انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير الطبريالآيات 74–83

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النساء

الخلاصة من تفسير الطبري · 12 مقطعًا · 3:03:07

  1. 1 الآيات 74–87في هذه الصفحة 15:24

التفسير الصوتي لسورة النساء كاملًا (12 مقطعًا)

فَلْيُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ وَمَن يُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ۝٧٤

وهذا حضّ من الله المؤمنين على جهاد عدوّه من أهل الكفر به على أحايينهم غالبين كانوا أو مغلوبين، والتهاون بأحوال المنافقين في جهاد من جاهدوا من المشركين، وقع جهادهم إياهم مغلوبين كانوا أو غالبين؛ منزلة من الله رفيعة. يقول الله لهم جلّ ثناؤه: {فَلْيُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } يعني: في دين الله والدعاء إليه والدخول فيما أمر به أهل الكفر به، {ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلأَخِرَةِ } يعني: الذين يبيعون حياتهم الدنيا بثواب الآخرة وما وعد الله أهل طاعته فيها. وبيعهم إياها بها، إنفاقهم أموالهم في طلب رضا الله، كجهاد من أمر بجهاده من أعدائه وأعداء دينه، وبذلهم مهجهم له في ذلك. أخبر جلّ ثناؤه بما لهم في ذلك إذا فعلوه، فقال: {وَمَن يُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } يقول: ومن يقاتل في طلب إقامة دين الله وإعلاء كلمة الله أعداء الله، فيقتل، يقول: فيقتله أعداء الله أو يغلبهم، فيظفر بهم؛ {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } يقول: فسوف نعطيه في الآخرة ثواباً وأجراً عظيماً. وليس لما سمي جلّ ثناؤه عظيماً مقدار يعرف مبلغه عباد الله. وقد دللنا على أن الأغلب على معنى «شريت» في كلام العرب «بعت» بما أغنى. وقد:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {فَلْيُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلأَخِرَةِ } يقول: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلأَخِرَةِ } فيشري: يبيع، ويشري: يأخذ، وإن الحمقى باعوا الدنيا بالآخرة.

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ۝٧٥

يعني بذلك جلّ ثناؤه: وما لكم أيها المؤمنون لا تقاتلون في سبيل الله، وفي المستضعفين، يقول: عن المستضعفين منكم من الرجال والنساء والولدان. فأما من الرجال فإنهم كانوا قد أسلموا بمكة، فغلبتهم عشائرهم على أنفسهم بالقهر لهم وآذوهم ونالوهم بالعذاب والمكاره في أبدانهم، ليفتنوهم عن دينهم. فحضّ الله المؤمنين على استنقاذهم من أيدي من قد غلبهم على أنفسهم من الكفار، فقال لهم: وما شأنكم لا تقاتلون في سبيل الله وعن مستضعفي أهل دينكم وملتكم الذين قد استضعفهم الكفار فاستذلوهم ابتغاء فتنتهم وصدّهم عن دينهم من الرجال والنساء؟ والولدان جمع ولد: وهم الصبيان. {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّـٰلِمِ أَهْلُهَا } يعني بذلك أن هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان يقولون في دعائهم ربهم بأن ينجيهم من فتنة من قد استضعفهم من المشركين: يا ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ـ والعرب تسمي كلّ مدينة قرية يعني: التي قد ظلمتنا وأنفسها وأهلها. وهي في هذا الموضع فيما فسر أهل التأويل مكة وخفض الظالم، لأنه من صفة الأهل، وقد عادت الهاء والألف اللتان فيه على القرية، وكذلك تفعل العرب إذا تقدمت صفة الاسم الذي معه عائد لاسم قبلها أتبعت إعرابها إعراب الاسم الذي قبلها كأنها صفة له، فتقول: مررت بالرجل الكريم أبوه. {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً } يعني أنهم يقولون أيضاً في دعائهم: يا ربنا واجعل لنا من عندك وليًّا، يلي أمرنا بالكفاية مما نحن فيه من فتنة أهل الكفر بك. {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً } يقولون: واجعل لنا من عندك من ينصرنا على من ظلمنا من أهل هذه القرية الظالم أهلها، بصدّهم إيانا عن سبيلك، حتى تظفرنا بهم ونُعلي دينك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: {مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَاء وَٱلْوِلْدٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّـٰلِمِ أَهْلُهَا } قال: أمر المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفي المؤمنين كانوا بمكة.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَاء وَٱلْوِلْدٰنِ } الصبيان {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّـٰلِمِ أَهْلُهَا } مكة، أمر المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفين مؤمنين كانوا بمكة.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَاء وَٱلْوِلْدٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّـٰلِمِ أَهْلُهَا} يقول: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي المستضعفين، وأما القرية: فمكة.

