انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير الطبريالآيات 100–102

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النساء

الخلاصة من تفسير الطبري · 12 مقطعًا · 3:03:07

  1. 1 الآيات 100–113في هذه الصفحة 14:23

التفسير الصوتي لسورة النساء كاملًا (12 مقطعًا)

وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ۝١٠٠

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ }: ومن يفارق أرض الشرك وأهلها هرباً بدينه منها ومنهم إلى أرض الإسلام وأهلها المؤمنين، {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } يعني في منهاج دين الله وطريقه الذي شرعه لخلقه، وذلك الدين القيم. {يَجِدْ فِى ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً } يقول: يجد هذا المهاجر في سبيل الله مراغماً كثيراً، وهو المضطرب في البلاد والمذهب، يقال منه: راغم فلان قومه مُراغَماً ومراغمة مصدران، ومنه قول نابغة بني جعدة:

كَطَوْدٍ يُلاذُ بأرْكانِهِ عَزِيزِ المُرَاغَمِ والمَهْرَبِ

وقوله: {وَسَعَةً } فإنه يحتمل السعة في أمر دينهم بمكة، وذلك منعهم إياهم من إظهار دينهم وعبادة ربهم علانية ثم أخبر جلّ ثناؤه عمن خرج مهاجراً من أرض الشرك فارّاً بدينه إلى الله وإلى رسوله إن أدركته منيته قبل بلوغه أرض الإسلام ودار الهجرة، فقال: من كان كذلك فقد وقع أجره على الله، وذلك ثواب عمله وجزاء هجرته وفراق وطنه وعشيرته إلى دار الإسلام وأهل دينه. يقول جلّ ثناؤه: ومن يخرج مهاجراً من داره إلى الله وإلى رسوله، فقد استوجب ثواب هجرته إن لم يبلغ دار هجرته باخترام المنية إياه قبل بلوغه إياها على ربه. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } يقول: ولم يزل الله تعالى ذكره غفوراً، يعني: ساتراً ذنوب عباده المؤمنين بالعفو لهم عن العقوبة عليها رحيماً بهم رفيقاً. وذكر أن هذه الآية نزلت بسبب بعض من كان مقيماً بمكة وهو مسلم، فخرج لما بلغه أن الله أنزل الآيتين قبلها، وذلك قوله: { إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَـٰلِمِى أَنفُسِهِمْ }[النساء: 97]... إلى قوله: { وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً }[النساء: 99] فمات في طريقه قبل بلوغه المدينة. ذكر الآخبار الواردة بذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } قال: كان رجل من خزاعة يقال له ضمرة بن العيص أو العيص بن ضمرة بن زنباع، قال: فلما أمروا بالهجرة كان مريضاً، فأمر أهله أن يفرشوا له على سريره ويحملوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ففعلوا، فأتاه الموت وهو بالتنعيم، فنزلت هذه الآية.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير أنه قال: نزلت هذه الآية: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ } في ضمرة بن العيص بن الزنباع، أو فلان بن ضمرة بن العيص بن الزنباع، حين بلغ التنعيم مات فنزلت فيه.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن العوام التيمي بنحو حديث يعقوب، عن هشيم، قال: وكان رجلاً من خزاعة.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً }... الآية، قال: لما أنزل الله هؤلاء الآيات ورجل من المؤمنين يقال له ضمرة بمكة، قال: والله إن لي من المال ما يبلغني المدينة وأبعد منها وإني لأهتدي، أخرجوني! وهو مريض حينئذ. فلما جاوز الحرم قبضه الله فمات، فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ }... الآية.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: لما نزلت:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَـٰلِمِى أَنفُسِهِمْ }[النساء: 97] قال رجل من المسلمين يومئذ وهو مريض: والله مالي من عذر إني لدليل بالطريق، وإني لموسر، فاحملوني! فحملوه فأدركه الموت بالطريق، فنزلت فيه: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ }.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت عكرمة يقول: لما أنزل الله:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَـٰلِمِى أَنفُسِهِمْ }[النساء: 97]... الآيتين، قال رجل من بني ضمرة وكان مريضاً: أخرجوني إلى الرَّوْح! فأخرجوه، حتى إذا كان بالحَصْحَاص مات، فنزل فيه: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ }... الآية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي عن المنذر بن ثعلبة، عن علباء بن أحمر اليشكري، قوله: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ } قال: نزلت في رجل من خزاعة.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرّة، عن الضحاك في قول الله جلّ وعزّ: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ } قال: لما سمع رجل من أهل مكة أن بني كنانة قد ضربت وجوهَهم وأدبارَهم الملائكةُ قال لأهله: أخرجوني! وقد أدنف للموت. قال: فاحتمل حتى انتهى إلى عَقَبة قد سماها، فتوفي، فأنزل الله: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ }... الآية.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدّيّ، قال: لما سمع بهذه ـ يعني بقوله:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَـٰلِمِى أَنفُسِهِمْ }[النساء: 97]... إلى قوله: { وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً }[النساء: 99] ضمرةُ بن جندب الضمري قال لأهله وكان وجعاً: أرحلوا راحلتي، فإن الأخشبين قد غماني ـ يعني: جبلي مكة لعلي أن أخرج فيصيبني روح! فقعد على راحلته ثم توجه نحو المدينة فمات بالطريق، فأنزل الله: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ }. وأما حين توجه إلى المدينة، فإنه قال: اللهمّ مهاجر إليك وإلى رسولك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قال: لما نزلت هذه الآية، يعني قوله:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } [النساء: 97] قال جندب بن ضمرة الجندعي: اللهمّ أبلغت في المعذرة والحجة، ولا معذرة لي ولا حجة. قال: ثم خرج وهو شيخ كبير فمات ببعض الطريق، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مات قبل أن يهاجر، فلا ندري أعلى ولاية أم لا؟ فنزلت: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ }.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك يقول: لما أنزل الله في الذين قتلوا مع مشركي قريش ببدر:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَـٰلِمِى أَنفُسِهِمْ }[النساء: 97]... الآية، سمع بما أنزل الله فيهم رجل من بني ليث كان على دين النبيّ صلى الله عليه وسلم مقيماً بمكة، وكان ممن عذر الله كان شيخاً كبيراً وضيئاً، فقال لأهله: ما أنا ببائت الليلة بمكة! فخرجوا به مريضاً حتى إذا بلغ التنعيم من طريق المدينة أدركه الموت، فنزل فيه: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ }... الآية.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً } قال: هاجر رجل من بني كنانة يريد النبيّ صلى الله عليه وسلم، فمات في الطريق. فسخر به قومه واستهزءوا به، وقالوا: لا هو بلغ الذي يريد، ولا هو أقام في أهله يقومون عليه ويدفن! قال: فنزلت القرآن: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ }.

حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا شريك، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَـٰلِمِى أَنفُسِهِمْ }[النساء: 97] وكان بمكة رجل يقال له ضمرة من بني بكر وكان مريضاً، فقال لأهله: أخرجوني من مكة، فإني أجد الحرّ! فقالوا: أين نخرجك؟ فأشار بيده نحو المدينة. فنزلت هذه الآية: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ }... إلى آخر الآية.

