انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير الطبريالآيات 17–19

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النساء

الخلاصة من تفسير الطبري · 12 مقطعًا · 3:03:07

  1. 1 الآيات 12–23في هذه الصفحة 17:44

التفسير الصوتي لسورة النساء كاملًا (12 مقطعًا)

إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝١٧

يعني بقوله جلّ ثناؤه: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ }: ما التوبة على الله لأحد من خلقه، إلا للذين يعملون السوء من المؤمنين بجهالة. {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } يقول: ما الله براجع لأحد من خـلقه إلـى ما يحبه من العفو عنه والصفح عن ذنوبه التـي سلفت منه، إلا للذين يأتون ما يأتونه من ذنوبهم جهالة منهم وهم بربهم مؤمنون، ثم يراجعون طاعة الله ويتوبون منه إلـى ما أمرهم الله به من الندم علـيه والاستغفـار وترك العود إلـى مثله من قبل نزول الـموت بهم. وذلك هو القريب الذي ذكره الله تعالـى ذكره، فقال: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ }.

وبنـحو ما قلنا فـي تأويـل ذلك، قال أهل التأويـل غير أنهم اختلفوا فـي معنى قوله: {بِجَهَالَةٍ } فقال بعضهم فـي ذلك بنـحو ما قلنا فـيه، وذهب إلـى أن عمله السوء هو الـجهالة التـي عناها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبـي العالـية: أنه كان يحدّث أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فهو بجهالة.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ } قال: اجتـمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأوا أن كل شيء عصي به فهو جهالة، عمداً كان أو غيره.

حدثني مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد فـي قوله: {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ } قال: كل من عصى ربه فهو جاهل، حتى ينزع عن معصيته.

حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ } قال: كل من عمل بمعصية الله فذاك منه بجهل حتى يرجع عنه.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ } ما دام يعصي الله فهو جاهل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا مـحمد بن فضيـل بن غزوان، عن أبـي النضر، عن أبـي صالـح عن ابن عبـاس: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ } قال: من عمل السوء فهو جاهل، من جهالته عمل السوء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: من عصى الله فهو جاهل، حتـى ينزع عن معصيته. قال ابن جريج: وأخبرنـي عبد الله بن كثـير، عن مـجاهد، قال: كل عامل بـمعصية فهو جاهل حين عمل بها. قال ابن جريج: وقال لـي عطاء بن أبـي ربـاح نـحوه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قول الله: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } قال: الـجهالة: كل امرىء عمل شيئاً من معاصي الله فهو جاهل أبداً حتـى ينزع عنها. وقرأ:

{ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ }[يوسف: 89] وقرأ: { وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ }[يوسف: 33] قال: من عصى الله فهو جاهل حتـى ينزع عن معصيته.

وقال آخرون: معنى قوله: {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ }: يعملون ذلك علـى عمد منهم له. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن مـجاهد: {يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ } قال: الـجهالة: العمد.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن رجل، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ } قال: الـجهالة: العمد.

وقال آخرون: معنى ذلك: إنـما التوبة علـى الله للذين يعملون السوء فـي الدنـيا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا معتـمر بن سلـيـمان، عن الـحكم بن أبـان، عن عكرمة، قوله: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ } قال: الدنـيا كلها جهالة.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية قول من قال: تأويـلها: إنـما التوبة علـى الله للذين يعملون السوء، وعملهم السوء هو الـجهالة التـي جهلوها عامدين كانوا للإثم، أو جاهلـين بـما أعدّ الله لأهلها. وذلك أنه غير موجود فـي كلام العرب، تسمية العامد للشيء الـجاهل به، إلا أن يكون معنـياً به أنه جاهل بقدر منفعته ومضرّته، فـيقال: هو به جاهل، علـى معنى جهله بـمعنى: نفعه وضرّه؛ فأما إذا كان عالـماً بقدر مبلغ نفعه وضرّه قاصداً إلـيه، فغير جائز من غير قصده إلـيه أن يقال هو به جاهل؛ لأن الـجاهل بـالشيء هو الذي لا يعلـمه ولا يعرفه عند التقدم علـيه، أو يعلـمه فـيشبه فـاعله، إذ كان خطأ ما فعله بـالـجاهل الذي يأتـي الأمر وهو به جاهل فـيخطىء موضع الإصابة منه، فـيقال: إنه لـجاهل به، وإن كان به عالـماً لإتـيانه الأمر الذي لا يأتـي مثله إلا أهل الـجهل به. وكذلك معنى قوله: {يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ } قـيـل فـيهم: يعملون السوء بجهالة وإن أتوه علـى علـم منهم بـمبلغ عقاب الله أهله، عامدين إتـيانه، مع معرفتهم بأنه علـيهم حرام، لأن فعلهم ذلك كان من الأفعال التـي لا يأتـي مثله إلا من جهل عظيـم عقاب الله علـيه أهله فـي عاجل الدنـيا وآجل الآخرة، فقـيـل لـمن أتاه وهو به عالـم: أتاه بجهالة، بـمعنى: أنه فعل فعل الـجهال به، لا أنه كان جاهلاً.

