انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الفرقان

تفسير الطبريالآيات 1–21

تفسير سورة الفرقان آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الفرقان

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 47:11

  1. 1 الآيات 1–20في هذه الصفحة 14:21
  2. 2 الآيات 21–52في هذه الصفحة 17:18
  3. 3 الآيات 53–77 15:32

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ لِلْعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ۝١

قال أبو جعفر: تبـارك: تَفـاعَلَ من البركة، كما:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، قال: ثنا أبو رَوق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عبـاس، قال: تبـارك: تَفَـاعَلَ من البركة.

وهو كقول القائل: تقدّس ربنا، فقوله:{ تَبـارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ} يقول: تبـارك الذي نزّل الفصل بـين الـحقّ والبـاطل، فصلاً بعد فصل وسورة بعد سُورة، علـى عبده مـحمد صلى الله عليه وسلم، لـيكون مـحمد لـجميع الـجنّ والإنس الذين بعثه الله إلـيهم داعياً إلـيه، نذيراً: يعنـي منذِراً يُنذرهم عِقابه ويخوّفهم عذابه، إن لـم يوحدوه ولـم يخـلصوا له العبـادة ويخـلعوا كلّ ما دونه من الآلهة والأوثان.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ تَبـارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلـى عَبْدِهِ لـيَكُونَ للْعالَـمِينَ نَذِيراً} قال: النبـيّ النذير. وقرأ:

{ وَإنْ مِنْ أُمَّةٍ إلاَّ خَلا فِـيها نَذِيرٌ } وقرأ: { وَما أهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إلاَّ لَهَا مُنْذِرُونَ }قال: رسل. قال: الـمنذرون: الرسل. قال: وكان نذيراً واحداً بلَّغ ما بـين الـمشرق والـمغرب، ذو القرنـين، ثم بلغ السدّين، وكان نذيراً، ولـم أسمع أحداً يُحِقّ أنه كان نبـيًّا. { وأُوحِيَ إلـيّ هذَا القُرآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ } قال: من بلغه القرآن من الـخـلق، فرسول الله نذيره. وقرأ: { يا أيُّها النَّاسُ إنّـي رَسُولُ اللّهِ إلَـيْكُمْ جَمِيعاً } وقال: لـم يرسل الله رسولاً إلـى الناس عامة إلاَّ نوحا، بدأ به الـخـلق، فكان رسولَ أهل الأرض كلهم، ومـحمد صلى الله عليه وسلم خَتَـم به.

ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُۥ تَقْدِيرًا ۝٢

يقول تعالى ذكره:{ تَبَـارَكَ الَّذِي نَزّلَ الفُرْقانَ... الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ} ف «الذي» من نعت «الذي» الأولـى، وهما جميعاً فـي موضع رفع، الأولـى بقوله «تبـارك»، والثانـية نعت لها. ويعنـي بقوله:{ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ} الذي له سلطان السموات والأرض يُنْفِذ فـي جميعها أمره وقضاءه، ويُـمْضِي فـي كلها أحكامه. يقول: فحقّ علـى من كان كذلك أن يطيعه أهل مـملكته ومَنْ فـي سلطانه ولا يعصُوه، يقول: فلا تعصُوا نذيري إلـيكم أيها الناس، واتبعوه، واعملوا بـما جاءكم به من الـحقّ.{ ولَـمْ يَتَّـخِذْ وَلَداً} يقول تكذيبـاً لـمن أضاف إلـيه الولد وقال الـملائكة بنات الله: ما اتـخذ الذي نزّل الفرقان علـى عبده ولداً. فمن أضاف إلـيه ولداً فقد كذب وافترى علـى ربه.{ ولَـمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فـي الـمُلْكِ} يقول تكذيبـاً لـمن كان يضيف الأُلوهة إلـى الأصنام ويعبدها من دون الله من مشركي العرب ويقول فـي تلبـيته «لَبَّـيك لا شريك لك، إلاَّ شريكاً هو لك، تـملكه وما ملك»: كذب قائلوا هذا القول، ما كان لله شريك فـي مُلكه وسلطانه فـيصلـح أن يُعْبد من دونه يقول تعالـى ذكره: فأفرِدوا أيها الناس لربكم الذي نزّل الفرقان علـى عبده مـحمد نبـيه صلى الله عليه وسلم الألُوهة، وأخـلِصوا له العبـادة، دون كلّ ما تعبدونه من دونه من الآلهة والأصنام والـملائكة والـجنّ والإنس، فإن كلّ ذلك خـلقه وفـي ملكه، فلا تصلـح العبـادة إلا لله الذي هو مالك جمعي ذلك. وقوله: {وَخَـلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} يقول تعالـى ذكره: وخـلق الذي نزل علـى مـحمد الفرقان كل شيء، فـالأشياء كلها خـلقه ومِلْكه، وعلـى الـمـمالـيك طاعة مالكهم وخدمة سيدهم دون غيره. يقول: وأنا خالقكم ومالككم، فأخـلصوا لـي العبـادة دون غيري. وقوله:{ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} يقول: فسوّى كلّ ما خـلق وهيأه لـما يصلـح له، فلا خَـلَل فـيه ولا تفـاوت.

وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَوٰةً وَلَا نُشُورًا ۝٣

يقول تعالـى ذكره: مُقَرِّعا مشركي العرب بعبـادتهما ما دونه من الآلهة، ومعجِّبـاً أولـي النُّهَى منهم، ومُنَبّههُم علـى موضع خطأ فِعْلهم وذهابهم عن منهج الـحقّ وركوبهم من سُبُل الضلالة ما لا يركبه إلاَّ كل مدخول الرأي مسلوب العقل: واتـخذ هؤلاء الـمشركون بـالله من دون الذي له مُلك السموات والأرض وحده، من غير شريك، الذي خـلق كلَّ شيء فقدّره،{ آلهةً } يعنـي أصناماً بأيديهم يعبدونها، لا تـخـلق شيئاً وهي تُـخْـلق، ولا تـملك لأنفسها نفعا تـجرّه إلـيها ولا ضرًّا تدفعه عنها مـمن أرادها بضرّ، ولا تـملك إماتة حيّ ولا إحياء ميت ولا نشره من بعد مـماته، وتركوا عبـادة خالق كلّ شيء وخالق آلهتهم ومالك الضرّ والنفع والذي بـيده الـموت والـحياة والنشور. والنشور: مصدر نُشِر الـميت نشوراً، وهو أن يُبعث ويحيا بعد الـموت.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ إِفْكٌ ٱفْتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ فَقَدْ جَآءُو ظُلْمًا وَزُورًا ۝٤

يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء الكافرون بالله الذين اتـخذوا من دونه آلهة: ما هذا القرآن الذي جاءنا به مـحمد{ إلاَّ إفْكٌ} يعنـي: إلاَّ كذب وبُهتان، {افْتَرَاهُ } اختلقه وتـخرّصه بقوله، {وأعانَهُ عَلَـيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} ذكر أنهم كانوا يقولون: إنـما يُعَلِّـم مـحمداً هذا الذي يجيئنا به الـيهود، فذلك قوله:{ وأعانَهُ عَلَـيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ } يقول: وأعان مـحمداً علـى هذا الإفك الذي افتراه يهود.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله:{ وأعانَهُ عَلَـيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ } قال: يهود.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

وقوله:{ فَقَدْ جاءُوا ظُلْـماً وَزُوراً} يقول تعالـى ذكره: فقد أتـى قائلو هذه الـمقالة، يعنـي الذين قالوا:{ إنْ هَذَا إلاَّ إفْكٌ افْتَرَاهُ وأعانَهُ عَلَـيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ } ظلـماً، يعنـي بـالظلـم نسبتهم كلام الله وتنزيـله إلـى أنه إفك افتراه مـحمد صلى الله عليه وسلم. وقد بـيَّنا فـيـما مضى أن معنى الظلـم: وضع الشيء فـي غير موضعه فكأنّ ظلـم قائلـي هذه الـمقالة القرآن بقـيـلهم هذا وصفُهم إياه بغير صفته. والزور: أصله تـحسين البـاطل. فتأويل الكلام: فقد أتـى هؤلاء القوم فـي قيلهم{ إنْ هَذَا إلاَّ إفْكٌ افْتَرَاهُ وأعانَهُ عَلَـيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ } كذبـاً مَـحْضاً.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد وحدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد:{ فَقَدْ جاءُوا ظُلْـماً وَزُوراً} قال: كذبـاً.

وَقَالُوٓا۟ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ۝٥ قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِى يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ۝٦

ذكر أن هذه الآية نزلت فـي النَّضْر بن الـحارث، وأنه الـمعنـيّ بقوله: {وَقالُوا أساطيرُ الأوَّلِـينَ}.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا مـحمد بن إسحاق، قال: ثنا شيخ من أهل مصر، قدم منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرِمة، عن ابن عبـاس، قال: كان النَّضْر بن الـحارث بن كَلَدَة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قُصيّ من شياطين قريش، وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصب له العداوة، وكان قد قَدِم الـحِيرة، تعلّـم بها أحاديث ملوك فـارس وأحاديث رُسْتَـم وأسفنديار، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس مـجلساً فذكّر بـالله وحدّث قومه ما أصاب من قبلهم من الأمـم من نقمة الله، خـلَفه فـي مـجلسه إذا قام، ثم يقول: أنا والله يا معشر قُريش أحسن حديثا منه، فهلـموا فأنا أحدثكم أحسن من حديثه ثم يحدِّثهم عن ملوك فـارس ورسْتَـم وأسفنديار، ثم يقول: ما مـحمد أحسن حديثاً منـي قال: فأنزل الله تبـارك وتعالـى فـي النضر ثمانـيَ آيات من القرآن، قوله:{ وَإذَا تُتْلَـى عَلَـيْهِ آياتُنا قالَ أساطيرُ الأوَّلـينَ } وكلَّ ما ذُكِر فـيه الأساطير فـي القرآن.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عبـاس نـحوه، إلاَّ أنه جعل قوله: «فأنزل الله فـي النضْر ثمانـي آيات»، عن ابن إسحاق، عن الكلْبـيّ، عن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج:{ أساطِيرُ الأوَّلـينَ } أشعارهم وكَهانتهم وقالها النضر بن الـحارث.

فتأويـل الكلام: وقال هؤلاء الـمشركون بـالله الذين قالوا لهذا القرآن إن هذا إلاَّ إفك افتراه مـحمد صلى الله عليه وسلم: هذا الذي جاءنا به مـحمد أساطير الأوّلـين، يَعنُون أحاديثهم التـي كانوا يُسَطِّرونها فـي كتبهم، اكتتبها مـحمد صلى الله عليه وسلم من يهود.{ فَهِيَ تُـمْلَـى عَلَـيْهِ } يعنون بقوله: {فَهِي تُـمْلَـى عَلَـيْهِ } فهذه الأساطير تُقرأ علـيه، من قولهم: أملـيت علـيك الكتاب وأملَلْت.{ بُكْرَةً وأصِيلاً } يقول: وتـملَـى علـيه غُدْوة وعشيًّا.

وقوله: {قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَـمُ السِّرَّ فِـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ } يقول تعالـى ذكره: قل يا مـحمد لهؤلاء الـمكذّبـين بآيات الله من مشركي قومك: ما الأمر كما تقولون من أن هذا القرآن أساطير الأوّلين وأن مـحمد صلى الله عليه وسلم افتراه وأعانه عليه قوم آخرون، بل هو الـحقّ، أنزله الربّ الذي يعلـم سرّ من فـي السموات ومن فـي الأرض، ولا يخفـى علـيه شيء، ومُـحْصِي ذلك علـى خـلقه، ومُـجازيهم بـما عزمت علـيه قلوبهم وأضمروه فـي نفوسهم.{ إنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيـماً} يقول: إنه لـم يزل يصفح عن خـلقه ويرحمهم، فـيتفضلُ علـيهم بعفوه، يقول: فلأَن ذلك من عادته فـي خـلقه، يُـمْهلكم أيها القائلون ما قلتـم من الإفك والفـاعلون ما فعلتـم من الكفر.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج:{ قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَـمُ السِّرَّ فِـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ} قال: ما يسر أهل الأرض وأهل الـمساء.

