انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير الطبريالآيات 150–159

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النساء

الخلاصة من تفسير الطبري · 12 مقطعًا · 3:03:07

  1. 1 الآيات 148–162في هذه الصفحة 14:19

التفسير الصوتي لسورة النساء كاملًا (12 مقطعًا)

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا۟ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ۝١٥٠ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ۝١٥١

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: {إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بـاللَّهِ وَرُسُلِهِ} من الـيهود والنصارى، {وَيُرِيدُون أنْ يُفَرّقُوا بـينَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ} بأن يكذّبوا رسل الله الذين أرسلهم إلـى خـلقه بوحيه، ويزعمون أنهم افتروا علـى ربهم، وذلك هو معنى إرادتهم التفريقَ بـين الله ورسله، بنـحلتهم إياهم الكذب والفرية علـى الله، وادّعائهم علـيهم الأبـاطيـل. {وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ} يعنـي أنهم يقولون: نصدّق بهذا ونكذّب بهذا، كما فعلت الـيهود من تكذيبهم عيسى ومـحمداً صلـى الله علـيهما وسلـم وتصديقهم بـموسى وسائر الأنبـياء قَبله بزعمهم، وكما فعلت النصارى من تكذيبهم مـحمداً صلى الله عليه وسلم وتصديقهم بعيسى وسائر الأنبـياء قَبله بزعمهم. {وَيُرِيدُونَ أنَ يَتَّـخِذُوا بـينَ ذَلِكَ سَبِـيلاً} يقول: ويريد الـمفرقون بـين الله ورسله، الزاعمون أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، أن يتـخذوا بـين أضعاف قولهم: نؤمن ببعض الأنبـياء ونكفر ببعض، سبـيلاً: يعنـي طريقاً إلـى الضلالة التـي أحدثوها والبدعة التـي ابتدعوها، يدعون أهل الـجهل من الناس إلـيه. فقال جلّ ثناؤه لعبـاده، منبهاً لهم علـى ضلالتهم وكفرهم: {أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا} يقول: أيها الناس هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم هم أهل الكفربـي، الـمستـحقون عذابـي والـخـلودَ فـي ناري حقًّا، فـاستـيقنوا ذلك، ولا يشككنكم فـي أمرهم انتـحالهم الكذب ودعواهم أنهم يقرّون بـما زعموا أنهم به مقرون من الكتب والرسل، فإنهم فـي دعواهم ما ادّعوا من ذلك كذَبةٌ. وذلك أن الـمؤمن بـالكتب والرسل، هو الـمصدّق بجميع ما في الكتاب الذي يزعم أنه به مُصّدق، وبما جاء به الرسول الذي يزعم أنه به مؤمن فأما من صدق ببعض ذلك وكذّب ببعض، فهو لنبوّة من كذّب ببعض ما جاء به جاحد، ومن جحد نبوّة نبـيّ فهو به مكذّب. وهؤلاء الذين جحدوا نبوّة بعض الأنبـياء وزعموا أنهم مصدّقون ببعض، مكذّبون من زعموا أنهم به مؤمنون، لتكذيبهم ببعض ما جاءهم به من عند ربهم، فهم بـالله وبرسله الذين يزعمون أنهم بهم مصدّقون، والذين يزعمون أنهم بهم مكذّبون كافرون، فهم الـجاحدون وحدانـية الله ونبوّة أنبـيائه، حقّ الـجحود الـمكذّبون بذلك حقّ التكذيب، فـاحذروا أن تغترّوا بهم وببدعتهم، فإنا قد أعتدنا لهم عذابـاً مهيناً.

وأما قوله: {وَأعْتَدْنا للكافِرِينَ عَذَابـاً مُهِيناً} فإنه يعنـي: وأعتدنا لـمن جحد بـالله ورسوله جحود هؤلاء الذين وصفت لكم أيها الناس أمرهم من أهل الكتاب ولغيرهم من سائر أجناس الكفـار عذابـاً فـي الآخرة مهيناً، يعنـي: يهين من عذّب به بخـلوده فـيه.

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويل ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بـاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أنْ يُفَرّقُوا بـينَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أنْ يَتَّـخِذُوا بـينَ ذَلكَ سَبِـيلاً أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وأعْتَدْنا للْكافِرِينَ عَذَابـاً مُهِيناً} أولئك أعداء الله الـيهود والنصارى، آمنت الـيهود بـالتوراة وموسى وكفروا بـالإنـجيـل وعيسى وآمنت النصارى بـالإنـجيـل وعيسى وكفروا بـالقرآن وبـمـحمد صلى الله عليه وسلم، فـاتـخذوا الـيهودية والنصرانـية، وهما بدعتان لـيستا من الله، وتركوا الإسلام وهو دين الله الذي بعث به رسله.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بـاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أنْ يُفَرّقُوا بـينَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ} يقولون: مـحمد لـيس برسولٍ لله وتقول الـيهود: عيسى لـيس برسولٍ لله، فقد فرّقوا بـين الله وبـين رسله. {وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} فهؤلاء يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قوله: {إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بـاللَّهِ وَرُسُلِهِ}... إلـى قوله: {بـينَ ذَلِكَ سَبِـيلاً} قال: الـيهود والنصارى: آمنت الـيهود بعزير وكفرت بعيسى، وآمنت النصارى بعيسى وكفرت بعُزَير، وكانوا يؤمنون بـالنبـيّ ويكفرون بـالآخر. وَيُرِيدُونَ أنْ يَتَّـخِذُوا بـينَ ذَلِكَ سَبِـيلاً قال: دِيناً يدينون به الله.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمْ يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُو۟لَٰٓئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ۝١٥٢

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: والذين صدّقوا بوحدانـية الله، وأقرّوا بنبوّة رسله أجمعين، وصدّقوهم فـيـما جاءوهم به من عند الله من شرائع دينه {ولَـمْ يُفَرِّقُوا بـينَ أحَدٍ مِنْهُمْ} يقول: ولـم يكذّبوا بعضهم، ويصدّقوا بعضهم، ولكنهم أقرّوا أن كلّ ما جاءوا به من عند ربهم حقّ. أولَئِكَ يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم من الـمؤمنـين بـالله ورسله، {سَوْفَ يُؤْتِـيهِمْ} يقول: سوف يعطيهم {أُجُورَهُمْ} يعنـي: جزاءهم، وثوابهم علـى تصديقهم الرسل فـي توحيد الله وشرائع دينه وما جاءت به من عند الله. {وكانَ اللَّهُ غَفُوراً} يقول: يغفر لـمن فعل ذلك من خـلقه ما سلف له من آثامه، فـيستر علـيه بعفوه له عنه وتركه العقوبة علـيه، فإنه لـم يزل لذنوب الـمنـيبـين إلـيه من خـلقه {غَفُوراً رَحِيـماً}، يعنـي: ولـم يزل بهم رحيـماً بتفضله علـيهم بالهداية إلـى سبـيـل الـحقّ وتوفـيقه إياهم لـما فـيه خلاص رقابهم من النار.

يَسْـَٔلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَٰبًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُوا۟ مُوسَىٰٓ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓا۟ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ وَءَاتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَٰنًا مُّبِينًا ۝١٥٣

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: {يَسْئَلكَ} يا مـحمد {أهْلُ الكِتابِ} يعنـي بذلك: أهل التوراة من الـيهود، أنْ تُنَزِّلَ عَلَـيْهِمْ كِتابـاً مِنَ السَّماءِ.