وقد زعم بعض أهل العربـية أن معناه: أنهم جهلوا كنه ما فـيه من العقاب، فلـم يعلـموه كعلـم العالـم، وإن علـموه ذنبـاً، فلذلك قـيـل: {يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ }. ولو كان الأمر علـى ما قال صاحب هذا القول لوجب أن لا تكون توبة لـمن علـم كنه ما فـيه. وذلك أنه جلّ ثناؤه قال: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } دون غيرهم. فـالواجب علـى صاحب هذا القول أن لا يكون للعالـم الذي عمل سوءاً علـى علـم منه بكنه ما فـيه ثم تاب من قريب؛ توبة، وذلك خلاف الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن كل تائب عسى الله أن يتوب علـيه، وقوله:

بـابُ الَّتْوبَةِ مَفْتُوحٌ ما لَـمْ تَطْلُـعِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها، وخلاف قول الله عزّ وجلّ: { إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَـٰلِحاً } [الفرقان: 70].

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ }.

أختلف أهل التأويـل فـي معنى القريب فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم: معنى ذلك: ثم يتوبون فـي صحتهم قبل مرضهم وقبل موتهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } والقريب قبل الـموت ما دام فـي صحته.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا مـحمد بن فضيـل، عن أبـي النضر، عن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } قال: فـي الـحياة والصحة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم يتوبون من قبل معاينة ملك الـموت. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنا معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } والقريب فـيـما بـينه وبـين أن ينظر إلـى ملك الـموت.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، قال: سمعت عمران بن حدير، قال: قال أبو مـجلز: لا يزال الرجل فـي توبة حتـى يعاين الـملائكة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي معشر، عن مـحمد بن قـيس، قال: القريب: ما لـم تنزل به آية من آيات الله تعالـى وينزل به الـموت.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } له التوبة ما بـينه وبـين أن يعاين ملك الـموت، فإذا تاب حين ينظر إلـى ملك الـموت فلـيس له ذاك.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم يتوبون من قبل الـموت. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن رجل، عن الضحاك: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } قال: كل شيء قبل الـموت فهو قريب.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا معتـمر بن سلـيـمان، عن الـحكم بن أبـان، عن عكرمة: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } قال: الدنـيا كلها قريب.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } قبل الـموت.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنـي أبـي، عن قتادة، عن أبـي قلابة، قال: ذكر لنا أن إبلـيس لـما لعن وأُنْظِرَ، قال: وعزّتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فـيه الروح! فقال تبـارك وتعالـى: وعزتـي لا أمنعه التوبة ما دام فـيه الروح.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا عمران، عن قتادة، قال: كنا عند أنس بن مالك وثَمَّ أبو قلابة، فحدّث أبو قلابة قال: إن الله تبـارك وتعالـى لـما لعن إبلـيس سأله النَّظِرَة، فقال: وعزّتك لا أخرج من قلب ابن آدم! فقال الله تبـارك وتعالـى: وعزتـي لا أمنعه التوبة ما دام فـيه الروح.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن أبـي قلابة، قال: إن الله تبـارك وتعالـى لـما لعن إبلـيس سأله النَّظِرَة، فأنظره إلـى يوم الدين، فقال: وعزتك لا أَخرج من قلب ابن آدم ما دام فـيه الروح! قال: وعزتـي لا أَحجب عنه التوبة ما دام فـيه الروح.

حدثنـي ابن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن الـحسن، قال: بلغنـي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

إنَّ إبْلِـيسَ لَـمَّا رأى آدَمَ أجْوَفَ، قالَ: وعِزَّتِكَ لا أخْرُجُ مِنْ جَوْفِهِ ما دَام فِـيهِ الرُّوح! فَقالَ اللَّهُ تَبـارَكَ وتَعالـى: وعِزَّتِـي لا أحُولُ بَـيْنَهُ وبْـينَ التَّوْبَةِ ما دَامَ فِـيهِ الرُّوحُ

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنـي أبـي، قتادة، عن العلاء بن زياد، عن أبـي أيوب بُشَيْر بن كعب، أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، قال:

إنَّ الله يَقْبَلُ تَوْبَة العَبْدِ ما لـمْ يُغَرْغِرْ

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن عبـادة بن الصامت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال؛ فذكر مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن عوف، عن الـحسن، قال: بلغنـي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

إنَّ الله تَبـارك وتَعالـى يَقْبَلْ تَوْبَة العَبْدِ ما لـمْ يُغَرْغِرْ

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: تأويـله: ثم يتوبون قبل مـماتهم فـي الـحال التـي يفهمون فـيها أمر الله تبـارك وتعالـى ونهيه، وقبل أن يغلبوا علـى أنفسهم وعقولهم، وقبل حال اشتغالهم بكرب الـحشرجة وغمّ الغرغرة، فلا يعرفوا أمر الله ونهيه، ولا يعقلوا التوبة، لأن التوبة لا تكون توبة إلا مـمن ندم علـى ما سلف منه، وعزم فـيه علـى ترك الـمعاودة، وهو يعقل الندم، ويختار ترك الـمعاودة، فأما إذا كان بكرب الـموت مشغولاً، وبغمّ الـحشرجة مغموراً، فلا إخاله إلا عن الندم علـى ذنوبه مغلوبـاً، ولذلك قال من قال: إن التوبة مقبولة ما لـم يغرغر العبد بنفسه، فإن كان الـمرء فـي تلك الـحال يعقل عقل الصحيح، ويفهم فهم العاقل الأريب، فأحدث إنابة من ذنوبه، ورجعة من شروده عن ربه إلـى طاعته كان إن شاء الله مـمن دخـل فـي وعد الله الذي وعد التائبـين إلـيه من إجرامهم من قريب بقوله: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ }.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: {فَأُوْلَـئِكَ } فهؤلاء الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب {يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } دون من لـم يتب، حتـى غلب علـى عقله وغمرته حشرجة ميتته، فقال: وهو لا يفقه ما يقول:

{ إِنِّى تُبْتُ ٱلأَنَ }[النساء: 18] خداعاً لربه ونفـاقاً فـي دينه، ومعنى قوله: {يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ }: يرزقهم إنابة إلـى طاعته، ويتقبل منهم أوبتهم إلـيه، وتوبتهم التـي أحدثوها من ذنوبهم.

