انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير الطبريالآيات 12–16

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النساء

الخلاصة من تفسير الطبري · 12 مقطعًا · 3:03:07

  1. 1 الآيات 12–23في هذه الصفحة 17:44

التفسير الصوتي لسورة النساء كاملًا (12 مقطعًا)

وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ۝١٢

يعني بذلك جلّ ثناؤه: ولكم أيها الناس نصف ما ترك أزواجكم بعد وفاتهن من مال وميراث إن لم يكن لهنّ ولد يوم يحدث لهنّ الموت لا ذكر ولا أنثى. {فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ } أي فإن كان لأزواجكم يوم يحدث لهنّ الموت ولد ذكر أو أنثى، فلكم الربع مما تركن من مال وميراث، ميراثاً لكم عنهنّ، {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } يقول: ذلكم لكم ميراثاً عنهنّ مـما يبقى من تركاتهنّ وأموالهنّ من بعد قضاء ديونهنّ التي يمتن وهي عليهن، ومن بعد إنفاذ وصاياهنّ الجائزة إن كنّ أوصين بها.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ}:

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ }: ولأزواجكم أيها الناس ربع ما تركتـم بعد وفـاتكم من مال وميراث إن حدث بأحدكم حدث الوفـاة ولا ولد له ذكر ولا أنثى. {فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ } يقول: فإن حدث بأحدكم حدث الـموت وله ولد ذكر أو أنثى، واحداً كان الولد أو جماعة، {فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم } يقول: فلأزواجكم حينئذ من أموالكم وتركتكم التـي تـخـلفونها بعد وفـاتكم الثمن من بعد قضاء ديونكم التـي حدث بكم حدث الوفـاة وهي علـيكم، ومن بعد إنفـاذ وصاياكم الـجائزة التـي توصون بها. وإنـما قـيـل: {مّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } فقدّم ذكر الوصية علـى ذكر الدين، لأن معنى الكلام: إن الذي فرضت لـمن فرضت له منكم فـي هذه الآيات إنـما هو له من بعد إخراج أيّ هذين كان فـي مال الـميت منكم، من وصية أو دين. فلذلك كان سواء تقديـم ذكر الوصية قبل ذكر الدين، وتقديـم ذكر الدين قبل ذكر الوصية، لأنه لـم يرد من معنى ذلك إخراج أحد الشيئين: الدين والوصية من ماله، فـيكون ذكر الدين أولـى أن يبدأ به من ذكر الوصية.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَو ٱمْرَأَةٌ }.

يعنـي بذلك جل ثناؤه: وإن كان رجل أو امرأة يورث كلالة.

ثم اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأ ذلك عامة قراء أهل الإسلام: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً } يعنـي: وإن كان رجل يورَث متكلل النسب. فـالكلالة علـى هذا القول مصدر من قولهم: تكلله النسب تكللاً وكلالة، بـمعنى: تعطف علـيه النسب. وقرأه بعضهم: «وإنْ كان رجُلٌ يُورثُ كَلالَةً» بـمعنى: وإن كان رجل يورث من يتكلله، بـمعنى: من يتعطف علـيه بنسبه من أخ أو أخت.

واختلف أهل التأويـل فـي الكلالة، فقال بعضهم: هي ما خلا الوالد والولد. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الولـيد بن شجاع السكونـي، قال: ثنـي علـيّ بن مسهر، عن عاصم، عن الشعبـي، قال: قال أبو بكر رضي الله عنه: إنـي قد رأيت فـي الكلالة رأياً، فإن كان صوابـاً فمن الله وحده لا شريك له، وإن يكن خطأً فمنـي والشيطان، والله منه بريءٌ؛ إنّ الكلالة ما خلا الولد والوالد. فلـما استـخـلف عمر رضي الله عنه، قال: إنـي لأستـحيـي من الله تبـارك وتعالـى أن أخالف أبـا بكر فـي رأي رآه.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا عاصم الأحول، قال: ثنا الشعبـي: أن أبـا بكر رضي الله عنه، قال فـي الكلالة: أقول فـيها برأيـي، فإن كان صوابـاً فمن الله: هو ما دون الولد والوالد. قال: فلـما كان عمر رضي الله عنه، قال: إنـي لأستـحيـي من الله أن أخالف أبـا بكر.

حدثنا أبو بشر بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا سفـيان، عن عاصم الأحول، عن الشعبـي: أن أبـا بكر وعمر بن الـخطاب رضي الله عنهما قالا: الكلالة من لا ولد له ولا والد.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، عن عمران بن حدير، عن السميط، قال: كان عمر رجلاً أيسر، فخرج يوماً وهو يقول بـيده هكذا، يديرها، إلا أنه قال: أتـى علـيّ حينٌ ولست أدري ما الكلالة، ألا وإن الكلالة: ما خلا الولد والوالد.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن جابر، عن عامر، عن أبـي بكر، قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا سفـيان، عن عمرو بن دينار، عن الـحسن بن مـحمد، عن ابن عبـاس، قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن جريج يحدّث عن عمرو بن دينار، عن الـحسن بن مـحمد، عن ابن عبـاس، قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن عمرو بن دينار، عن الـحسن بن مـحمد ابن الـحنفـية، عن ابن عبـاس، قال: الكلالة: ما خلا الولد والوالد.