وَقَالُوا۟ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلْأَسْوَاقِ لَوْلَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا ۝٧ أَوْ يُلْقَىٰٓ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا ۝٨

ذُكر أن هاتـين الآيتـين نزلتا علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيـما كان مشركو قومه قالوا له لـيـلة اجتـماع أشرافهم بظهر الكعبة، وعرضوا علـيه أشياء، وسألوه الآيات.

فكان فـيـما كلَّـموه به حينئذٍ، فـيـما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد، مولـى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جُبـير، أو عكرِمة مولـى ابن عبـاس، عن ابن عبـاس: أن قالوا له: فإن لـم تفعل لنا هذا يعنـي ما سألوه من تسيـير جبـالهم عنهم، وإحياء آبـائهم، والـمـجيء بـالله والـملائكة قبـيلاً، وما ذكره الله فـي سورة بنـي إسرائيـل فخذ لنفسك، سلْ ربك يبعثْ معك ملَكاً يصدّقك بـما تقول ويراجعنا عنك، وسَلْه فـيجعل لك قصوراً وجناناً وكنوزاً من ذهب وفضة، تغنـيك عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بـالأسواق وتلتـمس الـمعاش كما نلتـمسه، حتـى نعلـم فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنا بِفـاعِلٍ» فأنزل الله فـي قولهم: أنْ خُذْ لنفسك ما سألوه أن يأخذ لها: أن يجعل له جناناً وقصوراً وكنوزاً، أو يبعث معه ملَكاً يصدّقه بـما يقول ويردّ عنه من خاصمه. وقالُوا {ما لِهَذَا الرَّسُولِ يأْكُلُ الطَّعامَ ويَـمْشِي فِـي الأسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَـيْهِ مَلَكٌ فَـيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أوْ يُـلْقَـى إلَـيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِـمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً}.

فتأويـل الكلام: وقال الـمشركون {ما لِهَذا الرَّسُولِ}: يَعْنون مـحمداً صلى الله عليه وسلم، الذي يزعم أن الله بعثه إلـينا،{ يَأكُلُ الطعَامَ } كما نأكل، {ويَـمْشِي} فـي أسواقنا كما نـمشي.{لَوْلاَ أنْزِلَ إلَـيهِ} يقول: هلا أنزل إلـيه {ملَك} إن كان صادقاً من السماء،{ فَـيَكُونَ مَعَه} منذراً للناس، مصدّقاً له علـى ما يقول، أو يـلقـى إلـيه كنز من فضة أو ذهب فلا يحتاج معه إلـى التصرّف فـي طلب الـمعاش، {أوْ تكون له جنة} يقول: أو يكون له بستان{ يَأكُلُ مِنْها}.

واختلف القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض الكوفـيـين: {يَأْكُلُ} بـالـياء، بـمعنى: يأكل منها الرسول. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين: «نَأْكُلُ مِنْها» بـالنون، بـمعنى: نأكل من الـجنة.

وأولـى القراءتـين فـي ذلك عندي بـالصواب قراءة من قرأه بـالـياء وذلك للـخبر الذي ذكرنا قبل بأن مسألة من سأل من الـمشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل ربه هذه الـخلال لنفسه لا لهم فإذ كانت مسألتهم إياه ذلك كذلك، فغير جائز أن يقولوا له: سلْ لنفسك ذلك لنأكل نـحن.

وبعدُ، فإن فـي قوله تعالـى ذكره:

{ تَبَـارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَـجْرِي مِنْ تَـحْتِهَا الأنْهَارُ }، دلـيلاً بـيِّناً علـى أنهم إنـما قالوا له: اطلب ذلك لنفسك، لتأكل أنت منه، لا نـحن.

وقوله: {وَقال الظَّالِـمُونَ} يقول: وقال الـمشركون للـمؤمنـين بـالله ورسوله:{ إنْ تَتَّبِعُونَ } أيُّها القوم، بـاتبـاعكم مـحمداً{ إِلاَّ رَجُلاً } به سحر.

ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَٰلَ فَضَلُّوا۟ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ۝٩ تَبَارَكَ ٱلَّذِىٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًۢا ۝١٠

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: انظر يا مـحمد إلـى هؤلاء الـمشركين الذين شبهوا لك الأشبـاه بقولهم لك: هو مسحور، فضلُّوا بذلك عن قصد السبـيـل وأخطئوا طريق الهُدَى والرشاد {فلا يَسْتَطِيعُونَ} يقول: فلا يجدون{ سَبِـيلاً } إلـى الـحقّ، إلاَّ فـيـما بعثتك به، ومن الوجه الذي ضلوا عنه.

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد، عن سعيد بن جُبـير، أو عكرمة، عن ابن عبـاس:{ انْظُرْ كَيْف ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطيعُونَ سَبِـيلاً } أي التـمسوا الهدى فـي غير ما بعثتك به إلـيهم فضلوا، فلن يستطيعوا أن يصيبوا الهُدَى فـي غيره. وقال آخرون فـي ذلك ما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ فلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِـيلاً } قال: مَخْرجاً يخرجهم من الأمثال التـي ضربوا لك.

وقوله:{ تَبـارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلكَ جَنَّاتٍ تَـجْرِي مِنْ تَـحْتَها الأنهَارُ } يقول تعالـى ذكره: تقدس الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنىّ ب«ذلك» التـي فـي قوله:{ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلكَ } فقال بعضهم: معنى ذلك: خيراً مـما قال هؤلاء الـمشركون لك يا مـحمد، هلا أوتـيته وأنت لله رسول ثم بـين تعالـى ذكره عن الذي لو شاء جعل له من خير مـما قالوا، فقال:{ جَنَّاتٍ تَـجْرِي مِنْ تَـحْتِها الأنهَارُ}.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ تَبـارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلكَ} خيراً مـما قالوا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله:{ تَبـارَكَ الَّذِي إن شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلكَ } قال: مـما قالوا وتـمنَّوا لك، فـيجعل لك مكان ذلك جنات تـجري من تـحتها الأنهار.