وأما قوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } فإنه يعنـي: ولـم يزل الله جلّ ثناؤه علـيـماً بـالناس من عبـاده الـمنـيبـين إلـيه بـالطاعة بعد إدبـارهم عنه، الـمقبلـين إلـيه بعد التولـية، وبغير ذلك من أمور خـلقه، حكيـم فـي توبته علـى من تاب منهم من معصيته، وفـي غير ذلك من تدبـيره وتقديره، ولا يدخـل أفعاله خـلل، ولا يخـلطه خطأ ولا زلل.

وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُو۟لَٰٓئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ۝١٨

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: ولـيست التوبة للذين يعملون السيئات من أهل الإصرار علـى معاصي الله، حتـى إذا حضر أحدهم الـموت، يقول: إذا حشرج أحدهم بنفسه، وعاين ملائكة ربه قد أقبلوا إلـيه لقبض روحه قال: وقد غلب علـى نفسه، وحيـل بـينه وبـين فهمه بشغله بكرب حشرجته وغرغرته: إنـي تبت الآن، يقول فلـيس لهذا عند الله تبـارك وتعالـى توبة، لأنه قال ما قال فـي غير حال توبة. كما:

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن يعلـى بن نعمان، قال: أخبرنـي من سمع ابن عمر يقول: التوبة مبسوطة ما لـم يَسُقْ. ثم قرأ ابن عمر: {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَـٰتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْئَـٰنَ } ثم قال: وهل الـحضور إلا السَّوْق.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَـٰتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنّى تُبْتُ ٱلْئَـٰن } قال: إذا تبـين الـموت فـيه لـم يقبل الله له توبة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا مـحمد بن فضيـل، عن أبـي النضر، عن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس: {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَـٰتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنّى تُبْتُ ٱلْئَـٰنَ } فلـيس لهذا عند الله توبة.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت إبراهيـم بن ميـمون، يحدّث عن رجل من بنـي الـحارث، قال: ثنا رجل منا، عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: «مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بعَامٍ تِـيبَ عَلَـيْهِ»، حتـى ذكر شهراً، حتـى ذكر ساعة، حتـى ذكر فُواقاً، قال: فقال رجل: كيف يكون هذا والله تعالـى يقول: {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَـٰتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنّى تُبْتُ ٱلْئَـٰنَ}؟ فقال عبد الله: أنا أحدثك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن إبراهيـم بن مهاجر، عن إبراهيـم، قال: كان يقال: التوبة مبسوطة ما لـم يؤخذ بكَظَمِه.

واختلف أهل التأويـل فـيـمن عُنـي بقوله: {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَـٰتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنّى تُبْتُ ٱلْئَـٰنَ } فقال بعضهم: عُنـي به أهل النفـاق. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } قال: نزلت الأولـى فـي الـمؤمنـين، ونزلت الوسطى فـي الـمنافقـين، يعنـي: {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَـٰتِ } والأخرى فـي الكفـار، يعنـي: {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ }.

وقال آخرون: بل عنـي بذلك أهل الإسلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن سفـيان، قال: بلغنا فـي هذه الآية: {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَـٰتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْئَـٰنَ } قال: هم الـمسلـمون، ألا ترى أنه قال: {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ }؟

وقال آخرون: بل هذه الآية كانت نزلت فـي أهل الإيـمان، غير أنها نسخت. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَـٰتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْئَـٰنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } فأنزل الله تبـارك وتعالـى بعد ذلك:

{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ }[النساء: 4] فحرّم الله تعالـى الـمغفرة علـى من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلـى مشيئته، فلـم يؤيسهم من الـمغفرة.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب ما ذكره الثوري أنه بلغه أنه فـي الإسلام، وذلك أن الـمنافقـين كفـار، فلو كان معنـياً به أهل النفـاق لـم يكن لقوله: {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } معنى مفهوم، لأنهم إن كانوا هم والذين قبلهم فـي معنى واحد من أن جميعهم كفـار، فلا وجه لتفريق أحد منهم فـي الـمعنى الذي من أجله بطل أن تكون توبة واحد مقبولة. وفـي تفرقة الله جلّ ثناؤه بـين أسمائهم وصفـاتهم بأن سمى أحد الصنفـين كافراً، ووصف الصنف الآخر بأنهم أهل سيئات، ولـم يسمهم كفـاراً ما دلّ علـى افتراق معانـيهم، وفـي صحة كون ذلك كذلك صحة ما قلنا، وفساد ما خالفه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: ولا التوبة للذين يـموتون وهم كفـار فموضع «الذين» خفض، لأنه معطوف علـى قوله: {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَـٰتِ }. وقوله: {أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } يقول: هؤلاء الذين يـموتون وهم كفـار، أعتدنا لهم عذابـا ألـيـماً، لأنهم أبعدهم من التوبة كونهم علـى الكفر. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا مـحمد بن فضيـل، عن أبـي النضر، عن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس: {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } أولئك أبعد من التوبة.