حدثنا ابن بشار وابن وكيع، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن سلـيـم بن عبد، عن ابن عبـاس، بـمثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن سلـيـم بن عبد السلولـي، عن ابن عبـاس، قال: الكلالة: ما خلا الولد والوالد.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَو ٱمْرَأَةٌ } قال: الكلالة: من لـم يترك ولداً ولا والداً.

حدثنـي مـحمد بن عبـيد الـمـحاربـي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبـي إسحاق، عن سلـيـم بن عبد، قال: ما رأيتهم إلا قد اتفقوا أن ما مات ولـم يدع ولداً ولا والداً أنه كلالة.

حدثنا تـميـم بن الـمنتصر، قال: ثنا إسحاق بن يوسف، عن شريك، عن أبـي إسحاق، عن سلـيـم بن عبد، قال: ما رأيتهم إلا قد أجمعوا أن الكلالة: الذي لـيس له ولد ولا والد.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن سلـيـم بن عبد، قال: الكلالة: ما خلا الولد والوالد.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيـل، عن أشعث، عن أبـي إسحاق، عن سلـيـم بن عبد، قال: أدركتهم وهم يقولون: إذا لـم يدع الرجل ولداً ولا والداً وُرِثَ كلالة.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَو ٱمْرَأَةٌ } والكلالة: الذي لا ولد له ولا والد، لا أب ولا جدّ ولا ابن ولا ابنة، فهولاء الإخوة من الأم.

حدثنـي مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، عن شعبة، عن الـحكم، قال فـي الكلالة: ما دون الولد والوالد.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الكلالة كل من لا يرثه والد ولا ولد، وكل من لا ولد له ولا والد فهو يورث كلالة من رجالهم ونسائهم.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة والزهري وأبـي إسحاق، قال: الكلالة: من لـيس له ولد ولا والد.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مـحمد بن مـحمد، عن معمر، عن الزهري وقتادة وأبـي إسحاق، مثله.

وقال آخرون: الكلالة: ما دون الولد. وهذا قول عن ابن عبـاس، وهو الـخبر الذي ذكرناه قبل من رواية طاووس عنه أنه ورث الإخوة من الأم السدس مع الأبوين.

وقال آخرون: الكلالة: ما خلا الوالد. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا سهل بن يوسف، عن شعبة، قال: سألت الـحكم عن الكلالة؟ قال: فهو ما دون الأب.

واختلف أهل العربـية فـي الناصب للكلالة؛ فقال بعض البصريـين: إن شئت نصبت كلالة علـى خبر كان، وجعلت «يورث» من صفة الرجل، وإن شئت جعلت «كان» تستغنـي عن الـخبر نـحو: وقع، وجعلت نصب كلالة علـى الـحال: أي يورث كلالة، كما يقال: يضرب قائما. وقال بعضهم: قوله «كلالة»، خبر «كان»، لا يكون الـموروث كلالة، وإنـما الوارث الكلالة.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك عندي: أن الكلالة منصوب علـى الـخروج من قوله {يُورَثُ } وخبر «كان» «يورث». والكلالة وإن كانت منصوبة بـالـخروج من يورث، فلـيست منصوبة علـى الـحال، ولكن علـى الـمصدر من معنى الكلام، لأن معنى الكلام وإن كان رجل يورث متكلله النسب كلالة، ثم ترك ذكر متكلله اكتفـاء بدلالة قوله: «يورث» علـيه.

واختلف أهل العلـم فـي الـمسمى كلالة، فقال بعضهم: الكلالة: الـموروث، وهو الـميت نفسه، سمي بذلك إذا ورثه غير والده وولده. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ قولهم فـي الكلالة، قال: الذي لا يدع والداً ولا ولداً.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيـينة، عن سلـيـمان الأحول، عن طاووس، عن ابن عبـاس، قال: كنت آخر الناس عهداً بعمر رضي الله عنه، فسمعته يقول ما قلت، قلت: وما قلت؟ قال: الكلالة: من لا ولد له.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي ويحيـى بن آدم، عن إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن سلـيـم بن عبد، عن ابن عبـاس، قال: الكلالة: من لا ولد له ولا والد.

وقال آخرون: الكلالة: هي الورثة الذين يرثون الـميت إذا كانوا إخوة أو أخوات أو غيرهم إذا لـم يكونوا ولداً ولا والداً علـى ما قد ذكرنا من اختلافهم فـي ذلك.

وقال آخرون: بل الكلالة: الـميت والـحيّ جميعاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الكلالة: الـميت الذي لا ولد له ولا والد، والـحيّ كلهم كلالة، هذا يرث بـالكلالة، وهذا يورث بـالكلالة.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك عندي ما قاله هؤلاء، وهو أن الكلالة الذين يرثون الـميت من عدا ولده ووالده، وذلك لصحة الـخبر الذي ذكرناه عن جابر بن عبد الله أنه قال: قلت يا رسول الله، إنـما يرثنـي كلالة، فكيف بـالـميراث؟ وبـما:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد، قال: كنا مع حميد بن عبد الرحمن فـي سوق الرقـيق، قال: فقام من عندنا ثم رجع، فقال: هذا آخر ثلاثة من بنـي سعد حدثونـي هذا الـحديث، قالوا: مرض سعد بـمكة مرضاً شديداً، قال: فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده، فقال: يا رسول الله لـي مال كثـير، ولـيس لـي وارث إلا كلالة، فأوصي بـمالـي كله؟ فقال: «لا».