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا المبارك، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ } قال: وفي المستضعفين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير، أنه سمع محمد بن مسلم بن شهاب يقول: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَاء وَٱلْوِلْدٰنِ } قال: في سبيل الله وسبيل المستضعفين.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن وقتادة، في قوله: {أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّـٰلِمِ أَهْلُهَا } قالا: خرج رجل من القرية الظالمة إلى القرية الصالحة، فأدركه الموت في الطريق، فنأي بصدره إلى القرية الصالحة، فاحتجّت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمروا أن يقدّروا أقرب القريتين إليه، فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر. وقال بعضهم: قرّب الله إليه القرية الصالحة، فتوفته ملائكة الرحمة.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَاء وَٱلْوِلْدٰنِ } هم أناس مسلمون كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا منها ليهاجروا، فعذرهم الله، وفيهم نزل قوله: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّـٰلِمِ أَهْلُهَا } فهي مكة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَاء وَٱلْوِلْدٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّـٰلِمِ أَهْلُهَا} قال: وما لكم لا تفعلون، تقاتلون لهؤلاء الضعفاء المساكين الذين يدعون الله بأن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها، فهم ليس لهم قوّة؟ فما لكم لا تقاتلون حتى يسلم لله هؤلاء ودينهم؟ قال: والقرية الظالم أهلها: مكة. ]

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَوْلِيَآءَ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا ۝٧٦

يعني تعالى ذكره: الذين صدّقوا الله ورسوله وأيقنوا بموعود الله لأهل الإيمان به، {يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } يقول: في طاعة الله ومنهاج دينه وشريعته التي شرعها لعباده. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّـٰغُوتِ } يقول: والذين جحدوا وحدانية الله وكذّبوا رسوله وما جاءهم به من عند ربهم، {يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّـٰغُوتِ } يعني: في طاعة الشيطان وطريقه ومنهاجه الذي شرعه لأوليائه من أهل الكفر بالله. يقول الله مقوّياً عزم المؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحرّضهم على أعدائه وأعداء دينه من أهل الشرك به. {فَقَـٰتِلُواْ } أيها المؤمنون {أَوْلِيَاء ٱلشَّيْطَـٰنِ } يعني بذلك: الذين يتولونه ويطيعون أمره في خلاف طاعة الله والتكذيب به، وينصرونه. {وَأَنْ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفاً } يعني بكيده: ما كاد به المؤمنين من تحزيبه أولياءه من الكفار بالله على رسوله وأوليائه أهل الإيمان به. يقول: فلا تهابوا أولياء الشيطان، فإنما هم حزبه وأنصاره، وحزب الشيطان أهل وهن وضعف. وإنما وصفهم جلّ ثناؤه بالضعف، لأنهم لا يقاتلون رجاء ثواب، ولا يتركون القتال خوف عقاب، وإنما يقاتلون حمية أو حسداً للمؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، والمؤمنون يقاتل من قاتل منهم رجاء العظيم من ثواب الله، ويترك القتال إن تركه على خوف من وعيد الله في تركه، فهو يقاتل على بصيرة بما له عند الله إن قتل، وبما له من الغنيمة والظفر إن سلم. والكافر يقاتل على حذر من القتل، وإياس من معاد، فهو ذو ضعف وخوف. ]

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا۟ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا۟ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ۝٧٧

ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا قد آمنوا به وصدّقوه قبل أن يفرض عليهم الجهاد، وقد فرض عليهم الصلاة والزكاة، وكانوا يسألون الله أن يفرض عليهم القتال، فلما فرض عليهم القتال شقّ عليهم ذلك وقالوا ما أخبر عنهم في كتابه.

فتأويل قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ }: ألم تر بقلبك يا محمد فتعلم إلى الذين قيل لهم من أصحابك حين سألوك أن تسأل ربك أن يفرض عليهم القتال: {كفوا أيديكم}، فأمسكوها عن قتال المشركين وحربهم. {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَـٰةَ} يقول: وأدوا الصلاة التي فرضها الله عليكم بحدودها. {وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ} يقول: وأعطوا الزكاة أهلها، الذين جعلها الله لهم من أموالكم، تطهيراً لأبدانكم وأموالكم؛ كرهوا ما أمروا به من كفّ الأيدي عن قتال المشركين، وشقّ ذلك عليهم. {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ } يقول: فلما فرض عليهم القتال الذي كانوا سألوا أن يفرض عليهم، {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ } يعني: جماعة منهم {يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ } يقول: يخافون الناس أن يقاتلوهم، {كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً } أو أشدّ خوفاً. {وَقَالُواْ } جزعاً من القتال الذي فرض الله عليهم: {لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ }: لم فرضت علينا القتال، ركوناً منهم إلى الدنيا، وإيثاراً للدعة فيها والخَفْضَ، عن مكروه لقاء العدوّ، ومشقة حربهم وقتالهم. {لَوْلا أَخَّرْتَنَا } يخبر عنهم، قالوا: هلا أخرتنا {إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ } يعني: إلى أن يموتوا على فرشهم وفي منازلهم.

