انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير الطبريالآيات 111–123

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النساء

الخلاصة من تفسير الطبري · 12 مقطعًا · 3:03:07

  1. 1 الآيات 100–113في هذه الصفحة 14:23
  2. 2 الآيات 114–134في هذه الصفحة 18:21

التفسير الصوتي لسورة النساء كاملًا (12 مقطعًا)

وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝١١١

يعني بذلك جلّ ثناؤه: ومن يأت ذنباً على عمد منه له ومعرفة به، فإنما يجترح وبال ذلك الذنب وضرّه وخزيه وعاره على نفسه دون غيره من سائر خلق الله، يقول: فلا تجادلوا أيها الذين تجادلون عن هؤلاء الخونة، فانكم وإن كنتم لهم عشيرة وقرابة وجيرانا برآء مما أتوه من الذنب ومن التبعة التي يُتْبَعون بها، فإنكم متى دافعتم عنهم أو خاصمتم بسببهم كنتم مثلهم، فلا تدافعوا عنهم، ولا تخاصموا.

وأما قوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } فإنه يعني: وكان الله عالماً بما تفعلون أيها المجادلون عن الذين يختانون أنفسهم في جدالكم عنهم وغير ذلك من أفعالكم وأفعال غيركم، وهو يحصيها عليكم وعليهم، حتى يجازي جميعكم بها. {حَكِيماً } يقول: وهو حكيم بسياستكم وتدبيركم، وتدبير جميع خلقه. وقيل: نزلت هذه الآية في بني أبيرق، وقد ذكرنا من قال ذلك فيما مضى قبل].

وَمَن يَكْسِبْ خَطِيٓـَٔةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِۦ بَرِيٓـًٔا فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَٰنًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ۝١١٢

يعني بذلك جلّ ثناؤه: ومن يعمل خطيئة، وهي الذنب، أو إثماً، وهو ما لا يحلّ من المعصية. وإنما فّرق بين الخطيئة والإثم، لأن الخطيئة قد تكون من قبل العمد وغير العمد، والإثم لا يكون إلا من العمد، ففصل جلّ ثناؤه لذلك بينهما، فقال: ومن يأت خطيئة على غير عمد منه لها، أو إثماً على عمد منه ثم يرم به بريئاً، يعني بالذي تعمده بريئاً، يعني ثم يصف ما أتى من خطئه أو إثمه الذي تعمده بريئاً مما أضافه إليه ونحله إياه؛ {فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً } يقول: فقد تحمل بفعله ذلك فرية وكذباً وإثماً عظيماً، يعني وجرماً عظيماً على علم منه وعمد لما أتى من معصيته وذنبه.

واختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله: {بَرِيئاً } بعد إجماع جميعهم على أن الذي رمى البريء من الإثم الذي كان أتاه ابن أبيرق الذي وصفنا شأنه قبل. فقال بعضهم: عنى الله عزّ وجلّ بالبريء رجلاً من المسلمين يقال له لبيد بن سهل.

وقال آخرون: بل عنى رجلاً من اليهود يقال له زيد بن السمين، وقد ذكرنا الرواية عمن قال ذلك فيما مضى. وممن قال كان يهودياً، ابن سيرين.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا غندر، عن شعبة، عن خالد الحذاء، عن ابن سيرين: {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً } قال: يهودياً.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا بدل بن المحبر، قال: ثنا شعبة، عن خالد، عن ابن سيرين، مثله.

وقيل: {يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً } بمعنى: ثم يرم بالإثم الذي أتى هذا الخائن من هو بريء مما رماه به، فالهاء في قوله «به» عائدة على الإثم، ولو جعلت كناية من ذكر الإثم والخطيئة كان جائزاً، لأن الأفعال وإن اختلفت العبارات عنها فراجعة إلى معنى واحد بأنها فعل.

وأما قوله: {فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً } فإن معناه: فقد تحمل هذا الذي رمي بما أتى من المعصية وركب من الإثم والخطيئة من هو بريء مما رماه به من ذلك بهتاناً، وهو الفرية والكذب، وإثماً مبيناً، يعني وزراً مبيناً، يعني أنه يبين عن أمر عمله وجراءته على ربه وتقدمه على خلافه فيما نهاه عنه لمن يعرف أمره.]

وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ۝١١٣

يعني بقوله جلّ ثناؤه: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ } ولولا أن الله تفضل عليك يا محمد فعصمك بتوفيقه وتبيانه لك أمر هذا الخائن، فكففت لذلك عن الجدال عنه، ومدافعة أهل الحقّ عن حقهم قبله؛ {لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ } يقول: لهمت فرقة منهم، يعني من هؤلاء الذين يختانون أنفسهم، {أَن يُضِلُّوكَ } يقول: يزلوك عن طريق الحق، وذلك لتلبيسهم أمر الخائن عليه صلى الله عليه وسلم وشهادتهم للخائن عنده بأنه بريء مما ادّعى عليه، ومسألتهم إياه أن يعذره ويقوم بمعذرته في أصحابه، فقال الله تبارك وتعالى: وما يضلّ هؤلاء الذين هموا بأن يضلوك عن الواجب من الحكم في أمر هذا الخائن درع جاره، إلا أنفسهم.

فإن قال قائل: ما كان وجه إضلالهم أنفسهم؟ قيل: وجه إضلالهم أنفسهم: أخذهم بها في غير ما أباح الله لهم الأخذ بها فيه من سبله، وذلك أن الله جلّ ثناؤه قد كان تقدم إليهم فيما تقدم في كتابه على لسان رسوله إلى خلقه بالنهي عن أن يتعاونوا على الإثم والعدوان والأمر بالتعاون على الحقّ، فكان من الواجب لله فيمن سعى في أمر الخائنين الذين وصف الله أمرهم بقوله:

{ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً }[النساء: 105] معاونة من ظلموه دون من خاصمهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب حقه منهم، فكان سعيهم في معونتهم دون معونة من ظلموه، أخذاً منهم في غير سبيل الله، وذلك هو إضلالهم أنفسهم، الذي وصفه الله فقال: {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ } وما يضرّك هؤلاء الذين هموا لك أن يزلوك عن الحقّ في أمر هذا الخائن من قومه وعشيرته من شيء، لأن الله مثبتك ومسدّدك في أمورك ومبين لك أمر من سعوا في ضلالك عن الحقّ في أمره وأمرهم، ففاضحه وإياهم.