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا إسحاق بن سويد، عن العلاء بن زياد، قال: جاء شيخ إلـى عمر رضي الله عنه، فقال: إنـي شيخ ولـيس لـي وارث إلا كلالةُ أعرابٍ متراخٍ نَسَبهم، أفأوصي بثلث مالـي؟ قال: لا.

فقد أنبأت هذه الأخبـار عن صحة ما قلنا فـي معنى الكلالة وأنها ورثة الـميت دون الـميت مـمن عدا والده وولده.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِى ٱلثُّلُثِ }.

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } وللرجل الذي يورث كلالة أخ أو أخت يعنـي أخاً أو أختاً من أمه. كما:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن يعلـى بن عطاء، عن القاسم، عن سعد، أنه كان يقرأ: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَو ٱمْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } قال سعد: لأمه.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن يعلـى بن عطاء، قال: سمعت القاسم بن ربـيعة يقول: قرأت علـى سعد: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَو ٱمْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } قال سعد: لأمه.

حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن القاسم بن ربيعة بن قانف، قال: قرأت على سعد، فذكر نحوه.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: أخبرنا هشيـم، قال: أخبرنا يعلـى بن عطاء، عن القاسم بن ربـيعة، قال: سمعت سعد بن أبـي وقاص قرأ: «وإن كان رجل يورث كلالة وله أخ أو أخت» من أمه.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } فهؤلاء الإخوة من الأم إن كان واحداً فله السدس، وإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء فـي الثلث، ذكرهم وأنثاهم فـيه سواء.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَو ٱمْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } فهؤلاء الإخوة من الأم، فهم شركاء فـي الثلث، سواء الذكر والأنثى.

وقوله: {فَلِكُلّ وٰحِدٍ مّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ } إذا انفرد الأخ وحده أو الأخت وحدها، ولـم يكن أخ غيره أو غيرها من أمه فله السدس من ميراث أخيه لأمه، فإن اجتـمع أخ وأخت أو أخوان لا ثالث معهما لأمهما، أو أختان كذلك، أو أخ وأخت لـيس معهما غيرهما من أمهما، فلكلّ واحد منهما من ميراث أخيهما لأمهما السدس. {وَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ } يعنـي: فإن كان الإخوة والأخوات لأمّ الـميت الـموروث كلالة أكثر من اثنـين، {فَهُمْ شُرَكَاء فِى ٱلثُّلُثِ } يقول: فـالثلث الذي فرضت لاثنـيهم إذا لـم يكن غيرهما من أمهما ميراثاً لهما من أخيهما الـميت الـموروث كلالة شركة بـينهم إذا كانوا أكثر من اثنـين إلـى ما بلغ عددهم علـى عدد رؤوسهم، لا يفضل ذكر منهم علـى أنثى فـي ذلك، ولكنه بـينهم بـالسوية.

فإن قال قائل: وكيف قـيـل وله أخ أو أخت، ولـم يقل لهما أخ أو أخت، وقد ذكر قبل ذلك «رجل أو امرأة»، فقـيـل: وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة؟ قـيـل: إن من شأن العرب إذا قدمت ذكر اسمين قبل الـخبر فعطفت أحدهما علـى الآخر بأو ثم أتت بـالـخبر أضافت الـخبر إلـيهما أحياناً وأحياناً إلـى أحدهما، وإذا أضافت إلـى أحدهما، كان سواء عندها إضافة ذلك إلـى أيّ الأسمين اللذين ذكرتهما إضافته، فتقول: من كان عنده غلام أو جارية فلـيحسنْ إلـيه، يعنـي: فلـيحسن إلـى الغلام، وفلـيحسن إلـيها، يعنـي: فلـيحسن إلـى الـجارية، وفلـيحسن إلـيهما. وأما قوله: {فَلِكُلِّ وٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ } وقد تقدم ذكر الأخ والأخت بعطف أحدهما علـى الآخر، والدلالة علـى أن الـمراد بـمعنى الكلام أحدهما فـي قوله: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } فإن ذلك إنـما جاز لأن معنى الكلام: فلكل واحد من الـمذكورين السدس.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارّ وَصِيَّةً مّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ }.

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا }: أي هذا الذي فرضت لأخي الـميت الـموروث كلالة وأخته أو إخوته وأخواته من ميراثه وتركته، إنـما هو لهم من بعد قضاء دين الـميت الذي كان علـيه يوم حدث به حدث الـموت من تركته، وبعد إنفـاذ وصاياه الـجائزة التـي يوصي بها فـي حياته لـمن أوصى له بها بعد وفـاته. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } والدين أحقّ ما بدىء به من جميع الـمال، فـيؤدى عن أمانة الـميت، ثم الوصية، ثم يقسم أهل الـميراث ميراثهم.

وأما قوله: {غَيْرَ مُضَارٍّ } فإنه يعنـي تعالـى ذكره: من بعد وصية يوصي بها غير مضارّ ورثته فـي ميراثهم عنه. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {غَيْرَ مُضَارٍّ } قال: فـي ميراث أهله.