وبنحو الذي قلنا إن هذه الآية نزلت فيه قال أهل التأويل. ذكر الآثار بذلك، والرواية عمن قاله:

حدثنا محمد بن عليّ بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي، قال: أخبرنا الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، كنا في عزّ ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة! فقال:

إنّى أُمِرْتُ بالعَفْوِ فَلا تُقاتِلُوا فلما حوّله الله إلى المدينة أمر بالقتال فكفوا، فأنزل الله تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ }... الآية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ } عن الناس، {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ } نزلت في أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن جريج: وقوله: {وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ } قال: إلى أن نموت موتاً هو الأجل القريب.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَـٰة } فقرأ حتى بلغ: {إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ } قال: كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ بمكة قبل الهجرة، تسرعوا إلى القتال، فقالوا لنبيّ الله صلى الله عليه وسلم: ذرنا نتخذ معاول فنقاتل بها المشركين بمكة! فنهاهم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قال:

لم أؤمَرْ بذَلِكَ. فلما كانت الهجرة وأمر بالقتال، كره القوم ذلك، فصنعوا فيه ما تسمعون، فقال الله تبارك وتعالى: {قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ لّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً }.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَـٰة وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰة} قال: هم قوم أسلموا قبل أن يفرض عليهم القتال، ولم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال؛ {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً }... الآية، إلى: {إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ } وهو الموت، قال الله: {قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلاْخِرَةُ خَيْرٌ لّمَنِ ٱتَّقَىٰ }.

وقال آخرون: نزلت هذه وآيات بعدها في اليهود. ذكر من قال ذلك:

حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَـٰة }... إلى قوله: {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلاَّ قَلِيلاً } ما بين ذلك في اليهود.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ }... إلى قوله: {لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ }: نهى الله تبارك وتعالى هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم.

القول في تأويل قوله تعالى: {قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً }.

يعني بقوله جلّ ثناؤه: {قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ }: قل يا محمد لهؤلاء القوم الذين قالوا {رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ } عيشكم في الدنيا وتمتعكم بها قليل، لأنها فانية، وما فيها فان، {وَٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ } يعني: ونعيم الآخرة خير، لأنها باقية، ونعيمها باق دائم. وإنما قيل: والآخرة خير ومعنى الكلام ما وصفت من أنه معنى به نعيمها، لدلالة ذكر الآخرة بالذي ذكرت به على المعنى المراد منه {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ } يعني: لمن اتقى الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، فأطاعه في كل ذلك. {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً } يعني: ولا ينقصكم الله من أجور أعمالكم فتيلاً؛ وقد بينا معنى الفتيل فيما مضى بما أغنى عن إعادته ههنا.]

أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ۝٧٨

يعني بذلك جلّ ثناؤه: حيثما تكونوا ينلكم الموت فتموتوا، {وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } يقول: لا تجزعوا من الموت ولا تهربوا من القتال وتضعفوا عن لقاء عدوّكم حذراً على أنفسكم من القتل والموت، فإن الموت بإزائكم أين كنتم، وواصل إلى أنفسكم حيث كنتم ولو تحصنتم منه بالحصون المنيعة.

واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } فقال بعضهم: يُعْنَى به: قصور محصنة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } يقول: في قصور محصنة.

حدثني عليّ بن سهل،قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا أبو همام، قال: ثنا كثير أبو الفضل، عن مجاهد، قال: كان فيمن قبلكم امرأة، وكان لها أجير، فولدت جارية فقالت لأجيرها: اقتبس لنا ناراً! فخرج فوجد بالباب رجلاً، فقال له الرجل: ما ولدت هذه المرأة؟ قال: جارية، قال: أما إن هذه الجارية لا تموت حتى تبغي بمائة، ويتزوّجها أجيرها، ويكون موتها بالعنكبوت. قال: فقال الأجير في نفسه: فأنا أريد هذه بعد أن تفجر بمائة. فأخذ شفرة فدخل، فشقّ بطن الصبية. وعولجت فبرئت، فشبت، وكانت تبغي، فأتت ساحلاً من سواحل البحر، فأقامت عليه تبغي. ولبث الرجل ما شاء الله، ثم قدم ذلك الساحل ومعه مال كثير، فقال لامرأة من أهل الساحل: أبغيني امرأة من أجمل امرأة في القرية أتزوّجها! فقالت: ههنا امرأة من أجمل الناس، ولكنها تبغي. قال: ائتِني بها! فأتتها فقالت: قد قدم رجل له مال كثير، وقد قال لي كذا، فقلت له كذا. فقالت: إني قد تركت البغاء، ولكن إن أراد تزوّجته. قال: فتزوّجها، فوقعت منه موقعاً، فبينا هو يوماً عندها، إذ أخبرها بأمره، فقالت: أنا تلك الجارية ـ وأرته الشقّ في بطنها وقد كنت أبغي، فما أدري بمائة أو أقلّ أو أكثر؛ قال: فإنه قال لي: يكون موتها بالعنكبوت. قال: فبنى لها برجاً بالصحراء وشيده. فبينما هما يوماً في ذلك البرج، إذا عنكبوت في السقف فقالت: هذا يقتلني؟ لا يقتله أحد غيري! فحركته فسقط، فأتته فوضعت إبهام رجلها عليه فشدخته، وساح سمه بين ظفرها واللحم، فاسودّت رجلها فماتت، فنزلت هذه الآية: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } قال: قصور مشيدة.

وقال آخرون: معنى ذلك: قصور بأعيانها في السماء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } وهي قصور بيض في سماء الدنيا مبنية.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعيد، قال: أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع في قوله: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } يقول: ولو كنتم في قصور في السماء.