حدثني الحارث بن أبي أسامة، قال: ثنا عبد العزيز بن أبان، قال: ثنا قيس، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: لما نزلت هذه الآية:

{ لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ }[النساء: 95] قال: رخص فيها قوم من المسلمين ممن كان بمكة من أهل الضرر حتى نزلت فضيلة المجاهدين على القاعدين، فقالوا: قد بين الله فضيلة المجاهدين على القاعدين ورخص لأهل الضرر. حتى نزلت: { إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَـٰلِمِى أَنفُسِهِمْ }[النساء: 97]... إلى قوله: { وَسَاءتْ مَصِيراً }[النساء: 97] قالوا: هذه موجبة. حتى نزلت: { إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَاء وَٱلْوِلْدٰنِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً }[النساء: 98]، فقال ضمرة بن العيص الزرقي أحد بني ليث، وكان مصاب البصر: إني لذو حيلة لي مال ولي رقيق، فاحملوني! فخرج وهو مريض، فأدركه الموت عند التنعيم، فدفن عند مسجد التنعيم، فنزلت فيه هذه الآية: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ }... الآية.

واختلف أهل التأويل في تأويل المراغَم، فقال بعضهم: هو التحوّل من أرض إلى أرض. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {مُرَاغَماً كَثِيراً } قال: المراغم: التحوّل من الأرض إلى الأرض.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {مُرَاغَماً كَثِيراً } يقول: متحوّلاً.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: {يَجِدْ فِى ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً } قال: متحوّلاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الحسن أو قتادة: {مُرَاغَماً كَثِيراً } قال: متحوّلاً.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عزّ وجلّ: {يَجِدْ فِى ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً } قال: مندوحةً عما يكره.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: {مُرَاغَماً كَثِيراً } قال: مزحزحاً عما يكره.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {مُرَاغَماً كَثِيراً } قال: متزحزحاً عما يكره.

وقال آخرون: مبتغَى معيشةٍ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {يَجِدْ فِى ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً } يقول: مبتغى للمعيشة.

وقال آخرون: المراغم: المهاجر. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {مُرَاغَماً } المراغم: المهاجر.

قال أبو جعفر: وقد بينا أولى الأقوال في ذلك بالصواب فيما مضى قبل.

واختلفوا أيضاً في معنى السَّعَة التي ذكرها الله في هذا الموضع فقال: {وَسَعَةً }؛ فقال بعضهم: هي السعة في الرزق. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً } قال: السَّعة في الرزق.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً } قال: السعة في الرزق.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وَسَعَةً } يقول: سعة في الرزق.

وقال آخرون في ذلك ما:

حدثني بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: {يَجِدْ فِى ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً }: أي والله من الضلالة إلى الهدى، ومن العيلة إلى الغنى.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أن من هاجر في سبيله يجد في الأرض مضطرباً ومتسعاً؛ وقد يدخل في السَّعة، السعة في الرزق، والغنى من الفقر؛ ويدخل فيه السعة من ضيق الهمّ، والكرب الذي كان فيه أهل الإيمان بالله من المشركين بمكة، وغير ذلك من معاني السَّعة التي هي بمعنى الرَّوْح والفرج من مكروه ما كره الله للمؤمنين بمقامهم بين ظهري المشركين وفي سلطانهم. ولم يضع الله دلالة على أنه عنى بقوله: «وسعة» بعض معاني السعة التي وصفنا، فكل معاني السَّعة هي التي بمعنى الروح والفرج مما كانوا فيه من ضيق العيش وغمّ جوار أهل الشرك وضيق الصدر، بتعذّر إظهار الإيمان بالله وإخلاص توحيده وفراق الأنداد والآلهة، داخل في ذلك.

وقد تأوّل قوم من أهل العلم هذه الآية، أعني قوله: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ } أنها في حكم الغازي يخرج للغزو فيدركه الموت بعد ما يخرج من منزله فاصلاً فيموت، أن له سهمه من المغنم وإن لم يكن شهد الوقعة. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا يوسف بن عديّ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن يزيد ابن أبي حببب، أن أهل المدينة يقولون: من خرج فاصلاً وجب سهمه؛ وتأوّلوا قوله تبارك وتعالى: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ }.]

وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنَّ ٱلْكَٰفِرِينَ كَانُوا۟ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا ۝١٠١

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ }: وإذا سرتم أيها المؤمنون في الأرض، {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } يقول: فليس عليكم حرج ولا إثم، {أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ }: يعني أن تقصروا من عددها، فتصلوا ما كان لكم عدده منها في الحضر وأنتم مقيمون أربعاً، اثنتين، في قول بعضهم. وقيل: معناه: لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة إلى أقلّ عددها في حال ضربكم في الأرض، أشار إلى واحدة في قول آخرين.

وقال آخرون: معنى ذلك لا جناح عليكم أن تقصروا من حدود الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا. يعني: إن خشيتم أن يفتنكم الذين كفروا في صلاتكم وفتنتهم إياهم فيما حملهم عليهم وهم فيها ساجدون، حتى يقتلوهم أو يأسروهم، فيمنعوهم من إقامتها وأدائها، ويحولوا بينهم وبين عبادة الله وإخلاص التوحيد له. ثم أخبرهم جلّ ثناؤه عما عليه أهل الكفر لهم فقال: {إِنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً } يعني: الجاحدون وحدانية الله كانوا لكم عدوّا مبيناً، يقول: عدوّاً قد أبانوا لكم عداوتهم، بمناصبتهم لكم الحرب على إيمانكم بالله وبرسوله، وترككم عبادة ما يعبدون من الأوثان والأصنام، ومخالفتكم ما هم عليه من الضلالة.

واختلف أهل التأويل في معنى القصر الذي وضع الله الجناح فيه عن فاعله، فقال بعضهم: في السفر من الصلاة التي كان واجباً تمامها في الحضر أربع ركعات، وأذن في قصرها في السفر إلى اثنتين. ذكر من قال ذلك:

حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن بابيه، عن يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ } وقد أمن الناس! فقال: عجبت مما عجبت منه حتى سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال:

صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللّهُ بها عَلَيْكُمْ فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن ابن جريج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن بابيه عن يعلى بن أمية، عن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، مثله.

حدثنا سعيد بن يحيـى الأموي، قال: ثنا محمد بن أبي عديّ، عن ابن جريج، قال: سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار يحدّث عن عبد الله بن بابيه، يحدث عن يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب أعجب من قصر الناس الصلاة وقد أمنوا، وقد قال الله تبارك وتعالى: {أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةَ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }! فقال عمر: عجبت مما عجبتَ منه، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:

صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللّهُ بها عَلَيْكُمْ فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هشام بن عبد الملك، قال: ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أبي العالية، قال: سافرت إلى مكة، فكنت أصلي ركعتين، فلقيني قرّاء من أهل هذه الناحية، فقالوا: كيف تصلي؟ قلت: ركعتين، قالوا: أسنة أو قرآن؟ قلت: كل ذلك سنة وقرآن، قلت: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، قالوا: إنه كان في حرب! قلت: قال الله:

{ لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقّ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَاء ٱللَّهُ ءامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَـٰفُونَ } [الفتح: 27] وقال: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ } فقرأ حتى بلغ: { فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ } [النساء: 103].