وقال آخرون: عُنِـي بذلك الـمشي فـي الأسواق والتـماس الـمعاش.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد، فـيـما يرى الطبريّ، عن سعيد بن جُبر، أو عكرِمة، عن ابن عبـاس، قال: ثم قال:{ تَبَـارَك الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ} من أن تـمشيَ فـي الأسواق وتلتـمس الـمعاش كما يـلتـمسه الناس،{ جَنَّاتٍ تَـجْرِي مِنْ تَـحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيجْعَلْ لَكَ قُصُوراً}.

قال أبو جعفر: والقول الذي ذكرناه عن مـجاهد فـي ذلك أشبه بتأويـل الآية، لأن الـمشركين إنـما استعظموا أن لا تكون له جنة يأكل منها وأن لا يُـلْقـى إلـيه كنز، واستنكروا أن يـمشي فـي الأسواق وهو لله رسول. فـالذي هو أولـى بوعد الله إياه أن يكون وعداً بـما هو خير ما كان عند الـمشركين عظيـماً، لا مـما كان منكراً عندهم. وعُنِـي بقوله: {جَنَّاتٍ تَـجْرِي مِنْ تَـحْتِها الأنهَارُ} بساتـين تـجري فـي أصول أشجارها الأنهار. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ جَنَّاتٍ تَـجْرِي مِنْ تَـحْتِها الأنهَارُ} قال: حوائط.

وقوله:{ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً} يعنـي بـالقصور: البـيوت الـمبنـية.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: قال: أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ وَيجْعَلْ لَكَ قُصُوراً} قال: بـيوتاً مبنـية مشيدة، كان ذلك فـي الدنـيا. قال: كانت قريش ترى البـيت من الـحجارة قصراً كائناً ما كان.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد: {ويَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً} مشيدة فـي الدنـيا، كل هذا قالته قريش. وكانت قريش ترى البـيت من حجارة ما كان صغيراً قَصْراً.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن حبـيب قال: قـيـل للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن نعطيك من خزائن الأرض ومفـاتـيحها ما لـم يُعْطَ نبـيٌّ قبلك ولا يعطى من بعدك ولا ينقص ذلك مـما لك عند الله تعالـى؟ فقال:

اجْمَعُوها لـي فـي الآخِرَةِ فأنزل الله فـي ذلك:{ تَبـارَكَ الَّذي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلكَ جَنَّاتٍ تَـجْرِي مِنْ تَـحْتِها الأنهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً}.

بَلْ كَذَّبُوا۟ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا ۝١١ إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ سَمِعُوا۟ لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ۝١٢

يقول تعالى ذكره: ما كذّب هؤلاء الـمشركون بـالله وأنكروا ما جئتهم به يا مـحمد من الـحقّ، من أجل أنك تأكل الطعام وتـمشي فـي الأسواق، ولكن من أجل أنهم لا يوقنون بـالـمعاد ولا يصدّقون بـالثواب والعقاب، تكذيبـاً منهم بـالقـيامة وبعث الله الأموات أحياء لـحشر القـيامة. {وأَعْتَدْنا} يقول: وأعددنا لـمن كذّب ببعث الله الأموات أحياء بعد فنائهم لقـيام الساعة، ناراً تسَّعر علـيهم وتتقد.{ إذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } يقول: إذا رأت هذه النار التـي أعتدناها لهؤلاء الـمكذّبـين أشخاصَهم من مكان بعيد، تغيظت علـيهم وذلك أن تغلـى وتفور. يقال: فلان تغيظ علـى فلان، وذلك إذ غضب علـيه فَغَلَـى صدره من الغضب علـيه وتبـين فـي كلامه. وزفـيراً، وهو صوتها.

فإن قال قائل: وكيف قـيـل:{ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً} والتغيظ: لا يسمع؟ قـيـل: معنى ذلك: سمعوا لها صوت التغيظ، من التلهب والتوقد.

حدثنـي مـحمود بن خداش، قال: ثنا مـحمد بن يزيد الواسطيّ، قال: ثنا أصبع بن زيد الورّاق، عن خالد بن كثـير، عن فُدَيك، عن رجل من أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَنْ يَقُولُ عَلـيَّ ما لَـمْ أقُلْ فَلْـيَتَبَوَّأْ بـينَ عَيْنَـيْ جَهَنَّـمَ مَقْعَداً قالوا: يا رسول الله، وهل لها من عين؟ قال: أَلـمْ تَسْمَعُوا إلـى قَوْلِ اللّهِ: إذَا رأتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ؟... الآية.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر فـي قوله:{ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِـيراً} قال: أخبرنـي الـمنصور بن الـمعتـمر، عن مـجاهد، عن عبـيد بن عمير، قال: إن جهنـم لتزفر زفرة لا يبقـى ملك ولا نبـيّ إلا خرّ ترعد فرائصه حتـى إن إبراهيـم لـيجثو علـى ركبتـيه، فـيقول: يا ربّ لا أسألك الـيوم إلا نفسي.

حدثنا أحمد بن إبراهيـم الدَّورقـي، قال: ثنا عُبـيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن أبـي يحيى، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، قال:

إن الرجل لـيُجَرّ إلـى النار، فتنزوي وينقبض بعضها إلـى بعض، فـيقول لها الرحمن ما لك؟ فتقول: إنه لـيستـجير منـي فـيقول: أرسلُوا عبدي وإن الرجل لـيُجَرّ إلـى النار، فـيقول: يا ربّ ما كان هذا الظنّ بك فـيقول: فما كان ظنك؟ فـيقول: أن تسعَنـي رحمتك قال: فـيقول أرسلوا عبدي وإن الرجل لـيجَرّ إلـى النار فتشهق إلـيه النار شُهوق البغلة إلـى الشعير وتَزِفْر زفرة لا يبقـى أحد إلا خاف».