وقوله: {وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ } يقول: ومن فضل الله عليك يا محمد مع سائر ما تفضل به عليك من نعمه، أنه أنزل عليك الكتاب، وهو القرآن الذي فيه بيان كل شيء، وهدى وموعظة، {وَٱلْحِكْــمَةِ }: يعني وأنزل عليك مع الكتاب الحكمة، وهي ما كان في الكتاب مجملاً ذكره، من حلاله وحرامه، وأمره ونهيه وأحكامه، ووعده ووعيده. {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } من خبر الأوّلين والآخرين، وما كان، وما هو كائن قبل، ذلك من فضل الله عليك يا محمد مذ خلقك، فاشكره على ما أولاك من إحسانه إليك بالتمسك بطاعته، والمسارعة إلى رضاه ومحبته، ولزوم العمل بما أنزل إليك في كتابه وحكمته، ومخالفة من حاول إضلالك عن طريقه ومنهاج دينه، فإن الله هو الذي يتولاك بفضله، ويكفيك غائلة من أرادك بسوء وحاول صدّك عن سبيله، كما كفاك أمر الطائفة التي همت أن تضلك عن سبيله في أمر هذا الخائن، ولا أحد من دونه ينقذك من سوء إن أراد بك إن أنت خالفته في شيء من أمره ونهيه واتبعت هوى من حاول صدّك عن سبيله. وهذه الآية تنبيه من الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم على موضع حظه، وتذكير منه له الواجب عليه من حقه.]

لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَٰحٍۭ بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ۝١١٤

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ }: لا خير في كثير من نجوى الناس جميعاً. {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ } والمعروف: هو كل ما أمر الله به أو ندب إليه من أعمال البرّ والخير. {أَوْ إِصْلَـٰحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ } وهو الإصلاح بين المتباينين أو المختصمين بما أباح الله الإصلاح بينهما ليتراجعا إلى ما فيه الألفة واجتماع الكلمة على ما أذن الله وأمر به. ثم أخبر جلّ ثناؤه بما وعد من فعل ذلك، فقال: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ ٱبْتَغَاء مَرْضَـٰتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } يقول: ومن يأمر بصدقة أو معروف من الأمر، أو يصلح بين الناس ابتغاء مرضاة الله، يعني طلب رضا الله بفعله ذلك؛ {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } يقول: فسوف نعطيه جزاء لما فعل من ذلك عظيماً، ولا حدّ لمبلغ ما سمى الله عظيماً يعلمه سواه.

واختلف أهل العربية في معنى قوله: {لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ } فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: لا خير في كثير من نجواهم إلا في نجوى من أمر بصدقة. كأنه عطف «من» على الهاء والميم التي في «نجواهم». وذلك خطأ عند أهل العربية لأن إلا لا تعطف على الهاء والميم في مثل هذا الموضع من أجل أنه لم ينله الجحد. وقال بعض نحويي الكوفة: قد تكون «مَن» في موضع خفض ونصب؛ وأما الخفض فعل قولك: {لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ } إلا فيمن أمر بصدقة، فتكون النجوى على هذا التأويل هم الرجال المناجون، كما قال جلّ ثناؤه:

{ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ }[المجادلة: 7] وكما قال: { وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ }[الإسراء: 47]. وأما النصب، فعلى أن تجعل النجوى فعلاً فيكون نصباً، لأنه حينئذ يكون استثناء منقطعاً، لأنه من خلاف النجوى، فيكون ذلك نظير قول الشاعر:

...............وَما بالرَّبْعِ مِنْ أحَدِإلاَّ أُوَارِيّ لاَءْياً مَا أُبَيِّنُها

وقد يحتمل «من» على هذا التأويل أن يكون رفعاً، كما قال الشاعر:

وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِها أنِيسُ إلاَّ اليَعافِيرُ وَإلاَّ العِيسُ

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك، أن تجعل «من» في موضع خفض بالردّ على النجوى، وتكون النجوى بمعنى جمع المتناجين، خرج مخرج السكرى والجرحى والمرضى، وذلك أن ذلك أظهر معانيه، فيكون تأويل الكلام: لا خير في كثير من المتناجين يا محمد من الناس، إلا فيمن أمر بصدقة أو معروف، أو إصلاح بين الناس، فإن أولئك فيهم الخير.

وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِۦ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ۝١١٥

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ }: ومن يباين الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم معادياً له، فيفارقه على العداوة له؛ {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ } يعني: من بعد ما تبين له أن رسول الله، وأن ما جاء به من عند الله يهدى إلى الحقّ، وإلى طريق مستقيم. {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } يقول: ويتبع طريقاً غير طريق أهل التصديق، ويسلك منهاجاً غير منهاجهم، وذلك هو الكفر بالله، لأن الكفر بالله ورسوله غير سبيل المؤمنين وغير منهاجهم. {نُوَلّهِ مَا تَوَلَّىٰ } يقول: نجعل ناصره ما استنصره واستعان به من الأوثان والأصنام، وهي لا تغنيه ولا تدفع عنه من عذاب الله شيئاً ولا تنفعه. كما:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {نُوَلّهِ مَا تَوَلَّىٰ } قال: من آلهة الباطل.

حدثني ابن المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. {وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ } يقوله: ونجعله صِلأ نار جهنم، يعني نحرقه بها، وقد بينا معنى الصِّلَى فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. {وَسَاءتْ مَصِيراً } يقول: وساءت جهنم مصيراً: موضعاً يصير إليه من صار إليه. ونزلت هذه الآية في الخائنين الذين ذكرهم الله في قوله:

{ وَلاَ تَكُنْ لّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً }[النساء: 105] لما أبى التوبة من أبى منهم، وهو طعمة بن الأبيرق، ولحق بالمشركين من عبدة الأوثان بمكة مرتدّاً مفارقاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه.]

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا ۝١١٦

يعني بذلك جلّ ثناؤه: إن الله لا يغفر لطعمة إذ أشرك ومات على شركه بالله ولا لغيره من خلقه بشركهم وكفرهم به؛ {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } يقول: ويغفر ما دون الشرك بالله من الذنوب لمن يشاء، يعني بذلك جلّ ثناؤه: أن طعمة لولا أنه أشرك بالله ومات على شركه لكان في مشيئة الله على ما سلف من خيانته ومعصيته، وكان إلى الله أمره في عذابه والعفو عنه. وكذلك حكم كل من اجترم جرماً، فإلى الله أمره، إلا أن يكون جرمه شركاً بالله وكفراً، فإنه ممن حتم عليه أنه من أهل النار إذا مات على شركه، فإذا مات على شركه، فقد حرّم الله عليه الجنة، ومأواه النار.

وقال السديّ في ذلك بما:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ } يقول: من يجتنب الكبائر من المسلمين.