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: {غَيْرَ مُضَارٍّ} قال: فـي ميراث أهله.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنـي يزيد، قال: ثنـي سعيد، عن قتادة، قوله: {غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مّنَ ٱللَّهِ } إن الله تبـارك وتعالـى كره الضرار فـي الـحياة وعند الـموت ونهى عنه وقدم فـيه، فلا تصلـح مضارّة فـي حياة ولا موت.

حدثنـي نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: ثنا عبـيدة بن حميد، وثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية جميعاً، عن داود بن أبـي هند، عن عكرمة، عن ابن عبـاس فـي هذه الآية: {غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ } قال: الضرار فـي الوصية من الكبـائر.

حدثنا ابن أبـي الشوارب، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عبـاس قال: الضرار فـي الوصية من الكبـائر.

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن الـمفضل، قال: ثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عبـاس مثله.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: الـحيف فـي الوصية من الكبـائر.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي عديّ وعبد الأعلـى، قالا: ثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: الضرار والـحيف فـي الوصية من الكبـائر.

حدثنـي موسى بن سهل الرملـي، قال: ثنا إسحاق بن إبراهيـم أبو النصر، قال: ثنا عمر بن الـمغيرة، قال: ثنا داود بن أبـي هند، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، قال:

الضّرَارُ فـي الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبَـائِرِ

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا أبو عمرو التـيـمي، عن أبـي الضحى، قال: دخـلت مع مسروق علـى مريض، فإذا هو يوصي، قال: فقال له مسروق: اعدل لا تضللٰ

ونصبت «غيرَ مضارّ» علـى الـخروج من قوله: {يُوصِى بِهَا }. وأما قوله: {وَصِيَّةً } فإن نصبه من قوله: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ } وسائر ما أوصى به فـي الاثنـين، ثم قال: {وَصِيَّةً مّنَ ٱللَّهِ } مصدراً من قوله: {يُوصِيكُمُ }. وقد قال بعض أهل العربـية: ذلك منصوب من قوله: {فَلِكُلِّ وٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ وَصِيَّةً مّنَ ٱللَّهِ } قال: هو مثل قولك: لك درهمان نفقة إلـى أهلك.

والذي قلناه بـالصواب أولـى، لأن الله جلّ ثناؤه افتتـح ذكر قسمة الـمواريث فـي هاتـين الآيتـين بقوله: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ } ثم ختـم ذلك بقوله: {وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ } أخبر أن جميع ذلك وصية منه به عبـاده، فنصب قوله: {وَصِيَّةً} علـى الـمصدر من قوله: {يُوصِيكُمُ } أولـى من نصبه علـى التفسير من قوله: {فَلِكُلِّ وٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ } لـما ذكرنا. ويعنـي بقوله تعالـى ذكره: {وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ }: عهداً من الله إلـيكم فـيـما يجب لكم من ميراث من مات منكم. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } يقول: ذو علـم بـمصالـح خـلقه ومضارّهم، ومن يستـحق أن يعطى من أقربـاء من مات منكم وأنسبـائه من ميراثه، ومن يحرم ذلك منهم، ومبلغ ما يستـحقّ به كلّ من استـحقّ منهم قسماً، وغير ذلك من أمور عبـاده ومصالـحهم. {حَلِيمٌ } يقول: ذو حلـم علـى خـلقه، وذو أناة فـي تركه معاجلتهم بـالعقوبة علـى ظلـم بعضهم بعضاً فـي إعطائهم الـميراث لأهل الـجلد والقوّة من ولد الـميت وأهل الغناء والبأس منهم، دون أهل الضعف والعجز من صغار ولده وإناثهم.

تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ۝١٣

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ }، فقال بعضهم: يعنـي به: تلك شروط الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } يقول: شروط الله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: تلك طاعة الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنا معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } يعنـي: طاعة الله، يعنـي: الـمواريث التـي سمَّى الله.

وقال آخرون: معنى ذلك: تلك سنة الله وأمره.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: تلك فرائض الله.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب ما نـحن مبـيِّنوه، وهو أن حدّ كلّ شيء ما فصل بـينه وبـين غيره، ولذلك قـيـل لـحدود الدار وحدود الأرضين: حدود، لفصولها بـين ما حدّ بها وبـين غيره، فكذلك قوله: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } معناه: هذه القسمة التـي قسمها لكم ربكم، والفرائض التـي فرضها لأحيائكم من موتاكم فـي هذه الآية علـى ما فرض وبُـيِّن فـي هاتـين الآيتـين حدود الله، يعنـي: فصول ما بـين طاعة الله ومعصيته فـي قسمكم مواريث موتاكم، كما قال ابن عبـاس. وإنـما ترك طاعة الله، والـمعنـيّ بذلك حدود طاعة الله اكتفـاء بـمعرفة الـمخاطبـين بذلك بـمعنى الكلام من ذكرها. والدلـيـل علـى صحة ما قلنا فـي ذلك قوله: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ }... والآية التـي بعدها: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ }.

