انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير الطبريالآيات 129–137

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النساء

الخلاصة من تفسير الطبري · 12 مقطعًا · 3:03:07

  1. 1 الآيات 114–134في هذه الصفحة 18:21
  2. 2 الآيات 135–147في هذه الصفحة 12:55

التفسير الصوتي لسورة النساء كاملًا (12 مقطعًا)

وَلَن تَسْتَطِيعُوٓا۟ أَن تَعْدِلُوا۟ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا۟ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ۝١٢٩

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَاءِ }: لن تطيقوا أيها الرجال أن تسوّوا بين نسائكم وأزواجكم في حبهن بقلوبكم حتى تعدلوا بينهن في ذلك، مما لا تملكونه. وليس إليكم. {وَلَوْ حَرَصْتُمْ } يقول: ولو حرصتم في تسويتكم بينهنّ في ذلك. كما:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ } قال: واجب أن لا تستطيعوا العدل بينهن.

{فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ } يقول: فلا تميلوا بأهوائكم إلى من لم تملكوا محبته منهنّ كلّ الميل، حتى يحملكم ذلك على أن تجوروا على صواحبها في ترك أداء الواجب لهنّ عليكم من حقّ في القسم لهنّ، والنفقة عليهنْ، والعشرة بالمعروف. {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ } يقول: فتذروا التي هي سوى التي ملتم بأهوائكم إليها كالمعلقة، يعني: كالتي لا هي ذات زوج، ولا هي أيم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ما قلنا في قوله: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ }:

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ } قال: بنفسه في الحبّ والجماع.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن يونس، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ } قال بنفسه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص، عن أشعث، وهشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: سألته عن قوله: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ } فقال: في الجماع.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة،قال: في الحبّ والجماع.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سهل، عن عمرو، عن الحسن: في الحبّ.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: في الحبّ والجماع.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: قال أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن قوله: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ } قال: في المودة، كأنه يعني الحبّ.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ } يقول: لا تستطيع أن تعدل بالشهوة فيما بينهنّ ولو حرصت.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: اللهمّ أما قلبي فلا أملك، وأما سوى ذلك فأرجو أن أعدل.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ } يعني: في الحبّ والجماع.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قالا جميعاً: ثنا أيوب، عن أبي قلابة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول:

اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيما تَمْلِكُ وَلا أمْلِكُ

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حسين بن عليّ، عن زائدة، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مليكة قال: نزلت هذه الآية في عائشة: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَاءِ }.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك، قال: في الشهوة والجماع.

حدثنا ابن وكيع، ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قال: في الجماع.

حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء، قال: قال سفيان في قوله: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ } قال: في الحبّ والجماع.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ } قال: ما يكون من بدنه وقلبه، فذلك شيء لا يستطيع يملكه.

ذكر من قال ما قلنا في تأويل قوله: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ }:

حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ابن عون، عن محمد، قال: قلت لعبيدة: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ } قال: بنفسه.

حدثنا سفيان، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، عن عبيدة، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ } قال هشام: أظنه قال: في الحبّ والجماع.

حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة في قوله: {كُلَّ ٱلْمَيْلِ } قال: بنفسه.

حدثنا بحر بن نصر الخولاني، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: أخبرنا الأوزاعي، عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة عن قول الله: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ } قال: بنفسه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ } قال: في الغشيان والقسم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ }: لا تَعَمَّدوا الإساءة.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: بلغني عن مجاهد: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ } قال: يتعمد أن يسيء ويظلم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ } قال: هذا في العمل في مبيته عندها، وفيما تصيب من خيره.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ } يقول: يميل عليها فلا ينفق عليها، ولا يقسم لها يوماً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ } قال: يتعمد الإساءة، يقول: لا تميلوا كل الميل، قال: بلغني أنه الجماع.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه، فيعدل ويقول:

اللَّهُمَّ هَذهِ قِسْمَتِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيما تَمْلِكُ وَلا أمْلِكُ

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، بمثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن همام بن يحيـى، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:

مَنْ كانَتْ لَهُ امْرأتانِ يَمِيلُ مَعَ إحْدَاهُمَا على الأُخْرَى جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ أحَدُ شِقَّيْهِ ساقِطٌ

ذكر من قال ما قلنا في تأويل قوله: {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ }:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ } قال: تذروها لا هي أيّم، ولا ذات زوج.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيـى بن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير: {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ } قال: لا أيماً ولا ذات بعل.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يمان، عن مبارك، عن الحسن؛ {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ } قال: لا مطلقة، ولا ذات بعل.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن، مثله.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ }: أي كالمحبوسة أو كالمسجونة.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ } قال: كالمسجونة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، عن أبي جعفر، عن الربيع في قوله: {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ } يقول: لا مطلقة، ولا ذات بعل.