واختلف أهل التأويـل فـي الكتاب الذي سأل الـيهود مـحمداً صلى الله عليه وسلم أن ينزل علـيهم من السماء، فقال بعضهم: سألوه أن ينزل علـيهم كتابـاً من السماء مكتوبـاً، كما جاء موسى بنـي إسرائيـل بـالتوراة مكتوبة من عند الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {يَسْئَلُكَ أهْلُ الكتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَـيْهِمْ كِتابـاً مِنَ السَّماءِ} قالت الـيهود: إن كنت صادقاً أنك رسول الله، فأتنا كتابـاً مكتوبـاً من السماء كما جاء به موسى.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو معشر، عن مـحمد بن كعب القرظي، قال: جاء أناس من الـيهود إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن موسى جاء بـالألواح من عند الله، فأتنا بـالألواح من عند الله حتـى نصدّقك فأنزل الله: {يَسْئَلُكَ أهْلُ الكتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَـيْهِمْ كِتابـاً مِنَ السَّماءِ}... إلـى قوله:

{ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً } [النساء: 156].

وقال آخرون: بل سألوه أن ينزّل علـيهم كتابـاً خاصة لهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يَسْئَلُكَ أهْلُ الكتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَـيْهِمْ كِتابـاً مِنَ السَّماءِ} أي كتابـاً خاصة {فَقَدْ سألُوا مُوسَى أكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً}.

وقال آخرون: بل سألوه أن ينزّل علـى رجال منهم بأعيانهم كتبـاً بـالأمر بتصديقه واتبـاعه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قوله: {يَسْئَلُكَ أهْلُ الكتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَـيْهِمْ كِتابـاً مِنَ السَّماءِ} وذلك أن الـيهود والنصارى أتوُا النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لن نتابعك علـى ما تدعونا إلـيه، حتـى تأتـينا بكتاب من عند الله إلـى فلان أنك رسول الله، وإلـى فلان بكتاب أنك رسول الله قال الله جلّ ثناؤه: {يَسْئَلُكَ أهْلُ الكتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَـيْهِمْ كِتابـاً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سألُوا مُوسَى أكْبَرَ مِنَ ذَلِكَ فقالُوا أرِنا الله جَهْرَةً}.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن أهل التوراة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل ربه أن ينزّل علـيهم كتابـاً من السماء آية، معجزة جميع الـخـلق عن أن يأتوا بـمثلها، شاهدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بـالصدق، آمرة لهم بـاتبـاعه. وجائز أن يكون الذي سألوه من ذلك كتابـاً مكتوبـاً ينزل علـيهم من السماء إلـى جماعتهم، وجائز أن يكون ذلك كتبـاً إلـى أشخاص بأعينهم. بل الذي هو أولـى بظاهر التلاوة أن تكون مسألتهم إياه ذلك كانت مسألة لـينزل الكتاب الواحد إلـى جماعتهم لذكر الله تعالـى فـي خبره عنهم الكتاب بلفظ الواحد، بقوله: {يَسْئَلُكَ أهْلُ الكتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَـيْهِمْ كِتابـاً مِنَ السَّماءِ} ولـم يقل: «كتبـاً».

وأما قوله: {فَقَدْ سألُوا مُوسَى أكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ} فإنه توبـيخ من الله جلّ ثناؤه سائلـي الكتاب الذي سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزّله علـيهم من السماء فـي مسألتهم إياه ذلك، وتقريع منه لهم. يقول لنبـيه صلى الله عليه وسلم: يا مـحمد لا يعظمنّ علـيك مسألتهم ذلك، فإنهم من جهلهم بـالله وجراءتهم علـيه واغترارهم بحلـمه، لو أنزلتُ علـيهم الكتاب الذي سألوك أن تنزله علـيهم، لـخالفوا أمر الله كما خالفوه بعد إحياء الله أوائلهم من صَعْقتهم، فعبدوا العجل، واتـخذوه إلهاً يعبدونه من دون خالقهم وبـارئهم الذي أراهم من قدرته وعظيـم سلطانه ما أراهم لأنهم لن يعدوا أن يكونوا كأوائلهم وأسلافلهم. ثم قصّ الله من قصتهم وقصة موسى ما قصّ، يقول الله: {فَقَدْ سألُوا مُوسَى أكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ} يعنـي: فقد سأل أسلاف هؤلاء الـيهود وأوائلهم موسى علـيه السلام أعظم مـما سألوك من تنزيـل كتاب علـيهم من السماء فقالوا له {أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً}: أي عياناً نعاينه وننظر إلـيه. وقد أتـينا علـى معنى الـجهرة بـما فـي ذلك من الرواية والشواهد علـى صحة ما قلنا فـي معناه فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وقد ذكر عن ابن عبـاس أنه كان يقول فـي ذلك بـما:

حدثنـي به الـحرث، قال: ثنا أبو عبـيد، قال: ثنا حجاج، عن هارون بن موسى، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن معاوية، عن ابن عبـاس فـي هذه الآية، قال: إنهم إذا رأوه فقد رأوه، إنـما قالوا: {جَهْرَةً أرِنا اللَّهَ} قال: هو مقدّم ومؤخَّر.

وكان ابن عبـاس يتأوّل ذلك أن سؤالهم موسى كان جهرة.

وأما قوله: {فَأخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ} فإنه يقول: فصعقوا بظلـمهم أنفسهم، وظلـمهم أنفسهم كان مسألتهم موسى أن يريهم ربهم جهرة، لأن ذلك مـما لـم يكن لهم مسألته. وقد بـيّنا معنى الصاعقة فـيـما مضى بـاختلاف الـمختلفـين فـي تأويـلها والدلـيـل علـى أولـى ما قـيـل فـيها بـالصواب.

وأما قوله: {ثُمَّ اتَّـخَذُوا العِجْلَ} فإنه يعنـي: ثم اتـخذ هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوه من رؤية ربهم جهرة، بعد ما أحياهم الله، فبعثهم من صعقتهم، العِجْلَ الذي كان السامريّ نبذ فـيه ما نبذ من القبضة التـي قبضها من أثر فرس جبريـل علـيه السلام، إلهاً يعبدونه من دون الله. وقد أتـينا علـى ذكر السبَب الذي من أجله اتـخذوا العجل وكيف كان أمرهم وأمره فـيـما مضى بـما فـيه الكفـاية.

وقوله: {مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَـيِّناتُ} يعنـي: من بعد ما جاءت هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوا البـيناتُ من الله، والدلالاتُ الواضحات بأنهم لن يروا الله عياناً جهاراً. وإنـما عنى بـالبـينات: أنها آيات تبـين عن أنهم لن يروا الله فـي أيام حياتهم فـي الدنـيا جهرة، وكانت تلك الآيات البـينات لهم علـى أن ذلك كذلك، إصعاق الله إياهم عند مسألتهم موسى أن يريهم ربه جهرة، ثم إحياءه إياهم بعد مـماتهم مع سائر الآيات التـي أراهم الله دلالة علـى ذلك. يقول الله مقبحاً إلـيهم فعلَهم ذلك وموضحاً لعبـاده جهلهم ونقصَ عقولهم وأحلامهم: ثم أقرّوا للعجل بأنه لهم إله، وهم يرونه عياناً وينظرون إلـيه جهاراً، بعد ما أراهم ربهم من الآيات البـينات ما أراهم، أنهم لا يرون ربهم جهرة وعياناً فـي حياتهم الدنـيا، فعكفوا علـى عبـادته مصدّقـين بألوهته.

وقوله: {فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ} يقول: فعفونا لعَبَدَة العجل عن عبـادتهم إياه، وللـمصدّقـين منهم بأنه إلههم، بعد الذي أراهم الله أنهم لا يرون ربهم فـي حياتهم من الآيات ما أراهم عن تصديقهم بذلك بـالتوبة التـي تابوها إلـى ربهم بقتلهم أنفسَهم وصبرهم فـي ذلك علـى أمر ربهم. {وآتَـيْنا مُوسَى سُلْطاناً مُبِـيناً} يقول: وآتـينا موسى حجة تبـين عن صدقه وحقـية نبوّته، وتلك الـحجة هي الآيات البـينات التـي آتاه الله إياها.

وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا۟ فِى ٱلسَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًا ۝١٥٤

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ} يعنـي: الـجبل، وذلك لـما أمتنعوا من العمل بـما فِـي التوراة، وقبول ما جاءهم به موسى فـيها. {بِـمِيثاقِهِمْ} يعنـي: بـما أعطوا الله الـميثاق والعهد: لنعملنّ بـما فـي التوراة. {وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُـلُوا البـابَ سُجَّداً} يعنـي: بـاب حطة، حين أُمروا أن يدخـلوا منه سجوداً، فدخـلوا يزحفون علـى أستاههم. {وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِـي السَّبْتِ} يعنـي بقوله: {لا تَعْدُوا فِـي السَّبْتِ}: لا تتـجاوزوا فـي يوم السبت ما أبـيح لكم إلـى ما لـم يبح لكم. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُـلوا البـابَ سُجَّداً} قال: كنا نـحدّث أنه بـاب من أبواب بـيت الـمقدس.

{وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِـي السَّبْتِ} أمر القوم أن لا يأكلوا الـحيتان يوم السبت ولا يعرضوا لها، وأحلّ لهم ما وراء ذلك.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أمصار الإسلام: {لا تَعْدُوا فِـي السَّبْتِ} بتـخفـيف العين من قول القائل: عدوت فـي الأمر: إذا تـجاوزت الـحقّ فـيه، أعدو عَدْواً وعُدْواناً وعَدَاءً. وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل الـمدينة: «وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُّوا» بتسكين العين وتشديد الدال والـجمع بـين ساكنـين، بـمعنى: «تعتدوا» ثم تدغم التاء فـي الدال فتصير دالاً مشددة مضمومة، كما قرأ من قرأ: أمْ مَّنْ لا يَهْدِّي بتسكين الهاء. وقوله {وأخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِـيظاً يعنـي: عهداً مؤكداً شديداً، بأنهم يعملون بـما أمرهم الله به وينتهون عما نهاهم الله عنه مـما ذكره فـي هذه الآية ومـما فـي التوراة. وقد بـينا فـيـما مضى السبب الذي من أجله كانوا أمروا بدخول البـاب سجداً، وما كان من أمرهم فـي ذلك، وخبرهم وقصتهم، وقصة السبت، وما كان اعتداؤهم فـيه، بـما أغنى عن إعادته لفـي هذا الـموضع.

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ۝١٥٥

يعنـي جلّ ثناؤه: فبنقض هؤلاء الذين وصفت صفتهم من أهل الكتاب ميثاقهم، يعنـي عهودهم التـي عاهدوا الله أن يعملوا بـما فـي التوراة. {وكُفْرِهِمْ بآياتِ اللَّهِ} يقول: وجحودهم بآيات الله، يعنـي: بأعلام الله وأدلته التـي احتـجّ بها علـيهم فـي صدق أنبـيائه ورسله، وحقـية ما جاءوهم به من عنده. {وَقَتْلِهِمُ الأنْبِـياءَ بغيرِ حَقَ} يقول: وبقتلهم الأنبـياء بعد قـيام الـحجة علـيهم بنبوّتهم بغير حقّ، يعنـي: بغير استـحقاق منهم ذلك لكبـيرة أتوها ولا خطيئة استوجبوا القتل علـيها. وقولهم: {قُلُوبُنا غُلْفٌ} يعنـي: وبقولهم: قلوبنا غلف، يعنـي يقولون: علـيها غشاوة وأغطية عما تدعونا إلـيه، فلا نَفْقَهُ ما تقول، ولا نعقله. وقد بـينا معنى الغلف، وذكرنا ما فـي ذلك من الرواية فـيـما مضى قبل. {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَـيْها بِكُفْرِهِمْ} يقول جلّ ثناؤه: كذبوا فـي قولهم قلوبنا غلف، ما هي بغلف ولا علـيها أغطية ولكن الله جلّ ثناؤه جعل علـيها طابعاً بكفرهم بـالله. وقد بـينا صفة الطبع علـى القلب فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته. {فَلا يُؤْمِنونَ إلاَّ قَلِـيلاً} يقول: فلا يؤمن هؤلاء الذين وصف الله صفتهم لطبعه علـى قلوبهم، فـيصدّقوا بـالله ورسله وما جاءتهم به من عند الله إلا إيـماناً قلـيلاً، يعنـي: تصديقاً قلـيلاً. وإنـما صار قلـيلاً لأنهم لـم يصدقوا علـى ما أمرهم الله به، ولكن صدّقوا ببعض الأنبـياء وببعض الكتب وكذّبوا ببعض، فكان تصديقهم بـما صدّقوا به قلـيلاً، لأنهم وإن صدَّقوا به من وجه، فهم به مكذّبون من وجه آخر. وذلك من وجه تكذيبهم من كذّبوا به من الأنبـياء وما جاءوا به من كتب الله ورسل الله يصدّق بعضهم بعضاً، وبذلك أمر كلّ نبـيّ أمته، وكذلك كتب الله يصدّق بعضها بعضاً ويحقق بعض بعضاً، فـالـمكذّب ببعضها مكذّب بجميعها من جهة جحوده ما صدّقه الكتاب الذي يقرّ بصحته، فلذلك صار إيـمانهم بـما آمنوا من ذلك قلـيلاً.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة فـي قوله: {فَبِـما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ} يقول: فبنقضهم ميثاقَهم لعناهم {وَقَوْلهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ}: أي لا نفقه، {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَـيْها بِكُفْرِهِمْ} ولعنهم حين فعلوا ذلك.

واختلف فـي معنى قوله: {فَبِـما نَقْضِهِمْ}... الآية، هل هو مواصل لـما قبله من الكلام، أو هو منفصل منه؟ فقال بعضهم: هو منفصل مـما قبله، ومعناه: فبنقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبـياء بغير حقّ {وَقَوْلهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَـيْها بكُفْرِهِمْ} ولعنهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَلا يُؤْمِنُونَ إلاَّ قَلِـيلاً} لـما ترك القوم أمر الله، وقتلوا رسله، وكفروا بآياته، ونقضوا الـميثاق الذي أخذ علـيهم. {طَبَعَ اللَّهُ عَلَـيْها بِكُفْرِهِمْ} ولعنهم.

وقال آخرون: بل هو مواصل لـما قبله قالوا: ومعنى الكلام: فأخذتهم الصاعقة بظلـمهم، فبنقضهم ميثاقَهم، وكفرهم بآيات الله، وبقتلهم الأنبـياء بغير حقّ وبكذا وكذا أخذتهم الصاعقة. قالوا: فتبع الكلام بعضه بعضاً، ومعناه مردود إلـى أوّله. وتفسير ظلـمهم الذي أخذتهم الصاعقة من أجله بـما فسر به تعالـى ذكره مِن نقضهم الـميثاق، وقتلهم الأنبـياء، وسائر ما بـين من أمرهم الذي ظلـموا فـيه أنفسهم.