وَإِذَآ أُلْقُوا۟ مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا۟ هُنَالِكَ ثُبُورًا ۝١٣ لَّا تَدْعُوا۟ ٱلْيَوْمَ ثُبُورًا وَٰحِدًا وَٱدْعُوا۟ ثُبُورًا كَثِيرًا ۝١٤

يقول تعالـى ذكره: وإذا أُلقـي هؤلاء الـمكذّبون بـالساعة من النار مكاناً ضيقاً، قد قرنت أيديهم إلـى أعناقهم في الأغلال{ دَعَوْا هُنالكَ ثُبُوراً}.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى الثُّبور، فقال بعضهم: هو الوَيْـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله:{ وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِـيراً} يقول: وَيْلاً.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس:{ لا تَدْعُوا الـيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِدَاً} يقول: لا تدعوا الـيوم ويلاً واحدا، وادعوا ويلاً كثـيراً.

وقال آخرون: الثبور الهلاك.

ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {لا تَدْعُوا الـيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً} الثبور: الهلاك.

قال أبو جعفر: والثبور فـي كلام العرب أصله انصراف الرجل عن الشيء، يقال منه: ما ثَبَرك عن هذا الأمر؟ أي ما صرفك عنه. وهو فـي هذا الـموضع دعاء هؤلاء القوم بـالندم علـى انصرافهم عن طاعة الله فـي الدنـيا والإيـمان بـما جاءهم به نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم حتـى استوجبوا العقوبة منه، كما يقول القائل: واندامتاه، واحسرتاه علـى ما فرّطت فـي جنب الله. وكان بعض أهل الـمعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول فـي قوله:{ دَعَوْا هُنالكَ ثُبُوراً} أي هَلَكة، ويقول: هو مصدر من ثُبِرَ الرجل: أي أهلك، ويستشهد لقـيـله فـي ذلك ببـيت ابن الزّبَعْرَي:

إذْ أُجارِي الشَّيْطانَ فِـي سَنَنِ الْغَ يِّ وَمَنْ مالَ مَيْـلَهُ مَثْبُورُ

وقوله:{ لا تَدْعُوا الـيَوْمَ } أيها الـمشركون ندماً واحداً: أي مرّة واحدة، ولكن ادعوا ذلك كثـيرا. وإنـما قـيـل:{ لا تَدْعُوا الـيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً} لأن الثبور مصدر، والـمصادر لا تـجمع، وإنـما توصف بـامتداد وقتها وكثرتها، كما يقال: قعد قعوداً طويلاً، وأكل أكلاً كثـيراً.

حدثنا مـحمد بن مرزوق، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: ثنا علـيّ بن زيد، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

أوَّلُ مَنْ يُكْسَى حُلَّةً مِنَ النَّارِ إبْلِـيسُ، فَـيَضَعُها عَلـى حاجِبَـيْهِ، وَيَسْحَبُها مِنْ خَـلْفِهِ، وَذُرّيِّتُهُ مِنْ خَـلْفِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: يا ثُبُورَاه وَهُمْ يُنادُونَ: يا ثُبُورَهُمْ حتـى يَقِـفُوا عَلـى النَّارِ، وَهُوَ يَقُولُ: يا ثُبُورَاهُ وَهُمْ يُنادُونَ: يا ثُبُورَهُمْ فَـيُقالُ: لا تَدْعُوا الـيَوْمَ ثُبُوراً وَاحداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِـيراً

«

قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً وَمَصِيرًا ۝١٥ لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَٰلِدِينَ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْـُٔولًا ۝١٦

يقول تعالـى ذكره: قل يا مـحمد لهؤلاء الـمكذّبـين بـالساعة: أهذه النار التـي وصف لكم ربُّكم صفتها وصفة أهلها خير، أم بستان الـخـلد الذي يدوم نعيـمه ولا يبـيد، الذي وَعَد من اتقاه فـي الدنـيا بطاعته فـيـما أمره ونهاه؟ وقوله:{ كانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيراً} يقول: كانت جنة الـخـلد للـمتقـين جزاء أعمالهم لله فـي الدنـيا بطاعته وثواب تقواهم إياه ومصيراً لهم، يقول: ومصيراً للـمتقـين يصيرون إلـيها فـي الآخرة. وقوله:{ لَهُمْ فِـيها ما يَشاءُونَ } يقول: لهؤلاء الـمتقـين فـي جنة الـخـلد التـي وَعَدَهموها الله، ما يشاءون مـما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين. {خالدِينَ } فـيها، يقول: لابثـين فـيها ماكثـين أبداً، لا يزولون عنها ولا يزول عنهم نعيـمها. وقوله:{ كانَ عَلـى رَبِّكَ وَعْداً مَسْئُولاً} وذلك أن الـمؤمنـين سألوا ربهم ذلك فـي الدنـيا حين قالوا:{ آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلـى رُسُلِكَ } يقول الله تبـارك وتعالـى: كان إعطاء الله الـمؤمنـين جنة الـخـلد التـي وصف صفتها فـي الآخرة، وعْداً وعدهُمُ الله علـى طاعتهم إياه فـي الدنـيا ومسئلتهم إياه ذلك.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الـخراسانـيّ، عن ابن عبـاس:{ كانَ عَلـى رَبِّكَ وَعْدا مَسْئُولاً} قال: فسألوا الذي وعدَهُم وتنـجزوه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ كانَ عَلـى رَبِّكَ وَعْداً مَسْئُولاً } قال: سألوه إياه فـي الدنـيا، طلبوا ذلك فأعطاهم وعدهم، إذ سألوه أن يعطيهم فأعطاهم، فكان ذلك وعداً مسئولاً، كما وقَّت أرزاق العبـاد فـي الأرض قبل أن يخـلقهم فجعلها أقواتا للسائلـين، وقَّت ذلك علـى مسئلتهم. وقرأ:

{ وَقَدَّرَ فِـيها أقْوَاتَها فِـي أرْبَعَةِ أيَّامٍ سَوَاءً للسَّائِلِـينَ }

وقد كان بعض أهل العربـية يوجه معنى قوله:{ وَعْداً مَسْئُولاً } إلـى أنه معنـيّ به وعداً واجبـاً، وذلك أن الـمسئول واجب، وإن لـم يُسْأل كالدين، ويقول: ذلك نظير قول العرب: لأعطينك ألفـاً وعداً مسئولاً، بـمعنى واجب لك فتسأله.

