ادعُ الله أن يردّها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت فذهبت فيها الدعوات كلها. والقولان الأولان أظهر.

قال الحسن وابن كيسان: نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم.

وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله عزّ وجلّ لمن عُرض عليه الهدى فأبَى أن يقبله، فذلك قوله: "واتْلُ عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا". قال ابن عباس والسدي: اسم الله الأعظم. قال ابن زيد: كان لا يسأل الله شيئاً إلاّ أُعطاه. وقال ابن عباس في رواية أخرى: أوتي كتاباً من كتب الله فانسلخ، أي: خرج منها كما تنسلخ، أي: خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها.{فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ}، أي: لحقه وأدركه، {فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ}.

وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ۝١٧٦

{وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا}، أي: رفعنا درجته ومنزلته بتلك الآيات. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لرفعناه بعلمه بها. وقال مجاهد وعطاء: لرفعنا عنه الكفر وعصمناه بالآيات. {وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ}، أي: سكن إلى الدنيا ومال إليها. قال الزجاج: خلد وأخلد واحد. وأصله من الخلود وهو الدوام والمقام، يقال: أخلد فلان بالمكان إذا أقام به، والأرض هاهنا عبارة عن الدنيا، لأن ما فيها من القفار والرباع كلها أرض، وسائر متاعها مستخرج من الأرض. {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ}، انقاد لما دعاه إليه الهوى. قال ابن زيد: كان هواه مع القوم. قال عطاء: أراد الدنيا وأطاع شيطانه، وهذه أشدّ آية على العلماء، وذلك أن الله أخبر أنه آتاه [آية] من اسمه الأعظم والدعوات المستجابة والعلم والحكمة، فاستوجب بالسكون إلى الدنيا واتّباع الهوى تغيير النعمة عليه بالانسلاخ عنها، ومَن الذي يَسْلَمُ من هاتين الخلتين إلا من عصمه الله؟

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة أنا محمد بن أحمد بن الحارث، أنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنا عبدالله بن محمود، أنا إبراهيم بن عبدالله الخلال، أنا عبدالله بن المبارك عن زكريّا بن أبي زائدة، عن محمد بن عبدالرحمن بن أسعد بن زرارة عن كعب بن مالك الأنصاري عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما ذِئْبَانِ جَائعان أُرسلا في غَنَمٍ بأفسدَ لهَا من حرص المرء على المال والشرف لدينه».

قوله تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث}، يقال: لهث الكلب يلهث لهثاً: إذا أدلع بلسانه. قال مجاهد: هو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به.

والمعنى: إن هذا الكافر إن زجرته لم ينزجر، وإن تركته لم يهتدِ، فالحالتان عنده سواء، كحالتي الكلب: إن طرد وحُمل عليه بالطرد كان لاهثاً، وإن تُرك وربَضَ كان لاهثاً. قال القتيبي: كل شيء يلهث إنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب، فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة وفي حال العطش، فضربه الله مثلاً لمن كذّب بآياته، فقال: إن وعظته فهو ضال وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث، وإن تركته على حاله لهث، نظيره قوله تعالى:

{ { وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ } } [الأعراف:193]، ثم عمّ بهذا التمثيل جميع من يكذب بآيات الله، فقال: {ذَٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}، وقيل: هذا مثل لكفار مكة وذلك أنهم كانوا يتمنّون هادياً يهديهم ويدعوهم إلى طاعة الله، فلما جاءهم نبيّ لا يشكّون في صدقه كذّبوه فلم يهتدوا وتُركوا أو دُعوا.

سَآءَ مَثَلًا ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ ۝١٧٧ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى وَمَن يُضْلِلْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ۝١٧٨

{سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} أي: بأس مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، وتقديره: ساء مثلاً مثلُ القوم، فحذف مثل وأقيم القوم مقامه فرُفع، {وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ}.

{مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ}.

وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآ أُو۟لَٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَٰفِلُونَ ۝١٧٩ وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَٰٓئِهِۦ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١٨٠

{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} أخبر الله تعالى أنه خلق كثيراً من الجنّ والإنس للنار، وهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزليّة بالشقاوة، ومَنْ خلقه الله لجهنم فلا حيلة له في الخلاص منها.

أخبرنا أبو بكر يعقوب بن أحمد بن محمد بن علي الصيرفي، أنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي، أنا أحمد بن محمد بن أبي حمزة البلخي، حدثنا موسى بن محمد بن الحكم الشطوي، حدثنا حفص بن غياث عن طلحة بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت:

أدرك النبي صلى الله عليه وسلم جنازة صبي من صبيان الأنصار، فقالت عائشة: طوبى له عصفورٌ من عصافير الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك؟ إنْ الله خلق الجنّة وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم» ». وقيل: اللام في قولهم "لجهنم" لام العاقبة، أي: ذرأناهم، وعاقبة أمرهم جهنم؛ كقوله تعالى: { { فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } } [القصص: 8]، ثم وصفهم فقال: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا}، أي: لا يعملون بها الخير والهدى، {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا}، طريق الحقّ وسبيل الرشاد، {وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ}، مواعظ القرآن فيتفكرون فيها ويعتبرون بها، ثم ضرب لهم مثلاً في الجهل والاقتصار على الأكل والشرب، فقال: {أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}، أي: كالأنعام في أنّ همتهم في الأكل والشرب والتمتع بالشهوات، بل هم أضلّ لأن الأنعام تُميّز بين المضار والمنافع، فلا تقدم على المضار، وهؤلاء يقدمون على النار معاندةً مع العلم بالهلاك، {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ}.

قوله تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا}، قال مقاتل: وذلك أن رجلاً دعا الله في صلاته ودعا الرحمن، فقال بعض مشركي مكة: إن محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه يَدَّعُون أنهم يعبدون رباً واحداً فما بال هذا يدعو اثنين؟ فأنزل الله عزّ وجلّ: "ولله الأسماء الحسنى فادْعُوه به". والحسنى تأنيث الأحسن كالكبرى والصغرى فادعوه بها.

أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبدالله بن بشران، أنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، أنا أحمد بن منصور الرمادي حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إنّ لله تسعةً وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنّة، إنّه وِتْرٌ يحب الوِتر».

{وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىۤ أَسْمَـٰئِهِ}، قرأ حمزة: "يَلْحَدون" - بفتح الياء والحاء حيث كان - ووافقه الكسائي في النحل، والباقون بضم الياء وكسر الحاء، ومعنى الإلحاد هو: الميل عن [المقصد]، يقال: ألحَد يُلحد إلحاداً، ولحد يلحد لحوداً إذا مال. قال يعقوب بن السكيت: الإلحاد هو العدول عن الحق، وإدخال ما ليس منه فيه، يقال: ألحد في الدين، ولحد، وبه قرأ حمزة.

{وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىۤ أَسْمَـٰئِهِ}: هم المشركون عدلوا بأسماء الله تعالى عمّا هي عليه، فسمّوا بها أوثانهم فزادُوا ونقصوا، فاشتقوا اللاّت من "الله" والعزّى من "العزيز" ومناة من "المنان"، هذا قول ابن عباس ومجاهد.

وقيل: هو تسميتهم الأصنام آلهة. وروي عن ابن عباس: يلحدون في أسمائه أي يكذبون. وقال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله: تسميته بما لم يُسَمَّ به، ولم ينطق به كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وجملته أن أسماء الله تعالى على التوقيف فإنه يُسمى جواداً ولا يسمى سخياً، وإن كان في معنى الجواد، ويسمّى رحيماً ولا يسمى رفيقاً، ويسمى عالماً ولا يسمى عاقلاً. وقال تعالى:

{ { يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } } [النساء: 142]، وقال عزّ مِنْ قائل: { { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ } } [آل عمران: 54]، ولا يقال في الدعاء: يا مخادع، يا مكار، بل بدعى بأسمائه التي ورد بها التوقيف على وجه التعظيم، فيقال: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا عزيز، يا كريم ونحو ذلك. {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} في الآخرة.

وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ ۝١٨١ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ۝١٨٢ وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ ۝١٨٣ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ۝١٨٤

قوله تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ} أي: عصابة، {يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}، قال عطاء عن ابن عباس: يريد أمّة محمد صلى الله عليه وسلم وهم المهاجرون والتابعون لهم بإحسان.

وقال قتادة: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: «هذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلَها، ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون»».

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثني الوليد، حدثني ابن جابر، وهو عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني عمير بن هانيء أنه سمع معاوية رضي الله عنه يقول: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:

لا تزال من أمتي أمةٌ قائمةٌ بأمر الله، لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمرُ الله وهم على ذلك. وقال الكلبي: هم من جميع الخلق.

{وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} قال عطاء: سنمكر بهم من حيث لا يعلمون. وقيل: نأتيهم من مأمنهم؛ كما قال:

{ { فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ } } [الحشر: 2]، قال الكلبي: يزين لهم أعمالهم ويهلكهم، وقال الضحاك: كلما جدَّدوا معصيةً جدَّدْنا لهم نعمة. قال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعمة وننسيهم الشكر. قال أهل المعاني: الاستدراج أن يتدرج إلى الشيء في خفية قليلاً قليلاً فلا يباغت ولا يجاهر، ومنه درج الصبيُّ إذا قارب بين خطاه في المشي، ومنه درج الكتابَ إذا طواه شيئاً بعد شيء.

{وَأُمْلِى لَهُمْ}، أي: أمهلهم وأطيل لهم مدة عمرهم ليتمادوا في المعاصي، {إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ}، أي: إن أخذي قوي شديد، قال ابن عباس: إن مكري شديد. قيل: نزلت في المستهزئين، فقتلهم الله في ليلة واحدة.

قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ}. قال قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قام على الصفا ليلاً، فجعل يدعو قريشاً فَخْذاً فخذاً: يا بني فلان، يا بني فلان، يحذّرُهم بأس الله ووقائعه، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون بات يُصوِّت إلى الصباح، فأنزل الله تعالى: "أوَلمْ يتفكروا ما بصاحبهم"، محمد صلى الله عليه وسلم: {مِّن جِنَّةٍ} جنون، {إِنْ هُوَ}، ما هو، {إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}، ثم حثهم على النظر المؤدّي إلى العلم فقال: {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ}

أَوَلَمْ يَنظُرُوا۟ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ وَأَنْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَهُۥ يُؤْمِنُونَ ۝١٨٥ مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُۥ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ۝١٨٦ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝١٨٧

{أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ}، فيهما، {مِن شَىْءٍ}، أي: وينظروا إلى ما خلق الله فيهما من شيء ليستدلوا بها على وحدانيّته. {وَأَنْ عَسَىٰۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ}، أي: لعلّ أن يكون قد اقترب أجلهم فيموتوا قبل أن يؤمنوا ويصيروا إلى العذاب، {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}، أي: بعد القرآن يؤمنون، يقول: بأي كتاب غير ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يصدّقون، وليس بعده نبي ولا كتاب، ثم ذكر علة إعراضهم عن الإيمان فقال:

{مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ}، قرأ أهل البصرة وعاصم بالياء ورفع الراء، وقرأ حمزة والكسائي بالياء وجزم الراء، لأن ذكر الله قد مرّ قبله، وجزم الراء مردود على "يظلل"، وقرأ الآخرون: بالنون ورفع الراء على أنه كلام مستأنف. {فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ}، يتردّدون متحيرين.