والصواب من القول فـي ذلك أن قوله: {فَبِـما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ} وما بعده منفصل معناه من معنى ما قبله وأنّ معنى الكلام: فبـما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله، وبكذا وبكذا، لعنّاهم وغضبنا علـيهم، فترك ذكر «لعناهم» لدلالة قوله: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَـيْها بِكُفْرِهِمْ} علـى معنى ذلك، إذ كان مَن طبع علـى قلبه فقد لُعن وسُخط علـيه.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب، لأن الذين أخذتهم الصاعقة إنـما كانوا علـى عهد موسى والذين قتلوا الأنبـياء والذين رَمَوْا مريـم بـالبهتان العظيـم، وقالوا: قتلنا الـمسيحَ، كانوا بعد موسى بدهر طويـل، ولـم يدرك الذين رَمَوْا مريـم بـالبهتان العظيـم زمان موسى ولا مَن صُعِق من قومه. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الذين أخذتهم الصاعقة لـم تأخذهم عقوبة لِرَميهم مريـم بـالبهتان العظيـم، ولا لقولهم: إنا قتلنا الـمسيح عيسى ابن مريـم. وإذ كان ذلك كذلك، فبـين أن القوم الذين قالوا هذه الـمقالة، غير الذين عوقبوا بـالصاعقة. وإذا كان ذلك كذلك، كان بـيناً انفصال معنى قوله: {فَبِـما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ} من معنى قوله:

{ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ }[النساء: 153].

وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَٰنًا عَظِيمًا ۝١٥٦

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: وبكفر هؤلاء الذين وصف صفتهم {وَقَوْلِهمْ عَلـى مَرْيَـمَ بُهْتاناً عَظِيـماً} يعنـي: بفِريتهم علـيها، ورَمْيهم إياها بـالزنا، وهو البهتان العظيـم لأنهم رموها بذلك وهي مـما رموها به بغير ثبْت ولا برهان بريئة، فبهتوها بـالبـاطل من القول.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: {وَقَوْلِهِمْ علـى مَرْيَـمَ بُهْتاناً عَظِيـماً} يعنـي أنهم رموها بـالزنا.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط عن السديّ: قوله: {وَقَوْلِهِمْ علـى مَرْيَـمَ بُهْتاناً عَظِيـماً} حين قذفوها بـالزنا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يعلـى بن عبـيد، عن جويبر فـي قوله: {وَقَوْلِهِمْ علـى مَرْيَـمَ بُهْتاناً عَظِيـماً} قال: قالوا زنت.

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا ۝١٥٧

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: وبِقَوْلِهمْ {أنَّا قَتَلْنا الـمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَـمَ رَسُولَ اللَّهِ}. ثم كذّبهم الله فـي قِـيـلهم، فقال: {وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} يعنـي: وما قتلوا عيسى وما صلبوه، ولكن شبّه لهم.

واختلف أهل التأويـل فـي صفة التشبـيه الذي شُبِّه للـيهود فـي أمر عيسى، فقال بعضهم: لـما أحاطت الـيهود به وبأصحابه، أحاطوا بهم، وهم لا يثبتون معرفة عيسى بعينه، وذلك أنهم جميعاً حُوّلوا فـي صورة عيسى، فأشكل علـى الذين كانوا يريدون قتل عيسى، عيسى من غيره منهم، وخرج إلـيهم بعض من كان فـي البـيت مع عيسى، فقتلوه وهم يحسبونه عيسى. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القميّ، عن هارون بن عنترة، عن وهب بن منبه، قال: أتـى عيسى ومعه سبعة عشر من الـحواريـين فـي بـيت، وأحاطوا بهم، فلـما دخـلوا علـيهم صوّرهم الله كلهم علـى صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتـمونا لتبرزنّ لنا عيسى أو لنقتلَنَّكم جميعاً فقال عيسى لأصحابه: من يشتري نفسه منكم الـيوم بـالـجنة؟ فقال رجل منهم: أنا. فخرج إلـيهم فقال: أنا عيسى وقد صوّره الله علـى صورة عيسى، فأخذوه فقتلوه وصلبوه. فمن ثمَّ شُبِّه لهم وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى، ورفع الله عيسى من يومه ذلك.

وقد رُوي عن وهب بن منبه غير هذا القول، وهو ما:

حدثنـي به الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم، قال: ثنـي عبد الصمد بن مَعْقِل، أنه سمع وهبـاً يقول: إن عيسى ابن مريـم لـما أعلـمه الله أنه خارج من الدنـيا جزع من الـموت وشقّ علـيه، فدعا الـحواريـين وصنع لهم طعاماً، فقال: احضُرونـي اللـيـلة، فإن لـي إلـيكم حاجة فلـما اجتـمعوا إلـيه من اللـيـل عَشَّاهم، وقام يخدمهم، فلـما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضِّئُهُمْ بـيده ويـمسح أيديهم بثـيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال: ألا من ردّ علـيّ شيئاً اللـيـلة مـما أصنع فلـيس منـي ولا أنا منه فأقرّوه، حتـى إذا فرغ من ذلك، قال: أما ما صنعت بكم اللـيـلة مـما خدمتكم علـى الطعام وغسلت أيديكم بـيدي، فلـيكن لكم بـي أسوة، فإنكم ترون أنـي خيركم، فلا يتعظّم بعضكم علـى بعض، ولـيبذل بعضكم لبعض نفسه كما بذلت نفسي لكم. وأما حاجتـي التـي استعنتكم علـيها، فتدعون لـي الله وتـجتهدون فـي الدعاء أن يوخِّر أجلـي فلـما نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النوم حتـى لـم يستطيعوا دعاء، فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله أما تصبرون لـي لـيـلة واحدة تعينونـي فـيها؟ قالوا: والله ما ندري ما لنا، لقد كنا نسمُر فنكثر السمر، وما نطيق اللـيـلة سمراً وما نريد دعاء إلا حِيـل بـيننا وبـينه فقال: يُذْهَب بـالراعي وتتفرّق الغنـم. وجعل يأتـي بكلام نـحو هذا ينعَي به نفسه، ثم قال: الـحقّ لـيكفرنّ بـي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرّات، ولَـيبـيعِّنـي أحدكم بدراهم يسيرة، ولـيأكلنّ ثمنـي فخرجوا وتفرّقوا. وكانت الـيهود تطلبه، فأخذوا شمعون أحد الـحواريـين، فقالوا: هذا من أصحابه، فجحد، وقال: ما أنا بصاحبه، فتركوه. ثم أخذه آخرون، فجحد كذلك، ثم سمع صوت ديك، فبكى وأحزنه. فلـما أصبح أتـى أحد الـحواريـين إلـى الـيهود، فقال: ما تـجعلون لـي إن دللتكم علـى الـمسيح؟ فجعلوا له ثلاثـين درهماً، فأخذها ودلَّهم علـيه، وكان شُبّه علـيهم قبل ذلك، فأخذوه فـاستوثقوا منه وربطوه بـالـحبل، فجعلوا يقودونه ويقولون له: أنت كنت تـحيـي الـموتـى وتنتهر الشيطان وتبرىء الـمـجنون؟ أفلا تنـجى نفسك من هذا الـحبل؟ ويبصقون علـيه، ويـلقون علـيه الشوك، حتـى أتوا به الـخشبة التـي أرادوا أن يصلبوه علـيها، فرفعه الله إلـيه، وصلبوا ما شُبّه لهم، فمكث سبعاً. ثم إن أمه والـمرأة التـي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الـجنون جاءتا تبكيان حيث كان الـمصلوب، فجاءهما عيسى، فقال: علام تبكيان؟ قالتا علـيك، فقال: إنـي قد رفعنـي الله إلـيه، ولـم يصبنـي إلا خير، وإن هذا شيء شُبِّه لهم، فأْمُرا الـحواريـين أن يَـلْقَونـي إلـى مكان كذا وكذا فلقوه إلـى ذلك الـمكان أحد عشر، وفُقِد الذي كان بـاعه ودلّ علـيه الـيهود، فسأل عنه أصحابه، فقالوا: إنه ندم علـى ما صنع، فـاختنق وقتل نفسه. فقال: لو تاب لتاب الله علـيه ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له: يُحَنَّا، فقال: هو معكم فـانطلقوا فإنه سيصبح كل إنسان منكم يحدّث بلغة قوم، فلـينذرهم ولـيدعهم.