واختلف أهل العربـية فـي معنى: {أَعْتَدْنَا لَهُمْ } فقال بعض البصريـين: معنى: {أَعْتَدْنَا }: أفعلنا من العتاد، قال: ومعناها: أعددنا. وقال بعض الكوفـيـين: أعددنا وأعتدنا معناهما واحد، فمعنى قوله: {أَعْتَدْنَا لَهُمْ } أعددنا لهم {عَذَاباً أَلِيماً } يقول: مؤلـماً موجعاً.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا۟ ٱلنِّسَآءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا۟ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ۝١٩

يعنـي تبـارك وتعالـى (بقوله:) {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ}: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَاء كَرْهاً } يقول: لا يحلّ لكم أن ترثوا نكاح نساء أقاربكم وآبـائكم كرهاً.

فإن قال قائل: كيف كانوا يرثونهن، وما وجه تـحريـم وراثتهن، فقد علـمت أن النساء مورّثات كما الرجال مورثون؟ قـيـل: إن ذلك لـيس من معنى وراثتهنّ إذا هنّ متن فتركن مالاً، وإنـما ذلك أنهن فـي الـجاهلـية كانت إحداهنّ إذا مات زوجها كان ابنه أو قريبه أولـى بها من غيره ومنها بنفسها، إن شاء نكحها وإن شاء عضلها فمنعها من غيره ولـم يزوِّجها حتـى تـموت، فحرّم الله تعالـى ذلك علـى عبـاده، وحظر علـيهم نكاح حلائل آبـائهم، ونهاهم عن عضلهنّ عن النكاح.

وبنـحو القول الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أسبـاط بن مـحمد، قال: ثنا أبو إسحاق، يعنـي الشيبـانـي، عن عكرمة، عن ابن عبـاس فـي قوله: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ } قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولـياؤه أحقّ بـامرأته، إن شاء بعضهم تزوّجها، وإن شاءوا زوّجوها، وإن شاءوا لـم يزوّجوها، وهم أحقّ بها من أهلها، فنزلت هذه الآية فـي ذلك.

وحدثنـي أحمد بن مـحمد الطوسي، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالـح، قال: ثنـي مـحمد بن فضيـل، عن يحيـى بن سعيد، عن مـحمد بن أبـي أمامة بن سهل بن حنـيف، عن أبـيه، قال: لـما توفـي أبو قـيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوّج امرأته، وكان ذلك لهم فـي الـجاهلـية، فأنزل الله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَاء كَرْهاً }.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيـى بن واضح، عن الـحسين بن واقد، عن يزيد النـحويّ، عن عكرمة والـحسن البصري قالا فـي قوله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ }، وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فـيعضلها حتـى تـموت أو تردّ إلـيه صداقها، فأحكم الله عن ذلك، يعنـي أن الله نهاكم عن ذلك.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن سلـيـمان التـيـمي، عن أبـي مـجلز فـي قوله: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنّسَاء كَرْهاً } قال: كانت الأنصار تفعل ذلك كان الرجل إذا مات حميـمه ورث حميـمه امرأته، فـيكون أولـى بها من ولـيّ نفسها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الـخراسانـي، عن ابن عبـاس فـي قوله: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَاء كَرْهاً }... الآية، قال: كان الرجل إذا مات أبوه أو حميـمه، فهو أحقّ بـامرأته، إن شاء أمسكها أو يحبسها حتـى تفتدي منه بصداقها أو تـموت فـيذهب بـمالها. قال ابن جريج: فأخبرنـي عطاء بن أبـي ربـاح أن أهل الـجاهلـية كانوا إذا هلك الرجل، فترك امرأة، حبسها أهله علـى الصبـيّ يكون فـيهم، فنزلت: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَاء كَرْهاً }... الآية. قال ابن جريج، وقال مـجاهد: كان الرجل إذا توفـي أبوه كان أحقّ بـامرأته، ينكحها إن شاء إذا لـم يكن ابنها، أو ينكحها إن شاء أخاه أو ابن أخيه. قال ابن جريج: وقال عكرمة: نزلت فـي كبـيشة بنت معن بن عاصم من الأوس، توفـي عنها أبو قـيس بن الأسلت، فجنـح علـيها ابنه، فجاءت النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا نبـيّ الله، لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح! فنزلت هذه الآية.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَاء كَرْهاً } قال: كان إذا توفـي الرجل كان ابنه الأكبر هو أحقّ بـامرأته ينكحها إذا شاء إذا لـم يكن ابنها، أو ينكحها من شاء أخاه أو ابن أخيه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن عمرو بن دينار مثل قول مـجاهد.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، قال: سمعت عمرو بن دينار يقول مثل ذلك.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: أما قوله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَاء كَرْهاً }، فإن الرجل فـي الـجاهلـية كان يـموت أبوه أو أخوه أو ابنه، فإذا مات وترك امرأته، فإن سبق وارث الـميت فألقـى علـيها ثوبه فهو أحقّ بها أن ينكحها بـمهر صاحبه أو ينكحها فـيأخذ مهرها، وإن سبقته فذهبت إلـى أهلها فهم أحقّ بنفسها.

حدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان البـاهلـي، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَاء كَرْهاً } كانوا بـالـمدينة إذا مات حميـم الرجل وترك امرأة، ألقـى الرجل علـيها ثوبه، فورث نكاحها، وكان أحقّ بها، وكان ذلك عندهم نكاحاً، فإن شاء أمسكها حتـى تفتدي منه، وكان هذا فـي الشرك.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَاء كَرْهاً } قال: كانت الوراثة فـي أهل يثرب بـالـمدينة ههنا، فكان الرجل يـموت فـيرث ابنه امرأة أبـيه، كما يرث أمه لا يستطيع أن يـمنع، فإن أحبّ أن يتـخذها اتـخذها كما كان أبوه يتـخذها، وإن كره فـارقها، وإن كان صغيراً حبست علـيه حتـى يكبر، فإن شاء أصابها وإن شاء فـارقها، فذلك قول الله تبـارك وتعالـى: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَاء كَرْهاً }.

حدثنا مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس فـي قوله: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَاء كَرْهاً } وذلك أن رجالاً من أهل الـمدينة كان إذا مات حميـم أحدهم، ألقـى ثوبه علـى امرأته، فورث نكاحها، فلـم ينكحها أحد غيره، وحبسها عنده حتـى تفتدي منه بفدية، فأنزل الله عزّ وجلّ: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَاء كَرْهاً }.

حدثنـي ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنا سفـيان، عن علـيّ بن بذيـمة، عن مقسم، قال: كانت الـمرأة فـي الـجاهلـية إذا مات زوجها، فجاء رجل فألقـى علـيها ثوبه كان أحقّ الناس بها، قال: فنزلت هذه الآية: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَاء كَرْهاً }.

فتأويـل الآية علـى هذا التأويل: يا أيها الذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا آباءكم وأقاربكم نكاح نسائهم كرها، فترك ذلك الآبـاء والأقارب والنكاح، ووجَّه الكلام إلـى النهي عن وراثة النساء، اكتفـاء بـمعرفة الـمخاطبـين بـمعنى الكلام، إذ كان مفهوماً معناه عندهم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يحلّ لكم أيها الناس أن ترثوا النساء تركاتهن كرهاً، قال: وإنـما قـيـل ذلك كذلك لأنهم كانوا يعضلون أياماهن وهن كارهات للعضل حتـى يـمتن فـيرثوهن أموالهن. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَاء كَرْهاً } قال: كان الرجل إذا مات وترك جارية، ألقـى علـيها حميـمه ثوبه، فمنعها من الناس، فإن كانت جميـلة تزوّجها، وإن كانت قبـيحة حبسها حتـى تـموت، فـيرثها.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري فـي قوله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَاء كَرْهاً } قال: نزلت فـي ناس من الأنصار كانوا إذا مات الرجل منهم فأملك الناس بـامرأته ولـيه، فـيـمسكها حتـى تـموت فـيرثها، فنزلت فـيهم.

قال أبو جعفر: وأولـى القولـين بتأويـل الآية، القول الذي ذكرناه عمن قال معناه: لا يحلّ لكم أن ترثوا النساء كرهاً أقاربكم، لأن الله جل ثناؤه قد بـين مواريث أهل الـمواريث، فذلك لأهله نـحو وراثتهم إياه الـموروث ذلك عنه من الرجال أو النساء. فقد علـم بذلك أنه جلّ ثناؤه لـم يحظر علـى عبـاده أن يرثوا النساء ما جعله لهم ميراثاً عنهن، وأنه إنـما حظر أن يكرهن موروثات بـمعنى حظر وراثة نكاحهن إذا كان ميتهم الذي ورثوه قد كان مالكاً علـيهن أمرهن فـي النكاح ملك الرجل منفعة ما استأجر من الدور والأرضين وسائر ما له منافع، فأبـان الله جل ثناؤه لعبـاده أن الذي يـملكه الرجل منهم من بضع زوجته، معناه غير معنى ما يـملك أحدهم من منافع سائر الـمـملوكات التـي تـجوز إجارتها، فإن الـمالك بضع زوجته إذا هو مات لـم يكن ما كان له ملكاً من زوجته بـالنكاح لورثته بعده، كما لهم من الأشياء التـي كان يـملكها بشراء أو هبة أو إجارة بعد موته بـميراثه ذلك عنه.