حدثني المثنى، قال: ثني إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد، قال: أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس في قوله: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ } لا مطلقة، ولا ذات بعل.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: بلغني عن مجاهد: {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ } قال: لا أيماً، ولا ذات بعل.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح: {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ } ليس بأيم، ولا ذات زوج.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي وأبو خالد وأبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك، قال: لا تدعها، كأنها ليس لها زوج.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ } قال: لا أيِّماً، ولا ذات بعل.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ } قال: المعلقة: التي ليست بمخلاّة ونفسها فتبتغي لها، وليست متهيئة كهيئة المرأة من زوجها، لا هي عند زوجها ولا مفارقة فتبتغي لنفسها، فتلك المعلقة.

قال أبو جعفر: وإنما أمر الله جلّ ثناؤه بقوله: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ } الرجال بالعدل بين أزواجهن فيما استطاعوا فيه العدل بينهنّ من القسمة بينهنّ والنفقة، وترك الجور في ذلك بإيثار أحداهنّ على الأخرى فيما فرض عليهم العدل بينهن فيه، إذ كان قد صفح لهم عما لا يطيقون العدل فيه بينهن، مما في القلوب من المحبة والهوى.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً }.

يعني بذلك جلّ ثناؤه: وإن تصلحوا أعمالكم أيها الناس، فتعدلوا في قسمكم بين أزواجكم وما فرض الله لهنّ عليكم من النفقة والعشرة بالمعروف، فلا تجوروا في ذلك. {وَتَتَّقُواْ } يقول: وتتقوا الله في الميل الذي نهاكم عنه، بأن تميلوا لإحداهنّ على الأخرى، فتظلموها حقها مما أوجبها الله له عليكم. {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً } يقول: فإن الله يستر عليكم ما سلف منكم من ميلكم وجوركم عليهنّ قبل ذلك بتركه عقوبتكم عليه، ويغطي ذلك عليكم بعفوه عنكم ما مضى منكم في ذلك قبل. {رَّحِيماً } يقول: وكان رحيماً بكم إذا تاب عليكم، فقبل توبتكم من الذي سلف منكم من جورتكم في ذلك عليهنّ، وفي ترخيصه لكم الصلح بينكم وبينهن، بصفحهن عن حقوقهنّ لكم من القسم على أن يطلقن.]

وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِۦ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمًا ۝١٣٠

يعني بذلك جلّ ثناؤه: فإن أبت المرأة التي قد نشز عليها زوجها، أو أعرض عنها بالميل منها إلى ضرتها لجمالها أو شبابها، أو غير ذلك مما تميل النفوس به إليها الصلح، لصفحها لزوجها عن يومها وليلتها، وطلبت حقها منه من القسم والنفقة وما أوجب الله لها عليه، وأبي الزوج الأخذ عليها بالإحسان الذي ندبه الله إليه بقوله:

{ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً }[النساء: 128] وإلحاقها في القسم لها والنفقة والعشرة بالتي هو إليها، مائل، فتفرّقا بطلاق الزواج إياها؛{يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ } يقول يغن الله الزوج والمرأة المطلقة من سعة فضله، أما هذه فبزوج هو أصلح لها من المطلق الأوّل، أو برزق واسع وعصمة؛ وأما هذا فبرزق واسع وزوجة هي أصلح له من المطلقة أو عفة. {وَكَانَ ٱللَّهُ وٰسِعاً } يعني: وكان الله واسعاً لهما في رزقه إياهما وغيرهما من خلقه. {حَكِيماً } فيما قضى بينه وبينها من الفرقة والطلاق، وسائر المعاني التي عرفناها من الحكم بينهما في هذه الآيات وغيرها وفي غير ذلك من أحكامه وتدبيره وقضاياه في خلقه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ } قال: الطلاق يغني الله كلاًّ من سعته.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.]