وقال آخرون: بل سأل عيسى من كان معه فـي البـيت أن يُـلْقَـى علـى بعضهم شبهه، فـانتدب لذلك رجل، فأُلقـي علـيه شبه، فَقُتل ذلك الرجل ورُفع عيسى ابن مريـم علـيه السلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّا قَتَلْنا الـمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَـمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ}... إلـى قوله: {وكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيـماً} أولئك أعداء الله الـيهود اشتهروا بقتل عيسى بن مريـم رسول الله، وزعموا أنهم قتلوه وصلبوه. وذُكر لنا أن نبـيّ الله عيسى ابن مريـم قال لأصحابه: أيكم يُقذف علـيه شبهي فإنه مقتول؟ فقال رجل من أصحابه: أنا يا نبـيّ الله. فقُتل ذلك الرجل، ومنع الله نبـيه ورفعه إلـيه.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} قال: أُلِقـي شبهه علـى رجل من الـحواريـين فقُتل، وكان عيسى ابن مريـم عَرَض ذلك علـيهم، فقال: أيكم ألِقـي شبهِي علـيه وله الـجنة؟ فقال رجل: علـيّ.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: أن بنـي إسرائيـل حَصَروا عيسى وتسعة عشر رجلاً من الـحواريـين فـي بـيت، فقال عيسى لأصحابه: من يأخذ صورتـي فـيُقتل وله الـجنة؟ فأخذها رجل منهم. وصُعِد بعيسى إلـى السماء، فلـما خرج الـحواريون أبصروهم تسعة عشر، فأخبروهم أن عيسى علـيه السلام قد صُعد به إلـى السماء، فجعلوا يعدّون القوم فـيجدونهم ينقصون رجلاً من العِدّة، ويرون صورة عيسى فـيهم، فشكُّوا فـيه. وعلـى ذلك قتلوا الرجل وهم يرون أنه عيسى وصلبوه، فذلك قول الله تبـارك وتعالـى: {وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ}... إلـى قوله: {وكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيـماً}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن القاسم بن أبـي بزّة: أن عيسى ابن مريـم قال: أيكم يُـلقـي علـيه شبهِي فـيُقتل مكانـي؟ فقال رجل من أصحابه: أنا يا رسول الله. فأُلقـي علـيه شبهه، فقتلوه، فذلك قوله: {وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: كان اسم ملك بنـي إسرائيـل الذي بعث إلـى عيسى لـيقتله، رجلاً منهم يقال له: داود، فلـما أجمعوا لذلك منه لـم يَفْظَع عبدٌ من عبـاد الله بـالـموت فـيـما ذكر لـي فَظَعُه، ولـم يجزع منه جزعه، ولـم يدع الله فـي صرفه عنه دعاءه حتـى إنه لـيقول فـيـما يزعمون: اللهمّ إن كنت صارفـاً هذه الكأس عن أحد من خـلقك، فـاصرفها عنـي وحتـى إن جلده من كرب ذلك لـيتفصد دَماً. فدخـل الـمدخـل الذي أجمعوا أن يدخـل علـيه فـيه لـيقتلوه هو وأصحابه، وهم ثلاثة عشر بعيسى، فلـما أيقن أنهم داخـلون علـيه، قال لأصحابه من الـحواريـين وكانوا اثنى عشر رجلاً: بُطْرُس، ويَعْقُوب بن زَبْدِي، ويُحَنَّس أخو يعقوب، وَأنْدَرَاوُس، وفِـيـلِبُّس، وأَبْرَثَلْـمَا، وَمَّتـى، وتُوماس، ويعقوب بن حَلْقـيا، وتُدَّاوس، وفتاتـيا، ويُودُسُ زَكَرِيا يُوطا. قال ابن حميد: قال سلـمة: قال ابن إسحاق: وكان فـيهم فـيـما ذكر لـي رجل اسمه سرجس، فكانوا ثلاثة عشر رجلاً سوى عيسى جحدته النصارى، وذلك أنه هو الذي شبه للـيهود مكان عيسى. قال: فلا أدري ما هو من هؤلاء الاثنـي عشر، أم كان ثالث عشر، فجحدوه حين أقرّوا للـيهود بصلب عيسى وكفروا بـما جاء به مـحمد صلى الله عليه وسلم من الـخبر عنه. فإن كانوا ثلاثة عشر فإنهم دخـلوا الـمدخـل حين دخـلوا وهم بعيسى أربعة عشر، وإن كان اثنـي عشر فإنهم دخـلوا الـمدخـل حين دخـلوا وهم بعيسى ثلاثة عشر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي رجل كان نصرانـياً فأسلـم أن عيسى حين جاءه من الله إنّى رَافِعُكَ إلـيَّ قال: يا معشر الـحواريـين: أيكم يحبّ أن يكون رفـيقـي فـي الـجنة حتـى يشبه للقوم فـي صورتـي فـيقتلوه مكانـي؟ فقال سرجس: أنا يا روح الله قال: فـاجلس فـي مـجلسي. فجلس فـيه، ورُفع عيسى صلوات الله علـيه، فدخـلوا علـيه فأخذوه، فصلبوه، فكان هو الذي صلبوه وشُبِّه لهم به. وكانت عدتهم حين دخـلوا مع عيسى معلومة، قد رأوهم فأحصوا عدتهم، فلـما دخـلوا علـيه لـيأخذوه وجدوا عيسى فـيـما يرون وأصحابه وفقدوا رجلاً من العدّة، فهو الذي اختلفوا فـيه. وكانوا لا يعرفون عيسى، حتـى جعلوا لـيودس زكريايوطا ثلاثـين درهماً علـى أن يدلهم علـيه ويعرّفهم إياه، فقال لهم: إذا دخـلتـم علـيه فإنـي سأُقَبِّله، وهو الذي أُقَبِّل فخذوه فلـما دخـلوا علـيه، وقد رُفع عيسى، رأى سَرْجِس فـي صورة عيسى، فلـم يشكّ أنه هو عيسى، فأكبّ علـيه فقبله، فأخذوه فصلبوه. ثم إن يُودُس زكَرِيايوطا ندم علـى ما صنع، فـاختنق بحبل حتـى قتل نفسه، وهو ملعون فـي النصارى، وقد كان أحد الـمعدودين من أصحابه. وبعض النصارى يزعم أن يُودُس زكريايوطا هو الذي شُبِّه لهم فصلبوه، وهو يقول: إنـي لست بصاحبكم أنا الذي دللتكم علـيه والله أعلـم أيّ ذلك كان.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: بلغنا أن عيسى ابن مريـم قال لأصحابه: أيكم يَنتدب فـيـلقـى علـيه شبهي فـيقتل؟ فقال رجل من أصحابه: أنا يا نبـيّ لله. فألقـي علـيه شبه فقُتل، ورفع لله نبـيه إلـيه.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {شُبِّهَ لَهُمْ} قال: صلبوا رجلاً غير عيسى يحسبونه إياه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} فذكر مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: صلبوا رجلاً شبهوه بعيسى يحسبونه إياه، ورفع الله إلـيه عيسى علـيه السلام حياً.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بـالصواب أحد القولـين اللذين ذكرناهما عن وهب بن منبه، من أن شبه عيسى ألقـى علـى جميع من كان فـي البـيت مع عيسى حين أحيط به وبهم، من غير مسألة عيسى إياهم ذلك، ولكن لـيخزي الله بذلك الـيهود وينقذ به نبـيه علـيه السلام من مكروه ما أرادوا به من القتل، ويبتلـى به من أراد ابتلاءه من عبـاده فـي قـيـله فـي عيسى وصدق الـخبر عن أمره. أو القول الذي رواه عبد العزيز عنه.