وأما قوله تعالـى: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ } فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي تأويـله، فقال بعضهم: تأويـله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ }: أي ولا تـحبسوا يا معشر ورثة من مات من الرجال أزواجهم عن نكاح من أردن نكاحه من الرجال كيـما يـمتن فتذهبوا ببعض ما آتـيتـموهن؛ أي فتأخذوا من أمْوَالِهِم إذا متن ما كان موتاكم الذين ورثتـموهن ساقوا إلـيهنّ من صدقاتهنّ. ومـمن قال ذلك جماعة قد ذكرنا بعضهم، منهم ابن عبـاس، والـحسن البصري، وعكرمة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تعضلوا أيها الناس نساءكم فتـحبسوهنّ ضراراً، ولا حاجة لكم إلـيهن فتضروا بهن لـيفتدين منكم بـما آتـيتـموهنّ من صدقاتهن. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } يقول: لا تقهروهن، {لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ } يعنـي الرجل تكون له الـمرأة وهو كاره لصحبتها، ولها علـيه مهر، فـيُضِرُّ بها لتفتدي.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } يقول: لا يحلّ لك أن تـحبس امرأتك ضراراً حتـى تفتدي منك. قال: أخبرنا معمر، قال: وأخبرنـي سماك بن الفضل عن ابن البـيـلـمانـي، قال: نزلت هاتان الآيتان، إحداهما فـي أمر الـجاهلـية، والأخرى فـي أمر الإسلام.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن معمر، قال: أخبرنا سماك بن الفضل، عن عبد الرحمن بن البـيـلـمانـي فـي قوله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ }، قال: نزلت هاتان الآيتان، إحداهما فـي الـجاهلـية، والأخرى فـي الإسلام، قال عبد الله لا يحلّ لكم أن ترثوا النساء فـي الـجاهلـية، ولا تعضلوهنّ فـي الإسلام.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحمانـي، قال: ثنا شريك، عن سالـم، عن سعيد: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } قال: لا تـحبسوهنّ.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ } أما تعضلوهنّ، فـيقول: تضارّوهنّ لـيفتدين منكم.

حدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } قال: العضل: أن يكره الرجل امرأته، فـيضرّ بها حتـى تفتدي منه، قال الله تبـارك وتعالـى:

{ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ }[النساء: 21].

وقال آخرون: الـمعنـيّ بـالنهي عن عضل النساء فـي هذه الآية: أولـياؤهنّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} كالعضل فـي سورة البقرة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

وقال آخرون: بل الـمنهيّ عن ذلك زوج الـمرأة بعد فراقه إياها، وقالوا: ذلك كان من فعل الـجاهلـية، فنهوا عنه فـي الإسلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان العضل فـي قريش بـمكة، ينكح الرجل الـمرأة الشريفة فلعلها لا توافقه، فـيفـارقها علـى أن لا تتزوّج إلا بإذنه، فـيأتـي بـالشهود فـيكتب ذلك علـيها ويشهد، فإذا خطبها خاطب، فإن أعطته وأرضته أذن لها، وإلا عضلها. قال: فهذا قول الله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ }... الآية.

قال أبو جعفر: قد بـينا فـيـما مضى معنى العضل وما أصله بشواهد ذلك من الأدلة.

وأولـى هذه الأقوال التـي ذكرناها بـالصحة فـي تأويـل قوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ } قول من قال: نهى الله جلّ ثناؤه زوج الـمرأة عن التضيـيق علـيها والإضرار بها، وهو لصحبتها كاره، ولفراقها مـحبّ، لتفتدي منه ببعض ما آتاها من الصداق.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصحة، لأنه لا سبـيـل لأحد إلـى عضل امرأة، إلا لأحد رجلـين: إما لزوجها بـالتضيـيق علـيها وحبسها علـى نفسه، وهو لها كاره، مضارّة منه لها بذلك، لـيأخذ منها ما آتاها بـافتدائها منه نفسها بذلك، أو لولـيها الذي إليه إنكاحها، وإذا كان لا سبيل إلى عضلها لأحد غيرهما، وكان الوليّ معلوماً أنه ليس مـمن آتاها شيئاً، فيقال: إن عضلها عن النكاح عضلها ليذهب ببعض ما آتاها، كان معلوماً أن الذي عنى الله تبـارك وتعالـى بنهيه عن عضلها، هو زوجها الذي له السبـيل إلـى عضلها ضراراً لتفتدي منه.

وإذا صحّ ذلك، وكان معلوماً أن الله تعالـى ذكره لـم يجعل لأحد السبـيـل علـى زوجته بعد فراقه إياها وبـينونتها منه، فـيكون له إلـى عضلها سبـيـل لتفتدي منه من عضله إياها، أتت بفـاحشة أم لـم تأت بها، وكان الله جلّ ثناؤه قد أبـاح للأزواج عضلهنّ إذا أتـين بفـاحشة مبـينة، حتـى يفتدين منه، كان بـيناً بذلك خطأ التأويـل الذي تأوّله ابن زيد، وتأويـل من قال: عنى بـالنهي عن العضل فـي هذه الآية: أولـياء الأيامى، وصحة ما قلنا فـيه. {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } فـي موضع نصب عطفـا علـى قوله: {أَن تَرِثُواْ ٱلنّسَاء كَرْهاً } ومعناه: لا يحلّ لكم أن ترثوا النساء كرها، ولا تعضلوهن، وكذلك هي فـيـما ذكر فـي حرف ابن مسعود، ولو قـيـل: هو فـي موضع جزم علـى وجه النهي لـم يكن خطأ.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: لا يحلّ لكم أيها الـمؤمنون أن تعضلوا نساءكم ضراراً منكم لهن، وأنتـم لصحبتهن كارهون، وهن لكم طائعات، لتذهبوا ببعض ما آتـيتـموهنّ من صدقاتهنّ، إلا أن يأتـين بفـاحشة مبـينة، فـيحلّ لكن حينئذٍ الضرار بهنّ لـيفتدين منكم.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي معنى الفـاحشة التـي ذكرها الله جلّ ثناؤه فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم: معناها: الزنا، وقال إذا زنت امرأة الرجل حلّ له عضلها والضرار بها لتفتدي منه بـما آتاها من صداقها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا أشعث، عن الـحسن فـي البكر تفجر، قال: تضرب مائة، وتُنفـى سنة، وتردّ إلـى زوجها ما أخذت منه. وتأوّل هذه الآية: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ }.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن عطاء الـخراسانـي فـي الرجل إذا أصابت امرأته فـاحشة: أخذ ما ساق إلـيها وأخرجها؛ فنسخ ذلك الـحدود.