قوله تعالى: {يَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا}، قال قتادة: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بيننا وبينك قرابة فأسرَّ إلينا متى الساعة؟ فأنزل الله تعالى: "يسألونك عنِ الساعة"، يعني: القيامة، {أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: منتهاها. وقال قتادة: قيامها. وأصله الثبات، أي: مثبتها، {قُلْ} يا محمد {إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي}، استأثر بعلمها ولا يعلمها إلا هو، {لاَ يُجَلِّيهَا}، لا يكشفها ولا يظهرها. قال مجاهد: لا يأتي بها، {لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}، يعني: ثقل علمها وخفي أمرها على أهل السموات والأرض، وكل خفي ثقيل. قال الحسن: يقول إذا جاءت ثقلت وعظمت على أهل السموات والأرض، {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً}، فجأة على غفلة.

أخبرنا عبدالواحد المليحي، حدثنا أحمد بن عبدالله النعيمي حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

لتقومنّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومنّ الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لَقْحته فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومنّ الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها».

{يَسْـأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا}، أي عالم بها من قولهم أحفيت في المسألة، أي: بالغت فيها، معناه: كأنك بالغت في السؤال عنها حتى علمتها، {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}، أنّ علمها عند الله حتى سألوا محمداً صلى الله عليه وسلم عنها.

قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝١٨٨

{قُل لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتريه وتربح فيه عند الغلاء، وبالأرض التي يريد أن تجدب فترتحل منها إلى ما قد أخصبت؟ فأنزل الله تعالى: "قلْ لا أملك لنفسي نفعاً"، أي: لا أقدر لنفسي نفعاً، أي: اجتلاب نفع بأن أربح ولا ضرّاً، أي دفع ضَرّ بأن ارتحل من أرض يريد أن تجدب إلا ما شاء الله أن أملكه.

{وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوۤءُ}، أي: لو كنت أعلم الخصب والجدب لاستكثرت من الخير، أي: من المال لسنة لقحط {وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ}، أي: الضرّ والفقر والجوع.

وقال ابن جريج: "قلْ لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً"، يعني: الهدى والضلالة، (ولو كنت أعلم الغيب)، أي: متى أموت لاستكثرت من الخير، يعني: من العمل الصالح وما مسني السوء.

قال ابن زيد: واجتنبت ما يكون من الشر واتقيته.

وقيل: معناه ولو كنت أعلم الغيب أي متى الساعة لأخبرتكم حتى تؤمنوا وما مسني السوء بتكذيبكم. وقيل: وما مسني السوء: ابتداءً، يريد وما مسني الجنون لأنهم كانوا ينسبونه إلى الجنون. {إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ}، لمن لا يصّق بما جئت به، {وَبَشِيرٌ}، بالجنة، {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، يصدِّقون.

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِۦ فَلَمَّآ أَثْقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَٰلِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ۝١٨٩ فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحًا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَا فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝١٩٠

قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ}، يعني: آدم، {وَجَعَلَ}، وخلق {مِنْهَا زَوْجَهَا}، يعني: حواء، {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا}، ليأنس بها ويأوي إليها {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا}، أي: واقعها وجامعها {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا}، وهو أول ما تحمل المرأة من النطفة يكون خفيفاً عليها، {فَمَرَّتْ بِهِ}، أي: استمرّت به وقامت وقعدت به، ولم يثقلها، {فَلَمَّآ أَثْقَلَت}، أي: كبر الولد في بطنها وصارت ذات ثقل بحملها ودنت ولادتها، {دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا}، يعني آدم وحوّاء، {لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا} يا ربّنا {صَالِحاً}، أي: بشراً سوياً مثلنا، {لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ}، قال المفسرون: فلما حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل، فقال لها: ما الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري. قال: إني أخاف أن يكون بهيمة، أو كلباً، أو خنزيراً، وما يدريك من أين يخرج، من دبرك فيقتلك، أو من قُبُلك وينشق بطنك، فخافت حواء من ذلك، وذكرت ذلك لآدم عليه السلام فلم يَزَالاَ في همّ من ذلك، ثم عاد إليها فقال: إني من الله بمنزلة، فإن دعوتُ الله أن يجعله خلقاً سوياً مثلَكِ ويسهل عليك خروجه تسميه عبدالحارث؟ - وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث - فذكرت ذلك لآدم، فقال: لعلّه صاحبنا الذي قد علمتِ، فعاودها إبليس فلم يزل بهما حتى غرَّهما، فلما ولدت سمّياه عبدالحارث.