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا ۝١٣١

يعني بذلك جلّ ثناؤه: ولله ملك جميع ما حوته السموات السبع والأرضون السبع من الأشياء كلها. وإنما ذكر جلّ ثناؤه بعقب ذلك قوله:

{ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مّن سَعَتِهِ }[النساء: 130] تنبيهاً منه خلقه على موضع الرغبة عند فراق أحدهم زوجته، ليفزعوا إليه عند الجزع من الحاجة والفاقة والوحشة بفراق سكنه وزوجته، وتذكيراً منه له أنه الذي له الأشياء كلها وأن من كان له ملك جميع الأشياء فغير متعذّر عليه أن يغنيه، وكل ذي فاقة وحاجة، ويؤنس كل ذي وحشة. ثم رجع جلّ ثناؤه إلى عذل من سعي في أمر بني أبيرق وتوبيخهم ووعيد من فعل ما فعل المرتدّ منهم، فقال: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّـٰكُمْ } يقول: ولقد أمرنا أهل الكتاب وهم أهل التوراة والإنجيل وإياكم، يقول: وأمرناكم وقلنا لكم ولهم: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } يقول: احذروا أن تعصوه وتخالفوا أمره ونهيه، {وَإِن تَكْفُرُواْ } يقول: وإن تجحدوا وصيته إياكم أيها المؤمنون فتخالفوها، {فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } يقول: فإنكم لا تضرون بخلافكم وصيته غير أنفسكم، ولا تعدون في كفركم ذلك أن تكونوا أمثال اليهود والنصارى في نزول عقوبته بكم وحلول غضبه عليكم كما حلّ بهم، إذ بدلوا عهده ونقضوا ميثاقه، فغير بهم ما كانوا فيه من خفض العيش وأمن السِّرْب، وجعل منهم القردة والخنازير؛ وذلك أن له ملك جميع ما حوته السموات والأرض لا يمتنع عليه شيء أراده بجميعه وبشيء منه من إعزاز من أراد إعزازه وإذلال من أراد إذلاله وغير ذلك من الأمور كلها، لأن الخلق خلقه بهم إليه الفاقة والحاجة، وبه قوامهم وبقاؤهم وهلاكهم وفناؤهم، وهو الغنيّ الذي لا حاجة تحلّ به إلى شيء ولا فاقة تنزل به تضطره إليكم أيها الناس ولا إلى غيركم، والحميد الذي استوجب عليكم أيها الخلق الحمد بصنائعه الحميدة إليكم وآلائه الجميلة لديكم، فاستديموا ذلك يها الناس باتقائه، والمسارعة إلى طاعته فيما يأمركم به وينهاكم عنه. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا سيف، عن أبي روق عن عليّ رضي الله عنه: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً } قال: غنيًّا عن خلقه {حَمِيداً } قال: مستحمداً إليهم.]

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ۝١٣٢

يعني بذلك جلّ ثناؤه: ولله ملك جميع ما حوته السموات والأرض، وهم القيم بجميعه، والحافظ لذلك كله، لا يعزب عنه علم شيء منه، ولا يئوده حفظه وتدبيره. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } قال: حفيظاً.

فإن قال قائل: وما وجه تكرار قوله: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } في آيتين إحداهما في إثر الأخرى؟ قيل: كرّر ذلك لاختلاف معنى الخبرين عما في السموات والأرض في الآيتين، وذلك أن الخبر عنه في إحدى الآيتين ذكر حاجته إلى بارئه وغنى بارئه عنه، وفي الأخرى حفظ بارئه إياه به وعلمه به وتدبيره. فإن قال: أفلا قيل: وكان الله غنياً حميداً وكفى بالله وكيلاً؟ قيل: إن الذي في الآية التي قال فيها:

{ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً }[النساء: 131] مما صلح أن يختم ما ختم به من وصف الله بالغني وأنه محمود ولم يذكر فيها ما يصلح أن يختم بوصفه معه بالحفظ والتدبير، فلذلك كرّر قوله: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ

إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـَٔاخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا ۝١٣٣

