انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الفرقان

تفسير البغويالآيات 1–62

تفسير سورة الفرقان آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ لِلْعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ۝١ ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُۥ تَقْدِيرًا ۝٢

{تَبَارَكَ}، تفاعل، من البركة. وعن ابن عباس: معناه جاء بكل بركة، دليله قول الحسن: مجيء البركة من قبله. وقال الضحاك: تعظَّم، {ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ}، أي القرآن، {عَلَىٰ عَبْدِهِ}، محمد صلى الله عليه وسلم. {لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً}، أي: للجن والإِنس. قيل: النذير هو القرآن. وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم.

{ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِى المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ}، مما يطلق عليه صفة المخلوق، {فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً}، فسوّاه وهيأه لما يصلح له، لا خلل فيه ولا تفاوت، وقيل: قدَّر لكل شيء تقديراً من الأجل والرزق، فجرت المقادير على ما خلق.

وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَوٰةً وَلَا نُشُورًا ۝٣ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ إِفْكٌ ٱفْتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ فَقَدْ جَآءُو ظُلْمًا وَزُورًا ۝٤ وَقَالُوٓا۟ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ۝٥ قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِى يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ۝٦

قوله عزّ وجلّ: {وَٱتَّخَذُواْ}، يعني عبدة الأوثان، {مِن دُونِهِ ءْالِهَةً}، يعني: الأصنام، {لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً}، أي: دفع ضر ولا جلب نفع، {وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَـوٰةً}، أي: إماتةً وإحياءً، {وَلاَ نُشُوراً}، أي: بعثاً بعد الموت.

{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ}، يعني: المشركين، يعني: النضر بن الحارث وأصحابه، {إِنْ هَـٰذَا}، ما هذا القرآن، {إِلاَّ إِفْكٌ}، كذب، {ٱفْتَرَاهُ}، اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم، {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ}، قال مجاهد: يعني اليهود. وقال الحسن: هو عبيد بن الخضر الحبشي الكاهن. وقيل: جبر ويسار، وعداس بن عبيد، كانوا بمكة من أهل الكتاب، فزعم المشركون أن محمداً صلىالله عليه وسلم يأخذ منهم، قال الله تعالى: {فَقَدْ جَآءُوا}، يعني قائلي هذه المقالة، {ظُلْماً وَزُوراً}، أي: بظلم وزور. فلما حذف الباء انتصب، يعني جاؤوا شركاً وكذباً بنسبتهم كلام الله تعالى إلى الإِفك والافتراء.

{وَقَالُوۤاْ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا}، يعني النضر بن الحارث كان يقول: إنّ هذا القرآن ليس من الله وإنما هو مما سطَّره الأولون مثل حديث رستم واسفنديار، "اكتتبها": انتسخها محمد من جبر، ويسار وعدَّاس، ومعنى "اكتتب" يعني طلب أن يكتب له، لأنه كان لا يكتب، {فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ}، يعني تقرأ عليه ليحفظها لا ليكتبها، {بُكْرَةً وَأَصِيلاً}، غدوة وعشياً. قال الله عزّ وجلّ رداً عليهم:

{قُلْ أَنزَلَهُ}، يعني القرآن، {ٱلَّذِى يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ}، يعني الغيب، {فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}.

وَقَالُوا۟ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلْأَسْوَاقِ لَوْلَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا ۝٧ أَوْ يُلْقَىٰٓ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا ۝٨ ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَٰلَ فَضَلُّوا۟ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ۝٩ تَبَارَكَ ٱلَّذِىٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًۢا ۝١٠ بَلْ كَذَّبُوا۟ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا ۝١١ إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ سَمِعُوا۟ لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ۝١٢

{وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ} يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم، {يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ}، كما نأكل نحن، {وَيَمْشِى فِى ٱلأَسْوَاقِ}، يلتمس المعاش كما نمشي، فلا يجوز أن يمتاز عنّا بالنبوة، وكانوا يقولون له: لست أنت بمَلَك ولا بِملِك، لأنك تأكل والمَلَك لا يأكل، ولست بملِك لأن الملِك لا يتسوق، وأنت تتسوق وتتبذل. وما قالوه فاسد؛ لأن أكله الطعام لكونه آدمياً، ومشيه في الأسواق لتواضعه، وكان ذلك صفة له، وشيءٌ من ذلك لا ينافي النبوة. {لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ}، فيصدقه، {فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً}، داعياً.

{أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ} أي: ينزل عليه كنز من السماء ينفقه، فلا يحتاج إلى التردد والتصرف في طلب المعاش، {أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ}، بستان، {يَأْكُلُ مِنْهَا}، قرأ حمزة والكسائي: «نأكل» بالنون أي: نأكل نحن منها،{وَقَالَ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً}، مخدوعاً. وقيل: مصروفا عن الحق.

{ٱنظُرْ} يا محمد، {كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَـٰلَ}، يعني الأشباه، فقالوا: مسحور، محتاج، وغيره، {فَضَلُّواْ}، عن الحق، {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً}، إلى الهدى ومخرجاً عن الضلالة.

{تَبَارَكَ ٱلَّذِىۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ}، الذي قالوا: أو أفضل من الكنز والبستان الذي ذكروا، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: يعني خيراً من المشي في الأسواق والتماس المعاش. ثم بيّن ذلك الخير فقال: {جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً}، بيوتاً مشيدة، والعرب تسمي كل بيت مشيّد قصراً، وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم برواية أبي بكر: "ويجعلُ" برفع اللام، وقرأ الآخرون بجزمها على محل الجزاء في قوله: {إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ}.

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني، أخبرنا أبو طاهر محمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن أيوب، حدثني عبيد الله بن زحر، عن علي بن زيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً فقلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً، و قال ثلاثاً أو نحو هذا، فإذا جعت تضرعتُ إليك وذكرتُك، وإذا شبعتُ حمدتُك وشكرتُك ».