قال الكلبي: قال إبليس لها إن دعوتُ الله فولدت إنساناً أتسمِّينه بي؟ قالت: نعم، فلما ولدت قال سميه بي، قالت: وما اسمك؟ قال: الحارث، ولو سمى لها نفسه لعرفته فسمته عبدالحارث.

ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت حواء تلد لآدم فيسميه عبدالله، وعبيدالله وعبدالرحمن، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس وقال: إن سرّكما أن يعيش لكما ولد فسمّياه عبدالحارث، فولدت فسمياه عبدالحارث فعاش. وجاء في الحديث:

خَدعَهُما إبليس مرتين مرة في الجنة ومرة في الأرض».

وقال ابن زيد: ولد لآدم ولد فسمّاه عبدالله فأتاهما إبليس فقال: ما سميتما ابنكما؟ قالا: عبد الله - وكان قد ولد لهما قبل ذلك ولد فسمياه عبدالله فمات - فقال إبليس: أتظنّان أن الله تارك عبده عندكما، والله ليذهبنّ به كما ذهب بالآخر، ولكن أدلكم على اسم يبقى لكما ما بقيتما، فسمِّياه عبدشمس. والأول أصح، فذلك قوله:

{فَلَمَّآ ءَاتَـٰهُمَا صَـٰلِحاً}، بشراً سوياً، {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَـٰهُمَا}، قرأ أهل المدينة وأبو بكر "شِرْكاً" بكسر الشين والتنوين، أي: شركة، قال أبو عبيدة: أي حظاً ونصيباً، وقرأ الآخرون "شركاء" بضم الشين ممدوداً على جمع شريك يعني إبليس، أخبر عن الواحد بلفظ الجمع، أي: جعلا له شريكاً إذ سمِّياه عبدالحارث، ولم يكن هذا إشراكاً في العبادة ولا أن الحارث ربُّهما فإن آدم كان نبياً معصوماً من الشرك، ولكن قصد إلى أن الحارث كان سبب نجا الولد وسلامة أمّه، وقد يطلق اسم العبد على من لا يراد به أنه مملوك، كما يطلق اسم الرب على من لا يراد أنه معبود هذا، كالرجل إذا نزل به ضيف يسمي نفسه عبدالضيف، على وجه الخضوع لا على وجه أن الضيف ربه، ويقول للغير: أنا عبدك، قال يوسف لعزيز مصر: إنه ربي، ولم يرد به أنه معبوده، وكذلك هذا.

وقوله: {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}، قيل: هذا ابتداء كلام وأراد به إشراك أهل مكة، ولئن أراد به ما سبق فمستقيم من حيث أنه كان الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم.

وفي الآية قول آخر: وهو أنه راجع إلى جميع المشركين من ذرية آدم، وهو قول الحسن وعكرمة، ومعناه: جَعَلَ أولادهما شركاء، فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم، كما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء في تعييرهم بفعل الآباء، فقال: "ثم اتخذتم العجل"، "وإذْ قتلتم نفساً" خاطب به اليهود الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك الفعل من آبائهم. وقيل: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولاداً فهوَّدُوا ونصَّرُوا. وقال ابن كيسان: هم الكفار سمّوا أولادهم عبدالعزى وعبداللاّت وعبدمناة ونحوه. وقال عكرمة: خاطب كل واحد من الخلق بقوله خلقكم أي خلق كل واحد من أبيه وجعل منها زوجها، أي: جعل من جنسها زوجها، وهذا قول حَسَنٌ، لولا قول السلف مثل عبدالله بن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن المسيب وجماعة من المفسرين إنه في آدم وحواء.