فتأويـل الآية إذاً: هذه القسمة التـي قسم بـينكم أيها الناس علـيها ربكم مواريث موتاكم، فصول فصل بها لكم بـين طاعته ومعصيته، وحددو لكم تنتهون إلـيها فلا تتعدّوها، وفصل منكم أهل طاعته من أهل معصيته فـيـما أمركم به من قسمة مواريث موتاكم بـينكم، وفـيـما نهاكم عنه منها. ثم أخبر جلّ ثناؤه عما أعدّ لكلّ فريق منهم، فقال لفريق أهل طاعته فـي ذلك: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } فـي العمل بـما أمره به والانتهاء إلـى ما حدّه له فـي قسمة الـمواريث وغيرها، ويجتنب ما نهاه عنه فـي ذلك وغيره؛ {يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهـَٰـرُ }، فقوله: {يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ } يعنـي: بساتـين تـجري من تـحت غروسها وأشجارها الأنهار. {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } يقول: بـاقـين فـيها أبداً، لا يـموتون فـيها، ولا يفنون، ولا يخرجون منها. {وَذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } يقول: وإدخال الله إياهم الـجنان التـي وصفها علـى ما وصف من ذلك الفوز العظيـم يعنـي: الفَلَـح العظيـم.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ }... الآية، قال: فـي شأن الـمواريث التـي ذكر قبل.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } التـي حدّ لـخـلقه وفرائضه بـينهم من الـميراث والقسمة، فـانتهوا إلـيها ولا تعدوها إلـى غيرها.

وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدْخِلْهُ نَارًا خَٰلِدًا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٌ مُّهِينٌ ۝١٤

يعني بذلك جلّ ثناؤه: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } فـي العمل بما أمراه به من قسمة المواريث على ما أمراه بقسمة ذلك بينهم وغير ذلك من فرائض الله مخالفـاً أمرهما إلـى ما نهياه عنه، {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } يقول: ويتجاوز فصول طاعته التـي جعلها تعالى فاصلة بينها وبـين معصيته إلـى ما نهاه عنه من قسمة تركات موتاهم بـين ورثته، وغير ذلك من حدوده. {يُدْخِلْهُ نَاراً خَـٰلِداً فِيهَا } يقول: بـاقـياً فـيها أبداً لا يـموت ولا يخرج منها أبداً. {وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } يعنـي: وله عذاب مذلّ من عُذّب به مخز له.

وبنـحو ما قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ }... الآية فـي شأن الـمواريث التـي ذكر قبل. قال ابن جريج: ومن يعص الله ورسوله، قال: من أصاب من الذنوب ما يعذّب الله علـيه.

فإن قال قائل: أو يُخَـلّد فـي النار من عصى الله ورسوله فـي قسمة الـمواريث؟ قـيـل: نعم، إذا جمع إلـى معصيتهما فـي ذلك شكا فـي أن الله فرض علـيه ما فرض علـى عبـاده فـي هاتـين الآيتـين، أو علـم ذلك، فحاد الله ورسوله فـي أمرهما علـى ما ذكر ابن عبـاس من قول من قال حين نزل علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الله تبـارك وتعالـى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلاْنْثَيَيْنِ }... إلـى تـمام الآيتـين: أيورث من لا يركب الفرس، ولا يقاتل العدوّ، ولا يحوز الغنـيـمة نصف الـمال أو جميع الـمال؟ استنكاراً منهم قسمة الله ما قسم لصغار ولد الـميت ونسائه وإناث ولده، مـمن خالف قسمة الله ما قسم من ميراث أهل الـميراث بـينهم، علـى ما قسمه فـي كتابه، وخالف حكمه فـي ذلك وحكم رسوله، استنكاراً منه حكمهما، كما استنكره الذين ذكر أمرهم ابن عبـاس مـمن كان بـين أظهر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الـمنافقـين الذين فـيهم نزلت وفـي أشكالهم هذه الآية، فهو من أهل الـخـلود فـي النار، لأنه بـاستنكاره حكم الله فـي تلك يصير بـالله كافراً ومن ملة الإسلام خارجاً.

وَٱلَّٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا۟ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ۝١٥

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } والنساء اللاتـي يأتـين بـالزنا: أي يزنـين. {مِّن نِّسَائِكُمُ } وهن مـحصنات ذوات أزواج، أو غير ذوات أزواج. {فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ } يقول: فـاستشهدوا علـيهنّ بـما أتـين من الفـاحشة أربعة رجال من رجالكم، يعنـي: من الـمسلـمين. {فَإِن شَهِدُواْ } علـيهن، {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ } يقول: فـاحبسوهنّ فـي البـيوت، {حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ } يقول: حتـى يـمتن، {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } يعنـي: أو يجعل الله لهنّ مخرجاً وطريقاً إلـى النـجاة مـما أتـين به من الفـاحشة.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو هشام الرفـاعي مـحمد بن يزيد، قال: ثنا يحيـى بن أبـي زائدة، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نّسَائِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ } أمر بحبسهن فـي البـيوت حتـى يـمتن {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } قال: الـحدّ.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ } قال: الزنا، كان أمر بحبسهنّ حين يشهد علـيهن أربعة حتـى يـمتن؛ {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } والسبـيـل: الـحدّ.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: حدثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة عن ابن عبـاس، قوله: {وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ } إلـى: {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } فكانت الـمرأة إذا زنت حبست فـي البـيت حتـى تـموت، ثم أنزل الله تبـارك وتعالـى بعد ذلك:

{ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ }[النور: 2] فإن كانا مـحصنـين رُجما، فهذه سبـيـلهما الذي جعل الله لهما.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } فقد جعل الله لهنّ، وهو الـجلد والرجم.