حدثنا أبو طاهرٍ المطهَّرُ بن علي بن عبيد الله الفارسيُّ، أخبرنا أبو ذر محمد بن إبراهيم الصالحاني، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان المعروف بأبي الشيخ، أخبرنا أبو يعلى، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا أبو معشر عن سعيد يعني المقبري، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لو شئتُ لسارت معي جبال الذهب، جاءني مَلَكٌ أن حُجْزَتَهُ لتساوي الكعبة، فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول إن شئتَ نبياً عبداً، وإن شئت نبياً مَلِكاً فنظرت إلى جبريل فأشار إليّ أنْ ضَعْ نفسك، فقلت: نبياً عبداً» قالت: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئاً يقول: «آكل كما يأكل العبد, وأجلس كما يجلس العبد» ».

قوله عزّ وجلّ: {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ} بالقيامة، {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً}، ناراً مستعرة.

{إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ}، قال الكلبيّ والسدي: من مسيرة عام. وقيل: من مسيرة مائة سنة. وقيل: خمسمائة سنة. وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ بين عيني جهنّم مقعداً ». قالوا: وهل لها من عينين؟ قال: نعم ألم تستمعوا قول الله تعالى: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ}. وقيل إذا رأتهم زبانيتها. {سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً} غلياناً, كالغضبان إذا غَلَى صدره من الغضب. {وَزَفِيراً} صوتاً.

فإن قيل: كيف يسمع التغيظ؟ قيل: معناه رأوا وعلموا أن لها تغيظاً وسمعوا لها زفيراً، كما قال الشاعر:

ورأيتُ زوجَكِ في الوَغَى مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحاً

أي وحاملاً رمحاً.

وقيل: سمعوا لها تغيظاً، أي: صوت التغيظ من التلهب والتوقد، قال عبيد بن عمير: تزفر جهنم يوم القيامة زفرة فلا يبقى مَلَك مقرَّب ولا نبي مرسل إلا خرَّ لوجهه.

وَإِذَآ أُلْقُوا۟ مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا۟ هُنَالِكَ ثُبُورًا ۝١٣ لَّا تَدْعُوا۟ ٱلْيَوْمَ ثُبُورًا وَٰحِدًا وَٱدْعُوا۟ ثُبُورًا كَثِيرًا ۝١٤ قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً وَمَصِيرًا ۝١٥

{وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً} قال ابن عباس: تضيق عليهم كما يضيق الزجُّ في الرمح، {مُّقَرَّنِينَ}، مصفّدين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال. وقيل: مقرنين مع الشياطين في السلاسل، {دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً}، قال ابن عباس: ويلاً. وقال الضحاك: هلاكاً. وفي الحديث:

إنّ أول من يكسى حلة من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه, وذريتُه من خلفه, وهو يقول: يا ثبوراه، وهم ينادون: يا ثبورهم, حتى يقفوا على النار فينادون: يا ثبوراه، وينادي: يا ثبورهم، فيقال لهم:

{لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وَٰحِداً وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً}

"، قيل: أي هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة, فادعوا أدعية كثيرة.

قوله عزّ وجلّ: {قُلْ أَذَٰلِكَ} يعني الذي ذكرته من صفة النار وأهلها، {خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً}، ثواباً، {وَمَصِيراً}، مرجعاً.

لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَٰلِدِينَ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْـُٔولًا ۝١٦ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَٰٓؤُلَآءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ ۝١٧ قَالُوا۟ سُبْحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِى لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا۟ ٱلذِّكْرَ وَكَانُوا۟ قَوْمًۢا بُورًا ۝١٨ فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ۝١٩

{لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَـٰلِدِينَ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُولاً}، مطلوباً، وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم في الدنيا حين قالوا:

{ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك }[آل عمران: 194]، يقول: كان أعطى الله المؤمنين جنة خلد وعداً، وعدهم على طاعتهم إيّاه في الدنيا ومسألتهم إياه ذلك. قال محمد بن كعب القرظي: الطلب من الملائكة للمؤمنين وذلك قولهم: { { رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدْتَّهُمْ } } [غافر: 8].

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ}، قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، ويعقوب، وحفص: «يحشرهم» بالياء، وقرأ الباقون بالنون، {وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}، قال مجاهد: من الملائكة والجن والإِنس وعيسى وعزير. وقال عكرمة والضحاك والكلبي: يعني الأصنام، ثم يخاطبهم، {فَيَقُولُ}، قرأ ابن عامر بالنون والآخرون بالياء، {أَءَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَـٰؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ}، أخطأوا الطريق.

{قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ}، نزَّهوا الله من أن يكون معه آله، {مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ}، يعني: ما كان ينبغي لنا أن نوالي أعداءك, بل أنت ولينا من دونهم. وقيل: ما كان لنا أن نأمرهم بعبادتنا ونحن نعبدك.

وقرأ أبو جعفر «أن نُتَّخَذ» بضم النون وفتح الخاء فتكون «من» الثاني صلة.

{وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ}، في الدنيا بطول العمر والصحة والنعمة، {حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكْرَ}، تركوا الموعظة والإِيمان بالقرآن. وقيل: تركوا ذكرك وغفلوا عنه، {وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً}، يعني هلكى غلب عليهم الشقاء والخذلان، رجل يقال له بائر، وقوم بور، وأصله من البوار وهو الكساد والفساد، ومنه بوار السلعة وهو كسادها. وقيل هو اسم مصدر كالزور، يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث.

{فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ}، هذا خطاب مع المشركين، أي: كذبكم المعبودون، {بِمَا تَقُولُونَ}، إنهم آلهة، {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ}، قرأ حفص بالتاء يعني العابدين، وقرأ الآخرون بالياء يعني: الآلهة. {صَرْفاً} يعني: صرف العذاب عن أنفسهم، {وَلاَ نَصْراً}، يعني: ولا نصر أنفسهم. وقيل: ولا نصركم أيها العابدون من عذاب الله بدفع العذاب عنكم. وقيل: "الصرف" الحيلة، ومنه قول العرب: إنه ليصرف، أي يحتال، {وَمَن يَظْلِم}، يشرك، {مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً}.

وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ۝٢٠

قوله عزّ وجلّ: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}، يا محمد، {إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ}، روى الضحاك عن ابن عباس قال: لما عيّر المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، أنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية. يعني ما أنا إلا رسول وما كنتُ بِدْعاً من الرسل، وهم كانوا بشراً يأكلون الطعام، {وَيَمْشُونَ فِى ٱلأَسْوَاقِ}. وقيل: معناه وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا قيل لهم مثل هذا أنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كما قال في موضع آخر:

{ ما يقال لك إلاّ ما قد قيل للرسل من قبلك }[فصلت: 43].

{وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً}، أي بلية، فالغني فتنة للفقير، يقول الفقير: ما لي لم أكن مثله؟ والصحيح فتنة للمريض، والشريف فتنة للوضيع. وقال ابن عباس: أي جعلت بعضكم بلاءً لبعض لتصبروا على ما تسمعون منهم، وترون من خلافهم، وتتبعوا الهدى.

وقيل: نزلت في ابتلاء الشريف بالوضيع؛ وذلك أن الشريف إذا أراد أن يسلم فرأى الوضيع قد أسلم قبله أنِف، وقال أُسِلْمُ بعده فيكون له عليَّ السابقة والفضل؟! فيقيم على كفره ويمتنع من الإِسلام، فذلك افتتان بعضهم ببعض، وهذا قول الكلبي.

وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، والوليد بن عقبة، والعاص بن وائل، والنضر بن الحارث؛ وذلك أنهم لما رأوا أبا ذر، وابنَ مسعود وعماراً، وبلالاً، وصهيباً، وعامر بن فهيرة، وذويهم، قالوا: نسلم فنكون مثل هؤلاء؟.

وقال مقاتل: نزلت في ابتلاء فقراء المؤمنين بالمستهزئين من قريش، كانوا يقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين اتبعوا محمداً من موالينا وأراذلنا، فقال الله تعالى لهؤلاء المؤمنين: {أَتَصْبِرُونَ} يعني على هذه الحال من الفقر والشدة والأذى.

{وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً}، بمن صبر وبمن جزع. أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن، أخبرنا أبو العباس الأصم، حدثنا زكريا بن يحيى المروزي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إذا نظر أحدكم إلى مَنْ فُضِّل عليه في المال والجسم فلينظرْ إلى مَنْ دونه في المال والجسم ».

وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا ۝٢١ يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا ۝٢٢

قوله عزّ وجلّ: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا}، أي لا يخافون البعث، قال الفرَّاء: "الرجاء" بمعنى الخوف، لغةُ تهامة، ومنه قوله تعالى:

{ { مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً } } [نوح: 13] أي: لا تخافون لله عظمة. {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـٰئِكَةُ}، فتخبرنا أن محمداً صادق، {أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا}، فيخبرنا بذلك. {لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ}، أي: تعظموا. {فِىۤ أَنفُسِهِمْ}، بهذه المقالة، {وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبيرَاً}. قال مجاهد: "عتواً" طغوا في القول و"العتُّو" أشد الكفر وأفحش الظلم، وعتوُّهم طلبهم رؤية الله حتى يؤمنوا به.

{يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ} عند الموت. وقيل: في القيامة. {لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ}، للكافرين، وذلك أن الملائكة يبشرون المؤمنين يوم القيامة، ويقولون للكفار: لا بشرى لكم، هكذا قال عطية، وقال بعضهم: معناه أنه لا بشرى يوم القيامة للمجرمين، أي: لا بشارة لهم بالجنة، كما يُبَشَّرُ المؤمنون. {وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً}، قال عطاء عن ابن عباس: تقول الملائكة حراماً محرماً أن يدخل الجنة، إلا من قال لا إلٰه إلا الله.

وقال مقاتل: إذا خرج الكفار من قبورهم قالت لهم الملائكة حراماً محرماً عليكم أن تكون لكم البشرى.

وقال بعضهم: هذا قول الكفار للملائكة. قال ابن جريج: كانت العرب إذا نزلت بهم شدة ورأوا ما يكرهون، قالوا حجراً محجوراً، فهم يقولونه إذا عاينوا الملائكة.

قال مجاهد: يعني عوذاً معاذاً يستعيذون به من الملائكة.

وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُوا۟ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَٰهُ هَبَآءً مَّنثُورًا ۝٢٣ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ۝٢٤

{وَقَدِمْنَآ}، وعمدنا، {إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً}، أي باطلاً لا ثواب له، فهم لم يعملوه لله عزّ وجلّ.

واختلفوا في "الهباء"، قال علي: هو ما يرى في الكُوَّة إذا وقع ضوء الشمس فيها كالغبار، ولا يمس بالأيدي، ولا يرى في الظل، وهو قول الحسن وعكرمة ومجاهد، و"المنثور" والمتفرّق.

وقال ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير: هو ما تسفيه الرياح وتذريه من التراب وحطام الشجر.

وقال مقاتل: هو ما يسطع من حوافر الدوابِّ عند السير.

وقيل: "الهباء المنثور": ما يرى في الكوة، و"الهباء المنبث": هو ما تطيره الرياح من سنابك الخيل.

قوله عزّ وجلّ: {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} أي: من هؤلاء المشركين المتكبرين, {وَأَحْسَنُ مَقِيلاً}، موضع قائلة يعني: أهل الجنة لا يمر بهم يوم القيامة إلا قدر النهار من أوله إلى وقت القائلة حتى يسكنوا مساكنهم في الجنة، قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، وقرأ «ثم إن مقيلهم لا إلى الجحيم» هكذا كان يقرأ.

وقال ابن عباس في هذه الآية: الحساب ذلك اليوم في أوله، وقال القوم حين قالوا في منازلهم في الجنة.