وإنـما قلنا: ذلك أولـى القولـين بـالصواب، لأن الذين شهدوا عيسى من الـحواريـين لو كانوا فـي حال ما رفع عيسى، وألقـى شبهه علـى من ألقـى علـيه شبهه، كانوا قد عاينوا عيسى هو يرفع من بـينهم، وأثبتوا الذي ألقـى علـيه شبهه، وعاينوه متـحوّلاً فـي صورته بعد الذي كان به من صورة نفسه بـمـحضر منهم، لـم يخف ذلك من أمر عيسى، وأمر من ألقـي علـيه شبهه علـيهم مع معاينتهم ذلك كله، ولـم يـلتبس ولـم يشكل علـيهم وإن أشكل علـى غيرهم من أعدائهم من الـيهود أن الـمقتول والـمصلوب كان غير عيسى، وأن عيسى رفع من بـينهم حياً. وكيف يجوز أن يكون كان أشكل ذلك علـيهم، وقد سمعوا من عيسى مقالته: من يُـلْقَـى علـيه شبهي ويكون رفـيقـي فـي الـجنة؟ إن كان قال لهم ذلك، وسمعوا جواب مـجيبه منهم: أنا، وعاينوا تـحوّل الـمـجيب فـي صورة عيسى بعقب جوابه. ولكن ذلك كان إن شاء الله علـى نـحو ما وصف وهب بن منبه، إما أن يكون القوم الذين كانوا مع عيسى فـي البـيت الذي رفع منه من حواريه حوّلهم الله جميعاً فـي صورة عيسى حين أراد الله رفعه، فلـم يثبتوا عيسى معرفة بعينه من غيره لتشابه صُوَر جميعهم، فقتلت الـيهود منهم من قتلت وهم يرونه بصورة عيسى ويحسبونه إياه، لأنهم كانوا به عارفـين قبل ذلك، وظنّ الذين كانوا فـي البـيت مع عيسى مثل الذي ظنت الـيهود، لأنهم لـم يـميزوا شخص عيسى من شخص غيره لتشابه شخصه وشخص غيره مـمن كان معه فـي البـيت، فـاتفقوا جميعهم أعنـي الـيهود والنصارى من أجل ذلك علـى أن الـمقتول كان عيسى، ولـم يكن به، ولكنه شبه لهم، كما قال الله جلّ ثناؤه: {وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ}. أو يكون الأمر فـي ذلك كان علـى نـحو ما روى عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه، أن القوم الذين كانوا مع عيسى فـي البـيت تفرّقوا عنه قبل أن يدخـل علـيه الـيهود، وبقـي عيسى، وألقـي شبهه علـى بعض أصحابه الذين كانوا معه فـي البـيت بعد ما تفرّق القوم غير عيسى وغير الذي ألقـى علـيه شبهه، ورُفع عيسى. فقُتل الذي تـحوّل فـي صورة عيسى من أصحابه، وظنّ أصحابه والـيهود أن الذي قُتل وصلب هو عيسى لـما رأوا من شبهه به وخفـاء أمر عيسى علـيهم لأن رفعه وتـحوّل الـمقتول فـي صورته كان بعد تفرّق أصحابه عنه، وقد كانوا سمعوا عيسى من اللـيـل ينعي نفسه ويحزن لـما قد ظنّ أنه نازل به من الـموت، فحكوا ما كان عندهم حقاً، والأمر عند الله فـي الـحقـيقة بخلاف ما حكوا، فلـم يستـحقّ الذين حكوا ذلك من حواريـيه أن يكونوا كذبة، أو حكوا ما كان حقاً عندهم فـي الظاهر وإن كان الأمر عند الله فـي الـحقـيقة بخلاف الذي حكوا.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِـيهِ لَفِـي شَكَ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْـمٍ إلاَّ اتِّبـاعَ الظَّنّ وَما قَتَلُوهُ يَقِـيناً}.

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِـيهِ} الـيهود الذين أحاطوا بعيسى وأصحابه حين أرادوا قتله. وذلك أنهم كانوا قد عرفوا عدّة من فـي البـيت قبل دخولهم فـيـما ذكر فلـما دخـلوا علـيهم، فقدوا واحداً منهم، فـالتبس أمر عيسى علـيهم بفقدهم واحداً من العدّة التـي كانوا قد أحصوها، وقتلوا من قتلوا علـى شكّ منهم فـي أمر عيسى. وهذا التأويـل علـى قول من قال: لـم يفـارق الـحواريون عيسى حتـى رُفع ودخـل علـيهم الـيهود.

وأما تأويـله علـى قول من قال: تفرّقوا عنه من اللـيـل، فإنه: وإن الذين اختلفوا فـي عيسى، هل هو الذي بقـي فـي البـيت منهم بعد خروج من خرج منهم من العدّة التـي كانت فـيه أم لا؟ لفـي شكّ منه، يعنـي: من قتله، لأنهم كانوا أحصوا من العدّة حين دخـلوا البـيت أكثر مـمن خرج منه ومن وجد فـيه، فشكوا فـي الذي قتلوه هل هو عيسى أم لا من أجل فقدهم من فقدوا من العدد الذي كانوا أحصوه، ولكنهم قالوا: قتلنا عيسى، لـمشابهة الـمقتول عيسى فـي الصورة. يقول الله جلّ ثناؤه: {ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْـمٍ} يعنـي: أنهم قتلوا من قتلوه علـى شكّ منهم فـيه واختلاف، هل هو عيسى أم غيره؟ من غير أن يكون لهم بـمن قتلوه علـم من هو، هو عيسى أم هو غيره؟ {إلاَّ اتِّبـاعَ الظَّنّ} يعنـي جلّ ثناؤه: ما كان لهم بـمن قتلوه من علـم، ولكنهم اتبعوا ظنهم، فقتلوه ظناً منهم أنه عيسى وأنه الذي يريدون قتله، ولـم يكن به. {وَما قَتَلُوهُ يَقِـيناً} يقول: وما قتلوا هذا الذي اتبعوه فـي الـمقتول الذي قتلوه وهم يحسبونه عيسى يقـيناً أنه عيسى، ولا أنه غيره، ولكنهم كانوا منه علـى ظنّ وشبهة وهذا كقول الرجل للرجل: ما قتلت هذا الأمر علـماً وما قتلته يقـيناً، إذا تكلـم فـيه بـالظنّ علـى غير يقـين علـم فـالهاء فـي قوله: {وَما قَتَلُوهُ} عائدة علـى الظنّ.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {وَما قَتَلُوهُ يَقِـيناً} قال: يعنـي: لـم يقتلوا ظنهم يقـيناً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يعلـى بن عبـيد، عن جويبر فـي قوله: {وَما قَتَلُوهُ يَقِـيناً} قال: ما قتلوا ظنّهم يقـيناً.

وقال السديّ فـي ذلك، ما:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَما قَتَلُوهُ يَقِـيناً}: وما قتلوا أمره يقـيناً أن الرجل هو عيسى، بل رفعه الله إلـيه.

بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ۝١٥٨

أما قوله جلّ ثناؤه: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَـيْهِ} فإنه يعنـي: بل رفع الله الـمسيح إلـيه، يقول: لـم يقتلوه ولـم يصلبوه، ولكن الله رفعه إلـيه، فطهره من الذين كفروا. وقد بـينا كيف كان رفع الله إياه فـيـما مضى، وذكرنا اختلاف الـمختلفـين فـي ذلك والصحيح من القول فـيه بـالأدلة الشاهدة علـى صحته بـما أغنى عن إعادته.