واختلف أهل العربية في معنى المشيدة، فقال بعض أهل البصرة منهم: المشيدة: الطويلة. قال: وأما المَشيد بالتخفيف، فإنه المزين.

وقال آخرون منهم نحو ذلك القول، غير أنه قال: المَشيد بالتخفيف: المعمول بالشِّيد، والشِّيد: الجصّ. وقال بعض أهل الكوفة: المَشِيد والمُشيَّد أصلهما واحد، غير أن ما شدّد منه فإنما يشدّد لتردد الفعل فيه في جمع مثل قولهم: هذه ثياب مصبغة، وغنم مذبحة، فشدد لأنها جمع يفرّق فيها الفعل، وكذلك مثله قصور مُشيَّدة، لأن القصور كثيرة تردّد فيها التشييد، ولذلك قيل: بروج مشيدة، ومنه قوله:

{ وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ }[يوسف: 23] وكما يقال: كسَّرت العود: إذا جعلته قطعاً، أي قطعة بعد قطعة. وقد يجوز في ذلك التخفيف، فإذا أفرد من ذلك الواحد، فكان الفعل يتردّد فيه ويكثر تردّده في جمع منه، جاز التشديد عندهم والتخفيف، فيقال منه: هذا ثوب مخّرق وجلد مقطّع، لتردّد الفعل فيه وكثرته بالقطع والخرق. وإن كان الفعل لا يكثر فيه ولا يتردّد لم يجيزوه إلا بالتخفيف، وذلك نحو قولهم: رأيت كبشاً مذبوحاً، ولا يجيزون فيه «مذبّحاً»، لأن الذبح لا يتردّد فيه تردّد التخرّق في الثوب. وقالوا: فلهذا قيل: قصر مَشيد، لأنه واحد، فجعل بمنزلة قولهم: كبش مذبوح. وقالوا: جائز في القصر أن يقال قصر مُشيَّد بالتشديد، لتردّد البناء فيه والتشييد، ولا يجوز ذلك في «كبش مذبوح» لما ذكرنا.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ }.

يعني بقوله جلّ ثناؤه: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ }: وإن ينلهم رخاء وظفر وفتح ويصيبوا غنيمة يقولوا هذه من عند الله، يعني: من قِبَل الله ومن تقديره، وإنْ تصبهم سيئة، يقول: وإن تنلهم شدّة من عيش وهزيمة من عدوّ وجراح وألم، يقولوا لك يا محمد: هذه من عندك بخطئك التدبير. وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره عن الذين قال فيهم لنبيه:

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ } [النساء: 77].

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد وابن أبي جعفر قالا: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ } قال: هذه في السرّاء والضرّاء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية مثله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ } فقرأ حتى بلغ:

{ وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً }[النساء: 79] قال: إن هذه الآيات نزلت في شأن الحرب. فقرأ: { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً }[النساء: 71] فقرأ حتى بلغ: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ } من عند محمد عليه الصلاة والسلام، أساء التدبير وأساء النظر، ما أحسن التدبير ولا النظر.

القول في تأويل قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ }.

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ } قل يا محمد لهؤلاء القائلين إذا أصابتهم حسنة هذه من عند الله، وإذا أصابتهم سيئة هذه من عندك: كل ذلك من عند الله دوني ودون غيري، من عنده الرخاء والشدّة، ومنه النصر والظفر، ومن عنده القتل والهزيمة. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ } النعم والمصائب.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ } النصر والهزيمة.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ فَمَالِ هَـؤُلاء ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً } يقول: الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها.

القول في تأويل قوله تعالى: {فَمَالِ هَـؤُلاء ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً }.

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {فَمَالِ هَـؤُلاء ٱلْقَوْمَ } فما شأن هؤلاء القوم الذين إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله، وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك، {لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً } يقول: لا يكادون يعلمون حقيقة ما تخبرهم به من أن كلّ ما أصابهم من خير أو شرّ أو ضرّ وشدة أو رخاء، فمن عند الله، لا يقدر على ذلك غيره، ولا يصيب أحداً سيئة إلا بتقديره، ولا ينال رخاء ونعمة إلا بمشيئته. وهذا إعلام من الله عباده أن مفاتح الأشياء كلها بيده، لا يملك شيئاً منها أحد غيره.]

مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ۝٧٩

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {مَّا أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَا أَصَـٰبَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ }: ما يصيبك يا محمد من رخاء ونعمة وعافية وسلامة، فمن فضل الله عليك يتفضل به عليك إحساناً منه إليك. وأما قوله: {وَمَا أَصَـٰبَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } يعني: وما أصابك من شدّة ومشقة وأذى ومكروه، فمن نفسك، يعني: بذنب استوجبتها به اكتسبته نفسك. كما:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {مَّا أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَا أَصَـٰبَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } أما من نفسك، فيقول: من ذنبك.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {مَّا أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَا أَصَـٰبَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } عقوبة يا ابن آدم بذنبك. قال: وذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