قال الأزهري: "القيلولة" و"المقيل": الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن مع ذلك نوم، لأن الله تعالى قال: {وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} والجنة لا نوم فيها. ويُروى أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس.

وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا ۝٢٥ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَٰنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ عَسِيرًا ۝٢٦ وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَٰلَيْتَنِى ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلًا ۝٢٧

قوله عزّ وجلّ: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَـٰمِ}، أي: عن الغمام، الباء وعن يتعاقبان، كما يقال: رميت عن القوس وبالقوس، وتشقق بمعنى تتشقق، أدغموا إحدى التاءين، وقرأ أبو عمرو وأهل الكوفة بتخفيف الشين هاهنا، وفي سورة «ق» بحذف إحدى التاءين، وقرأ الآخرون بالتشديد، أي تتشقق بالغمام، وهو غمام أبيض رقيق مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم. {وَنُزِّلَ ٱلْمَلَـٰۤئِكَةُ تَنزِيلاً}، قرأ ابن كثير، «ونُنْزِلُ» بنونين خفيف ورفع اللام، «الملائكةَ» نصب. قال ابن عباس: تتشقق السماء الدنيا فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإِنس، ثم تتشقق السماء الثانية فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في السماء الدنيا، ومن الجن والإِنس، ثم كذلك حتى تتشقق السماء السابعة وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي قبلها، ثم ينزل الكروبيون ثم حملة العرش.

{ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ}، أي الملك الذي هو الملك الحق حقاً ملك الرحمن يوم القيامة. قال ابن عباس: يريد أن يوم القيامة لا ملك يقضي غيره. {وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ عَسِيراً}، شديداً فهذا الخطاب يدل على أنه لا يكون على المؤمنين عسيراً. وجاء في الحديث:

أنه يهون يوم القيامة على المؤمنين حتى يكون عليهم أخف من صلاة مكتوبة صلوها في الدنيا ».

{وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّـٰلِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ} أراد بالظالمِ عقبةَ بن أبي معيط,

وذلك أن عقبة كان لا يقدم من سفر إلا صنع طعاماً فدعا إليه أشراف قومه، وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاماً فدعا الناس ودعا رسول الله صلىالله عليه وسلم، فلما قرب الطعام قال رسول الله: « ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله » فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعامه، وكان عقبة صديقاً لأُبَيِّ ابن خلف، فلما أخبر أبيّ بن خلف قال له: يا عقبة صبأتَ؟ قال: لا والله ما صبأت، ولكن دخل عليّ رجل فأبى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييتُ أن يخرج من بيتي ولم يطعم، فشهدت له فطعم، فقال: ما أنا بالذي أرضى عنك أبداً إلا أن تأتيته فتبزق في وجهه، ففعل ذلك عقبة فقال عليه السلام: « لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوتُ رأسك بالسيف » فقتل عقبة يوم بدر صبراً. وأما أبيّ بن خلف قتله النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحد بيده.

وقال الضحاك: لما بزق عقبة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد بزاقه في وجهه فاحترق خداه، وكان أثر ذلك فيه حتى الموت.

وقال الشعبي: كان عقبة بن أبيّ معيط خليل أمية بن خلف فأسلم عقبة، فقال أُمية: وجهي من وجهك حرام أَنْ بايعت محمداً، فكفر وارتدَّ، فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّـٰلِمُ} يعني: عقبة بن أبي معيط بن عبد شمس بن مناف "على يديه" ندماً وأسفاً على ما فرط في جنب الله، وأوبق نفسه بالمعصية والكفر بالله بطاعة خليله الذي صده عن سبيل ربه. قال عطاء: يأكل يديه حتى يبلغ مرفقيه، ثم تنبتان، ثم يأكلهما هكذا، كلما نبتت يداه أكلهما تحسراً على ما فعل.

{يَقُولُ يٰلَيْتَنِى ٱتَّخَذْتُ}، في الدنيا، {مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً}، ليتني اتبعت محمداً صلى الله عليه وسلم واتخذت معه سبيلاً إلى الهدى، قرأ أبو عمرو «يا ليتني اتخذت» بفتح الياء، والآخرون بإسكانها.

يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ۝٢٨ لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِى وَكَانَ ٱلشَّيْطَٰنُ لِلْإِنسَٰنِ خَذُولًا ۝٢٩

{يٰوَيْلَتَا لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً }، يعني أُبيّ بن خلف.

{لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ ٱلذِّكْرِ}، عن الإِيمان والقرآن، {بَعْدَ إِذْ جَآءَنِى}، يعني: الذكر مع الرسول، {وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ}، وهو كل متمرد عاتٍ من الإِنس والجن، وكل من صدَّ عن سبيل الله فهو شيطان. {لِلإِنْسَـٰنِ خَذُولاً}، أي: تاركاً يتركه ويتبرأ منه عند نزول البلاء والعذاب، وحكم هذه الآية عام في حق كل متحابين اجتمعا على معصية الله.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن العلاء، أخبرنا أبو أسامة، عن بُريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

مَثَل الجليسِ الصالح والسوءِ، كحامل المِسْك ونافخِ الكِيْر، فحاملُ المسك إمّا أن يُحْذِيَك وإمّا أن تبتاع منه، وإمّا أن تجدَ منه ريحاً طيبة، ونافخُ الكير إمّا أن يحرق ثيابك، وإمّا تجد منه ريحاً خبيثة ».

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح، أخبرني سالم بن غيلان أن الوليد بن قيس التُّجيبي أخبره أنه سمع أبا سعيد الخدري - قال سالم أو عن أبي الهيثم عن أبي سعيد - أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي ».

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن كساب النيسابوري، أخبرنا أبو العباس الأصم، حدثنا حميد بن عياش الرملي، أخبرنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا زهير بن محمد الخراساني، حدثنا موسى بن وردان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

المرءُ على دين خليلهِ فلينظرْ أحدُكم من يُخَالِلُ ».

وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِى ٱتَّخَذُوا۟ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ مَهْجُورًا ۝٣٠ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ۝٣١ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَٰحِدَةً كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَٰهُ تَرْتِيلًا ۝٣٢ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ۝٣٣ ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُو۟لَٰٓئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا ۝٣٤

{وَقَالَ ٱلرَّسُولُ}، يعني: ويقول الرسول في ذلك اليوم: {يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِى ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْءاَنَ مَهْجُوراً}، يعني متروكاً فأعرضوا عنه، ولم يؤمنوا به ولم يعملوا بما فيه.

وقيل: جعلوه بمنزلة الهجر وهو الهذيان، والقوي السيء، فزعموا أنه شعر وسحر، وهو قول النخعي ومجاهد.

وقيل: قال الرسول يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم يشكوا قومه إلى الله يا رب: إنّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً فعزّاه الله تعالى فقال:

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا}، يعني: كما جعلنا لك أعداء من مشركي قومك كذلك جعلنا، {لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ}، يعني المشركين. قال مقاتل: يقول لا يَكْبُرَنَّ عليك فإن الأنبياء قبلك قد لَقِيَتْ هذا من قومهم، فاصبرْ لأمري كما صبروا، فإني ناصرك وهاديك، {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً}.

{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَٰحِدَةً} كما أنزلت التوراة على موسى والإِنجيل على عيسى والزبور على داود. قال الله تعالى: {كَذَلِكَ}، فَعَلْتُ، {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ}، أي: أنزلناه متفرقاً ليقوى به قلبك فتعيه وتحفظه، فإن الكتب أنزلت على أنبياء يكتبون ويقرؤون، وأنزل الله القرآن على نبي أُمي لا يكتب ولا يقرأ، ولأن من القرآن الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن سأل عن أمور، ففرقناه ليكون أوعى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأيسر على العامل به. {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}، قال ابن عباس بيَّنَّاه بياناً، والترتيل التبيين في ترسل وتثبت. وقال السدي: فصَّلناه تفصيلاً. وقال مجاهد: بعضه في إثر بعض. وقال النخعي والحسن وقتادة: فرقناه تفريقاً آية بعد آية.

{وَلاَ يَأْتُونَكَ} يا محمد يعني: هؤلاء المشركين، {بِمَثَلٍ}، يضربونه في إبطال أمرك {إِلاَّ جِئْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ}، يعني بما ترد به ما جاؤوا به من المثل وتبطله، فسمي ما يردون من الشبه مثلاً، وسمي ما يدفع به الشبه حقاً، {وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً}، أي: بياناً وتفصيلاً، و"التفسير": تفعيل، من الفسر، وهو كشف ما قد غطي. ثم ذكرَ مآل هؤلاء المشركين فقال:

{ٱلَّذِينَ}، أي: هم الذين، {يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ}، فيساقون ويجرون، {إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً}، أي: مكانة ومنزلة، ويقال: منزلاً ومصيراً، {وَأَضَلُّ سَبِيلاً}، أخطأ طريقاً.

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَجَعَلْنَا مَعَهُۥٓ أَخَاهُ هَٰرُونَ وَزِيرًا ۝٣٥ فَقُلْنَا ٱذْهَبَآ إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَدَمَّرْنَٰهُمْ تَدْمِيرًا ۝٣٦ وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا۟ ٱلرُّسُلَ أَغْرَقْنَٰهُمْ وَجَعَلْنَٰهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّٰلِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ۝٣٧ وَعَادًا وَثَمُودَا۟ وَأَصْحَٰبَ ٱلرَّسِّ وَقُرُونًۢا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا ۝٣٨

{وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَـٰرُونَ وَزِيراً } أي معيناً وظهيراً.

{فَقُلْنَا ٱذْهَبَآ إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا} يعني القبط، {فَدَمَّرْنَـٰهُمْ}، فيه إضمار، أي: فكذبوهما فدمرناهم، {تَدْمِيراً}، أهلكناهم إهلاكاً.

{وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ}، أي: الرسول، ومن كذب رسولاً واحداً فقد كذب جميع الرسل، فلذلك ذكر بلفظ الجمع. {أَغْرَقْنَـٰهُمْ وَجَعَلْنَـٰهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةً}، أي لمن بعدهم عبرة، {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ}، في الآخرة، {عَذَاباً أَلِيماً}، سوى ما حلَّ به من عاجل العذاب. {وَعَاداً وَثَمُودَاْ}، أي: وأهلكنا عاداً وثمود، {وَأَصْحَـٰبَ ٱلرَّسِّ}، اختلفوا فيهم. قال وهب بن منبه: كانوا أهل بئر قعوداً عليها، وأصحابَ مواش، يعبدون الأصنام، فوجّه الله إليهم شعيباً يدعوهم إلى الإِسلام، فتمادوا في طغيانهم، وفي أذى شعيب عليه السلام، فبينما هم حول البئر في منازلهم انهارت البئر، فخسف بهم وبديارهم ورباعهم، فهلكوا جميعاً،. و"الرس" البئر، وكل ركية لم تُطْوَ بالحجارة والآجر فهو رسٌّ.

وقال قتادة والكلبي: "الرس" بئر بفَلْج اليمامة، قتلوا نبيّهم فأهلكهم الله عزّ وجلّ.

وقال بعضهم: هم بقية ثمود قوم صالح، وهم أصحاب البئر التي ذكر الله تعالى في قوله:

{ { وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } } [الحج: 45].

وقال سعيد بن جبير: كان لهم نبي يقال له حنظلة بن صفوان فتلوه فأهلكهم الله تعالى

وقال كعب ومقاتل والسدي: "الرس" بئر بإنطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار، وهم الذين ذكرهم الله في سورة يس.

وقيل: هم أصحاب الأخدود، والرسُّ هو الأخدود الذي حفروه.

وقال عكرمة: هم قوم رسّوا نبيهم في بئر. وقيل: الرسُّ المعدن، وجمعه رساس.