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا يوسف، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن عليّ، قال: سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله إنَّا نضرب في الأرض، فكيف نصلي؟ فأنزل الله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ } ثم انقطع الوحي. فلما كان بعد ذلك بحَوْل، غزا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلاّ شددتم عليهم! فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في أثرها. فأنزل الله تبارك وتعالى بين الصلاتين:

{ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَٰوةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ }[النساء: 101-102]... إلى قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً }[النساء: 102] فنزلت صلاة الخوف.

قال أبو جعفر: وهذا تأويل للآية حسن لو لم يكن في الكلام «إذا»، وإذا تؤذن بانقطاع ما بعدها عن معنى ما قبلها، ولو لم يكن في الكلام «إذا» كان معنى الكلام على هذا التأويل الذي رواه سيف، عن أبي روق: إن خفتم أيها المؤمنون أن يفتنكم الذين كفروا في صلاتكم، وكنت فيهم يا محمد، فأقمت لهم الصلاة، فلتقم طائفة منهم معك، الآية. وبعد، فإن ذلك فيما ذكر في قراءة أبيّ بن كعب: «وإذا ضَرَبْتُم في الأرض فليس عليكم جُنَاحٌ أن تَقْصُرُوا من الصَّلاة أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا».

حدثني بذلك الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا الثوري، عن واصل بن حيان، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي، عن أبيه، عن أبيّ بن كعب أنه كان يقرأ: «أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاة أن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُوا»، ولا يقرأ: «إنْ خِفْتُم».

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا بكر بن شرود، عن الثوريّ، عن واصل الأحدب، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبيّ بن كعب أنه قرأ: «أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم»، قال بكر: وهي في الإمام مصحف عثمان رحمه الله: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }.

وهذه القراءة تنبىء على أن قوله: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } مواصل قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ } وأن معنى الكلام: وإذا ضربتم في الأرض فإن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة، وأن قوله:

{ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ }[النساء: 102] قصة مبتدأة غير قصة هذه الآية. وذلك أن تأويل قراءة أبيّ هذه التي ذكرناها عنه: «وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة أن لا يفتنكم الذين كفروا»، فحذفت «لا» لدلالة الكلام عليها، كما قال جلّ ثناؤه: { يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ }[النساء: 176] بمعنى: أن لا تضلوا. ففيما وصفنا دلالة بينة على فساد التأويل الذي رواه سيف، عن أبي روق.

وقال آخرون: بل هو القصر في السفر، غير أنه إنما أذن جلّ ثناؤه به للمسافر في حال خوفه من عدوّ يخشى أن يفتنه في صلاته. ذكر من قال ذلك:

حدثني أبو عاصم عمران بن محمد الأنصاري، قال: ثنا عبد الكبير بن عبد المجيد، قال: ثني عمر بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، قال: سمعت أبي، يقول: سمعت عائشة تقول في السفر: أتّموا صلاتكم! فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر ركعتين؟ فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حرب وكان يخاف، هل تخافون أنتم؟.

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا ابن أبي فديك، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، أنه قال لعبد الله بن عمر: إنَّا نجد في كتاب الله قصر الصلاة في الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر؟ فقال عبد الله: إنا وجدنا نبينا صلى الله عليه وسلم يعمل عملاً عملنا به.

حدثنا عليّ بن سهل الرملي، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن عائشة كانت تصلي في السفر ركعتين.

حدثنا سعيد بن يحيـى، قال: ثني أبي، قال: ثنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أيّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتمّ الصلاة في السفر؟ قال: عائشة وسعد بن أبي وقاص.

وقال آخرون: بل عنى بهذه الآية: قصر صلاة الخوف في غير حال المسايفة، قالوا: وفيها نزل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ } قال: يوم كان النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه بُعْسفان والمشركون بَضجَنَان، فتواقفوا، فصلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر ركعتين أو أربعاً، شكّ أبو عاصم ركوعهم وسجودهم وقيامهم معاً جميعاً. فهمّ بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فأنزل الله عليه:

{ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ }[النساء: 102] فصلى العصر، فصفّ أصحابه صفين، ثم كبر بهم جميعاً، ثم سجد الأوّلون سجدة والآخرون قيام، ثم سجد الآخرون حين قام النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم كبر بهم وركعوا جميعاً، فتقدم الصفّ الآخر، واستأخر الأوّل، فتعاقبوا السجود كما فعلوا أوّل مرّة وقصر العصر إلى ركعتين.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ } قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعُسْفان والمشركون بضَجَنَان، فتواقفوا، فصلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر ركعتين ركوعهم وسجودهم وقيامهم جميعاً، فهمّ بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فأنزل الله تبارك وتعالى:

{ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ }[النساء: 102] فصلى بهم صلاة العصر، فصفّ أصحابه صفين، ثم كبر بهم جميعاً، ثم سجد الأوّلون بسجوده والآخرون قيام لم يسجدوا، حتى قام النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم كبر بهم وركعوا جميعاً، فقدّم الصفّ الآخر واستأخر الصفّ المقدّم، فتعاقبوا السجود كما دخلوا أوّل مرّة، وقصرت صلاة العصر إلى ركعتين.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعُسْفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد. قال: فصلينا الظهر، فقال المشركون: كانوا على حال لو أردنا لأصبنا غِرَّة، لأصبنا غفلة. فأنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فأخذ الناس السلاح، وصفُّوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبلي القبلة والمشركون مُسْتَقْبَلَهُمْ، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبروا جميعاً، ثم ركع وركعوا جميعاً، ثم رفع رأسه فرفعوا جميعاً، ثم سجد وسجد الصفّ الذي يليه وقام الآخرون يحرسونهم، فلما فرغ هؤلاء من سجودهم سجد هؤلاء. ثم نكص الصفّ الذي يليه وتقدّم الآخرون فقاموا في مقامهم، فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم فركعوا جميعاً، ثم رفع رأسه فرفعوا جميعاً، ثم سجد وسجد الصفّ الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم. فلما فرغ هؤلاء من سجودهم، سجد هؤلاء الآخرون، ثم استووا معه، فقعدوا جميعاً، ثم سلم عليهم جميعاً، فصلاها بعسفان، وصلاها يوم بني سُلَيْم.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان النحويّ، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي. وعن إسرائيل، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، ثم ذكر نحوه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبي، عن قتادة، عن سليمان اليشكري، أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة، أيّ يوم أنزل؟ أو أيّ يوم هو؟ فقال جابر: انطلقنا نتلقى عير قريش آتية من الشأم، حتى إذا كنا بنَخْل، جاء رجل من القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! قال: «نَعَمْ»، قال: هل تخافني؟ قال: «لا»، قال: فمن يمنعك مني؟ قال:

اللّهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ. قال: فسلّ السيف ثم هدّده وأوعده. ثم نادى بالرحيل وأَخْذِ السلاح، ثم نُودي بالصلاة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة من القوم، وطائفة أخرى يحرسونهم، فصلى بالذين يلونه ركعتين، ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم، فقاموا في مصافّ أصحابهم، ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين والآخرون يحرسونهم، ثم سلم، فكانت للنبيّ صلى الله عليه وسلم أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين، فيومئذ أنزل الله في إقصار الصلاة، وأمر المؤمنين بأخذ السلاح.