وأما قوله: {وكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيـماً} فإنه يعنـي: ولـم يزل الله منتقماً من أعدائه، كانتقامه من الذين أخذتهم الصاعقة بظلـمهم، وكلعنه الذين قصّ قصتهم بقوله:

{ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ }[النساء: 155] حكيـماً، يقول: ذا حكمة فـي تدبـيره وتصريفه خـلقه فـي قضائه، يقول: فـاحذروا أيها السائلون مـحمداً أن ينزل علـيكم كتابـاً من السماء من حلول عقوبتـي بكم، كما حلّ بـاوائلكم الذين فعلوا فعلكم فـي تكذيبهم رسلـي، وافترائهم علـى أولـيائي. وقد:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مـحمد بن إسحاق بن أبـي سارة الرُّؤَاسيّ، عن الأعمش، عن الـمنهال، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس فـي قوله: وكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيـماً قال: معنى ذلك: أنه كذلك.

وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ قَبْلَ مَوْتِهِۦ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ۝١٥٩

اختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ} يعنـي بعيسى {قَبْلَ مَوْتِهِ} يعنـي: قبل موت عيسى، يوجه ذلك إلـى أن جميعهم يصدّقون به إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الـملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الـحنـيفـية، دين إبراهيـم صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي حصين، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: قبل موت عيسى ابن مريـم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن أبـي حصين، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: قبل موت عيسى.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا حصين، عن أبـي مالك فـي قوله: {إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: ذلك عند نزول عيسى ابن مريـم لا يبقـى أحد من أهل الكتاب إلا لـَيُؤْمِنَنَّ به.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا حماد بن سلـمة، عن حميد، عن الـحسن، قال: {قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: قبل أن يـموت عيسى ابن مريـم.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن أبـي رجاء، عن الـحسن فـي قوله: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: قبل موت عيسى، والله إنه الآن لـحيّ عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة فـي قوله: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} يقول: قبل موت عيسى.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: قبل موت عيسى.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: قبل موت عيسى إذا نزل آمنت به الأديان كلها.

حدثنا ابو وكيع قال: ثنا أبـي، عن أبـي جعفر الرازيّ، عن الربـيع بن أنس، عن الـحسن، قال: قبل موت عيسى.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن عوف، عن الـحسن: {إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: عيسى ولـم يـمت بعد.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران بن عيـينة، عن حصين، عن أبـي مالك، قال: لا يبقـى أحد منهم عند نزول عيسى إلا آمن به.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن حصين، عن أبـي مالك، قال: قبل موت عيسى.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: إذا نزل عيسى ابن مريـم فقتل الدجال لـم يبق يهوديّ فـي الأرض إلا آمن به، قال: وذلك حين لا ينفعهم الإيـمان.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه عن ابن عبـاس، قوله: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} يعنـي: أنه سيدرك أناس من أهل الكتاب حين يبعث عيسى، فـيؤمنون به، ويوم القـيامة يكون علـيهم شهيداً.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الـحسن أنه قال فـي هذه الآية: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}. قال أبو جعفر: أظنه إنـما قال: إذا خرج عيسى آمنت به الـيهود.

وقال آخرون: يعنـي بذلك: وإن من أهل الكتاب إلا لـيؤمننّ بعيسى قبل موت الكتابـي.

ذكر من كان يوجه ذلك، إلـى أنه إذا عاين علـم الـحقّ من البـاطل، لأن كلّ من نزل به الـموت لـم تـخرج نفسه حتـى يتبـين له الـحقّ من البـاطل فـي دينه:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: لا يـموت يهوديّ حتـى يؤمن بعيسى.

حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا: ثنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: لا تـخرج نفسه، حتـى يؤمن بعيسى، وإن غرق، أو تردّى من حائط، أو أيّ ميتة كانت.

حدثنـي مـحمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} كلّ صاحب كتاب لـيؤمننّ به بعيسى قبل موته، موت صاحب الكتاب.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ} كلّ صاحب كتاب يؤمن بعيسى قبل موته، قبل موت صاحب الكتاب قال ابن عبـاس: لو ضُربت عنقه، لـم تـخرج نفسه حتـى يؤمن بعيسى.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تـميـلة يحيى بن واضح، قال: ثنا الـحسين بن واقد، عن يزيد النـحويّ، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: لا يـموت الـيهوديّ، حتـى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله، ولو عجل علـيه بـالسلاح.

حدثنـي إسحاق بن إبراهيـم بن حبـيب بن الشهيد، قال: ثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: هي فـي قراءة أبـيّ: «قبل موتهم». لـيس يهوديّ يـموت أبداً حتـى يؤمن بعيسى قـيـل لابن عبـاس: أرأيت إن خرّ من فوق بـيت؟ قال: يتكلـم به فـي الهُويِّ. فقـيـل: أرأيت إن ضُربت عنق أحد منهم؟ قال: يتلـجلـج بها لسانه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنـي أبو نعيـم الفضل بن دكين، قال: ثنا سفـيان، عن خصيف، عن عكرمة، عن جبير، عن ابن عبـاس: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: لا يـموت يهوديّ حتـى يؤمن بعيسى ابن مريـم، قـيـل: وإن ضرب بـالسيف؟ قال: يتكلـم به، قـيـل: وإن هَوَى؟ قال: يتكلـم به وهو يَهْوي.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنـي مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي هارون الغنوي، عن عكرمة عن ابن عبـاس، أنه قال فـي هذه الآية: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: لو أنّ يهودياً وقع من فوق هذا البـيت لـم يـمت حتـى يؤمن به يعنـي: بعيسى.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنـي عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن مولـى لقريش، قال: سمعت عكرمة يقول: لو وقع يهوديّ من فوق القصر، لـم يبلغ إلـى الأرض، حتـى يؤمن بعيسى.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي هاشم الرّمانـي، عن مـجاهد: {لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: وإن وقع من فوق البـيت لا يـموت حتـى يؤمن به.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو بن أبـي قـيس، عن منصور، عن مـجاهد: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: لا يـموت رجل من أهل الكتاب حتـى يؤمن به، وإن غرق، أو تردّى، أو مات بشيء.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن لـيث، عن مـجاهد فـي قوله: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: لا تـخرج نفسه حتـى يؤمن به.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن خصيف، عن عكرمة: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: لا يـموت أحدهم حتـى يؤمن به، يعنـي: بعيسى، وإن خرّ من فوق بـيت يؤمن به وهو يهوي.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك، قال: لـيس أحد من الـيهود يخرج من الدنـيا حتـى يؤمن بعيسى.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن فرات القزاز، عن الـحسن فـي قوله: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: لا يـموت أحد منهم، حتـى يؤمن بعيسى، يعنـي: الـيهود والنصارى.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن فرات، عن الـحسن فـي قوله: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: لا يـموت أحد منهم، حتـى يؤمن بعيسى قبل أن يـموت.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا الـحكم بن عطية، عن مـحمد بن سيرين: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: موت الرجل من أهل الكتاب.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: قال ابن عبـاس: لـيس من يهوديّ ولا نصرانـيّ يـموت حتـى يؤمن بعيسى ابن مريـم. فقال له رجل من أصحابه: كيف والرجل يغرق، أو يحترق، أو يسقط علـيه الـجدار، أو يأكله السبع؟ فقال: لا تـخرج روحه من جسده حتـى يقذف فـيه الإيـمان بعيسى.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: لا يـموت أحد من الـيهود حتـى يشهد أن عيسى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يعلـى، عن جويبر فـي قوله: {لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: فـي قراءة أبـيّ: «قبل موتهم».