حدثنـي بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } حتـى بلغ: {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } كان هذا من قبل الـحدود، فكانا يؤذيان بـالقول جميعاً، وبحبس الـمرأة. ثم جعل الله لهنّ سبـيلاً، فكان سبـيـل من أحصن جلد مائة ثم رمي بـالـحجارة، وسبـيـل من لـم يحصن جلد مائة ونفـي سنة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء بن أبـي ربـاح وعبد الله بن كثـير: الفـاحشة: الزنا، والسبـيـل: الرجم والـجلد.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نّسَائِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ } إلـى: {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } هؤلاء اللاتـي قد نكحن وأحصن، إذا زنت الـمرأة فإنها كانت تـحبس فـي البـيت ويأخذ زوجها مهرها فهو له، فذلك قوله:

{ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } [النساء: 19] { وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ } [النساء: 19] حتـى جاءت الـحدود فنسختها، فجلدت ورجمت، وكان مهرهَا ميراثاً، فكان السبـيـل هو الـجلد.

حُدثت، عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول فـي قوله: {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } قال: الـحد، نسخ الـحد هذه الآية.

حدثنا أبو هشام الرفـاعي، قال: ثنا يحيـى، عن إسرائيـل، عن خصيف، عن مـجاهد: {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } قال: جلد مائة، الفـاعل والفـاعلة.

حدثنا الرفـاعي، قال: ثنا يحيـى، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: الـجلد.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبـي، عن قتادة، عن الـحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبـادة بن الصامت: أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل علـيه الوحي نكس رأسه، ونكس أصحابه رؤوسهم؛ فلـما سُرِّيَ عنه رفع رأسه، فقال:

قَدْ جَعَلَ الله لَهُنَّ سَبِـيلاً، الثّـيِّبُ بـالثّـيِّبِ، والبِكْرُ بـالبِكْرِ؛ أما الثَّـيِّبُ فتُـجْلَدُ ثم تُرْجَمُ؛ وأما البِكْرُ فتُـجْلَدُ ثم تُنْفَـى

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن حطان بن عبد الله، عن عبـادة بن الصامت، قال: قال نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم:

خُذُوا عَنِّـي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِـيلاً؛ الثَّـيِّبُ بـالثِّـيِّبِ تُـجْلَدُ مِائَةً وَتُرْجَمُ بـالـحِجارَةِ، وَالبِكْرُ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْـيُ سَنَةٍ

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن، عن حطان بن عبد الله أخي بنـي رقاش، عن عبـادة بن الصامت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل علـيه الوحي كرب لذلك وتربّد له وجهه، فأنزل الله علـيه ذات يوم، فلقـي ذلك فلـما سُري عنه قال:

خُذُوا عَنِّـي قَد جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِـيلاً؛ الثِّـيِّبُ بـالثَّـيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ ثُمَّ رَجْمٌ بـالـحِجارَةِ، وَالبِكْرُ بـالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ ثُمَّ نَفْـيُ سَنَةٍ

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال: ابن زيد فـي قوله: {وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نّسَائِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} قال: يقول: لا تنكحوهنّ حتـى يتوفـاهنّ الـموت، ولـم يخرجهن من الإسلام. ثم نسخ هذا، وجعل السبـيـل التـي ذكر أن يجعل لهن سبـيلاً، قال: فجعل لها السبـيـل إذا زنت وهي مـحصنة رجمت وأخرجت، وجعل السبـيـل للبكر جلد مائة.

حدثنـي يحيـى بن أبـي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك فـي قوله: {حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } قال: الـجلد والرجم.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن أبـي جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الـحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبـادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

خُذُوا عَنِّـي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِـيلاً: الثَّـيِّبِ بـالثَّـيِّبِ وَالبِكْرُ بـالبِكْرِ، الثَّـيِّبُ تُـجْلَدُ وَتُرْجَمُ والبِكرُ تُـجْلَدُ وَتُنْفَـى

حدثنـي يحيـى بن إبراهيـم الـمسعودي، قال: ثنا أبـي، عن أبـيه، عن جده، عن الأعمش، عن إسماعيـل بن مسلـم البصري، عن الـحسن، عن عبـادة بن الصامت، قال: كنا جلوساً عند النبـيّ صلى الله عليه وسلم إذ احمّر وجهه، وكان يفعل ذلك إذا نزل علـيه الوحي، فأخذه كهيئة الغَشْي لـما يجد من ثِقل ذلك، فلـما أفـاق قال:

خُذُوا عَنِّـي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِـيلاً، والبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ ويُنْفَـيانِ سَنَةً، والثَّـيِّبـانِ يُجْلَدَانِ وَيُرْجَمانِ