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَٰٓؤُلَآءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ ۝١٧

يقول تعالـى ذكره: ويوم نـحشر هؤلاء الـمكذّبـين بـالساعة العابدين الأوثان وما يعبدون من دون الله من الـملائكة والإنس والـجنّ. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ } فـيقول:{ أأنْتُـمْ أضْلَلْتُـمْ عِبـادي هَؤُلاءِ } قال: عيسى وعُزيرٌ والـملائكة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، نـحوه.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأه أبو جعفر القارىء وعبد الله بن كثـير:{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَـيَقُولُ} بـالـياء جميعاً، بـمعنى: ويوم يحشرهم ربك، ويحشر ما يعبدون من دون فـيقول. وقرأته عامة قرّاء الكوفـيـين: «نَـحْشُرُهُمْ» بـالنون، «فنقول». وكذلك قرأه نافع.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

وقوله: {فَـيَقُولُ أأنْتُـمْ أضْلَلْتُـمْ عبـادِي هَؤُلاءِ } يقول: فـيقول الله للذين كان هؤلاء الـمشركون يعبدونهم من دون الله: أأنتـم أضللتـم عبـادي هؤلاء؟ يقول: أنتـم أَزَلتْـموهم عن طريق الهدى ودعوتـموهم إلـى الغيّ والضلالة حتـى تاهوا وهلكوا، أم هم ضلوا السبـيـل؟ يقول: أم عبـادي هم الذين ضلوا سبـيـل الرشد والـحقّ وسلكوا العَطَب.

قَالُوا۟ سُبْحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِى لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا۟ ٱلذِّكْرَ وَكَانُوا۟ قَوْمًۢا بُورًا ۝١٨

يقول تعالـى ذكره: قالت الـملائكة الذين كان هؤلاء الـمشركون يعبدونهم من دون الله وعيسى: تنزيهاً لك يا ربنا وتبرئه مـما أضاف إلـيك هؤلاء الـمشركون، ما كان ينبغي لنا أن نتـخذ من دونك من أولـياء نوالـيهم، أنت ولـينا من دونهم، ولكن متعتهم بـالـمال يا ربنا فـي الدنـيا والصحة حتـى نَسُوا الذكر وكانوا قوماً هَلْكي قد غلب علـيهم الشقاء والـخِذْلان.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ وَلَكِنّ مَتَّعْتَهُمْ وآبـاءَهُمْ حتـى نَسُوا الذِّكْرَ وكانُوا قَوْماً بُوراً} يقول: قوم قد ذهبت أعمالهم وهم فـي الدنـيا، ولـم تكن لهم أعمال صالـحة.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وكانُوا قَوْماً بُوراً} يقول: هلكى.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ وكانُوا قَوْماً بُوراً} يقول: هَلْكَى.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن الـحسن:{ وكانُوا قَوْماً بُوراً} قال: هم الذين لا خير فـيهم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ وكانُوا قَوْماً بُوراً} قال: يقول: لـيس من الـخير فـي شيء. البور: الذي لـيس فـيه من الـخير شيء.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله:{ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّـخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أوْلِـياءَ} فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار:{ نَتَّـخِذَ } بفتـح النون سوى الـحسن ويزيد بن القَعقاع، فإنهما قرآه: «أنْ نُتَّـخَذَ» بضمّ النون. فذهب الذين فتـحوها إلـى الـمعنى الذي بـيَّنَّاه فـي تأويـله، من أن الـملائكة وعيسى ومن عُبد من دون الله من الـمؤمنـين هم الذين تبرّءوا أن يكون كان لهم ولـيّ غير الله تعالـى ذكره. وأما الذين قرءوا ذلك بضمّ النون، فإنهم وجهوا معنى الكلام إلـى أن الـمعبودين فـي الدنـيا إنـما تبرّءوا إلـى الله أن يكون كان لهم أن يُعْبدوا من دون الله جلّ ثناؤه، كما أخبر الله عن عيسى أنه قال إذا قـيـل

{ أأنْتَ قُلْتَ للنَّاسِ اتَّـخِذُونِـي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لـي أنْ أقُولَ ما لَـيْسَ لـي بِحَقَ ما قُلْتُ لَهُمْ إلاَّ ما أمَرْتَنِـي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللّهَ رَبّـي وَرَبَّكُمْ }

قال أبو جعفر: وأولـى القراءتـين فـي ذلك عندي بـالصواب قراءة من قرأه بفتـح النون، لعلل ثلاث: إحداهنّ إجماع من القرّاء علـيها. والثانـية: أن الله جلّ ثناؤه ذكر نظير هذه القصة فـي سورة سَبَأ، فقال:

{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } ثم يقولُ للـملائكة أهؤلاءِ إياكُم كانُوا يَعْبُدون قالوا سُبْحَانك أنتَ وَلِـيُّنا من دُونِهِمْ، فأخبر عن الـملائكة أنهم إذا سُئلوا عن عبـادة من عبدهم تبرّءُوا إلـى الله من ولايتهم، فقالوا لربهم: أنت ولـيُّنا من دونهم، فذلك يوضّح عن صحة قراءة من قرأ ذلك: {ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّـخِذ مِنْ دُونِكَ مِنْ أوْلِـياء } بـمعنى: ما كان ينبغي لنا أن نتـخذهم من دونك أولـياء. والثالثة: أن العرب لا تدخـل «مِنْ» هذه التـي تدخـل فـي الـجحد إلاَّ فـي الأسماء، ولا تدخـلها فـي الأخبـار، لا يقولون: ما رأيت أخاك من رجل، وإنـما يقولون: ما رأيت من أحد، وما عندي من رجل وقد دخـلت هاهنا فـي الأولـياء وهي فـي موضع الـخبر، ولو لـم تكن فـيها «مِنْ»، كان وجها حسناً. وأما البُور: فمصدر واحد، وجمع للبـائر، يقال: أصبحت منازلهم بُوراً: أي خالـية لا شيء فـيها، ومنه قولهم: بـارت السُّوق وبـار الطعام: إذا خلا من الطّلاب والـمشتري فلـم يكن له طالب، فصار كالشيء الهالك ومنه قول ابن الزّبَعْرَى:

يا رَسُولَ الـمَلِـيك إنَّ لسانِـي رَاتِقٌ ما فَتَقْتُ إذْ أنا بُورُ

وقد قـيـل: إن بور: مصدر، كالعدل والزور والقطع، لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. وإنـما أريد بـالبور فـي هذا الـموضع أن أعمال هؤلاء الكفـار كانت بـاطلة لأنها لـم تكن لله، كما ذكرنا عن ابن عبـاس.