وأما قوله: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً بَعِيداً } فإنه يعني: ومن يجعل لله في عبادته شريكاً، فقد ذهب عن طريق الحقّ، وزال عن قصد السبيل ذهاباً بعيداً وزوالاً شديداً. وذلك أنه باشراكه بالله في عبادته، فقد أطاع الشيطان وسلك طريقه وترك طاعة الله ومنهاج دينه، فذاك هو الضلال البعيد والخسران المبين.]

إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَٰنًا مَّرِيدًا ۝١١٧

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: إن يدعون من دونه إلا اللات والعزّى ومناة، فسماهنّ الله إناثاً بتسمية المشركين إياهنّ بتسمية الإناث. ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالك في قوله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً } قال: اللات والعزّى ومناة، كلها مؤنث.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك بنحوه، إلا أنه قال: كلهنّ مؤنث.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط عن السديّ: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً } يقول: يسمونهم إناثاً: لات، ومناة، وعُزَّى.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً } قال: آلهتهم: اللات، والعُزَّى، ويِساف، ونائلة، هم إناث يدعونهم من دون الله. وقرأ: {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَـٰناً مَّرِيداً }.

وقال آُخرون: معنى ذلك: إن يدعون من دونه إلا مواتاً لا روح فيه. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً } يقول: مَيْتاً.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً }: أي إلا مَيْتاً لا روح فيه.

حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً } قال: والإناث: كل شيء ميت ليس فيه روح خشبة يابسة، أو حجر يابس، قال الله تعالى: {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَـٰناً مَّرِيداً }... إلى قوله:

{ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ ٱلاْنْعَـٰمِ }[النساء: 119].

وقال آخرون: عنى بذلك أن المشركين كانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله. ذكر من قال ذلك:

حدثني يحيـى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً } قال: الملائكة يزعمون أنهم بنات الله.

وقال آخرون: معنى ذلك: إن أهل الأوثان كانوا يسمون أوثانهم إناثاً، فأنزل الله ذلك كذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن نوح بن قيس، عن أبي رجاء، عن الحسن قال: كان لكلّ حيّ من أحياء العرب صنم يسمونها أنثى بني فلان، فأنزل الله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً }.

حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا نوح بن قيس، قال: ثنا محمد بن سيف أبو رجاء الحِدّاني، قال: سمعت الحسن يقول: كان لكل حيّ من العرب، فذكر نحوه.

وقال آخرون: الإناث في هذا الموضع: الأوثان. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهاد في قوله: {إِنَـٰثاً } قال: أوثاناً.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا سفيان، قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان في مصحف عائشة: «إنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلاَّ إناثاً».

قال أبو جعفر: رُوي عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: «أن يدعون من دونه إلا أُثُناً»، بمعنى جمع وثن، فكأنه جمع وَثَنَاً وُثُناً، ثم قلب الواو همزة مضمومة، كما قيل: ما أحسن هذه الأجوه، بمعنى الوجوه، وكما قيل: {وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقّتَتْ } بمعنى: وُقّتت. وذكر عن بعضهم أنه كان يقرأ ذلك: «إن يدعون من دونه إلا أُنُثاً»، كأنه أراد جمع الإناث، فجمعها أُنُثاً، كما تُجمع الثمار ثُمُراً. والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها قراءة من قرأ: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً } بمعنى جمع أنثى، لأنها كذلك في مصاحف المسلمين، ولإجماع الحجة على قراءة ذلك كذلك.

وأولى التأويلات التي ذكرت بتأويل ذلك إذ كان الصواب عندنا من القراءة ما وصفت، تأويل من قال: عنى بذلك الآلهة التي كان مشركو العرب يعبدونها من دون الله، ويسمونها بالإناث من الأسماء كاللات والعزّى ونائلة ومناة، وما أشبه ذلك.

وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية، لأن الأظهر من معاني الإناث في كلام العرب ما عرف بالتأنيث دون غيره. فإذ كان ذلك كذلك، فالواجب توجيه تأويله إلى الأشهر من معانيه، وإذ كان ذلك كذلك فتأويل الآية: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين، نولّه ما تولّى ونصله جهنم وساءت مصيراً، إن يدعون من دونه إلا إناثاً، يقول: ما يدعو الذين يشاقون الرسول ويتبعون غير سبيل المؤمنين شيئاً من دون الله بعد الله وسواه، إلاّ إناثاً، يعني: إلا ما سموه بأسماء الإناث كاللات والعزّى وما أشبه ذلك. يقول جلّ ثناؤه: فحسب هؤلاء الذين أشركوا بالله وعبدوا ما عبدوا من دونه من الأوثان والأنداد، حجة عليهم في ضلالتهم وكفرهم وذهابهم عن قصد السبيل، أنهم يعبدون إناثاً ويدعونها آلهة وأرباباً. والإناث من كلّ شيء أخّسه؛ فهم يقرّون للخسيس من الأشياء بالعبودية على علم منهم بخساسته، ويمتنعون من إخلاص العبودية للذي له ملك كل شيء وبيده الخلق والأمر.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَـٰناً مَّرِيداً }.

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَـٰناً مَّرِيداً }: وما يدعو هؤلاء الذين يدعون هذه الأوثان الإناث من دون الله بدعائهم إياها إلا شيطاناً مريداً، يعني متمرّداً على الله في خلافه فيما أمره به وفيما نهاه عنه. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَـٰناً مَّرِيداً } قال: تمرّد على معاصي الله.]

لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ۝١١٨

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {لَّعَنَهُ ٱللَّهُ }: أخزاه وأقصاه وأبعده. ومعنى الكلام: وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً قد لعنه الله وأبعده من كل خير. وقال: {لأَتَّخِذَنَّ } يعني بذلك أن الشيطان المريد قال لربه إذ لعنه: {لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً } يعني بالمفروض: المعلوم؛ كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن جويبر، عن الضحاك: {نَصِيباً مَّفْرُوضاً } قال: معلوماً.

فإن قال قائل: وكيف يتخذ الشيطان من عباد الله نصيباً مفروضاً؟ قيل: يتخذ منهم ذلك النصيب باغوائه إياهم عن قصد السبيل، ودعائه إياهم إلى طاعته، وتزيينه لهم الضلال والكفر، حتى يزيلهم عن منهج الطريق؛ فمن أجاب دعاءه واتبع ما زينه له، فهو من نصيبه المعلوم وحظه المقسوم. وإنما أخبر جلّ ثناؤه في هذه الآية بما أخبر به عن الشيطان من قيله: {لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً } ليعلم الذين شاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى أنهم من نصيب الشيطان الذي لعنه الله المفروض، وأنه ممن صدق عليهم ظنه. وقد دللنا على معنى اللعنة فيما مضى، فكرهنا إعادته.]

وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَٰمِ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيًّا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا ۝١١٩ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ۝١٢٠

يعني بقوله جلّ ثناؤه مخبراً عن قيل الشيطان المَريد، الذي وصف صفته في هذه الآية: ولأضلهم ولأصدنّ النصيب المفروض الذي أتخذه من عبادك عن محجة الهدى إلى الضلال، ومن الإسلام إلى الكفر. {وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ } يقول: لأزيغنهم بما أجعل في نفوسهم من الأماني عن طاعتك وتوحيدك إلى طاعتي، والشرك بك. {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءاذَانَ ٱلأَنْعَـٰمِ } يقول: ولآمرنّ النصيب المفروض لي من عبادك بعبادة غيرك من الأوثان والأنداد، حتى يَنْسُكوا له، ويحّرموا، ويحللوا له، ويشرعوا غير الذي شرعته لهم فيتبعوني ويخالفونك. والبَتْك: القطع، وهو في هذا الموضع: قطع أذن البَحِيرة ليعلم أنها بحيرة. وإنما أراد بذلك الخبيث أنه يدعوهم إلى البَحيرة فيستجيبون له ويعملون بها طاعة له.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ ٱلأَنْعَـٰمِ } قال: البَتْك في البَحيرة والسائبة، كانوا يُبَتِّكون آذانها لطواغيتهم.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ ٱلأَنْعَـٰمِ } أما يبتكنّ آذان الأنعام: فيشقونها فيجعلونها بحيرة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني القاسم بن أبي بزّة، عن عكرمة: {فَلَيُبَتِّكُنَّ ءاذَانَ ٱلأَنْعَـٰمِ } قال: دين شرعه لهم إبليس كهيئة البحائر والسوائب.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ }.

اختلف أهل التأويل في معنى قوله: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } فقال بعضهم: معنى ذلك: ولآمرنهم فليغيرنّ خلق الله من البهائم باخصائهم إياها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، أنه كره الإخصاء، وقال: فيه نزلت {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ }.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الله بن داود، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس، أنه كره الإخصاء، وقال: فيه نزلت {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ }.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك، قال: هو الإخصاء، يعني قول الله: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ }.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيل، عن مطرف، قال: ثني رجل، عن ابن عباس، قال: إخصاء البهائم مُثْلَةٌ، ثم قرأ: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ }.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، قال: من تغيير خلق الله الإخصاء.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سليمان، قال: أخبرني شبل، أنه سمع شهر بن حوشب قرأ هذه الآية: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } قال: الخِصَاء، قال: فأمرت أبا التياح، فسأل الحسن عن خصاء الغنم، فقال: لا بأس به.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: ثنا عمي وهب بن نافع، عن القاسم بن أبي بزّة، قال: أمرني مجاهد أن أسأل عكرمة عن قوله: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } فسألته، فقال: هو الخصاء.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن عبد الجبار بن ورد، عن القاسم بن أبي بزة، قال: قال لي مجاهد: سهل عنها عكرمة: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } فسألته، فقال: الإخصاء. قال مجاهد: ماله لعنه الله! فوالله لقد علم أنه غير الإخصاء. ثم قال: سله! فسألته، فقال عكرمة: ألم تسمع إلى قول الله تبارك وتعالى:

{ فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ }[الروم: 30]؟ قال: لدين الله. فحدثت به مجاهداً فقال: ما له أخزاه الله!

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص، عن ليث، قال: قال عكرمة:{فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } قال: الإخصاء.

حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هارون النحوي، قال: ثنا مطر الورّاق، قال: سئل عكرمة، عن قوله: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } قال: هو الإخصاء.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيـى بن يمان، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، قال: الإخصاء.

حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، قال: سمعت أنس بن مالك يقول في قوله: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } قال: منه الخصاء.

حدثنا عمرو، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله.

حدثنا ابن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، بمثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثني أبي، عن قتادة، عن عكرمة أنه كره الإخصاء، قال: وفيه نزلت: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ }.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولآمرنهم فليغيرنّ دين الله. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } قال: دين الله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن وأبو أحمد، قالا: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن إبراهيم: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } قال: دين الله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيـى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، قال: ثني قيس بن مسلم، عن إبراهيم مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن إبراهيم، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: ثنا عمي، عن القاسم بن أبي بزة، قال: أخبرت مجاهداً بقوله عكرمة في قوله: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } قال: دين الله.

حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هارون النحوي، قال: ثنا الوراق، قال: ذكرت لمجاهد قول عكرمة في قوله: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ }، فقال: كذب العبد {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } قال: دين الله.

حدثنا ابن وكيع وعمرو بن عليّ، قالا: ثنا أبو معاوية، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن مجاهد وعكرمة، قالا: دين الله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي وحفص، عن ليث، عن مجاهد، قال: دين الله، ثم قرأ:

{ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيّمُ } [الروم: 30] حدثنا محمد بن عمرو وعمرو بن عليّ، قالا: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } قال: الفطرة دين الله.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } قال: الفطرة: الدين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهداً يقول: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } قال: دين الله.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } أي دين الله، في قول الحسن وقتادة.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } قال: دين الله.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الملك، عن عثمان بن الأسود، عن القاسم ابن أبي بَزة في قوله: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } قال: دين الله.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } قال: أما خلق الله: فدين الله.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } قال: دين الله، وهو قول الله:

{ فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ }[الروم: 30] يقول: لدين الله.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } قال: دين الله، وقرأ: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ } قال: لدين الله.

حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا يحيـى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا قيس بن مسلم، عن إبراهيم: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } قال: دين الله.

حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا معاذ، قال: ثنا عمران بن حُدَير، عن عيسى بن هلال، قال: كتب كثير مولى ابن سمرة إلى الضحاك بن مزاحم يسأله عن قوله: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } فكتب: إنه دين الله.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولآمرنهم فليغيرُنّ خلق الله بالوشْم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن يونس، عن الحسن في قوله: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } قال: الوشم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن نوح، عن قيس، عن خالد بن قيس، عن الحسن: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } قال: الوشم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني هشيم، قال: أخبرنا يونس بن عبيد أو غيره، عن الحسن: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } قال: الوشم.

حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا أبو هلال الراسبيّ، قال: سأل رجل الحسن: ما تقول في امرأة قشرت وجهها؟ قال: ما لها لعنها الله! غَيَّرت خلق الله.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: لعن الله المتفلِّجات والمتنمِّصات والمستوشمات المغيِّرات خلق الله.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لعن الله الواشرات والمستوشمات والمتنمِّصات والمتفلِّجات للحسن المغيِّرات خلق الله.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله، قال: لعن الله المتنمِّصات والمتفلِّجات ـ قال شعبة: وأحسبه قال: المغيرات خلق الله.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال: معناه: ولآمرنهم فليغيرنّ خلق الله، قال: دين الله، وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه، وهي قوله:

{ فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ }[الروم: 30]. وإذا كان ذلك معناه دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه من خصاء ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمه ووَشْره، وغير ذلك من المعاصي، ودخل فيه ترك كلّ ما أمر الله به، لأن الشيطان لا شكّ أنه يدعو إلى جميع معاصي الله، وينهى عن جميع طاعته، فذلك معنى أمره نصيبه المفروض من عباد الله بتغيير ما خلق الله من دينه؛ ولا معنى لتوجيه من وجه قوله: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } إلى أنه وعد الأمر بتغيير بعض ما نهى الله عنه دون بعض، أو بعض ما أمر به دون بعض. فإذ كان الذي وجه معنى ذلك إلى الخصاء والوشم دون غيره، إنما فعل ذلك لأن معناه: كان عنده أنه عنى به تغيير الأجسام، فإنّ في قوله جلّ ثناؤه إخباراً عن قِيل الشيطان: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } ما ينبىء أن معنى ذلك غير ما ذهب إليه، لأن تَبْتيك آذان الأنعام من تغيير خلق الله، الذي هو أجسام. وقد مضى الخبر عنه أنه وعد الأمر بتغيير خلق الله من الأجسام مفسراً، فلا وجه لإعادة الخبر عنه به مجملاً، إذ كان الفصيح في كلام العرب أن يترجم عن المجمل من الكلام بالمفسر وبالخاصّ عن العامّ دون الترجمة عن المفسر بالمجمل، وبالعامّ عن الخاص، وتوجيه كتاب الله إلى الأفصح من الكلام وأولى من توجيه إلى غيره ما وجد إليه السبيل.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَـٰنَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً }.

وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن حال نصيب الشيطان المفروض من الذين شاقُّوا الله ورسوله من بعد ما تبين لهم الهدى، يقول الله: ومن يتبع الشيطان فيطيعه في معصية الله، وخلاف أمره، ويواليه فيتخذه وليًّا لنفسه ونصيراً دون الله، {فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً } يقول: فقد هلك هلاكاً، وَبخَس نفسه حظها فأوبقها بَخْساً مبيناً يبين عن عطبه وهلاكه، لأن الشيطان لا يملك له نصراً من الله إذا عاقبه على معصيته إياه في خلافه أمَره، بل يخذله عند حاجته إليه. وإنما حاله معه ما دام حيًّا ممهلاً بالعقوبة، كما وصفه الله جلّ ثناؤه بقوله: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً } يعني بذلك جلّ ثناؤه: يَعِد الشيطان المَريدُ أولياءه، الذين هم نصيبه المفروض أن يكون لهم نصيراً ممن أرادهم بسوء، وظهيراً لهم عليه، يمنعهم منه ويدافع عنهم، ويمينهم الظفر على من حاول مكروههم والفلج عليهم. ثم قال: {وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً } يقول: وما يعد الشيطان أولياءه الذين أتخذوه ولياً من دون الله إلا غروراً، يعني: إلا باطلاً. وإنما جعل عدّته إياهم جلّ ثناؤه ما وعدهم غروراً، لأنهم كانوا يحسبون أنهم في اتخاذهم إياه ولياً على حقيقته من عدَاته الكاذبة وأمانيه الباطلة، حتى إذا حصحص الحقّ وصاروا إلى الحاجة إليه، قال لهم عدوّ الله:

{ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ }[إبراهيم: 22]، وكما قال للمشركين ببدر، وقد زين لهم أعمالهم: { لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنّى جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ ٱلْفِئَتَانِ }[الأنفال: 48] وحصحص الحق، وعاين حدّ الأمر، ونزول عذاب الله بحزبه { نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنّي بَرِىء مِّنْكُمْ إِنّي أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ إِنّي أَخَافُ ٱللَّهَ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }[الأنفال: 48]، فصارت عداته عدوّ الله إياهم عند حاجتهم إليه غروراً { كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ }[النور: 39].

أُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا ۝١٢١

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ }: هؤلاء الذين اتخذوا الشيطان ولياً من دون الله، {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } يعني: مصيرهم الذي يصيرون إليه جهنم، {وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً } يقول: لا يجدون عن جهنم إذا صيرهم الله إليها يوم القيامة، معدلاً يعدلون إليه، يقال منه: حاص فلان عن هذا الأمر يَحِيص حَيْصاً وحُيُوصاً: إذا عدل عنه، ومنه خبر ابن عمر أنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية كنت فيهم، فلقينا المشركين فحِصْنا حَيْصَةً؛ وقال بعضهم: فجاضوا جيضة، والحيص والجيض متقاربا المعنى.]

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًا ۝١٢٢

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ }: والذين صّدقوا الله ورسوله، وأقّروا له بالواحدانية ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالنبوّة وعملوا الصالحات، يقول: وأدّوا فرائض الله التي فرضها عليهم. {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } يقوله: سوف ندخلهم يوم القيامة إذا صاروا إلى الله جزاء بما عملوا في الدنيا من الصالحات جنات: يعني بساتين تجري من تحتها الأنهار. {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } يقول: باقين في هذه الجنات التي وصفها أبداً دائماً. وقوله {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّا } يعني: عدة من الله لهم ذلك في الدنيا حقاً، يعني يقيناً صادقاً، لا كَعِدَة الشيطان الكاذبة التي هي غرور من وعدها من أوليائه، ولكن عِدة ممن لا يكذب ولا يكون منه الكذب ولا يخلف وعده. وإنما وصف جلّ ثناؤه وعده بالصدق والحقّ في هذه لما سبق من خبره جلّ ثناؤه، عن قول الشيطان الذي قصه في قوله، وقال:

{ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءاذَانَ ٱلأَنْعَـٰمِ }[النساء: 118-119] ثم قال جلّ ثناؤه: { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً }[النساء: 120] ولكن الله يعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنه سيدخلهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً، وعداً منه حقاً، لا كوعد الشيطان الذي وصف صفته. فوصف جلّ ثناؤه الوعدين والواعدين وأخبر بحكم أهل كل وعد منهما تنبيهاً منه جلّ ثناؤه خلقه على ما فيه مصلحتهم وخلاصهم من الهلكة والعطب، لينزجروا عن معصيته ويعملوا بطاعته، فيفوزوا بما أعدّ لهم في جنانه من ثوابه. ثم قال لهم جلّ ثناؤه: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً } يقول: ومن أصدق أيها الناس من الله قيلاً: أي لا أحد أصدق منه قيلاً، فكيف تتركون العمل بما وعدكم على العمل به ربكم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً، وتكفرون به، وتخالفون أمره، وأنتم تعلمون أن لا أحد أصدق منه قيلاً، وتعملون بما يأمركم به الشيطان، رجاء لإدراك ما يعدكم من عِداته الكاذبة وأمانيه الباطلة، وقد علمتم أن عداته غرور لا صحة لها ولا حقيقة، وتتخذونه ولياً من دون الله وتتركون أن تطيعوا الله فيما يأمركم به وينهاكم عنه، فتكونوا له أولياء؟ ومعنى القِيل والقول: واحد.

لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوٓءًا يُجْزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدْ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ۝١٢٣

اختلف أهل التأويل في الذين عُنُوا بقوله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } فقال بعضهم: عُني بقوله {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ } أهل الإسلام. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: تفاخر النصارى وأهل الإسلام، فقال هؤلاء: نحن أفضل منكم، وقال هؤلاء: نحن أفضل منكم؛ قال: فأنزل الله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ }.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: لما نزلت: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } قال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء، فنزلت هذه الآية:

{ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ }[النساء: 124].

حدثني أبو السائب وابن وكيع، قالا: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق في قوله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ }قال: احتجّ المسلمون وأهل الكتاب، فقال المسلمون: نحن أهدى منكم، وقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم، فأنزل الله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } قال: ففلج عليهم المسلمون بهذه الآية:

{ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ }[النساء: 124]... إلى آخر الآيتين.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم. وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، نبيُّنا خاتم النبيين، وكتابنا يقضى على الكتب التي كانت قبله. فأنزل الله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ }... إلى قوله:

{ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفاً }[النساء: 125] فأفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } قال: التقى ناس من اليهود والنصارى، فقالت اليهود للمسلمين: نحن خير منكم، ديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن على دين إبراهيم، ولن يدخل الجنة إلا من كان هوداً. وقالت النصارى مثل ذلك. فقال المسلمون: كتابنا بعد كتابكم، ونبينا بعد نبيكم، وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم، فنحن خير منكم، نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا. فردّ الله عليهم قولهم، فقال: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } ثم فضل الله المؤمنين عليهم، فقال:

{ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفاً } [النساء: 125].

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } تخاصم أهل الأديان، فقال أهل التوراة: كتابُنا أوّل كتاب وخيرها، ونبينا خير الأنبياء. وقال أهل الإنجيل نحواً من ذلك. وقال أهل الإسلام: لا دين إلا دين الإسلام، وكتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأُمرنا أن نعمل بكتابنا ونؤمن بكتابكم. فقضى الله بينهم، فقال: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ }. ثم خير بين أهل الأديان، ففضل أهل الفضل، فقال:

{ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ }[النساء: 125]... إلى قوله: { وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً }[النساء: 125].

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ }... إلى: {وَلاَ نَصِيراً } تحاكم أهل الأديان، فقال أهل التوراة: كتابنا خير من الكتب، أنزل قبل كتابكم، ونبيُّنا خير الأنبياء. وقال أهل الإنجيل مثل ذلك. وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام، كتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمرتم وأُمرنا أن نؤمن بكتابكم، ونعمل بكتابنا. فقضى الله بينهم فقال: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } وخير بين أهل الأديان فقال:

{ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفاً وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً }

[النساء: 125] حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يعلى بن عبيد وأبو زهير، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، قال: جلس ناس من أهل التوراة وأهل الإنجيل وأهل الإيمان، فقال هؤلاء: نحن أفضل، وقال هؤلاء: نحن أفضل. فأنزل الله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ }، ثم خصّ الله أهل الإيمان فقال:

{ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ }[النساء: 124].

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن أبي صالح، قال: جلس أهل التوراة وأهل الإنجيل وأهل الزبور وأهل الإيمان، فتفاخروا، فقال هؤلاء: نحن أفضل، وهؤلاء: نحن أفضل. فأنزل الله:

{ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً } [النساء: 124].

حدثنا يحيـى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } قال: افتخر أهل الأديان، فقالت اليهود: كتابنا خير الكتب وأكرمها على الله، ونبينا أكرم الأنبياء على الله موسى، كلمه الله قَيَلاً، وخلا به نجيًّا، وديننا خير الأديان. وقالت النصارى: عيسى بن مريم خاتم الرسل، وآتاه الله التوراة والإنجيل، ولو أدركه موسى لاتَّبَعَهُ، وديننا خير الأديان. وقالت المجوس وكفار العرب: ديننا أقدم الأديان وخيرها. وقال المسلمون: محمد نبينا خاتم النبيين، وسيد الأنبياء، والفرقان آخر ما أنزل من الكتب من عند الله، وهو أمين على كلّ كتاب، والإسلام خير الأديان. فخير الله بينهم، فقال: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ }.

وقال آخرون: بل عنى الله بقوله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ }: أهل الشرك به من عبدة الأوثان. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } قال: قريش قالت: لن نُبعث ولن نُعذَّب.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ } قال: قالت قريش: لن نُبعث ولن نُعذَّب، فأنزل الله: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ }.

حدثني يعقوب ابن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } قال: قالت العرب: لن نبعث ولن نعذَّب؛ وقالت اليهود والنصارى:

{ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ }[البقرة: 111]، أو قالوا { لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً }[البقرة: 80] شكّ أبو بشر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } قال: قريش وكعب بن الأشرف؛ {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ }.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ }[النساء: 51]... إلى آخر الآية، قال: جاء حيـى بن أخطب إلى المشركين، فقالوا له: يا حُيَـيُّ إنكم أصحاب كتب، فنحن خير أم محمد وأصحابه؟ فقال: أنتم خير منه. فذلك قوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ }[النساء: 51]... إلى قوله: { وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً }[النساء: 52]. ثم قال للمشركين: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } فقرأ حتى بلغ: { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ }[النساء: 124] رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه { فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً }[النساء: 124]. قال: ووعد الله المؤمنين أن يكفِّر عنهم سيئاتهم، ولم يَعِد أولئك، وقرأ: { وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ }[العنكبوت: 7].

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن مجاهد في قوله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } قال: قالت قريش: لن نُبعث ولن نُعذَّب.