حدثنا أحمد بن منـيع، قال: ثنا عبد الله بن الـمبـارك، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبـي قلابة قال: إذا رأى الرجل من امرأته فـاحشة، فلا بأس أن يضارّها، ويشقّ علـيها حتـى تـختلع منه.

حدثنا ابن حميد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، قال: أخبرنـي معمر، عن أيوب، عن أبـي قلابة فـي الرجل يطلع من امرأته علـى فـاحشة، فذكر نـحوه.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } وهو الزنا، فإذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي عبد الكريـم أنه سمع الـحسن البصريّ: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ } قال: الزنا. قال: وسمعت الـحسن وأبـا الشعثاء يقولان: فإن فعلت حلّ لزوجها أن يكون هو يسألها الـخـلع لتفتدي.

وقال آخرون: الفـاحشة الـمبـينة فـي هذا الـموضع: النشوز.ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } وهو البغض والنشوز، فإذا فعلت ذلك، فقد حلّ له منها الفدية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عنبسة، عن علـيّ بن بذيـمة، عن مقسم فـي قوله: «وَلاَ تَعْضُلوهُنَّ لِتَذْهَبوا بِبَعْضٍ ما آتَـيْتُـمُوهُنَّ إلاَّ أنْ يَفْحُشْنَ» فـي قراءة ابن مسعود. قال: إذا عضلت وآذتك فقد حل لك أخذ ما أخذت منك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مطرف بن طريف، عن خالد، عن الضحاك بن مزاحم: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } قال: الفـاحشة ههنا النشوز، فإذا نشزت حلّ له أن يأخذ خـلعها منها.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } قال: هو النشوز.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء بن أبـي ربـاح: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } فإن فعلن إن شئتـم أمسكتـموهنّ، وإن شئتـم أرسلتـموهن.

حدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول فـي قوله: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } قال: عدل ربنا تبـارك وتعالـى فـي القضاء فرجع إلـى النساء، فقال: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } والفـاحشة: العصيان والنشوز؛ فإذا كان ذلك من قبلها، فإن الله أمره أن يضربها، وأمره بـالهجر، فإن لـم تدع العصيان والنشوز فلا جناح علـيه بعد ذلك أن يأخذ منها الفدية.

قال أبو جعفر: وأولـى ما قـيـل فـي تأويـل قوله: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } أنه معنـيّ به كل فـاحشة من بذاءة بـاللسان علـى زوجها، وأذى له وزنا بفرجها. وذلك أن الله جلّ ثناؤه عمّ بقوله: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } كل فـاحشة مبـينة ظاهرة، فكلّ زوج امرأة أتت بفـاحشة من الفواحش التـي هي زنا أو نشوز، فله عضلها علـى ما بـين الله فـي كتابه، والتضيـيق علـيها حتـى تفتدي منه بأيّ معانـي فواحش أتت بعد أن تكون ظاهرة مبـينة بظاهر كتاب الله تبـارك وتعالـى، وصحة الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. كالذي:

حدثنـي يونس بن سلـيـمان البصريّ، قال: ثنا حاتـم بن إسماعيـل، قال: ثنا جعفر بن مـحمد، عن أبـيه، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

اتَّقوا اللّهَ فِـي النِّساءِ، فـانَّكمْ أخَذْتُـموهُنَّ بأمانَةِ اللّهِ، وَاسْتَـحْلَلْتُـمْ فُرُوجَهنَّ بِكَلِـمَةِ اللّهِ، وَإنَّ لَكمْ عَلَـيْهنَّ أن لا يُوطِئنَ فُرشَكمْ أحَداً تَكْرَهونَهُ، فإنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فـاضْرِبوهنَّ ضَرْبـاً غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلهُنَّ عَلَـيْكمْ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بـالـمَعْرُوفِ

حدثنا موسى بن عبد الرحمن الـمسروقـي، قال: ثنا زيد بن الـحبـاب، قال: ثنا موسى بن عبـيدة الربذي قال: ثنا صدقة بن يسار، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

أيُّها النَّاسُ إنَّ النِّساءَ عِنْدَكمْ عَوَانٌ، أخَذْتُـمُوهُنَّ بأمانَةِ اللّهِ، وَاسْتَـحْلَلْتُـمْ فرُوجَهُنَّ بِكَلَـمَةِ اللّهِ، وَلَكمْ عَلَـيْهنَّ حَقٌ، وَلهُنَّ عَلَـيْكُمْ حَقٌ، ومِنْ حَقِّكمْ عَلَـيْهِنَّ أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكمْ أحَدًا وَلا يَعْصِيَنَّكُمْ فِـي مَعْرُوفٍ، فإذَا فَعَلْنَ ذَلِكَ فَلَهنَّ رِزْقَهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بـالـمَعْرُوفِ