يقول تعالـى ذكره مخبراً عما هو قائل للـمشركين عند تبرّي من كانوا يعبدونه فـي الدنـيا من دون الله منهم: قد كذّبوكم أيها الكافرون من زعمتـم أنهم أضلوكم ودعوكم إلـى عبـادتهم{ بـما تَقُولُونَ} يعنـي بقولكم، يقول: كذّبوكم بكذبكم.

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك: حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِـمَا تَقُولُونَ } يقول الله للذين كانوا يعبدون عيسى وعُزيزا والـملائكة، يكذّبون الـمشركين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد:{ فَقَدْ كَذَّبوكُمْ بِـمَا تَقُولُونَ } قال: عيسى وعُزير والـملائكة، يكذّبون الـمشركين بقولهم.

وكان ابن زيد يقول فـي تأويـل ذلك، ما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله:{ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِـمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعونَ صَرْفـاً وَلا نَصْراً} قال: كذّبوكم بـما تقولون بـما جاء من عند الله جاءت به الأنبـياء والـمؤمنون آمنوا به وكذب هؤلاء.

فوجه ابن زيد تأويـل قوله:{ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ } إلـى: فقد كذّبوكم أيها الـمؤمنون الـمكذّبون بـما جاءهم به مـحمد من عند الله بـما تقولون من الـحقّ، وهو أن يكون خبراً عن الذين كذّبوا الكافرين فـي زعمهم أنهم دعَوْهم إلـى الضلالة وأمروهم بها، علـى ما قاله مـجاهد من القول الذي ذكرنا عنه، أشبه وأولـى لأنه فـي سياق الـخبر عنهم. والقراءة فـي ذلك عندنا:{ فَقَدْ كَذّبُوكُمْ بِـمَا تَقُولُونَ } بـالتَّاء، علـى التأويـل الذي ذكرناه، لإجماع الـحجة من قرّاء الأمصار علـيه. وقد حُكي عن بعضهم أنه قرأه: «فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِـمَا يَقُولُونَ» بـالـياء، بـمعنى: فقد كذّبوكم بقولهم.

وقوله جلّ ثناؤه:{ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفـاً وَلا نَصْراً} يقول: فما يستطيع هؤلاء الكفـار صرف عذاب الله حين نزل بهم عن أنفسهم، ولا نَصْرَها من الله حين عذّبها وعاقبها.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفـاً وَلا نَصْراً} قال: الـمشركون لا يستطيعونه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد:{ فَمَا تَسْتَطيعُونَ صَرفـاً وَلا نَصْراً} قال: الـمشركون.

قال ابن جُرَيج: لا يستطيعون صرف العذاب عنهم، ولا نصر أنفسهم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ فَمَا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفـاً وَلا نَصْراً} قال: لا يستطيعون يصرفون عنهم العذاب الذي نزل بهم حين كُذّبوا، ولا أن ينتصروا. قال: وينادي منادٍ يوم القـيامة حين يجتـمع الـخلائق: ما لكم لا تناصرون؟ قال: من عبد من دون الله لا ينصر الـيوم من عبده، وقال العابدون من دون الله لا ينصره الـيوم إلهه الذي يعبد من دون الله، فقال الله تبـارك وتعالـى:

{ بَلْ هُمُ الـيَوْمَ مُسْتَسْلِـمُونَ }. وقرأ قول الله جلّ ثناؤه: { فإنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ }

ورُوي عن ابن مسعود فـي ذلك ما:

حدثنا به أحمد بن يونس، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، قال: هي فـي حرف عبد الله بن مسعود: «فَمَا يَسْتَطِيعُونَ لَكَ صَرْفـا.

« فإن تكن هذه الرواية عنه صحيحة، صحّ التأويـل الذي تأوّله ابن زيد فـي قوله:{ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِـمَا تَقُولُونَ}، ويصير قوله:{ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ } خبراً عن الـمشركين أنهم كذّبوا الـمؤمنـين، ويكون تأويـل قوله حينئذٍ:{ فَمَا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفـاً وَلا نَصْراً} فما يستطيع يا مـحمد هؤلاء الكفـار لك صرفـاً عن الـحقّ الذي هداك الله له، ولا نصر أنفسهم، مـما بهم من البلاء الذي همّ فـيه، بتكذيبهم إياك.

فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ۝١٩

يقول تعالـى ذكره للـمؤمنـين به:{ وَمَنْ يَظْلِـمْ منْكُمْ } أيها الـمؤمنون يعنـي بقوله: {وَمَنْ يَظْلِـمْ} ومن يشرك بـالله فـيظلـم نفسه فذلك نذقه عذابـاً كبـيراً، كالذي ذكرنا أن نذيقه الذين كذّبوا بـالساعة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنـي الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، فـي قوله:{ وَمَنْ يَظْلِـمْ مِنْكُمْ } قال: يُشْرك{ نُذِقْهُ عَذَابـا كَبِـيراً}.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، فـي قوله:{ وَمَنْ يَظْلِـمْ مِنْكُمْ} قال: هو الشرك.

وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ۝٢٠

وهذا احتـجاج من الله تعالـى ذكره لنبيه على مشركي قومه الذين قالوا:

{ ما لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَـمْشِي فِـي الأسْوَاقِ } وجواب لهم عنه، يقول لهم جلّ ثناؤه: وما أنكر يا مـحمد هؤلاء القائلون ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويـمشي فـي الأسواق، من أكلك الطعام ومشيك فـي الأسواق، وأنت لله رسول فقد علـموا أنا ما أرسلنا قبلك من الـمرسلـين إلاّ إنهم لـيأكلون الطعام ويـمشون فـي الأسواق كالذي تأكل أنت وتـمشي، فلـيس لهم علـيك بـما قالوا من ذلك حجة.