وقال آخرون: معنى ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا لـيؤمننّ بـمـحمد صلى الله عليه وسلم قبل موت الكتابـي. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا حماد، عن حميد، قال: قال عكرمة: لا يـموت النصرانـيّ والـيهوديّ حتـى يؤمن بـمـحمد صلى الله عليه وسلم يعنـي فـي قوله: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال بـالصحة والصواب قول من قال: تأويـل ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا لـيؤمننّ بعيسى قبل موت عيسى.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب من غيره من الأقوال، لأن الله جلّ ثناؤه حكم لكل مؤمن بـمـحمد صلى الله عليه وسلم بحكم أهل الإيـمان فـي الـموارثة والصلاة علـيه وإلـحاق صغار أولاده بحكمه فـي الـملة، فلو كان كلّ كتابـيّ يؤمن بعيسى قبل موته، لوجب أن لا يرث الكتابـيّ إذا مات علـى ملته إلا أولاده الصغار أو البـالغون منهم من أهل الإسلام، إن كان له ولد صغير أو بـالغ مسلـم، وإن لـم يكن له ولد صغير ولا بـالغ مسلـم، كان ميراثه مصروفـاً حيث يصرف مال الـمسلـم، يـموت ولا وارث له، وأن يكون حكمه حكم الـمسلـمين فـي الصلاة علـيه وغسله وتقبـيره، لأن من مات مؤمناً بعيسى فقد مات مؤمناً بـمـحمد وبجميع الرسل وذلك أن عيسى صلوات الله علـيه جاء بتصديق مـحمد وجميع الـمرسلـين، فـالـمصدّق بعيسى والـمؤمن به مصدّق بـمـحمد وبجميع أنبـياء الله ورسله، كما أن الـمؤمن بـمـحمد مؤمن بعيسى وبجميع أنبـياء الله ورسله، فغير جائز أن يكون مؤمناً بعيسى من كان بـمـحمد مكذّبـاً.

فإن ظنّ ظانّ أن معنى إيـمان الـيهوديّ بعيسى، الذي ذكره الله فـي قوله: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} إنـما هو إقراره بأنه لله نبـيّ مبعوث دون تصديقه بجميع ما أتـى به من عند الله، فقد ظنّ خطأ. وذلك أنه غير جائز أن يكون منسوبـاً إلـى الإقرار بنبوّة نبـيّ من كان له مكذّبـاً فـي بعض ما جاء به من وحي الله وتنزيـله، بل غير جائز أن يكون منسوبـاً إلا الإقرار بنبوةّ أحد من أنبـياء الله لأن الأنبـياء جاءت الأمــم بتصديق جميع أنبـياء الله ورسله فـالـمكذب بعض أنبـياء الله فـيـما أتـى به أمته من عند الله مكذب جميع أنبـياء الله فـيـما دعوا إلـيه من دين عبـاد الله. وإذ كان ذلك كذلك، كان فـي إجماع الـجميع من أهل الإسلام علـى أن كل كتابـي مات قبل إقراره بـمـحمد صلوات الله علـيه وما جاء به من عند الله، مـحكوم له بحكم الـمسألة التـي كان علـيها أيام حياته، غير منقول شيء من أحكامه فـي نفسه وماله وولده صغارهم وكبـارهم بـموته عما كان علـيه فـي حياته، أدلّ الدلـيـل علـى أن معنى قول الله: {وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} إنـما معناه: إلا لـيؤمننّ بعيسى قبل موت عيسى، وأن ذلك فـي خاصّ من أهل الكتاب، ومعنىّ به أهل زمان منهم دون أهل كل الأزمنة التـي كانت بعد عيسى، وأن ذلك كائن عند نزوله. كالذي:

حدثنـي بشر بن معاذ، قال: ثنـي يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبـي هريرة، أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم قال:

الأنْبِـياءُ إخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ أُمَّهاتُهُمْ شَتَّـى وَديِنُهُمْ وَاحِدٌ، وإنّى أوْلـى النَّاسِ بعِيسَى ابْنِ مَرْيَـمَ لأنَّهُ لَـمْ يَكُنْ بَـيْنِـي وَبَـيْنَهُ نَبِـيّ. وَإنَّهُ نازِلٌ، فإذَا رأيْتُـمُوهُ فـاعْرِفُوهُ، فإنَّهُ رَجُلٌ مَرْبُوعُ الـخَـلْقِ إلـى الـحُمْرَةِ وَالبَـياضِ، سَبْطُ الشَّعْرِ كأنَّ رأسَهُ يَقْطُرُ وَإنْ لَـمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ، بـينَ مُـمَصِّرَتَـيْنِ، فَـيَدُقُّ الصَّلِـيبَ، وَيَقْتُلُ الـخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الـجزْيَةَ، وَيُفِـيضُ الـمَالُ، وَيُقاتِلِ النَّاسَ علـى الإسْلامِ حتـى يَهْلِكَ اللَّهُ فِـي زَمانِهِ الـمِلَلَ كُلَّها غيرَ الإسْلامِ، ويُهْلِكُ اللَّهُ فِـي زَمانِهِ مَسِيحَ الضَّلالَةِ الكَذَّابَ الدَّجَّالَ، وَتَقَعُ الأمَنَةُ فِـي الأرْضِ فِـي زَمانِهِ حتـى تَرْتَعَ الأُسُودُ معَ الإبِلِ والنُّـمُورُ مَعَ البَقَرِ وَالذّئابُ مَعَ الغَنـمِ، وَتَلْعَبُ الغِلْـمانُ وَالصبْـيانُ بـالـحَيَّاتِ لا يَضُرُّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، ثُمَّ يَـلْبَثُ فِـي الأرْضِ ما شاء الله وربـما قال:أربعين سنة، ثم يُتوفـى ويصلـي علـيه الـمسلـمون ويُدفنونه

وأما الذي قال: عنـي بقوله: {لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} لـيؤمننّ بـمـحمد صلى الله عليه وسلم قبل موت الكتابـي، فمـما لا وجه له مفهوم لأنه مع فساده من الوجه الذي دللَّنا علـى فساد قول من قال: عنى به: لـيؤمننّ بعيسى قبل موت الكتابـيّ، يزيده فساداً أنه لـم يجر لـمـحمد علـيه الصلاة والسلام فـي الآيات التـي قبل ذلك ذكر، فـيجوز صرف الهاء التـي فـي قوله: {لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ} إلـى أنها من ذكره، وإنـما قوله: {لَـيُؤْمِنَنّ بِهِ} فـي سياق ذكر عيسى وأمه والـيهود، فغير جائز صرف الكلام عما هو فـي سياقه إلـى غيره إلا بحجة يجب التسلـيـم لها من دلالة ظاهر التنزيـل أو خبر عن الرسول تقوم به حجة فأما الدعاوي فلا تتعذّر علـى أحد. فتأويـل الآية إذ كان الأمر علـى ما وصفت: وما من أهل الكتاب إلا من لـيؤمننّ بعيسى قبل موت عيسى، وحذف «مَنْ» بعد «إلا» لدلالة الكلام علـيه، فـاستغنـي بدلالته عن إظهاره كسائر ما قد تقدمّ من أمثاله التـي قد أتـينا علـى البـيان عنها.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَيَوْمَ القِـيامَةِ يَكُونُ عَلَـيْهِمْ شَهِيداً}.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: {وَيَوْمَ القِـيامَةِ يَكُونُ} عيسى علـى أهل الكتاب {شَهِيداً} يعنـي: شاهداً علـيهم بتكذيب من كذّبه منهم، وتصديق من صدّقه منهم فـيـما أتاهم به من عند الله وبإبلاغه رسالة ربه. كالذي:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: {وَيَوْمَ القِـيامَةِ يَكُونُ عَلَـيْهِمْ شَهِيداً} أنه قد أبلغهم ما أرسله به إلـيهم.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَيَوْمَ القِـيامَةِ يَكُونُ عَلَـيْهِمْ شَهِيداً} يقول: يكون علـيهم شهيداً يوم القـيامة، علـى أنه قد بلَّغ رسالة ربه وأقرّ بـالعبودية علـى نفسه.

الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026 23 جمادى الأولى 1448 هـ