قال الله تعالى: {فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.

أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ۝١٩١ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ۝١٩٢ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَٰمِتُونَ ۝١٩٣ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝١٩٤

قوله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً} يعني: إبليس والأصنْام، {وَهُمْ يُخْلَقُونَ}، أي: هم مخلوقون.

{وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا}، أي: الأصنام لا تنصر من أطاعها، {وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ}، قال الحسن: لا يدفعون عن أنفسهم مكروه من أرادهم بكسر أو نحوه، ثم خاطب المؤمنين فقال:

{وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ}، وإن تدعوا المشركين إلى الإسلام، {لاَ يَتَّبِعُوكُمْ}، قرأ نافع بالتخفيف، وكذلك:

{ { يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ } } [الشعراء: 224]، وقرأ الآخرون بالتشديد فيهما وهما لغتان، يقال: تبعه تبعاً وأتبعه إتّباعاً. {سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ}، إلى الدين، {أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ}، عن دعائهم لا يؤمنون؛ كما قال: { { سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } } [البقرة: 6]، وقيل: "وإن تدعوهم إلى الهدى"، يعني الأصنام، لا يتبعوكم لأنها غير عاقلة.

{إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}، يعني الأصنام، {عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ}، يريد أنها مملوكة أمثالكم. وقيل: أمثالكم في التسخير، أي: أنهم مُسخّرون مذلَّلون لَِمَا أريد منهم. قال مقاتل: قوله "عبادٌ أمثالكم" أراد به الملائكة، والخطاب مع قوم كانوا يعبدون الملائكة. والأول أصح.

{فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ}، أنها آلهة. قال ابن عباس: فاعبدوهم، هل يثيبونكم أو يجازونكم إن كنتم صادقين أن لكم عندها منفعة.

أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ٱدْعُوا۟ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ۝١٩٥ إِنَّ وَلِـِّۧىَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَٰبَ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ ۝١٩٦ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ۝١٩٧ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا۟ وَتَرَىٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ۝١٩٨ خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَٰهِلِينَ ۝١٩٩

ثم بيّن عجزهم فقال: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ} قرأ جعفر بضم الطاء هنا وفي القصص والدخان، وقرأ الآخرون بكسر الطاء، {أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا}، أراد أن قدرة المخلوقين تكون بهذه الجوارح والآلات، وليست للأصنام هذه الآلات، وأنتم مفضَّلُون عليهم بالأرجل الماشية والأيدي الباطشة والأعين الباصرة والآذان السامعة، وكيف تعبدون من أنتم أفضل وأقدر منهم؟ {قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ}، يا معشر المشركين، {ثُمَّ كِيدُونِ}، أنتم وهم، {فَلاَ تُنظِرُونِ}، أي: لا تمهلوني واعجلوا في كيدي.

قوله: {إِنَّ وَلِيِّىَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ}، يعني القرآن، أي: إنه يتولاني وينصرني كما أيدني بإنزال الكتاب، {وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّـٰلِحِينَ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد الذين لا يعدلون بالله شيئاً، فاللَّهُ يتولاهم بنصره فلا يضرهم عداوة من عاداهم.

{وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاۤ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ}.

{وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَسْمَعُواْ}، يعني الأصنام، {وَتَرَاهُمْ} يا محمد {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ}، يعني: الأصنام، {وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}، وليس المراد من النظر حقيقة النظر، إنما المراد منه المقابلة، تقول العرب: داري تنظر إلى دارك، أي: تقابلها، وقيل: وتراهم ينظرون إليك أي: كأنهم ينظرون إليك؛ كقوله تعالى:

{ { وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ } } [الحج: 2]، أي: كأنهم سُكارى هذا قول [أكثر] المفسّرين. وقال الحسن: "وإن تدعوهم إلى الهدى"، يعني: المشركين لا يسمعوا ولا يفعلون ذلك بقلوبهم وتراهم ينظرون إليك بأعينهم وهم لا يبصرون بقلوبهم.