يعني بذلك جلّ ثناؤه: {إِن يَشَأْ } الله أيها الناس {يُذْهِبْكُمْ } أي يذهبكم باهلاككم وإفنائكم. {وَيَأْتِ بِـاخَرِينَ } يَقول: ويأت بناس آخرين غيركم، لمؤازرة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ونصرته. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً } يقول: وكان الله على إهلاككم وإفنائكم، واستبدال آخرين غيركم بكم قديراً، يعني: ذا قدرة على ذلك. وإنما وبخ جلّ ثناؤه بهذه الآيات الخائنين الذين خانوا الدرع التي وصفنا شأنها، الذين ذكرهم الله في قوله: {وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ خَصِيماً } وحذّر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يكونوا مثلهم، وأن يفعلوا فعل المرتدّ منهم في ارتداده ولحاقه بالمشركين، وعرّفهم أن من فعل فعله منهم فلن يضرّ إلا نفسه ولن يوبق بردّته غير نفسه، لأنه المحتاج مع جميع ما في السموات وما في الأرض إلى الله، والله الغنيّ عنهم. ثم توعدهم في قوله: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـاخَرِينَ } بالهلاك والاستئصال إن هم فعلوا فعل ابن أبيرق طعمة المرتدّ، وباستبدال آخرين غيرهم بهم لنصرة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وصحبته ومؤازرته على دينه، كما قال في الآية الأخرى:

{ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـٰلَكُم } [محمد: 38].

وقد رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنها لما نزلت، ضرب بيده على ظهر سلمان، فقال:

هُمْ قَوْمُ هَذَا يعني عجم الفرس؛ كذلك.

حُدثت عن عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.

وقال قتادة في ذلك بما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـاخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً } قادر والله ربنا على ذلك، أن يهلك من يشاء من خلقه، ويأتي بآخرين من بعدهم.

مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا ۝١٣٤

يعني بذلك جلّ ثناؤه: {مَن كَانَ يُرِيدُ } ممن أظهر الإيمان لمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل النفاق الذين يستبطنون الكفر وهم مع ذلك يظهرون الإيمان. {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا } يعني: عرض الدنيا، بإظهار ما أظهر من الإيمان بلسانه. {فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا } يعني: جزاؤه في الدنيا منها وثوابه فيها، هو ما يصيب من المغنم إذا شهد مع النبيّ مشهداً، وأمنه على نفسه وذرّيته وماله، وما أشبه ذلك. وأما ثوابه في الآخرة فنار جهنم. فمعنى الآية: من كان من العاملين في الدنيا من المنافقين يريد بعمله ثواب الدنيا وجزاءها من عمله، فإن الله مجازيه جزاءه في الدنيا من الدنيا، وجزاءه في الآخرة من العقاب والنكال وذلك أن الله قادر على ذلك كله، وهو مالك جميعه، كما قال في الآية الأخرى:

{ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }[هود: 15-16]. وإنما عنى بذلك جلّ ثناؤه الذين سعوا في أمر بني أبيرق، والذين وصفهم في قوله: { وَلاَ تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لاَّ يَرْضَى مِنَ ٱلْقَوْلِ }[النساء: 107-108] ومن كان من نظرائهم في أفعالهم ونفاقهم.

وقوله: {كَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً } يعني: وكان الله سميعاً لما يقول هؤلاء المنافقون الذين يريدون ثواب الدنيا بأعمالهم، وإظهارهم للمؤمنين ما يظهرون لهم إذا لقوا المؤمنين وقولهم لهم آمنا. {بَصِيراً }: يعني: وكان ذا بصر بهم وبما هم عليه منطوون للمؤمنين فيما يكتمونه ولا يبدونه لهم من الغشّ والغلّ الذي في صدورهم.]

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا۟ وَإِن تَلْوُۥٓا۟ أَوْ تُعْرِضُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ۝١٣٥