وقال آخرون: عُني به أهل الكتاب خاصة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي أسيد، قال: سمعت الضحاك يقول: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ }... الآية، قال: نزلت في أهل الكتاب حين خالفوا النبيّ صلى الله عليه وسلم.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك، ما قال مجاهد من أنه عنى بقوله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ } مشركي قريش. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الآي قبل قوله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ } وإنما جرى ذكر أمانيّ نصيب الشيطان المفروض، وذلك في قوله:

{ وَلامَنِّيَنَّهُمْ وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءاذَانَ ٱلأَنْعَـٰمِ }[النساء: 119] وقوله: { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ }[النساء: 120] فإلحاق معنى قوله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ } بما قد جري ذكره قبل أحقّ وأولى من ادّعاء تأويل فيه، لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل، ولا أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا أجماع من أهل التأويل. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية إذن: ليس الأمر بأمانيكم يا معشر أولياء الشيطان وحزبه التي يمنيكموها وليكم عدوّا لله من إنقاذكم ممن أرادكم بسوء، ونصرتكم عليه، وإظفاركم به، ولا أماني أهل الكتاب الذين قالوا اغترارا بالله وبحلمه عنهم: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة، ولن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، فإن الله مجازي كل عامل منكم جزاء عمله، من يعمل منكم سوء، أو من غيركم يجز به، ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة.

ومما يدلّ أيضاً على صحة ما قلنا في تأويل ذلك، وأنه عُني بقوله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ } مشركو العرب كما قال مجاهد: إن الله وصف وعد الشيطان ما وعد أولياءه، وأخبر بحال وعده، ثم أتبع ذلك بصفة وعده الصادق بقوله:

{ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً }[النساء: 122] وقد ذكر جلّ ثناؤه مع وصفه وعد الشيطان أولياءه، وتمنيته إياهم الأماني بقوله: { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ }[النساء: 120] كما ذكر وعده إياهم، فالذي هو أشبه أن يتبع تمنيته إياهم من الصفة، بمثل الذي أتبع عدّته إياهم به من الصفة. وإذ كان ذلك كذلك صحّ أن قوله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ }... الآية، إنما هو خبر من الله عن أمانيّ أولياء الشيطان وما إليه صائرة أمانيهم مع سيـىء أعمالهم من سوء الجزاء، وما إليه صائرة أعمال أولياء الله من حسن الجزاء. وإنما ضمّ جلّ ثناؤه أهل الكتاب إلى المشركين في قوله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } لأن أماني الفريقين من تمنية الشيطان إياهم التي وعدهم أن يمنيهموها بقوله: { وَلاَضِلَّنَّهُمْ وَلامَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ }[النساء: 119].

القول في تأويل قوله تعالى: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ }.

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: عنى بالسوء كلّ معصية لله، وقالوا: معنى الآية: من يرتكب صغيرة أو كبيرة من مؤمن أو كافر من معاصي الله، يجازه الله بها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: أن زياد بن الربيع سأل أبيّ بن كعب عن هذه الآية: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } فقال: ما كنت أراك إلا أفقه مما أرى‍! النكبة والعود والخدش.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن هشام الدستوائي، قال: ثنا قتادة، عن الربيع بن زياد، قال: قلت لأبيّ بن كعب، قول الله تبارك وتعالى: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } والله إن كان كل ما عملنا جزينا به هلكنا! قال: والله إن كنت لأراك أفقه مما أرى! لا يصيب رجلاً خدش ولا عثرة إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، حتى اللدغة والنفحة.

حدثنا القاسم بن بشر بن معرور، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن حجاج الصوّاف، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، قال: دخلت على عائشة كي أسألها عن هذه الآية: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } قالت: ذاك ما يصيبكم في الدنيا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني خالد أنه سمع مجاهداً يقول في قوله: {مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ } قال: يجز به في الدنيا، قال: قلت: وما تبلغ المصيبات؟ قال: ما تكره.

وقال آخرون: معنى ذلك: من يعمل سوءاً من أهل الكفر يجز به. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } قال: الكافر. ثم قرأ:

{ وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ }[سبأ: 17] قال: من الكفار.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سهل، عن حميد، عن الحسن، مثله.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو همام الأهوازيّ، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، أنه كان يقول: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } و

{ وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ }[سبأ: 17] يعني بذلك: الكفار، لا يعني بذلك أهل الصلاة.

حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا مبارك، عن الحسن، في قوله: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } قال: والله ما جازى الله عبداً بالخير والشرّ إلا عذّبه، قال:

{ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى }[النجم: 31] قال: أما والله لقد كانت لهم ذنوب، ولكنه غفرها لهم، ولم يجازهم بها، إن الله لا يجازي عبده المؤمن بذنب، إذًا توبقه ذنوبه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } قال: وعد الله المؤمنين أن يكفر عنهم سيئاتهم، ولم يعد أولئك، يعني المشركين.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن الحسن: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } قال: إنما ذلك لمن أراد الله هوانه؛ فأما من أراد كرامته فإنه من أهل الجنة

{ وَعْدَ ٱلصّدْقِ ٱلَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ }[الأحقاف: 16].

حدثني يحيـى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } يعني بذلك: اليهود والنصارى والمجوس وكفار العرب، ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً.

وقال آخرون: معنى السوء في هذا الموضع: الشرك. قالوا: وتأويل قوله: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ }: من يشرك بالله يجز بشركه ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } يقول: من يشرك يجز به، وهو السوء، {وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } إلا أن يتوب قبل موته، فيتوب الله عليه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } قال: الشرك.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلات التي ذكرناها بتأويل الآية، التأويل الذي ذكرناه عن أبيّ بن كعب وعائشة، وهو أن كل من عمل سوءاً صغيراً أو كبيراً من مؤمن أو كافر، جوزي به. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية، لعموم الآية كل عامل سوء، من غير أن يخص أو يستثنى منهم أحد، فهي على عمومها إذ لم يكن في الآية دلالة على خصوصها ولا قامت حجة بذلك من خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

فإن قال قائل: وأين ذلك من قول الله:

{ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ }[النساء: 31] وكيف يجوز أن يجازي على ما قد وعد تكفيره؟ قيل: إنه لم يعد بقوله: { نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ }[النساء: 31] ترك المجازاة عليها، وإنما وَعَد التكفير بترك الفضيحة منه لأهلها في معادهم، كما فضح أهل الشرك والنفاق. فأما إذا جازاهم في الدنيا عليها بالمصائب ليكفرها عنهم بها ليوافوه ولا ذنب لهم، يستحقون المجازاة عليه، فإنما وفي لهم بما وعدهم بقوله: { نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ }[النساء: 31] وأنجز لهم ما ضمن لهم بقوله: { وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ }[النساء: 122].