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال بـالصحة فـي تأويـل قوله: {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } قول من قال السبـيـل التـي جعلها الله جلّ ثناؤه للثـيبـين الـمـحصنـين الرجم بـالـحجارة، وللبكرين جلد مائة، ونفـي سنة لصحة الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم ولـم يجلد؛ وإجماع الـحجة التـي لا يجوز علـيها فـيـما نقلته مـجمعة علـيه الـخطأ والسهو والكذب؛ وصحة الـخبر عنه، أنه قضى فـي البكرين بجلد مائة، ونفـي سنة، فكان فـي الذي صحّ عنه من تركه، جلد من رجم من الزناة فـي عصره دلـيـل واضح علـى (وهي) الـخبر الذي روي عن الـحسن عن حطان عن عبـادة عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: السبـيـل للثـيب الـمـحصن: الـجلد والرجم. وقد ذكر أن هذه الآية فـي قراءة عبد الله: واللاتـي يأتـين بـالفـاحشة من نسائكم، والعرب تقول: أتـيت أمراً عظيـماً، وبأمر عظيـم، وتكلـمت بكلام قبـيح، وكلاماً قبـيحاً.

وَٱلَّذَانِ يَأْتِيَٰنِهَا مِنكُمْ فَـَٔاذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ۝١٦

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ }: والرجل والـمرأة اللذان يأتـيانها، يقول: يأتـيان الفـاحشة والهاء والألف فـي قوله: {يَأْتِيَـٰنِهَا } عائدة علـى الفـاحشة التـي فـي قوله: {وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نّسَائِكُمْ } والـمعنى: واللذان يأتـيان منكم الفـاحشة فآذوهما.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيّ بقوله: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ فَـئَاذُوهُمَا } فقال بعضهم: هما البكران اللذان لـم يحصنا، وهما غير اللاتـي عنـين بـالآية قبلها. وقالوا: قوله: {وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نّسَائِكُمْ } معنـيّ به الثـيبـات الـمـحصنات بـالأزواج، وقوله: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ } يعنـي به: البكران غير الـمـحصنـين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: ذكر الـجواري والفتـيان اللذين لـم ينكحوا، فقال: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ فَـئَاذُوهُمَا }.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ } البكران فآذوهما.

وقال آخرون: بل عُنـي بقوله: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ } الرجلان الزانـيان. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو هشام الرفـاعي، قال: ثنا يحيـى، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ فَـئَاذُوهُمَا } قال: الرجلان الفـاعلان لا يكْنـي.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ }: الزانـيان.

وقال آخرون: بل عنـي بذلك الرجل والـمرأة، إلا أنه لـم يقصد به بكر دون ثـيب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو هشام الرفـاعي، قال: ثنا يحيـى، عن ابن جريج، عن عطاء: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ فَـئَاذُوهُمَا } قال: الرجل والـمرأة.

حدثنا مـحمد بن حميد، قال: ثنا يحيـى بن واضح، قال: ثنا الـحسين، عن يزيد النـحويّ، عن عكرمة والـحسن البصريّ، قالا:

{ وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ }[النساء: 15] إلـى قوله: { أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً }[النساء: 15] فذكر الرجل بعد الـمرأة ثم جمعهما جميعاً، فقال: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ فَـئَاذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء وعبد الله بن كثـير، قوله: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ } قال: هذه للرجل والـمرأة جميعاً.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بـالصواب فـي تأويـل قوله: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ } قول من قال: عنـي به البكران غير الـمـحصنـين إذا زنـيا وكان أحدهما رجلاً والآخر امرأة، لأنه لو كان مقصود بذلك قصد البـيان عن حكم الزناة من الرجال كما كان مقصوداً بقوله:

{ وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ }[النساء: 15] قصد البـيان عن حكم الزوانـي، لقـيـل: والذين يأتونها منكم فآذوهم، أو قـيـل: والذي يأتـيها منكم، كما قـيـل فـي التـي قبلها: { وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ }[النساء: 15] فأخرج ذكرهنّ علـى الـجمع، ولـم يقل: واللتان يأتـيان الفـاحشة. وكذلك تفعل العرب إذا أرادت البـيان علـى الوعيد علـى فعل أو الوعد علـيه، أخرجت أسماء أهله بذكر الـجمع أو الواحد، وذلك أن الواحد يدلّ علـى جنسه، ولا تـخرجها بذكر اثنـين، فتقول: الذين يفعلون كذا فلهم كذا، والذي يفعل كذا فله كذا، ولا تقول: اللذان يفعلان كذا فلهما كذا، إلا أن يكون فعلاً لا يكون إلا من شخصين مختلفـين كالزنا لا يكون إلا من زان وزانـية. فإذا كان ذلك كذلك، قـيـل بذكر الاثنـين، يراد بذلك الفـاعل والـمفعول به، فإما أن يذكر بذكر الاثنـين والـمراد بذلك شخصان فـي فعل قد ينفرد كلّ واحد منهما به أو فـي فعل لا يكونان فـيه مشتركين فذلك ما لا يعرف فـي كلامها. وإذا كان ذلك كذلك، فبـيِّن فساد قول من قال: عُنـي بقوله: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ } الرجلان، وصحة قول من قال: عنـي به الرجل والـمرأة وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أنهما غير اللواتـي تقدم بـيان حكمهنّ فـي قوله: {وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } لأن هذين اثنان وأولئك جماعة. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الـحبس كان للثـيبـات عقوبة حتـى يتوفـين من قبل أن يجعل لهنّ سبـيلاً، لأنه أغلظ فـي العقوبة من الأذى الذي هو تعنـيف وتوبـيخ أو سبّ وتعيـير، كما كان السبـيـل التـي جعلت لهنّ من الرجم أغلظ من السبـيـل التـي جعلت للأبكار من جلد الـمائة ونفـي السنة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { فَـئَاذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ ٱللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً}.