{وَقُرُوناً بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيراً}، أي وأهلكنا قروناً كثيراً بين عاد وأصحاب الرس.

وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ ٱلْأَمْثَٰلَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ۝٣٩ وَلَقَدْ أَتَوْا۟ عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِىٓ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا۟ يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا۟ لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ۝٤٠ وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ۝٤١ إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلَآ أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ۝٤٢ أَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ۝٤٣ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَٱلْأَنْعَٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ۝٤٤ أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ۝٤٥ ثُمَّ قَبَضْنَٰهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ۝٤٦ وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِبَاسًا وَٱلنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورًا ۝٤٧

{وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً}، أي: الأشباه في إقامة الحجة عليهم، فلم نهلكهم إلا بعد الإِنذار، {وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً}، أي أهلكنا إهلاكاً. وقال الأخفش: كسرنا تكسيراً. قال الزجاج: كل شيء كسرتَه وفتّتَه فقد تبّرتَه.

{وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِىۤ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ}، يعني الحجارة، وهي قريات قوم لوط، وكانت خمس قرى، فأهلك الله أربعاً منها، ونجت واحدة، وهي أصغرها، وكان أهلها لا يعملون العمل الخبيث، {أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا}، إذا مروا بهم في أسفارهم فيعتبروا ويتفكروا لأنّ مدائن قوم لوط كانت على طريقهم عند ممرهم إلى الشام، {بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ}، لا يخافون، {نُشُوراً} بعثاً.

قوله عزّ وجلّ: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ}، يعني: ما يتخذونك، {إِلاَّ هُزُواً}، أي: مهزوءاً به، نزلت في أبي جهلٍ، كان إذا مرّ بأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مستهزئاً: {أَهَـٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً}؟!

{إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا}، أي: قد قارب أن يضلنا، {عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا}، أي: لو لم نصبر عليها لصرفنا عنها، {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً}، من أخطأ طريقاً.

{أَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}، وذلك أن الرجل من المشركين كان يعبد الحجر فإذا رأى حجراً أحسن منه طرح الأول وأخذ الآخر فعبده. وقال ابن عباس: أرأيت من ترك عبادة الله وخالقه ثم هوى حجراً فعبده ما حاله عندي، {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً}، أي: حافظاً، يقول أفأنت عليه كفيل تحفظه من اتباع هواه وعبادة ما يهوى من دون الله؟ أي لست كذلك. قال الكلبي: نسختها آية القتال.

{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ} ما تقول سماع طالب الإِفهام، {أَوْ يَعْقِلُونَ}، ما يعاينون من الحجج والإِعلام، {إِنْ هُمْ}، ما هم {إِلاَّ كَٱلاَْنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً}، لأن البهائم تهتدي لمراعيها ومشاربها وتنقاد لأربابها الذين يتعهدونها، وهؤلاء الكفار لا يعرفون طريق الحق، ولا يطيعون ربَّهم الذي خلقهم ورزقهم، ولأن الأنعام تسجد وتسبح لله وهؤلاء الكفار لا يفعلون.

قوله عزّ وجلّ: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ}، معناه ألم ترَ إلى مَدِّ ربِّك الظلَّ، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، جعله ممدوداً لأنه ظل لا شمس معه، كما قال: «في ظل الجنة»،

{ { وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ } } [الواقعة: 30] إذ لم يكن معه شمس. {وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً}، دائماً ثابتاً لا يزول ولا تذهبه الشمس. قال أبو عبيدة: "الظل" ما نسخته الشمس، وهو بالغداة و"الفيء": ما نسخ الشمس، وهو بعد الزوال، سُمي فيئاً لأنه فاء من جانب المشرق إلى جانب المغرب، {ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً}، يعني على الظل. ومعنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس لما عرف الظل، ولولا النور لما عرفت الظلمة، والأشياء تعرف بأضدادها.

{ثُمَّ قَبَضْنَـٰهُ} يعني الظل، {إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً}، بالشمس التي تأتي عليه، و"القبض": جمع المنبسط من الشيء، معناه أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس قبض الله الظلَّ جزءاً فجزءاً "قبضاً يسيراً"، أي خفياً.

{وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِبَاساً}، أي: ستراً تستترون به، يريد أن ظلمته تغشى كل شيء، كاللباس الذي يشتمل على لابسه، {وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً}، راحةً لأبدانكم وقطعاً لعملكم، وأصل "السبت": القطع، والنائم مسبوت لأنه انقطع عمله وحركته. {وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً}، أي: يقظة وزماناً تنتشرون فيه لابتغاء الرزق وتنتشرون لأشغالكم.

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُورًا ۝٤٨

{وَهُوَ ٱلَّذِىۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَـٰحَ بُشْرَى بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ}، يعني المطر {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً}، هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره، فهو اسم لما يتطهر به، كالسَّحور اسم لما يتسحر به والفَطور اسم لما يفطر به، والدليل عليه ما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في البحر:

هو الطهور ماؤه الحل ميتته». وأراد به المطهِّر، فالماء مطهر لأنه يطهر الإِنسان من الحَدَث والنجاسة، كما قال في آية أخرى: { { وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ } } [الأنفال: 11] فثبت به أن التطهير يختص بالماء.

وذهب أصحاب الرأي إلى أن "الطهور" هو الطاهر، حتى جوزوا إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة، مثل الخل وماء الورد والمرق ونحوها.

ولو جاز إزالة النجاسة بها لجاز إزالة الحدث بها.

وذهب بعضهم إلى أن "الطهور" ما يتكرر منه التطهير، كالصبور اسم لمن يتكرر منه الصبر، والشكور اسم لمن يتكرر منه الشكر، وهو قول مالك، حتى جوَّز الوضوء بالماء الذي توضأ به مرة.