فأخبر صلى الله عليه وسلم، أن من حقّ الزوج علـى الـمرأة أن لا توطىء فراشه أحداً، وأن لا تعصيه فـي معروف وأن الذي يجب لها من الرزق والكسوة علـيه، إنما هو واجب علـيه، إذا أدّت هي إليه ما يجب علـيها من الحقّ بتركها إيطاء فراشه غيره، وتركها معصيته في معروف. ومعلوم أن معنى قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:

مِنْ حَقِّكمْ عَلَيْهِنَّ أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أحَداً إنما هو أن لا يمكنَّ أنفسهنّ من أحد سواكم. وإذا كان ما روينا فـي ذلك صحيحاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبين أن لزوج الـمرأة إذا أوطأت امرأته نفسها غيره، وأمكنت من جماعها سواه، أن له منعها من الكسوة والرزق بـالـمعروف، مثل الذي له من منعها ذلك إذا هي عصته فـي الـمعروف. وإذا كان ذلك له فمعلوم أنه غير مانع لها بـمنعه إياها ماله منعها حقاً لها واجبـاً علـيه. وإذا كان ذلك كذلك فبِّـين أنها إذا افتدت نفسها عند ذلك من زوجها فأخذ منها زوجها ما أعطته أنه لـم يأخذ ذلك عن عضل منهيّ عنه، بل هو أخذ ما أخذ منها عن عضل له مبـاح. وإذ كان ذلك كذلك كان بـيناً أنه داخـل فـي استثناء الله تبـارك وتعالـى الذي استثناه من العاضلـين بقوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ }. وإذ صحّ ذلك، فبـين فساد قول من قال: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } منسوخ بـالـحدود، لأن الـحدّ حقّ الله تعالـى علـى من أتـى بـالفـاحشة التـي هي زنا. وأما العضل لتفتدي الـمرأة من الزوج بـما آتاها أو ببعضه فحقّ لزوجها كما عضله إياها وتضيـيقه علـيها إذا هي نشزت علـيه لتفتدي منه حقّ له، ولـيس حكم أحدهما يبطل حكم الآخر.

فمعنى الآية: ولا يحلّ لكم أيها الذين آمنوا أن تعضلوا نساءكم، فتضيقوا علـيهنّ، وتـمنعوهنّ رزقهنّ وكسوتهن بـالـمعروف، لتذهبوا ببعض ما آتـيتـموهن من صَدُقاتكم، {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ } من زنا أو بذاء علـيكم، وخلاف لكم فـيـما يجب علـيهن لكم مبـينة ظاهره، فـيحلّ لكم حينئذٍ عضلهنّ، والتضيـيق علـيهنّ، لتذهبوا ببعض ما آتـيتـموهنّ من صداق، إن هنّ افتدين منكم به.

واختلفت القراء فـي قراءة قوله: «مبَـيِّنَةً» فقرأه بعضهم: «مُبَـيَّنَةٍ» بفتـح الـياء، بـمعنى أنها قد بـينت لكم وأعلنت وأظهرت. وقرأه بعضهم: «مبَـيِّنَةٍ» بكسر الـياء، بـمعنى أنها ظاهرة بـينة للناس أنها فـاحشة. وهما قراءتان مستفـيضتان فـي قراءة أمصار الإسلام، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب فـي قراءته الصواب، لأن الفـاحشة إذا أظهرها صاحبها فهي ظاهرة بـينة، وإذا ظهرت فبإظهار صاحبها إياها ظهرت، فلا تكون ظاهرة بـينة إلا وهي مبـينة ولا مبـينة إلا وهي مبـينة، فلذلك رأيت القراءة بأيهما قرأ القارىء صوابـاً.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ }.

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ }: وخالقوا أيها الرجال نساءكم، وصاحبوهنّ بـالـمعروف، يعنـي بـما أمرتـم به من الـمصاحبة، وذلك إمساكهنّ بأداء حقوقهنّ التـي فرض الله جلّ ثناؤه لهنّ علـيكم إلـيهنّ، أو تسريح منكم لهن بإحسان. كما:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ } يقول: وخالطوهنّ. كذا قال مـحمد بن الـحسين، وإنـما هو خالقوهنّ من العشرة وهي الـمصاحبة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً }.

يعنـي بذلك تعالـى ذكره: لا تعضلوا نساءكم لتذهبوا ببعض ما آتـيتـموهنّ من غير ريبة، ولا نشوز، كان منهنّ، ولكن عاشروهنّ بـالـمعروف وإن كرهتـموهن، فلعلكم أن تكرهوهنّ، فتـمسكوهنّ، فـيجعل الله لكم فـي إمساككم إياهنّ علـى كره منكم لهنّ خيراً كثـيراً من ولد يرزقكم منهنّ، أو عطفكم علـيهنّ بعد كراهتكم إياهن. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } يقال: فعسى الله أن يجعل فـي الكراهة خيراً كثـيراً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنـي أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ فـي قوله: {وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } قال: الولد.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } والـخير الكثـير: أن يعطف علـيها، فـيرزق الرجل ولدها، ويجعل الله فـي ولدها خيراً كثـيراً.

والهاء فـي قوله: {وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } علـى قول مـجاهد الذي ذكرناه كناية عن مصدر تكرهوا، كأن معنى الكلام عنده: فإن كرهتـموهنّ، فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فـيه خيراً كثـيراً. ولو كان تأويـل الكلام: فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فـي ذلك الشيء الذي تكرهونه خيراً كثـيراً، كان جائزاً صحيحاً.

الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026 23 جمادى الأولى 1448 هـ