قوله تعالى: {خُذِ ٱلْعَفْوَ}، قال عبدالله بن الزبير: أمر الله نبيّه عليه الصّلاة والسّلام أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. وقال مجاهد: خذ العفو يعني العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس، وذلك مثل قبول الاعتذار والعفو والمساهلة وترك البحث عن الأشياء ونحو ذلك.

ورُوي أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: «ما هذا؟ قال: لا أدري حتى أسأله، ثم رجع فقال: إنّ ربك يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمّن ظلمك»

وقال ابن عباس رضي الله عنهما والسدي والضحاك والكلبي: يعني خُذْ ما عفا لك من الأموال وهو الفضل عن العيال، وذلك معنى قوله:

{ { وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ } } [البقرة: 219]، ثم نسخت هذه بالصدقات المفروضات. قوله تعالىٰ: {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ}، أي: بالمعروف، وهو كل ما يعرفه الشرع. وقال عطاء: وأمرْ بالعُرف يعني بلا إله إلاّ الله. {وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ}، أبي جهلٍ وأصحابه، نسختها آية السيف. وقيل: إذا تسفه عليك الجاهل فلا تقابله بالسفه، وذلك مثل قوله: { { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً } } [الفرقان: 63]، وذلك سلام المُتاركة. قال جعفر الصادق: أمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية.

أخبرنا عبدالواحد بن عبد الصمد الجرجاني ثنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي ثنا الهيثم بن كليب ثنا أبو عيسى الترمذي ثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبي إسحاق، عن أبي عبدالله الجدلي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:

لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً ولا سَخَّاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح».

ثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي ثنا أبو سعيد عبدالملك بن أبي عثمان الواعظ ثنا عمار بن محمد البغدادي ثنا أحمد بن سعيد الحافظ ثنا محمد بن إسماعيل ثنا عمر بن إبراهيم يعني الكوفي ثنا يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنّ اللَّهَ بعثني لتمام مكارم الأخلاق وتمام محاسن الأفعال».

وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝٢٠٠ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَٰٓئِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ۝٢٠١

قوله تعالى: {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ} أي: يصيبك ويعتريك ويعرض لك من الشيطان نزغ نخسة. والنزغ من الشيطان الوسوسة. وقال الزجاج: النزغ أدنى حركة تكون من الآدمي، ومن الشيطان أدنى وسوسة.وقال عبد الرحمن بن زيد:

لما نزلت هذه الآية: "خُذِ العفوَ"، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كيف يا رب والغضب»؟ فنزل: {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ}، أي: استجرْ بالله {إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

{إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ}، يعني المؤمنين، {إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰئِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ}، قرأ ابن كثير وأهل البصرة والكسائي: "طيف"، وقرأ الآخرون "طَآئف" بالمد والهمز وهما لغتان كالميت والمائت، ومعناهما: الشيء يُلِمُّ بك. وفرّق قوم بينهما، فقال أبو عمرو: الطائف ما يطوف حول الشيء، والطيف: اللمَّة والوسوسة. وقيل: الطائف ما يطوف بك من وسوسة الشيطان، والطيف: اللمم والمسّ. {تَذَكَّرُواْ}، عرفوا، قال سعيد بن جبير: هو الرجل يغضب الغضبة فيذكر الله تعالى فيكظم الغيظ. وقال مجاهد: الرجل يهمّ بالذنب فيذكر الله فيدعه. {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}، أي: يبصرون مواقع خطاياهم بالتذكر والتفكر. قال السدي: إذا زلّوا تابُوا. وقال مقاتل: إن المتقي إذا أصابه نزغ من الشيطان تذكر وعرف أنه معصية، فأبصر فنزغ عن مخالفة الله.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