اختلف أهل التأويـل فـي الأذى الذي كان الله تعالـى ذكره جعله عقوبة للذين يأتـيان الفـاحشة من قبل أن يجعل لهما سبـيلاً منه، فقال بعضهم: ذلك الأذى، أذى بـالقول واللسان، كالتعيـير والتوبـيخ علـى ما أتـيا من الفـاحشة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَـئَاذُوهُمَا } قال: كانا يؤذيان بـالقول جميعاً.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { فَـئَاذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا} فكانت الـجارية والفتـى إذا زنـيا يعنفـان ويعيران حتـى يتركا ذلك.

وقال آخرون: كان ذلك الأذى، أذى اللسان، غير أنه كان سبّـاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَـئَاذُوهُمَا } يعنـي: سبّـاً.

وقال آخرون: بل كان ذلك الأذى بـاللسان والـيد. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ فَـئَاذُوهُمَا } فكان الرجل إذا زنى أوذي بـالتعيـير، وضرب بـالنعال.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله تعالـى ذكره كان أمر الـمؤمنـين بأذى الزانـيـين الـمذكورين إذا أتـيا ذلك وهما من أهل الإسلام، والأذى قد يقع بكل مكروه نال الإنسان من قول سيىء بـاللسان أو فعل، ولـيس فـي الآية بـيان أن ذلك كان أمر به الـمؤمنون يومئذ، ولا خبر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من نقل الواحد ولا نقل الـجماعة الـموجب مـجيئها قطع العذر. وأهل التأويـل فـي ذلك مختلفون، وجائز أن يكون ذلك أذى بـاللسان والـيد، وجائز أن يكون كان أذى بأيهما، ولـيس فـي العلـم بأيِّ ذلك كان من أيِّ نفع فـي دين ولا دنـيا ولا فـي الـجهل به مضرّة، إذ كان الله جلّ ثناؤه قد نسخ ذلك من مـحكمه بـما أوجب من الـحكم علـى عبـاده فـيهما وفـي اللاتـي قبلهما؛ فأما الذي أوجب من الـحكم علـيهم فـيهما فما أوجب فـي سورة النور بقوله:

{ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ }[النور: 2] وأما الذي أوجب فـي اللاتـي قبلهما، فـالرجم الذي قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيهما وأجمع أهل التأويـل جميعاً علـى أن الله تعالـى ذكره قد جعل لأهل الفـاحشة من الزناة والزوانـي سبـيلاً بـالـحدود التـي حكم بها فـيهم.

وقال جماعة من أهل التأويـل: إن الله سبحانه نسخ بقوله:

{ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ }[النور: 2] قوله: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ فَـئَاذُوهُمَا }. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ فَـئَاذُوهُمَا } قال: كل ذلك نسخته الآية التـي فـي النور بـالـحدّ الـمفروض.

حدثنا أبو هشام، قال: ثنا يحيـى، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ فَـئَاذُوهُمَا }... الآية، قال: هذا نسخته الآية فـي سورة النور بـالـحد الـمفروض.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تـميـلة، قال: ثنا الـحسين بن واقد، عن يزيد النـحوي، عن عكرمة والـحسن البصري، قالا فـي قوله: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ فَـئَاذُوهُمَا }... الآية، نسخ ذلك بآية الـجلد، فقال:

{ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ }[النور: 2].

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ فَـئَاذُوهُمَا } فأنزل الله بعد هذا:

{ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ }[النور: 2] فإن كانا مـحصنـين رجما فـي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ:

{ وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ }[النور: 2]... الآية؛ جاءت الـحدود فنسختها.

حدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول: نسخ الـحدّ هذه الآية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة:

{ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ }[النساء: 15]... الآية، قال: نسختها الـحدود، وقوله: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ } نسختها الـحدود.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ فَـئَاذُوهُمَا }... الآية، ثم نسخ هذا وجعل السبـيـل لها إذا زنت وهي مـحصنة رجمت وأخرجت، وجعل السبـيـل للذكر جلد مائة.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله:

{ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ }[النساء: 15] قال: نسختها الـحدود.

وأما قوله: {فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا } فإنه يعنـي به جلّ ثناؤه: فإن تابـا من الفـاحشة التـي أتـيا، فراجعا طاعة الله بـينهما وأصلـحا، يقول: وأصلـحا دينهما بـمراجعة التوبة من فـاحشتهما والعمل بـما يرضي الله، فأعرضوا عنهما، يقول: فـاصفحوا عنهما، وكفوا عنهما الأذى الذي كنت أمرتكم أن تؤذوهما به، عقوبة لهما علـى ما أتـيا من الفـاحشة، ولا تؤذوهما بعد توبتهما.

وأما قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً } فإنه يعنـي: أن الله لـم يزل راجعاً لعبـيده إلـى ما يحبون إذا هم راجعوا ما يحب منهم من طاعته رحيـماً بهم، يعنـي: ذا رحمة ورأفة.

الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026 23 جمادى الأولى 1448 هـ