لا يُصِيبُ رَجُلاً خَدْشُ عُودٍ وَلا عَثْرَةُ قَدَمٍ وَلا اخْتِلاجُ عِرْقٍ إلاَّ بِذَنْبٍ، وَما يَعْفُوا اللّهُ أكْثَرُ

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {مَّا أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَا أَصَـٰبَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } يقول: الحسنة: ما فتح الله عليه يوم بدر وما أصابه من الغنيمة والفتح، والسيئة: ما أصابه يوم أُحد أن شجّ في وجهه وكسرت رباعيته.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {مَّا أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَا أَصَـٰبَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } يقول: بذنبك. ثم قال:

{ كُلٌّ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ }[النساء: 78] النعم والمصيبات.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد وابن أبي جعفر، قالا: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قوله: {مَّا أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَا أَصَـٰبَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } قال: هذه في الحسنات والسيئات.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {وَمَا أَصَـٰبَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ }قال: عقوبة بذنبك.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {مَّا أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَا أَصَـٰبَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } بذنبك، كما قال لأهل أُحد:

{ أَوَ لَمَّآ أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ }[آل عمران: 165] بذنوبكم.

حدثني يونس، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله: {ما أَصَـٰبَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } قال: بذنبك، وأنا قدرتها عليك.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيـى، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله: {مَّا أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَا أَصَـٰبَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } وأنا الذي قدرتها عليك.

حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا محمد بن بشر، قال: حدثنيه إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح، بمثله.

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وما وجه دخول «من» في قوله: {مَّا أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ } و{مِن سَيِّئَةٍ }؟ قيل: اختلف في ذلك أهل العربية، فقال بعض نحويي البصرة: أدخلت «من»، لأن «من» تحسن مع النفي، مثل: ما جاءني من أحد. قال: ودخول الخبر بالفاء لازماً بمنزلة «مَنْ». وقال بعض نحويي الكوفة: أدخلت «مِنْ» مع «ما»، كما تدخل على «إن» في الجزاء لأنهما حرفا جزاء، وكذلك تدخل مع «مَن» إذا كانت جزاء، فتقول العرب: مَنْ يزرك مِنْ أحد فتكرمه، كما تقول: إنْ يزرك مِنْ أحد فتكرمه. قال: وأدخلوها مع «ما» و«مَنْ»، ليعلم بدخولها معهما أنهما جزاء. قالوا: وإذا دخلت معهما لم تحذف، لأنها إذا حذفت صار الفعل رافعاً شيئين، وذلك أن «ما» في قوله: {مَّا أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ } رفع بقوله: {أَصَابَكَ } فلو حذفت «مِنْ» رفع قوله: {أَصَابَكَ } السيئة، لأن معناه: إن تصبك سيئة، فلم يجز حذف «من» لذلك، لأن الفعل الذي هو على فعَل أو يَفعل لا يرفع شيئين، وجاز ذلك مع «مَنْ»، لأنها تشتبه بالصفات، وهي في موضع اسم، فأما «إن»، فإن «من» تدخل معها وتخرج، ولا تخرج مع «أيّ» لأنها تعرب فيبين فيها الإعراب، ودخلت مع «ما» لأن الإعراب لا يظهر فيها.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً }.

يعني بقوله جل ثناؤه: {وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً }: إنما جعلناك يا محمد رسولاً بيننا وبين الخلق تبلغهم ما أرسلناك به من رسالة، وليس عليك غير البلاغ وأداء الرسالة إلى من أرسلت، فإن قبلوا ما أرسلت به فلأنفسهم، وإن ردوا فعليها. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ } عليك وعليهم {شَهِيداً } يقول: حسبك الله تعالى ذكره شاهداً عليك في بلاغك ما أمرتك ببلاغه من رسالته ووحيه، وعلى من أرسلت إليه في قبولهم منك ما أرسلت به إليهم، فإنه لا يخفى عليه أمرك وأمرهم، وهو مجازيك ببلاغك ما وعدك، ومجازيهم ما عملوا من خير وشر جزاء المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. ]

مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۝٨٠

وهذا إعذار من الله إلى خلقه في نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى ذكره لهم: من يطع منكم أيها الناس محمداً، فقد أطاعني بطاعته إياه، فاسمعوا قوله، وأطيعوا أمره، فإنه مهما يأمركم به من شيء فمن أمري يأمركم، وما نهاكم عنه من شيء فمن نهيـي، فلا يقولن أحدكم: إنما محمد بشر مثلنا يريد أن يتفضل علينا! ثم قال جل ثناؤه لنبيه: ومن تولى عن طاعتك يا محمد، فأعرض عنه، فإنا لم نرسلك عليهم حفيظاً، يعني حافظاً لما يعملون محاسباً، بل إنما أرسلناك لتبين لهم ما نزل إليهم، وكفى بنا حافظين لأعمالهم ولهم عليها محاسبين. ونزلت هذه الآية فيما ذكر قبل أن يؤمر بالجهاد. كما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألت ابن زيد عن قول الله: {فَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً } قال: هذا أول ما بعثه، قال:

{ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ }[الشورى: 48]، قال: ثم جاء بعد هذا يأمره بجهادهم والغلظة حتى يسلموا.