وبنحو الذي قلنا في ذلك، تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الأخبار الواردة بذلك:

حدثنا أبو كريب، وسفيان بن وكيع ونصر بن عليّ وعبد الله بن أبي زياد القَطَواني، قالوا: ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن محيصن، عن محمد بن قيس بن مخرمة، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت هذه الآية: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } شقَّت على المسلمين، وبلغت منهم ما شاء الله أن تبلغ، فشكَوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:

قَاربوا وسَدِّدُوا، ففي كل ما يُصَابُ به المسلم كَفَّارَةٌ، حتّى النَّكْبَة يُنْكَبُها، أو الشوكة يُشَاكّها

حدثني عبد الله بن أبي زياد وأحمد بن منصور الرمادي، قالا: ثنا يزيد بن حيان، قالا: حدثنا عبد الملك بن الحسن الحارثي، قال: ثنا محمد بن زيد بن قنفذ، عن عائشة، عن أبي بكر، قال: لما نزلت: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } قال أبو بكر: يا رسول الله، كلّ ما نعمل نؤاخذ به؟ فقال:

يا أبا بَكْرٍ ألَيْس يُصِيبُك كَذَا وكَذَا؟ فَهُوَ كَفَّارتُهُ

حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن زياد الجصاص، عن عليّ بن زيد، عن مجاهد، قال: ثني عبد الله بن عمر، أنه سمع أبا بكر يقول: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول

مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ في الدُّنْيا

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن إسماعيل، عن أبي بكر بن أبي زهير، عن أبي بكر الصديق أنه قال: يا نبيّ الله كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

أيَّةُ آيَةٍ؟ قال: يقول الله: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } فما عملناه جزينا به؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:غَفَر اللَّهُ لكَ يا أبا بَكْر! ألَسْتَ تَمْرَضُ، ألَسْتَ تَحْزَنُ، ألَسْتَ تُصِيبُكَ الَّلأْوَاءُ؟ قال:فَهُوَ ما تُجْزَوْنَ بهِ

حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: أظنه عن أبي بكر الثقفي، عن أبي بكر قال: لما نزلت هذه الآية: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } قال أبو بكر: كيف الصلاح؟ ثم ذكر نحوه، إلا أنه زاد فيه «ألَسْتَ تُنْكَبُ؟».

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي بكر بن أبي زهير، أن أبا بكر قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: كيف الصلاح؟ فذكر نحوه.

حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أبو مالك الجنبيّ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي بكر ابن أبي زهير الثقفي، قال: قال أبو بكر: يا رسول الله، فذكر نحوه، إلا أنه قال: فكلّ سوء عملناه جزينا به؟ وقال أيضاً:

ألَسْتَ تَمْرَضُ، ألَست تنصَب، ألَسْتَ تَحْزَنُ، ألَيْسَ تُصِيبُكَ الَّلأْوَاءُ؟ قال: بلى. قال: هُوَ ما تُجْزَوْنَ بهِ

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن ابن أبي خالد، عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي، قال: لما نزلت هذه الآية: {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } قال: قال أبو بكر: يا رسول الله، وإنا لنجزى بكلّ شيء نعمله؟ قال:

يا أبا بَكْرٍ ألَسْتَ تَنْصَبُ، ألَسْتَ تَحْزَنُ، ألَسْتَ تُصِيبُكَ الَّلأْوَاءُ؟ فَهَذَا مِمَّا تُجْزَوْنَ بِهِ

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيـى بن سعيد، قال: ثنا ابن أبي خالد، قال: ثني أبو بكر بن أبي زهير الثقفي، عن أبي بكر، فذكر مثل ذلك.

حدثنا أبو السائب وسفيان بن وكيع، قالا: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، قال: قال أبو بكر: يا رسول الله، ما أشدّ هذه الآية: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ }! قال:

يا أبا بَكْرٍ إنَّ المُصِيبَةَ فِي الدُّنْيا جَزَاءُ

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا أبو عامر الخراز، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: قلت: إني لأعلم أيّ آية في كتاب الله أشد! فقال لي النبيّ صلى الله عليه وسلم:

أيّ آية؟ فقلت: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } قال: إنَّ المؤمِنَ ليُجَازَى بأَسْوَإ عَمَلِهِ في الدُّنْيا، ثم ذكر أشياء منهنّ المرض والنصب، فكان آخره أن ذكر النكبة، فقال: كُلُّ ذِي عمل يُجْزَى بِعَمَلِهِ يا عائِشَةُ، إنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ يُحاسَبُ يَوْمَ القِيامَةِ إلاَّ يُعَذَّبُ. فقلت: أليس يقول الله: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً }؟ فقالَ:ذَاكِ عِنْدَ العَرْض، إنَّهُ مِنْ نُوقِشَ الحِسابَ عُذّبَ، وقال بيده على إصبعه كأنه ينكت.

حدثني القاسم بن بشر بن معرور، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد، عن أمية، قالت: سألت عائشة عن هذه الآية:

{ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ }[البقرة: 284] و{لَيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } قالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، فقال: يا عائِشَةُ ذَاكِ مَثابَةُ اللَّهِ العَبْدَ بمَا يُصِيبُهُ مِنَ الحُمَّى والكِبَرِ، وَالبِضَاعَةِ يَضَعُها فِي كُمِّه فَيَفْقِدُها، فَيَفْزَعُ لَهَا فَيَجِدُها فِي كُمِّهِ، حتى إنَّ المُؤمِنَ لَيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كمَا يَخْرُجُ التِّبْرُ الأْحمَرُ مِنَ الكِيرِ

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو عامر الخراز، قال: ثنا ابن أبي مليكة عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني لأعلم أشدّ آية في القرآن، فقال: «ما هِيَ يا عائشة؟» قلت: هي هذه الآية يا رسول الله: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } فقال:

هُوَ ما يُصِيبُ العَبْدَ المُؤْمِنَ، حتى النَّكْبَةَ يُنْكَبُها

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن الربيع بن صبح، عن عطاء، قال: لما نزلت {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } قال أبو بكر: يا رسول الله، ما أشدّ هذه الآية! قال:

يا أبا بَكْرٍ إنَّكَ تَمْرَضُ، وَإنَّكَ تَحْزَنُ، وَإنَّكَ يُصِيبُكَ أذًى، فَذَاكَ بذَاكَ

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء بن أبي رباح، قال: لما نزلت، قال أبو بكر: جاءت قاصمة الظهر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّمَا هِيَ المُصِيباتُ فِي الدُّنْيا

القول في تأويل قوله تعالى: {وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً }.

يعني بذلك جلّ ثناؤه: {وَلاَ يَجِدْ } الذي يعمل سوءاً من معاصي الله وخلاف ما أمره به، {مِن دُونِ ٱللَّهِ } يعني: من بعد الله وسواه، {وَلِيّاً } يلي أمره، ويحمي عنه ما ينزل به من عقوبة الله، {وَلاَ نَصِيراً } يعني: ولا ناصراً ينصره مما يحلّ به من عقوبة الله وأليم نكاله.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