فإن قال قائل: فإن «مَنْ» لـيست فـي التلاوة، فكيف قلت معنى الكلام: إلاَّ مَنْ إِنهم لـيأكلون الطعام؟ قـيـل: قلنا فـي ذلك معناه: أن الهاء والـميـم فـي قوله: «إنهم»، كناية أسماء لـم تُذكر، ولا بدّ لها من أن تعود علـى من كُنِـي عنه بها، وإنـما ترك ذكر «مَنْ» وإظهاره فـي الكلام اكتفـاء بدلالة قوله:{ مِنَ الـمُرْسَلِـينَ } علـيه، كما اكتفـي فـي قوله:{ وَما مِنَّا إلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ } من إظهار «مَنْ»، ولا شكّ أن معنى ذلك: وما منا إلاَّ من له مقام معلوم، كما قـيـل:

{ وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُها } ومعناه: وإن منكم إلاَّ من هو واردها فقوله:{ إنَّهُمْ لَـيَأْكُلُونَ الطَّعامَ } صلة ل «مَنِ» الـمتروك، كما يقال فـي الكلام: ما أرسلت إلـيك من الناس إلاَّ مَنْ إنه لـيبلغك الرسالة، فإنه «لـيبلغك الرسالة» صلة لـ «مَنْ».

وقوله:{ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} يقول تعالـى ذكره: وامتـحنا أيها الناس بعضكم ببعض، جعلنا هذا نبـيًّا وخصصناه بـالرسالة، وهذا ملِكاً وخصصناه بـالدنـيا، وهذا فقـيراً وحرمناه الدنـيا، لنـختبر الفقـير بصبره علـى ما حُرِم مـما أعطيه الغنـيّ، والـملك بصبره علـى ما أعطيه الرسول من الكرامة، وكيف رضي كل إنسان منهم بـما أعطى وقُسِم له، وطاعته ربه مع ما حرِم مـما أعطى غيره. يقول: فمن أجل ذلك لـم أعط مـحمداً الدنـيا، وجعلته يطلب الـمعاش فـي الأسواق، ولأبتلـيكم أيها الناس، وأختبر طاعتكم ربكم وإجابتكم رسوله إلـى ما دعاكم إلـيه، بغير عَرَض من الدنـيا ترجونه من مـحمد أن يعطيكم علـى اتبـاعكم إياه لأنـي لو أعطيته الدنـيا، لسارع كثـير منكم إلـى اتبـاعه طمعاً فـي دنـياه أن ينال منها.

وبنـحو الذي قلنا تأويـل فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن أبـي رجاء، قال: ثنـي عبد القدوس، عن الـحسن، فـي قوله:{ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً...} الآية، يقول هذا الأعمى: لو شاء الله لـجعلنـي بصيراً مثل فلان، ويقول هذا الفقـير: لو شاء الله لـجعلنـي غنـيًّا مثل فلان، ويقول هذا السقـيـم: لو شاء الله لـجعلنـي صحيحاً مثل فلان.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، فـي قوله:{ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبرُونَ } قال: يُـمْسك عن هذا ويُوَسِّع علـى هذا، فـيقول: لـم يعطنـي مثل ما أعطى فلاناً، ويُبْتَلَـى بـالوجع كذلك، فـيقول: لـم يجعلنـي ربـي صحيحاً مثل فلان فـي أشبـاه ذلك من البلاء، لـيعلـم من يصبر مـمن يجزع.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي ابن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد، فـيـما يروي الطبري، عن عكرِمة، أو عن سعيد، عن ابن عبـاس، قال: وأنزل علـيه فـي ذلك من قولهم:

{ ما لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَـمْشِي فِـي الأسْوَاقِ... } الآية: {وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الـمُرْسَلِـينَ إلاَّ إِنَّهُمْ لَـيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَـمْشُونَ فِـي الأسْوَاقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ} أي جعلت بعضكم لبعض بلاء، لتصبروا علـى ما تسمعون منهم، وترون من خلافهم، وتتبعوا الهدى بغير أن أعطيهم علـيه الدنـيا ولو شئت أن أجعل الدنـيا مع رسلـي فلا يخالفون لفعلت، ولكنـي قد أردت أن أبتلـي العبـاد بكم وأبتلـيكم بهم.

وقوله:{ وكانَ رَبُّكَ بَصِيراً} يقول: وربك يا مـحمد بصير بـمن يجزع ومن يصبر علـى ما امتُـحِن به من الـمـحن. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج:{ وكانَ رَبُّكَ بَصِيراً} إن ربك لبصير بـمن يجزع ومن يصبر.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا ۝٢١

يقول تعالى ذكره: وقال الـمشركون الذين لا يخافون لقاءنا، ولا يَخْشَوْن عقابنا، هلا أنزل الله علـينا ملائكة، فتـخبرَنا أن مـحمدا مـحقّ فـيـما يقول، وأن ما جاءنا به صدق، أو نرى ربنا فـيخبرنا بذلك، كما قال جلّ ثناؤه مخبرا عنهم: وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتـى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعا ثم قال بعد: أوْ تَأْتِـيَ بـاللَّهِ وَالـمَلائِكَةِ قَبِـيلاً يقول الله: لقد استكبر قائلو هذه الـمقالة فـي أنفسهم، وتعظموا، {وَعَتَوْا عُتُوّا كَبِـيرا} يقول: وتـجاوزوا فـي الاستكبـار بقـيـلهم ذلك حدّه وبنحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال كفـار قريش: {لَوّلاَ أُنْزِلَ عَلَـيْنَا الـمَلاَئِكَةُ} فـيخبرونا أن مـحمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فـي أنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا} لأن «عتا» من ذوات الواو، فأخرج مصدره علـى الأصل بـالواو. وقـيـل فـي سورة مريـم: وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عتِـيًّا وإنـما قـيـل ذلك كذلك لـموافقة الـمصادر فـي هذا الوجه جمع الأسماء كقولهم: قعد قعوداً، وهم قوم قعود، فلـما كان ذلك كذلك، وكان العاتـي يجمع عتـياً بناء علـى الواحد، جعل مصدره أحياناً موافقاً لـجمعه، وأحياناً مردوداً إلـى أصله.

الخميس، 5 نوفمبر 2026 25 جمادى الأولى 1448 هـ