وقال آخرون: بل عنى بها قصر صلاة الخوف في حال غير شدة الخوف، إلا أنه عنى به القصر في صلاة السفر، لا في صلاة الإقامة. قالوا: وذلك أن صلاة السفر في غير حال الخوف ركعتان تمام غير قصر، كما أن صلاة الإقامة أربع ركعات في حال الإقامة، قالوا: فقصرت في السفر في حال الأمن غير الخوف عن صلاة المقيم، فجعلت على النصف، وهي تمام في السفر، ثم قصرت في حال الخوف في السفر عن صلاة الأمن فيه، فجعلت على النصف ركعة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ }... إلى قوله: {عَدُوّاً مُّبِيناً } إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام، والتقصير لا يحلّ إلا أن تخاف من الذين كفروا أن يفتنوك عن الصلاة والتقصير ركعة، يقوم الإمام، ويقوم جنده جندين، طائفة خلفه، وطائفة يوازون العدوّ، فيصلي بمن معه ركعة ويمشون إليهم على أدبارهم حتى يقوموا في مقام أصحابهم، وتلك المشية القهقرى، ثم تأتى الطائفة الأخرى، فتصلى مع الإمام ركعة أخرى، ثم يجلس الإمام فيسلم، فيقومون فيصلون لأنفسهم ركعة ثم يرجعون إلى صفهم، ويقوم الآخرون فيضيفون إلى ركعتهم ركعة، والناس يقولون: لا، بل هي ركعة واحدة، لا يصلى أحد منهم إلى ركعته شيئاً، تجزئه ركعة الإمام، فيكون للإمام ركعتان، ولهم ركعة، فذلك قول الله:

{ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَٰوةَ }[النساء: 102]... إلى قوله: { وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ }[النساء: 102].

حدثني أحمد بن الوليد القرشي، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك الحنفي، قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر؟ فقال: ركعتان تمام غير قصر إنما القصر صلاة المخافة. فقلت: وما صلاة المخافة؟ قال: يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يجيء هؤلاء مكان هؤلاء ويجيء هؤلاء مكان هؤلاء، فيصلي بهم ركعة، فيكون للإمام ركعتان ولكل طائفة ركعة ركعة.p> > حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيـى، قال: ثنا سفيان، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: كيف تكون قصرا وهم يصلون ركعتين؟ إنما هي ركعة.

حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال: ثنا بقية، قال: ثنا المسعودي، قال: ثني يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله، قال: صلاة الخوف ركعة.

حدثني أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثني عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحرث، قال: ثني بكر بن سوادة أن زياد بن نافع حدثه، عن كعب ـ وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعت يده يوم اليمامة: أن صلاة الخوف لكل طائفة ركعة وسجدتان.

واعتلّ قائلو هذه المقالة من الآثار بما:

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيـى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، قال: ثني أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زهدم اليربوعي، قال: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان، فقال: أيكم يحفظ صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخوف؟ فقال حذيفة: أنا. فأقامنا خلفه صفًّا وصفّ موازي العدوّ، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم ذهب هؤلاء إلى مصافِّ أولئك، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيـى وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفيان، عن الركين بن الربيع، عن القاسم بن حسان، قال: سألت زيد بن ثابت عنه، فحدثني بنحوه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأشعث، عن الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زهدم اليربوعي، عن حذيفة بنحوه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثني يحيـى، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو بكر بن أبي الجهم، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بذي قَرَد، فصفّ الناس خلفه صفين: صفًّا خلفه، وصفًّا موازي العدوّ؛ فصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة، ولم يقضوا.

حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق الأزرق، عن شريك، عن أبي بكر بن صخير، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، مثله.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا أبو عوانة، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم عليه الصلاة والسلام في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عوانة، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس، مثله.

حدثنا نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: ثنا المحاربي، عن أيوب بن عائذ الطائي، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس، مثله.

حدثنا يعقوب بن ماهان، قال: ثنا القاسم بن مالك، عن أيوب بن عائذ الطائي، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس، مثله.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الخوف، فقام صفّ بين يديه وصفّ خلفه، فصلى بالذين خلفه ركعة وسجدتين، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا مقام أصحابهم وجاء أولئك حتى قاموا مقام هؤلاء، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة وسجدتين ثم سلم، فكانت للنبيّ صلى الله عليه وسلم ركعتين ولهم ركعة.

حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثني عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة، حدثه عن زيادة بن نافع، حدثه عن أبي موسى، أن جابر بن عبد الله حدثهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الخوف يوم محارب وثعلبة، لكل طائفة ركعة وسجدتين.

حدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا سعيد بن عبد الهنائي، قال: ثنا عبد الله بن شقيق، قال: ثنا أبو هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بين ضجنان وعسفان، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هي أحبّ إليهم من أبنائهم وأبكارهم، وهي العصر، فأجمعوا أمركم، فميلوا عليهم ميلة واحدة! وإن جبريل أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم وأمره أن يقسم أصحابه شطرين، فيصلي بعضهم وتقوم طائفة أخرى وراءهم فيأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ثم يأمر الأخرى فيصلوا معه ويأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم، فتكون لهم ركعة ركعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين.

وقال آخرون: عَنى به القَصْر في السفَر، إلا أنه عنى به القصْر في شدّة الحرب وعند المسايفة، فأبيح عند التحام الحرب للمصلى أن يركع ركعة إيماء برأسه حيث توجه بوجهه. قالوا: فذلك معنى قوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ }... الآية، قصر الصلاة إن لقيت العدوّ وقد حانت الصلاة أن تكبر الله وتخفض رأسك إيماء راكباً كنت أو ماشياً.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال: عَنَى بالقْصر فيها القصر من حدودها، وذلك ترك إتمام ركوعها وسجودها، وإباحة أدائها كيف أمكن أداؤها مستقبل القبلة فيها ومستدبرها وراكباً وماشياً، وذلك في حال الشبكة والمسايفة والتحام الحرب وتزاحف الصفوف، وهي الحالة التي قال الله تبارك وتعالى:

{ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا }[البقرة: 239] وأذن بالصلاة المكتوبة فيها راكباً إيماء بالركوع والسجود على نحو ما روي عن ابن عباس من تأويله ذلك.

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بقوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلاْرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } لدلالة قول الله تعالى:

{ فَإِذَا ٱطْمأْنَنْتُمْ فَأقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ }[النساء: 103] على أن ذلك كذلك؛ لأن إقامتها إتمام حدودها من الركوع والسجود وسائر فروضها دون الزيادة في عددها التي لم تكن واجبة في حال الخوف.

فإن ظنّ ظانّ أن ذلك أمر من الله باتمام عددها الواجب عليه في حال الأمن بعد زوال الخوف، فقد يجب أن يكون المسافر في حال قصره صلاته عن صلاة المقيم غير مقيم صلاته لنقص عدد صلاته من الأربع اللازمة كانت له في حال إقامته إلى الركعتين، فذلك قول إن قاله قائل مخالف لما عليه الأمة مجمعة من أن المسافر لا يستحقّ أن يقال له: إذا أتى بصلاته بكمال حدودها المفروضة عليه فيها، وقصر عددها عن أربع إلى اثنتين أنه غير مقيم صلاته. وإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى قد أمر الذي أباح له أن يقصر صلاته خوفاً من عدوّه أن يفتنه، أن يقيم صلاته إذا اطمأنّ وزال الخوف، كان معلوماً أن الذي فرض عليه من إقامة ذلك في حال الطمأنينة، عين الذي كان أسقط عنه في حال الخوف، وإذ كان الذي فرض عليه في حال الطمأنينة إقامة صلاته، فالذي أسقط عنه في غير حال الطمأنينة ترك إقامتها. وقد دللنا على أن ترك إقامتها، إنما هو ترك حدودها على ما بينا.]

وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوٓا۟ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا۟ فَلْيَكُونُوا۟ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا۟ فَلْيُصَلُّوا۟ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا۟ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَٰحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓا۟ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا۟ حِذْرَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ۝١٠٢

يعني بذلك جلّ ثناؤه: وإذا كنت في الضاربين في الأرض من أصحابك يا محمد الخائفين عدوّهم أن يفتنهم، {فأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلـٰةَ} يقول: فأقمت لهم الصلاة بحدودها وركوعها وسجودها، ولم تقصرها القصر الذي أبحت لهم أن يقصروها في حال تلاقيهم وعدوّهم وتزاحف بعضهم على بعض، من ترك إقامة حدودها وركوعها وسجودها وسائر فروضها، {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ } يعني: فلتقم فرقة من أصحابك الذين تكون أنت فيهم معك في صلاتك، وليكن سائرهم في وجوه العدوّ. وترك ذكر ما ينبغي لسائر الطوائف غير المصلية مع النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يفعله لدلالة الكلام المذكور على المراد به والاستغناء بما ذكر عما ترك ذكره. {وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ }.

واختلف أهل التأويل في الطائفة المأمورة بأخذ السلاح، فقال بعضهم: هي الطائفة التي كانت تصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ومعنى الكلام: {وَلْيَأْخُذُواْ } يقول: ولتأخذ الطائفة المصلية معك من طوائفهم {أَسْلِحَتَهُمْ }، والسلاح الذي أمروا بأخذه عندهم في صلاتهم كالسيف يتقلده أحدهم والسكين والخنجر يشدّه إلى درعه وثيابه التي هي عليه ونحو ذلك من سلاحه.

وقال آخرون: بل الطائفة المأمورة بأخذ السلاح منهم، الطائفة التي كانت بازاء العدوّ ودون المصلية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك قول ابن عباس.

حدثني بذلك المثنى، قال: ثنا أبو صالح، ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {فَإِذَا سَجَدُواْ } يقول: فإذا سجدت الطائفة التي قامت معك في صلاتك تصلي بصلاتك، ففرغت من سجودها.

{فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } يقول: فليصيروا بعد فراغهم من سجودهم خلفكم مصافي العدوّ في المكان الذي فيه سائر الطوائف التي لم تصلّ معك ولم تدخل معك في صلاتك.

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } فقال بعضهم: تأويله: فإذا صلوا ففرغوا من صلاتهم فليكونوا من ورائكم.

ثم اختلف أهل هذه المقالة، فقال بعضهم: إذا صلت هذه الطائفة مع الإمام ركعة، سلمت وانصرفت من صلاتها حتى تأتي مقام أصحابها بازاء العدوّ ولا قضاء عليها، وهم الذين قالوا: عنى الله بقوله:

{ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَٰوةِ }[النساء: 101]: أن تجعلوها إذا خفتم الذين كفروا أن يفتنوكم ركعة. ورووا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه صلى بطائفة صلاة الخوف ركعة ولم يقضوا، وبطائفة أخرى ركعة ولم يقضوا. وقد ذكرنا بعض ذلك فيما مضى وفيما ذكرنا كفاية عن استيعاب ذكر جميع ما فيه.

وقال آخرون منهم: بل الواجب كان على هذه الطائفة التي أمرها الله بالقيام مع نبيها إذا أراد إقامة الصلاة بهم في حال خوف العدوّ إذا فرغت من ركعتها التي أمرها الله أن تصلي مع النبيّ صلى الله عليه وسلم على ما أمرها به في كتابه أن تقوم في مقامها الذي صلت فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتصلى لأنفسها بقية صلاتها وتسلم، وتأتي مصافِّ أصحابها، وكان على النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يثبت قائماً في مقامه حتى تفرغ الطائفة التي صلت معه الركعة الأولى من بقية صلاتها، إذا كانت صلاتها التي صلت معه مما يجوز قصر عددها عن الواجب الذي على المقيمين في أمن، وتذهب إلى مصافّ أصحابها، وتأتي الطائفة الأخرى التي كانت مصافة عدوّها، فيصلي بها ركعة أخرى من صلاتها.

ثم هم في حكم هذه الطائفة الثانية مختلفون، فقالت فرقة من أهل هذه المقالة: كان على النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من ركعتيه ورفع رأسه من سجوده من ركعته الثانية أن يقعد للتشهد، وعلى الطائفة التي صلت معه الركعة الثانية ولم تدرك معه الركعة الأولى لاشتغالها بعدوّها أن تقوم فتقضى ركعتها الفائتة مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعلى النبيّ صلى الله عليه وسلم انتظارها قاعداً في تشهده حتى تفرغ هذه الطائفة من ركعتها الفائتة وتتشهد، ثم يسلم بهم.

وقالت فرقة أخرى منهم: بل كان الواجب على الطائفة التي لم تدرك معه الركعة الأولى إذا قعد النبيّ صلى الله عليه وسلم للتشهد أن تقعد معه للتشهد فتتشهد بتشهده، فإذا فرغ النبيّ صلى الله عليه وسلم من تشهده سلم، ثم قامت الطائفة التي صلت معه الركعة الثانية حينئذ، فقضت ركعتها الفائتة. وكلّ قائل من الذين ذكرنا قولهم روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخباراً كما قال فعل.

ذكر من قال: انتظر النبيّ صلى الله عليه وسلم الطائفتين حتى قضت صلاتهما ولم يخرج من صلاته إلا بعد فراغ الطائفتين من صلاتهما:

حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا مالك، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوّات، عمن صلى مع النبيّ صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف يوم ذات الرقاع: أن طائفة صفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائفة وجاه العدوّ، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائماً فأتموا لأنفسهم، ثم جاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم، ثم ثبت جالساً، فأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم.

حدثني محمد بن المثنى، قال: ثني عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوّات، عن سهل بن أبي حثمة، قال: صلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بأصحابه في خوف، فجعلهم خلفه صفين، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم قام فلم يزل قائماً حتى صلى الذين خلفه ركعة، ثم تقدم وتخلف الذين كانوا قدامهم، فصلى بهم ركعة، ثم جلس حتى صلى الذين تخلفوا ركعة، ثم سلم.

حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا روح، قال: ثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوّات، عن سهل بن أبي حثمة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في صلاة الخوف:

تَقُومُ طائِفَةٌ بينَ يَدَيِ الإمامِ وَطائِفَةٌ خَلْفَهُ، فَيُصَلِّي بالَّذِينَ خَلَفَهُ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَقْعُدُ مَكانَهُ حتى يَقْضُوا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُونَ إلى مَكانِ أصحَابِهِمْ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ أُولَئِكَ إلى مَكانِ هَؤُلاءِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ ركْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَقْعُدُ مَكانَهُ حتى يُصَلُّوا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ

ذكر من قال: كانت الطائفة الثانية تقعد مع النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى يفرغ النبيّ صلى الله عليه وسلم من صلاته، ثم تقضي ما بقي عليها بعد:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيـى بن سعيد، قال: سمعت القاسم، قال: ثني صالح بن خوّات بن جبير أن سهل بن أبي حثمة حدثه: أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام إلى القبلة يصلي ومعه طائفة من أصحابه، وطائفة أخرى مواجهة العدوّ فيصلي، فيركع الإمام بالذين معه، ويسجد ثم يقوم، فإذا استوى قائماً ركع الذين وراءه لأنفسهم ركعة وسجدتين، ثم سلموا فانصرفوا والإمام قائم فقاموا إزاء العدوّ، وأقبل الآخرون فكبروا مكان الإمام، فركع بهم الإمام وسجد ثم سلم، فقاموا فركعوا لأنفسهم ركعة وسجدتين ثم سلموا.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا يحيـى بن سعيد، عن القاسم بن محمد أن صالح بن خوّات أخبره عن سهل بن أبي حثمة في صلاة الخوف، ثم ذكر نحوه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيـى بن سعيد وسأله، قال: ثنا يحيـى بن سعيد الأنصاريّ، عن القاسم بن محمد، عن صالح، عن سهل بن أبي حثمة في صلاة الخوف، قال: يقوم الإمام مستقبل القبلة، وتقوم طائفة منهم معه وطائفة من قبل العدوّ وجوههم إلى العدوّ، فيركع بهم ركعة، ثم يركعون لأنفسهم ويسجدون سجدتين في مكانهم، ويذهبون إلى مقام أولئك ويجيء أولئك فيركع بهم ركعة ويسجد سجدتين؛ فهي له ركعتان ولهم واحدة، ثم يركعون ركعة ويسجدون سجدتين.

قال بندار: سألت يحيـى بن سعيد عن هذا الحديث، فحدثني عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوّات، عن سهل بن أبي حثمة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بمثل حديث يحيـى بن سعيد، وقال لي: اكتبه إلى جنبه، فلست أحفظه، ولكنه مثل حديث يحيـى بن سعيد.

حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا عبيد الله، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن صالح بن خوّات: أن الإمام يقوم فيصف صفين، طائفة مواجهة العدوّ، وطائفة خلف الإمام، فيصلي الإمام بالذين خلفه ركعة، ثم يقومون فيصلون لأنفسهم ركعة، ثم يسلمون، ثم ينطلقون فيصفون، ويجيء الآخرون فيصلي بهم ركعة، ثم يسلم فيقومون، فيصلون لأنفسهم ركعة.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت عبيد الله، عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوّات، عن رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: صلاة الخوف أن تقوم طائفة من خلف الإمام، وطائفة يلون العدوّ، فيصلي الإمام بالذين خلفه ركعة، ويقوم قائماً فيصلي القوم إليها ركعة أخرى، ثم يسلمون فينطلقون إلى أصحابهم، ويجيء أصحابهم والإمام قائم، فيصلي بهم ركعة فيسلم، ثم يقومون فيصلون إليها ركعة أخرى، ثم ينصرفون. قال عبيد الله: فما سمعت فيما نذكره في صلاة الخوف شيئاً هو أحسن عندي من هذا.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ } فهذا عند الصلاة في الخوف يقوم الإمام وتقوم معه طائفة منهم، وطائفة يأخذون أسلحتهم، ويقفون بازاء العدوّ، فيصلي الإمام بمن معه ركعة، ثم يجلس على هيئته، فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية والإمام جالس، ثم ينصرفون حتى يأتوا أصحابهم، فيقفون موقفهم، ثم يقبل الآخرون فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية، ثم يسلم فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية؛ فهكذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بطن نخلة.

وقال آخرون: بل تأويل قوله: {فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } فإذا سجدت الطائفة التي قامت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم حين دخل في صلاته، فدخلت معه في صلاته السجدة الثانية من ركعتها الأولى فليكونوا من ورائكم، يعني: من ورائك يا محمد ووراء أصحابك الذين لم يصلوا بإزاء العدوّ. قالوا: وكانت هذه الطائفة لا تسلم من ركعتها إذا هي فرغت من سجدتي ركعتها التي صلت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولكنها تمضي إلى موقف أصحابها بازاء العدوّ وعليها بقية صلاتها. قالوا: وكانت تأتي الطائفة الأخرى التي كانت بازاء العدوّ حتى تدخل مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في بقية صلاته، فيصلي بهم النبيّ صلى الله عليه وسلم الركعة التي كانت قد بقيت عليه. قالوا: وذلك معنى قول الله عزّ ذكره: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ }.

ثم اختلف أهل هذه المقالة في صفة قضاء ما كان يبقى على كل طائفة من هاتين الطائفتين من صلاتها بعد فراغ النبيّ صلى الله عليه وسلم من صلاته وسلامه من صلاته على قول قائلي هذه المقالة ومتأوّلي هذا التأويل؛ فقال بعضهم: كانت الطائفة الثانية التي صلت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم الركعة الثانية من صلاتها إذا سلم النبيّ صلى الله عليه وسلم من صلاته فقامت فقضت ما فاتها من صلاتها مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في مقامها بعد فراغ النبيّ صلى الله عليه وسلم من صلاته، والطائفة التي صلت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم الركعة الأولى بإزاء العدوّ بعد لم تتم صلاتها، فإذا هي فرغت من بقية صلاتها التي فاتتها مع النبيّ صلى الله عليه وسلم مضت إلى مصافّ أصحابها بإزاء العدوّ، وجاءت الطائفة الأولى التي صلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعة الأولى إلى مقامها التي كانت صلت فيه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضت بقية صلاتها. ذكر الرواية بذلك:

حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا خصيف، قال: ثنا أبو عبيدة بن عبد الله، قال: قال عبد الله: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فقامت طائفة منا خلفه، وطائفة بإزاء ـ أو مستقبلي العدوّ. فصلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بالذين خلفه ركعة، ثم نكصوا فذهبوا إلى مقام أصحابهم، وجاء الآخرون فقاموا خلف النبيّ صلى الله عليه وسلم، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة، ثم سلم رسول الله، ثم قام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم ذهبوا فقاموا مقام أصحابهم مستقبلي العدوّ، ورجع الآخرون إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا خصيف، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، فذكر نحوه.

حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق، قال: أخبرنا شريك، عن خصيف، عن أبي عبيدة، عن أبيه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، نحوه.

وقال آخرون: بل كانت الطائفة الثانية التي صلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعة الثانية لا تقضي بقية صلاتها بعد ما يسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته، ولكنها كانت تمضي قبل أن تقضي بقية صلاتها، فتقف موقف أصحابها الذين صلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعة الأولى، وتجيء الطائفة الأولى إلى موقفها الذي صلت فيه ركعتها الأولى مع رسول الله فتقضي ركعتها التي كانت بقيت عليها من صلاتها، فقال بعضهم: كانت تقضي تلك الركعة بغير قراءة.