وإن وقع في الماء شيء غيرَّ طعمه أو لونه أو ريحه هل تزول طهوريته؟ نظر: إن كان الواقع شيئاً لا يمكن صون الماء عنه، كالطين والتراب وأوراق الأشجار، لا تزول فيجوز الطهارة به كما لو تغير لطول المكث في قراره، وكذلك لو وقع فيه ما لا يخالطه، كالدهن يصب فيه فيتروح الماء برائحته يجوز الطهارة به، لأن تغيره للمجاورة لا للمخالطة. وإن كان شيئاً يمكن صون الماء منه ويخالطه كالخل والزعفران ونحوهما تزول طهوريته فلا يجوز الوضوء به.

وإن لم يتغير أحد أوصافه، ينظر: إن كان الواقع فيه شيئاً طاهراً لا تزول طهوريته، فتجوز الطهارة به، سواء كان الماء قليلاً أو كثيراً، وإن كان الواقع فيه شيئاً نجساً، ينظر: فإن كان الماء قليلاً أقل من القلتين ينجس الماء، وإن كان قدر قلتين فأكثر فهو طاهر يجوز الوضوء به. والقلتان خمس قُرب، ووزنه خمسمائة رطل، والدليل عليه ما:

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الجيري، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، حدثنا عبد الرحيم بن المنيب، أخبرنا جرير عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر ابن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الماء يكون في الفلاة وما يَرِدُه من الدوابِّ والسِّباع؟ فقال:

إذا كان الماء قُلَّتين لم يحمل الخبث ». وهذا قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وجماعة من أهل الحديث: أن الماء إذا بلغ هذا الحدّ فلا ينجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير أحد أوصافه.

وذهب جماعة إلى أن الماء القليل لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، وهو قول الحسن وعطاء والنخعي والزهري. واحتجوا بما.

أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو الحارث طاهر بن محمد الطاهري، حدثنا أبو محمد الحسين بن محمد بن حكيم، حدثنا أبو الموجه محمد بن عمرو بن الموجه، حدثنا صدقة بن الفضل، أخبرنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله ابن عبد الرحمن بن رافع بن خديج، عن أبي سعيد الخدري قال: قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن الماءَ طَهُورٌ لا ينجِّسُه شيء ».

لِّنُحْـِۧىَ بِهِۦ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَٰمًا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا ۝٤٩ وَلَقَدْ صَرَّفْنَٰهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا۟ فَأَبَىٰٓ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ۝٥٠

قوله عزّ وجلّ: {لِّنُحْيِىَ بِهِ}، أي: بالمطر، {بَلْدَةً مَّيْتاً}، ولم يقل: "ميتة" لأنه رجع به إلى الموضع والمكان، {وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَـٰماً}، أي: نسقي من ذلك الماء أنعاماً، {وَأَنَاسِىَّ كَثِيراً}، أي بشراً كثيرا، والأناسي: جمع أنسي، وقيل جمع إنسان، وأصله: "أناسين" مثل: بستان وبساتين، فجعل الياء عوضاً عن النون.

{وَلَقَدْ صَرَّفْنَـٰهُ بَيْنَهُمْ}، يعني: المطر، مرة ببلد ومرة ببلد آخر. قال ابن عباس: ما من عام بأمطر من عام ولكن الله يصرفه في الأرض. وقرأ هذا الآية. وهذا. كما روي مرفوعاً

ما من ساعة من ليل أو نهار إلاّ والسماء تمطر فيها يصرفه الله حيث يشاء ».

وذكر ابن إسحاق وابن جريج ومقاتل وبلغوا به ابن مسعود يرفعه قال:

ليس من سنة بأمطر من أخرى، ولكنّ الله قسم هذه الأرزاق، فجعلها في السماء الدنيا، في هذا القطر ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم، وإذا عمل قوم بالمعاصي حوَّل الله ذلك إلى غيرهم، فإذاعصوا جميعاً صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار ».

وقيل: المراد من تصريف المطر تصريفه وابلاً وطلاً ورذاذاً ونحوها. وقيل: التصريف راجع إلى الريح.

{لِيَذَّكَّرُواْ}، أي: ليتذكروا ويتفكروا في قدرة الله تعالى، {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً}، جحوداً، وكفرانهم هو أنهم إذا مطروا قالوا مطرنا بنوء كذا.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك بن أنس، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني أنه قال:

صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء. كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال:هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأمّا من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي، وكافر بالكواكب، وأمّا من قال: مطرنا بنَوْء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب"

وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا ۝٥١ فَلَا تُطِعِ ٱلْكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدْهُم بِهِۦ جِهَادًا كَبِيرًا ۝٥٢ وَهُوَ ٱلَّذِى مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا ۝٥٣ وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُۥ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ۝٥٤

قوله عزّ وجلّ: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً}، رسولاً ينذرهم، ولكن بعثناك إلى القرى كلها، وحملناك ثقل النذارة جميعها لتستوجب بصبرك عليه ما أعددنا لك من الكرامة والدرجة الرفيعة.

{فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} فيما يدعونك إليه من موافقتهم ومداهنتهم. {وَجَـٰهِدْهُمْ بِهِ} أي: بالقرآن، {جِهَاداً كَبيراً} شديداً.

{وَهُوَ ٱلَّذِى مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ}، خلطهما وأفاض أحدهما في الآخر، وقيل: أرسلهما في مجاريهما وخلاّهما كما يرسل الخيل في المرج، وأصل "المرج" الخلط والإِرسال، يقال: مرجت الدابة وأمرجتها إذا أرسلتها في المرعى وخليتها تذهب حيث تشاء، {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ}، شديد العذوبة، و"الفرات": أعذب المياه، {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ}، شديد الملوحة. وقيل: أُجاج أي مرّ، {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً}، أي: حاجزاً بقدرته لئلا يختلط العذب بالملح ولا الملح بالعذب، {وَحِجْراً مَّحْجُوراً} أي: ستراً ممنوعاً فلا يبغيان، ولا يفسد الملحُ العَذْبُ.

{وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ}، من النطفة، {بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً}، أي: جعله ذا نسب وصهر. قيل: "النسب" ما لا يحل نكاحه، و"الصهر" ما يحل نكاحه، فالنسبُ ما يوجب الحرمة، والصهرُ ما لا يوجبها، وقيل: هو الصحيح ـ: النسب: من القرابة، والصهر: الخلطة التي تشبه القرابة، وهو السبب المحرم للنكاح، وقد ذكرنا أن الله تعالى حرّم بالنسب سبعاً وبالسبب سبعاً في قوله:

{ { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ } } [النساء: 23]. {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً}.

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرًا ۝٥٥ وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝٥٦ قُلْ مَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا ۝٥٧ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَىِّ ٱلَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِۦ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا ۝٥٨ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَٰنُ فَسْـَٔلْ بِهِۦ خَبِيرًا ۝٥٩

{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} يعني هؤلاء المشركين، {مَا لاَ يَنفَعُهُمْ}، إن عبدوه، {وَلاَ يَضُرُّهُمْ}، إن تركوه، {وَكَانَ ٱلْكَـٰفِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً}، أي: معيناً للشيطان على ربه بالمعاصي. وقال الزجَّاج: أي يعاون الشيطان على معصية الله لأن عبادتهم الأصنام معاونة للشيطان. وقيل: معناه وكان الكافر على ربه ظهيراً، أي: هيناً ذليلاً، كما يقال الرجل: جعلتي بظهير، أي: جعلني هيناً. ويقال: ظهر به، إذا جعله خلف ظهره فلم يلتفت إليه.

{وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً } أي: منذراً.

{قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ}، أي على تبليغ الوحي، {مِنْ أَجْرٍ}، فتقولوا إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا إليه فلا نتبعه، {إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً}، هذا من الاستثناء المنقطع، مجازه: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً بالإِنفاق من ماله في سبيله فعل ذلك، والمعنى: لا أسألكم لنفسي أجراً ولكن لا أمنع من إنفاق المال في طلب مرضاة الله واتخاذ السبيل إلى جنته.

{وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ}، أي: صلِّ له شكراً على نعمه. وقيل: قل: سبحان الله، والحمد لله، {وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً}، عالماً فيجازيهم بها.

{ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً}، بالرحمن. قال الكلبي: يقول فاسألِ الخبير بذلك، يعني: بما ذكرنا من خلق السموات والأرض والاستواء على العرش. وقيل: الخطاب للرسول والمراد منه غيره لأنه كان مصدقاً به، والمعنى: أيها الإِنسان لا ترجع في طلب العلم بهذا إلى غيري. وقيل: الباء بمعنى عن أي: فاسأل عنه خبيراً وهو الله عزّ وجلّ. وقيل: جبريل عليه السلام

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُوا۟ لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا۟ وَمَا ٱلرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ۝٦٠ تَبَارَكَ ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا ۝٦١ وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ۝٦٢

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ}، ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون مسليمة الكذاب، كانوا يسمونه رحمن اليمامة. {أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا}، قرأ حمزة والكسائي «يأمرنا» بالياء، أي: لما يأمرنا محمد بالسجود له، وقرأ الآخرون بالتاء، أي: لما تأمرنا أنت يا محمد، {وزادهم} يعني: زادهم قول القائل لهم: "اسجدوا للرحمن" {نُفُوراً}، عن الدين والإِيمان.

قوله عزّ وجلّ: {تَبَارَكَ ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً}، قال الحسن ومجاهد وقتادة: "البروج" هي النجوم الكبار سميت بروجاً لظهورها، وقال عطية العوفي: "بروجاً" أي: قصوراً فيها الحرس، كما قال:

{ { وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } } [النساء: 78].

وقال عطاء عن ابن عباس: هي البروج الاثنا عشر التي هي منازل الكواكب السبعة السيارة، وهي الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، فالحمل والعقرب بيتا المريخ، والثور والميزان بيتا الزهرة، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد، والسرطان بيت القمر، والأسد بيت الشمس، والقوس والحوت بيتا المشتري، والجدي والدلو بيتا زحل. وهذه البروج مقسومة على الطبائع الأربع فيكون نصيب كل واحد منها ثلاثة بروج تسمى المثلثات، فالحمل والأسد والقوس مثلثه نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثه أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثه مائية.

{وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً} يعني الشمس، كما قال:

{ { وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً } } [نوح: 16] وقرأ حمزة والكسائي: «سرجاً» بالجمع، يعني النجوم. {وَقَمَراً مُّنِيراً}، والقمر قد دخل في "السرُّج" على قراءة من قرأ بالجمع، غير أنه خصه بالذكر لنوع فضيلة، كما قال: { { فِيهِمَا فَـٰكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } } [الرحمن: 68]، خصَّ النخل والرمان بالذكر مع دخولهما في الفاكهة.

{وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفةً}، اختلفوا فيها، قال ابن عباس والحسن وقتادة: يعني خلفاً وعوضاً يقوم أحدهما مقام صاحبه، فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر.

قال شقيق: جاء رجل إلى عمر عن الخطاب، فقال فاتتني الصلاة الليلةَ، فقال أدرِكْ ما فاتك من ليلتك في نهارك، فإن الله عزّ وجلّ: جعل الليل والنهار خلفة لن أراد أن يذكَّر.

قال مجاهد: يعني جعل كل واحد منهما مخالفاً لصاحبه فجعل هذا أسود وهذا أبيض، وقال ابن زيد وغيره يعني يخلف أحدهما صاحبه إذا ذهب أحدهما جاء الآخر فهما يتعاقبان في الضياء والظلمة والزيادة والنقصان.

{لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ}، قرأ حمزة بتخفيف الدال والكاف وضمها من الذكر، وقرأ الآخرون بتشديدهما أي: يتذكر ويتعظ {أَوْ أَرَادَ شُكُوراً}، قال مجاهد: أي شكر نعمة ربه عليه فيهما.

السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