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ۝٨١

يعني بذلك جلّ ثناؤه بقوله: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ } يعني: الفريق الذي أخبر الله عنهم أنهم لما كتب عليهم القتال، خشوا الناس كخشية الله وأشدّ خشية، يقولون لنبيّ الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بأمر: أمرك طاعة، ولك منا طاعة فيما تأمرنا به وتنهانا عنه! {فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ } يقول: فإذا خرجوا من عندك يا محمد {بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ } يعني بذلك جلّ ثناؤه: غيَّر جماعة منهم ليلاً الذي تقول لهم. وكلّ عَمل عُمل ليلاً فقد بُيّت، ومن ذلك بَيَّتَ العدوّ وهو الوقوع بهم ليلاً، ومنه قول عبيدة ابن همام:

أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّتُواوكانُوا أتَوْنِي بِشَيْءٍ نُكُرْ لاِنْكِحَ أيِّمَهُمْ مُنْذِراًوَهلْ يُنْكِحُ العَبْدَ حُرٌّ لِحُرّ

يعني بقوله: «فلم أرض ما بيتوا ليلاً»: أي ما أبرموه ليلاً وعزموا عليه. ومنه قول النمر بن تولب العكليّ:

هَبَّتْ لِتَعْذُلَنِي بلَيْلٍ ٱسْمَع!سَفَها تُبَيُّتُكِ المَلامةُ فاهْجَعي!

يقول الله جلّ ثناؤه: {وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ } يعني بذلك جلّ ثناؤه: والله يكتب ما يغيرون من قولك ليلاً في كتب أعمالهم التي تكتبها حفظته.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ } قال: يغيرون ما عهد نبيّ الله صلى الله عليه وسلم.

حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا يوسف بن خالد، قال: ثنا نافع بن مالك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: {بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ } قال: غيَّر أولئك ما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثني أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ } قال: غيَّر أولئك ما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ } قال: هؤلاء المنافقون الذين يقولون إذا حضروا النبيّ صلى الله عليه وسلم فأمرهم بأمر قالوا: طاعة، فإذا خرجوا من عنده غيَّرت طائفة منهم ما يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم. {وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ } يقول: ما يقولون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: قوله: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ } قال: يغيِّرون ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ } وهم ناس كانوا يقولون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا بالله ورسوله ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، فإذا برزوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خالفوا إلى غير ما قالوا عنده؛ فعابهم الله، فقال: {بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ } يقول: يغيِّرون ما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ }: هم أهل النفاق.

وأما رفع «طاعة» فإنه بالمتروك الذي دلّ عليه الظاهر من القول، وهو: أمرك طاعة، أو منا طاعة. وأما قوله: {بَيَّتَ طَائِفَةٌ } فإن التاء من بيَّت تحركها بالفتح عامة قراء المدينة والعراق وسائر القراء، لأنها لام فعل. وكان بعض قراء العراق يسكنها ثم يدغمها في الطاء لمقاربتها في المخرج.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك، ترك الإدغام، لأنها ـ أعني التاء والطاء من حرفين مختلفين؛ وإذا كان كذلك كان ترك الإدغام أفصح اللغتين عند العرب، واللغة الأخرى جائزة ـ أعني الإدغام في ذلك محكية.

القول في تأويل قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً }.

يقول جلّ ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم: فأعرض يا محمد عن هؤلاء المنافقين الذين يقولون لك فيما تأمرهم: أمرك طاعة، فإذا برزوا من عندك خالفوا ما أمرتهم به وغيَّروه إلى ما نهيتهم عنه، وخلّهم وما هم عليه من الضلالة، وارض لهم بي منتقماً منهم، وتوكل أنت يا محمد على الله. يقول: أي وحسبك بالله وكيلاً: أي فيما يأمرك، ووليَّا لها، ودافعاً عنك وناصراً.

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًا كَثِيرًا ۝٨٢

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ } أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم يا محمد كتاب الله، فيعلموا حجة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم، لاتساق معانيه وائتلاف أحكامه وتأييد بعضه بعضاً بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق؛ فإن ذلك لو كان من عند غَير الله لاختلفت أحكامه وتناقضت معانيه وأبان بعضه عن فساد بعض. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً }: أي قول الله لا يختلف، وهو حقّ ليس فيه باطل، وإن قول الناس يختلف.

حدثني يونس،قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: إن القرآن لا يكذّب بعضه بعضاً، ولا ينقض بعضه بعضاً، ما جهل الناس من أمره فإنما هو من تقصير عقولهم وجهالتهم. وقرأ: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً } قال: فحقّ على المؤمن أن يقول: كلّ من عند الله، ويؤمن بالمتشابه، ولا يضرب بعضه ببعض؛ وإذا جهل أمراً ولم يعرف أن يقول: الذي قال الله حقّ، ويعرف أن الله تعالى لم يقل قولاً وينقضه، ينبغي أن يؤمن بحقية ما جاء من الله.

حدثني يحيـى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قوله: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ } قال: يتدبرون النظر فيه.]

وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَٰنَ إِلَّا قَلِيلًا ۝٨٣

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ } وإذا جاء هذه الطائفة المبيتة غير الذي يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر من الأمن. فالهاء والميم في قوله: {وَإِذَا جَاءهُمْ } من ذكر الطائفة المبيتة. يقول جلّ ثناؤه: وإذا جاءهم خبر عن سرية للمسلمين غازية بأنهم قد أمنوا من عدوّهم بغلبتهم إياهم {أَوِ ٱلْخَوْفِ } يقول: أو تخّوفهم من عدوّهم بإصابة عدوّهم منهم {أَذَاعُواْ بِهِ } يقول: أفشوه وبثوه في الناس قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل أمراء سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم. والهاء في قوله: {أَذَاعُواْ بِهِ } من ذكر الأمر وتأويله: أذاعوا بالأمر من الأمن أو الخوف الذي جاءهم، يقال: منه أذاع فلان بهذا الخبر وأذاعه، ومنه قول أبي الأسود:

أذَاعَ بِه في النَّاسِ حتى كأنَّهُبعَلْياءَ نارٌ أُوقِدَتْ بثَقُوبِ

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ } يقول: سارعوا به وأفشوه.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ } يقول: إذا جاءهم أمر أنهم قد أمنوا من عدوّهم، أو أنهم خائفون منهم، أذاعوا بالحديث حتى يبلغ عدوّهم أمرهم.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ } يقول: أفشوه وشنعوا به.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ } قال: هذا في الأخبار إذا غزت سرية من المسلمين خُبِّر الناس عنها، فقالوا: أصاب المسلمون من عدوّهم كذا وكذا، وأصاب العدوّ من المسلمين كذا وكذا. فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم هو الذي يخبرهم به. قال ابن جريج: قال ابن عباس: قوله {أَذَاعُواْ بِهِ } قال: أعلنوه وأفشوه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {أَذَاعُواْ بِهِ } قال: نشروه. قال: والذين أذاعوا به قوم، إما منافقون، وإما آخرون ضعفاء.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أفْشَوْه وشنعوا به، وهم أهل النفاق.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ }.

يعني جلّ ثناؤه بقوله: ولو ردّوه: الأمر الذي نالهم من عدوّهم والمسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى أولي أمرهم، يعني: وإلى أمرائهم، وسكتوا فلم يذيعوا ما جاءهم من الخبر، حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ذوو أمرهم هم الذين يقولون الخبر عن ذلك، بعد أن ثبتت عندهم صحته أو بُطُوله، فيصححوه إن كان صحيحاً، أو يبطلوه إن كان باطلاً. {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } يقول: لعلم حقيقة ذلك الخبر الذي جاءهم به الذين يبحثون عنه، ويستخرجونه منهم، يعني: أولي الأمر. والهاء والميم في قوله: {مِنْهُمْ } من ذكر أولي الأمر. يقول: لعلم ذلك من أولي الأمر من يستنبطه. وكل مستخرج شيئاً كان مستتراً عن أبصار العيون أو عن معارف القلوب، فهو له مستنبط، يقال: استنبطت الركية: إذا استخرجت ماءها، ونَبَطتها أنبطها، والنبط: الماء المستنبط من الأرض، ومنه قول الشاعر:

قَرِيبٌ ثراهُ ما يَنالُ عَدُوُّهُ لَهُ نَبَطاً آبي الهَوَانِ قَطُوبُ

يعني بالنبط: الماء المستنبط.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ } يقول: ولو سكتوا وردّوا الحديث إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وإلى أولى أمرهم حتى يتكلم هو به، {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ } يعني عن الأخبار، وهم الذين ينقّرون عن الأخبار.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ } يقول: إلى علمائهم، {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } لعلمه الذين يَفْحصُون عنه، ويهمهم ذلك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ } حتى يكون هو الذي يخبرهم، {وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ }: أولي الفقه في الدين والعقل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ }: يتتبعونه ويتحسسونه.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا ليث، عن مجاهد: {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } قال: الذين يسألون عنه ويتحسسونه.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {يَسْتَنْبِطُونَهُ } قال: قولهم: ما كان؟ ماذا سمعتم؟

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: {ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ } قال: يتحسسونه.

حدثني محمد بن سيعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه عن ابن عباس: {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } يقول: لعلمه الذين يتحسسونه منهم.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } قال: يتتبعونه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ }... حتى بلغ: {وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ } قال: الولاة الذين يكونون في الحرب عليهم الذين يتفكرون فينظرون لما جاءهم من الخبر أصدق أم كذب؟ أباطل فيبطلونه، أو حقّ فيحقونه؟ قال: وهذا في الحرب، وقرأ: {أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ } فعلوا غير هذا و{رَدُّوهُ } إلى الله و{إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ }... الآية.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلاَّ قَلِيلاً }.

يعني بذلك جلّ ثناؤه: ولولا إنعام الله عليكم أيها المؤمنون بفضله وتوفيقه ورحمته، فأنقذكم مما ابتلى هؤلاء المنافقين به، الذين يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بأمر: طاعة، فإذا برزوا من عنده بيّت طائفة منهم غير الذي تقول، لكنتم مثلهم، فاتبعتم الشيطان إلا قليلاً، كما اتبعه الذين وصف صفتهم. وخاطب بقوله تعالى ذكره: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ } الذين خاطبهم بقوله جلّ ثناؤه: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً }.