وقال آخرون: بل كانت تقضي بقراءة، فإذا قضت ركعتها الباقية عليها هنالك وسلمت مضت إلى مصاف أصحابها بإزاء العدوّ، وأقبلت الطائفة التي صلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعة الثانية إلى مقامها الذي صلت فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعة الثانية من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضت الركعة الثانية من صلاتها بقراءة، فإذا فرغت وسلمت انصرفت إلى أصحابها. ذكر من قال ذلك:

حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم في صلاة الخوف، قال: يصف صفًّا خلفه وصفًّا بازاء العدوّ في غير مصلاه، فيصلي بالصفّ الذي خلفه ركعة، ثم يذهبون إلى مصاف أولئك، وجاء أولئك الذين بازاء العدوّ فيصلي بهم ركعة، ثم يسلم عليهم، وقد صلى هو ركعتين، وصلى كلّ صفّ ركعة، ثم قام هؤلاء الذين سلم عليهم إلى مصاف أولئك الذين بإزاء العدوّ، فقاموا مقامهم، وجاءوا فقضوا الركعة، ثم ذهبوا فقاموا مقام أولئك الذين بازاء العدوّ، وجاء أولئك فصلوا ركعة. قال سفيان: فيكون لكل إنسان ركعتان ركعتان.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، وحدثني عليّ، قال: ثنا زيد جميعاً، عن سفيان، قال: كان إبراهيم يقول في صلاة الخوف، فذكر نحوه.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن عمر بن الخطاب، مثل ذلك.

وقال آخرون: بل كلّ طائفة من الطائفتين تقضي صلاتها على ما أمكنها من غير تضييع منهم بعضها. ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا ابن علية، عن يونس بن عبيد، عن الحسن: أن أبا موسى الأشعري صلى بأصحابه صلاة الخوف بأصبهان إذ غزاها، قال: فصلى بطائفة من القوم ركعة، وطائفة تحرس، فنكص هؤلاء الذين صلى بهم ركعة وخلفهم الآخرون، فقاموا مقامهم، فصلى بهم ركعة، ثم سلم، فقامت كلّ طائفة فصلت ركعة.

حدثنا عمران بن موسى القزّاز، قال: ثنا عبد الوارث، قال: حدثنا يونس، عن الحسن، عن أبي موسى، بنحوه.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبي، عن قتادة، عن أبي العالية ويونس بن جبير، قالا: صلى أبو موسى الأشعري بأصحابه بأصبهان، وما بهم يومئذ خوف، ولكنه أحبّ أن يعلمهم صلاتهم، فصفهم صفين، صفًّا خلفه وصفًّا مواجهة العدوّ مقبلين على عدوّهم، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم ذهبوا إلى مصافّ أصحابهم، وجاء أولئك فصفهم خلفه، فصلى بهم ركعة، ثم سلم فقضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة، ثم سلم بعضهم على بعض، فكانت للإمام ركعتين في جماعة ولهم ركعة ركعة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي العالية، عن أبي موسى مثله.

حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال في صلاة الخوف: يصلي طائفة من القوم ركعة، وطائفة تحرس، ثم ينطلق هؤلاء الذين صلى بهم ركعة حتى يقوموا مقام أصحابهم، ثم يجيء أولئك فيصلي بهم ركعة، ثم يسلم فتقوم كل طائفة فتصلي ركعة.

حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر بنحوه.

حدثني عمران بن بكار الكلاعي، قال: ثنا يحيـى بن صالح، قال: ثنا ابن عياش، قال: ثنا عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة الخوف، فذكر نحوه.

حدثنا سعيد بن يحيـى الأموي، قال: ثنا أبي، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أنه كان يحدّث: أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحوه.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، بنحوه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن عبد الله بن نافع، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف:

يَقُومُ الأمِيرُ وَطائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ فَيَسْجُدُونَ سَجْدَةً وَاحِدَةً، وَتَكُونُ طائِفَةٌ مِنْهُمْ بَيْنَهُمْ وبينَ العَدْوّ ثم ذكر نحوه.

حدثنا محمد بن هارون الحربي، قال: ثنا أبو المغيرة الحمصي، قال: ثنا الأوزاعي، عن أيوب بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة، ثم ذكر نحوه.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ }... إلى قوله: {فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } فإنه كانت تأخذ طائفة منهم السلاح فيقبلون على العدوّ، والطائفة الأخرى يصلون مع الإمام ركعة ثم يأخذون أسلحتهم، فيستقبلون العدوّ، ويرجع أصحابهم فيصلون مع الإمام ركعة فيكون للإمام ركعتان ولسائر الناس ركعة واحدة، ثم يقضون ركعة أخرى، وهذا تمام الصلاة.

وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في صلاة الخوف، والعدوّ يومئذ في ظهر القبلة بين المسلمين وبين القبلة، فكانت الصلاة التي صلى بهم يومئذ النبيّ صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، إذ كان العدوّ بين الإمام والقبلة. ذكر الأخبار المنقولة بذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثني يونس بن بكير، عن النضر أبي عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، فلقي المشركين بعسفان، فلما صلى الظهر فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه، قال بعضهم لبعض يومئذ: كان فرصة لكم لو أغرتم عليهم ما علموا بكم حتى تواقعوهم، قال قائل منهم: فإن لهم صلاة أخرى هي أحبّ إليهم من أهلهم وأموالهم، فاستعدّوا حتى تغيروا عليهم فيها! فأنزل الله عزّ وجلّ على نبيه عليه الصلاة والسلام: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ }... إلى آخر الآية، وأعلمه ما ائتمر به المشركون. فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر وكانوا قبالته في القبلة فجعل المسلمين خلفه صفين فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبروا جميعاً، ثم ركع وركعوا معه جميعاً؛ فلما سجد سجد معه الصفّ الذين يلونه، وقام الصفّ الذين خفلهم مقبلين على العدوّ؛ فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سجوده وقام، سجد الصفّ الثاني، ثم قاموا وتأخر الذين يلون رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقدّم الآخرون، فكانوا يلون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ركع ركعوا معه جميعاً، ثم رفع فرفعوا معه، ثم سجد فسجد معه الذين يلونه، وقام الصفّ الثاني مقبلين على العدوّ، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سجوده، وقعد الذين يلونه سجد الصفّ المؤخر ثم قعدوا، فتشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم عليهم جميعاً، فلما نظر إليهم المشركون يسجد بعضهم ويقوم بعضهم ينظر إليهم، قالوا: لقد أخبروا بما أردنا!

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمر بن ذرّ، قال: ثني مجاهد، قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم بعُسفان، والمشركون بضَجنان، بالماء الذي يلي مكة، فلما صلى النبيّ صلى الله عليه وسلم الظهر فرأوه سجد وسجد الناس، قالوا: إذا صلى صلاة بعد هذه أغرنا عليه! فحذّره الله ذلك، فقام النبيّ صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فكبر وكبر الناس معه، فذكر نحوه.

حدثني عمران بن بكار، قال: ثنا يحيـى بن صالح، قال: ثنا ابن عياش، قال: أخبرني عبيد الله بن عمر، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقينا المشركين بنَخْل، فكانوا بيننا وبين القبلة، فلما حضرت الظهر صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن جميع، فلما فرغنا تذامر المشركون فقالوا: لو كنا حملنا عليهم وهم يصلون، فقال بعضهم: فإن لهم صلاة ينتظرونها تأتي الآن هي أحبّ إليهم من أبنائهم، فإذا صلوا فميلوا عليهم! قال: فجاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر وعلمه كيف يصلي، فلما حضرت العصر قام نبيّ الله صلى الله عليه وسلم مما يلي العدوّ، وقمنا خلفه صفين، فكبر نبيّ الله وكبرنا معه جميعاً، ثم ذكر نحوه.