ثم اختلف أهل التأويل في القليل الذي استثناهم في هذه الآية، من هم، ومن أيّ شيء من الصفات استثناهم؟ فقال بعضهم: هم المستنبطون من أولي الأمر، استثناهم من قوله: {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } ونفي عنهم أن يعلموا بالاستنباط ما يعلم به غيرهم من المستنبطين من الخبر الوارد عليهم من الأمن أو الخوف. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: إنما هو لعلمه الذين يستنبطونه منهم، إلا قليلاً منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلاَّ قَلِيلاً } يقول: لاتبعتم الشيطان كلكم. وأما قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً } فهو كقوله: {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } إلا قليلاً.

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك قراءة عن سعيد، عن قتادة: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلاَّ قَلِيلاً } قال: يقول: لاتبعتم الشيطان كلكم؛ وأما {إِلاَّ قَلِيلاً } فهو كقوله: {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ... إِلاَّ قَلِيلاً }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج نحوه، يعني نحو قول قتادة، وقال: لعلموه إلا قليلاً.

وقال آخرون: بل هم الطائفة الذين وصفهم الله أنهم يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم طاعة، فإذا برزوا من عنده بيتوا غير الذي قالوا. ومعنى الكلام: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، إلا قليلاً منهم. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ } فانقطع الكلام، وقوله: {إِلاَّ قَلِيلاً } فهو في أوّل الآية يخبر عن المنافقين، قال: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ } إلا قليلاً، يعني بالقليل المؤمنين، يقول الحَمْدُ لله الَّذِي أنْزَلَ الكِتَابَ عدلاً قِيماً، ولم يجعل له عوجاً.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: هذه الآية مقدمة ومؤخرة، إنما هي: أذاعوا به إلا قليلاً منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لم ينج قليل ولا كثير.

وقال آخرون: بل ذلك استثناء من قوله: {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ } وقالوا: الذين استثنوا هم قوم لم يكونوا همّوا بما كان الآخرون همّوا به من اتباع الشيطان، فعرّف الله الذين أنقذهم من ذلك موقع نعمته منهم، واستثنى الآخرين الذين لم يكن منهم في ذلك ما كان من الآخرين. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلاَّ قَلِيلاً } قال: هم أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، كانوا حدثوا أنفسهم بأمور من أمور الشيطان، إلا طائفة منهم.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان جميعاً. قالوا: وقوله: {إِلاَّ قَلِيلاً } خرج مخرج الاستثناء في اللفظ، وهو دليل على الجميع والإحاطة، وأنه لولا فضل الله عليهم ورحمته لم ينج أحد من الضلالة، فجعل قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً } دليلاً على الإحاطة. واستشهدوا على ذلك بقول الطرماح بن حكيم في مدح يزيد بن المهلب:

أشمُّ كثيرُ يَدِيِّ النَّوالِ قليلُ المَثالِبِ والقادِحَهْ

قالوا: فظاهر هذا القول وصف الممدوح بأن فيه المثالب والمعايب، ومعلوم أن معناه: أنه لا مثالب فيه ولا معايب؛ لأن من وصف رجلاً بأن فيه معايب وإن وصف الذي فيه المعايب بالقلة، فإنما ذمه ولم يمدحه، ولكن ذلك على ما وصفنا من نفي جميع المعايب عنه. قالوا: فكذلك قوله: {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلاَّ قَلِيلاً } إنما معناه: لاتبعتم جميعكم الشيطان.

وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي قول من قال: عنى باستثناء القليل من الإذاعة؛ وقال: معنى الكلام: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلاً، ولو ردّوه إلى الرسول.

وإنما قلنا: إن ذلك أولى بالصواب لأنه لا يخلو القول في ذلك من أحد الأقوال التي ذكرنا، وغير جائز أن يكون من قول: {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ } لأن من تفضل الله عليه بفضله ورحمته فغير جائز أن يكون من تباع الشيطان، وغير جائز أن نحمل معاني كتاب الله على غير الأغلب المفهوم بالظاهر من الخطاب في كلام العرب، ولنا إلى حمل ذلك على الأغلب من كلام العرب سبيل فنوجّهه إلى المعنى الذي وجهه إليه القائلون: معنى ذلك: لاتبعتم الشيطان جميعاً، ثم زعم أن قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً } دليل على الإحاطة بالجميع. هذا مع خروجه من تأويل أهل التأويل لا وجه له، وكذلك لا وجه لتوجيه ذلك إلى الاستثناء من قوله: {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } لأن علم ذلك إذا ردّ إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، فبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولو الأمر منهم بعد وضوحه لهم، استوى في علم ذلك كل مستنبط حقيقة، فلا وجه لاستثناء بعض المستنبطين منهم وخصوص بعضهم بعلمه مع استواء جميعهم في علمه. وإذ كان لا قول في ذلك إلا ما قلنا، ودخل هذه الأقوال الثلاثة ما بينا من الخلل، فبِّين أن الصحيح من القول في ذلك هو الرابع، وهو القول الذي قضينا له بالصواب من الاستثناء من الإذاعة.

الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