حدثني محمد بن معمر، قال: ثنا حماد بن مسعدة، عن هشام بن أبي عبد الله، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه.

حدثنا مؤمل بن هشام، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه.

حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزُّرَقي، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعُسفان، فصلي بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر وعلى المشركين خالد بن الوليد، فقال المشركون: لقد أصبنا منهم غرّة! ولقد أصبنا منهم غفلة! فأنزل الله صلاة الخوف بين الظهر والعصر، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، يعني فرقتين: فرقة تصلى مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفرقة تصلى خلفهم يحرسونهم، ثم كبر فكبروا جميعاً وركعوا جميعاً، ثم سجد بالذين يلون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قام فتقدم الآخرون فسجدوا، ثم قام فركع بهم جميعاً، ثم سجد بالذين يلونه حتى تأخر هؤلاء فقاموا في مصافّ أصحابهم، ثم تقدم الآخرون فسجدوا، ثم سلم عليهم؛ فكانت لكلهم ركعتين مع إمامهم. وصلى مرّة أخرى في أرض بني سليم.

قال أبو جعفر: فتأويل الآية على قول هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة، ورووا هذه الرواية: وإذا كنت يا محمد فيهم، يعني في أصحابك خائفاً، فأقمت لهم الصلاة، فلتقم طائفة منهم معك؛ يعني ممن دخل معك في صلاتك، {فَإِذَا سَجَدُواْ }، يقول: فإذا سجدت هذه الطائفة بسجودك، ورفعت رءوسها من سجودها {فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } يقول: فليصر من خلفك، خلف الطائفة التي حرستك وإياهم إذا سجدت بهم وسجدوا معك. {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ } يعني الطائفة الحارسة التي صلت معه غير أنها لم تسجد بسجوده، فمعنى قوله: {لَمْ يُصَلُّواْ } على مذهب هؤلاء: لم يسجدوا بسجودك: {فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } يقول: فليسجدوا بسجودك إذا سجدت، ويحرسك وإياهم الذين سجدوا بسجودك في الركعة الأولى. {وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } يعني الحارسة.

وأولى الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال معنى ذلك: فإذا سجدت الطائفة التي قامت معك في صلاتها، {فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } يعني من خلفك وخلف من يدخل في صلاتك ممن لم يصلّ معك الركعة الأولى بإزاء العدوّ بعد فراغها من بقية صلاتها، {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ } وهي الطائفة التي كانت بازاء العدوّ لم يصلوا، يقول: لم يصلوا معك الركعة الأولى {فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } يقول: فليصلوا معك الركعة التي بقيت عليك. {وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } لقتال عدوّهم بعد ما يفرغون من صلاتهم؛ وذلك نظير الخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعله يوم ذات الرقاع، والخبر الذي رَوَى سهل بن أبي حثمة.

وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية، لأن الله عزّ ذكره قال: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ } وقد دللنا على أن إقامتها إتمامها بركوعها وسجودها، ودللنا مع ذلك على أن قوله:

{ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَٰوةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ }[النساء: 101] إنما هو إذن بالقصر من ركوعها وسجودها في حال شدة الخوف. فإذا صحّ ذلك كان بيناً أن لا وجه لتأويل من تأوّل ذلك أن الطائفة الأولى إذا سجدت مع الإمام فقد انقضت صلاتها، لقوله: {فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } لاحتمال ذلك من المعاني ما ذكرت قبل، ولأنه لا دلالة في الآية على أن القصر الذي ذكر في الآية قبلها عنى به القصر من عدد الركعات. وإذ كان لا وجه لذلك، فقول من قال: أريد بذلك التقدم والتأخر في الصلاة على نحو صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم بعسفان أبعد، وذلك أن الله جلّ ثناؤه يقول: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } وكلتا الطائفتين قد كانت صلت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ركعته الأولى في صلاته بعسفان، ومحال أن تكون التي صلت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم هي التي لم تصل معه.

فإن ظنّ ظانّ أنه أريد بقوله: {لَمْ يُصَلُّواْ }: لم يسجدوا، فإن ذلك غير الظاهر المفهوم من معاني الصلاة، وإنما توجه معاني كلام الله جلّ ثناؤه إلى الأظهر والأشهر من وجوههما ما لم يمنع من ذلك ما يجب التسليم له. وإذ كان ذلك كذلك ولم يكن في الآية أمر من الله عزّ ذكره للطائفة الأولى بتأخير قضاء ما بقي عليها من صلاتها إلى فراغ الإمام من بقية صلاته، ولا على المسلمين الذين بازاء العدوّ في اشتغالها بقضاء ذلك ضرر، لم يكن لأمرها بتأخير ذلك وانصرافها قبل قضاء باقي صلاتها عن موضعها معنى. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإنا نرى أن من صلاها من الأئمة فوافقت صلاته بعض الوجوه التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلاها، فصلاته مجزئة عنه تامة لصحة الأخبار بكلّ ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه من الأمور التي علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ثم أباح لهم العمل بأيّ ذلك شاءوا. وأما قوله: {وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ } فإنه يعني: تمنى الذين كفروا بالله، لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم، يقول: لو تشتغلون بصلاتكم عن أسلحتكم التي تقاتلونهم بها، وعن أمتعتكم التي بها بلاغكم في أسفاركم فتسهون عنها. {فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وٰحِدَةً } يقول: فيحملون عليكم وأنتم مشاغيل بصلاتكم عن أسلحتكم وأمتعتكم جملة واحدة، فيصيبون منكم غرّة بذلك فيقتلونكم، ويستبيحون عسكركم. يقول جلّ ثناؤه: فلا تفعلوا ذلك بعد هذا، فتشتغلوا جميعكم بصلاتكم إذا حضرتكم صلاتكم وأنتم مواقفو العدوّ، فتمكنوا عدوّكم من أنفسكم وأسلحتكم وأمتعتكم ولكن أقيموا الصلاة على ما بينت لكم، وخذوا من عدوّكم حذركم وأسلحتكم.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً}.

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } وَلا حرج عليكم ولا إثم، {إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ } يقول: إن نالكم من مطر تمطرونه وأنتم مواقفو عدوّكم. {أَوْ كُنتُم مَّرْضَى } يقول: جرحى أوْ أَعِلاّء. {أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ } إن ضعفتم عن حملها، ولكن إن وضعتم أسلحتكم من أذى مطر أو مرض، فخذوا من عدوّكم حذركم، يقول: احترسوا منهم أن يميلوا عليكم وأنتم عنهم غافلون غارّون. {إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً } يعني بذلك: أعدّ لهم عذاباً مذلاً يبقون فيه أبداً لا يخرجون منه، وذلك هو عذاب جهنم. وقد ذكر أن قوله: {أَوْ كُنتُم مَّرْضَى } نزل في عبد الرحمن بن عوف، وكان جريحاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا العباس بن محمد، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى } عبد الرحمن بن عوف كان جريحاً.]

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