وهذا تقدّمٌ من الله تعالى ذكره إلى عباده المؤمنين به وبرسوله أن يفعلوا فعل الذين سَعَوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر بني أبيرق، أن يقوم بالعذر لهم في أصحابه وذبهم عنهم وتحسينهم أمرهم بأنهم أهل فاقة وفقر؛ يقول الله لهم: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ } يقول: ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام بالقسط، يعني بالعدل. {شُهَدَاء للَّهِ } والشهداء: جمع شهيد، ونصبت الشهداء على القطع مما في قوله: «قوّامين»، من ذكر الذين آمنوا، ومعناه: قوموا بالقسط لله عند شهادتكم، أو حين شهادتكم. {وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ } يقول: ولو كانت شهادتكم على أنفسكم، أو على والديكم أو أقربيكم، فقوموا فيها بالقسط والعدل، وأقيموها على صحتها بأن تقولوا فيها الحقّ، ولا تميلوا فيها لغني لغناه على فقير، ولا لفقير لفقره على غنيّ فتجوروا، فإن الله الذي سوّى بين حكم الغنيّ والفقير فيما ألزمكم أيها الناس من إقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل أولى بهما، وأحقّ منكم، لأنه مالكهما وأولى بهما دونكم، فهو أعلم بما فيه مصلحة كل واحد منهما في ذلك وفي غيره من الأمور كلها منكم، فلذلك أمركم بالتسوية بينهما في الشهادة لهما وعليها. {فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ } يقول: فلا تتبعوا أهواء أنفسكم في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها لغنيّ على فقير أو لفقير على غنيّ إلى أحد الفريقين فتقولوا غير الحقّ، ولكن قوموا فيه بالقسط وأدّوا الشهادة على ما أمركم الله بأدائها بالعدل لمن شهدتم عليه وله.

فإن قال قائل: وكيف يقوم بالشهادة على نفسه الشاهد بالقسط، وهل يشهد الشاهد على نفسه؟ قيل؛ نعم، وذلك أن يكون عليه حقّ لغيره، فيقرّ له به، فذلك قيام منه له بالشهادة على نفسه. وهذه الآية عندي تأديب من الله جلّ ثناؤه عباده المؤمنين أن يفعلوا ما فعله الذين عذروا بني أبيرق في سرقتهم ما سرقوا وخيانتهم ما خانوا من ذكر ما قيل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهادتهم لهم عنده بالصلاح، فقال لهم: إذا قمتم بالشهادة لإنسان أو عليه، فقوموا فيها بالعدل ولو كانت شهادتكم على أنفسكم وآبائكم وأمهاتكم وأقربائكم، فلا يحملنكم غني من شهدتم له أو فقره أو قرابته ورحمة منكم على الشهادة له بالزور ولا على ترك الشهادة عليه بالحقّ وكتمانها. وقد قيل: إنها نزلت تأديباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن حسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ في قوله: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَاء للَّهِ } قال: نزلت في النبيّ صلى الله عليه وسلم، واختصم إليه رجلان غنيّ وفقير، وكان ضلعه مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغنيّ، فأبي الله إلا أن يقوم بالقسط في الغنيّ والفقير، فقال: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ }... الآية.

وقال آخرون في ذلك نحو قولنا إنها نزلت في الشهادة أمراً من الله المؤمنين أن يسوّوا في قيامهم بشهاداتهم لمن قاموا بها بين الغني والفقير. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ } قال: أمر الله المؤمنين أن يقولوا الحقّ ولو على أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم، ولا يحابوا غنياً لغناه، ولا يرحموا مسكيناً لمسكنته، وذلك قوله: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ } فتذروا الحقّ فتجورُوا.

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن يونس، عن ابن شهاب في شهادة الوالد لولده وذي القرابة، قال: كان ذلك فيما مضى من السنة في سلف المسلمين، وكانوا يتأوّلون في ذلك قول الله: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أوْلى بِهِما}... الآية، فلم يكن يُتهم سلف المسلمين الصالح في شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الرجل لامرأته، ثم دَخِلَ الناس بعد ذلك فظهرت منهم أمور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم إذا كانت من أقربائهم وصار ذلك من الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة لم يتهم إلا هؤلاء في آخر الزمان.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَاء للَّهِ }... إلى آخر الآية، قال: لا يحملك فقر هذا على أن ترحمه فلا تقيم عليه الشهادة، قال: يقول هذا للشاهد.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ }... الآية، هذا في الشهادة، فأقم الشهادة يا ابن آدم ولو على نفسك، أو الوالدين، أو على ذوي قرابتك، أو أشراف قومك، فإنما الشهادة لله وليست للناس، وإن الله رضي العدل لنفسه؛ والإقساط والعدل ميزان الله في الأرض، به يردّ الله من الشديد على الضعيف، من الكاذب على الصادق، ومن المبطل على المحقّ، وبالعدل يصدق الصادق، ويكذب الكاذب، ويردّ المعتدي، ويوبخه تعالى ربنا وتبارك، وبالعدل يصلح الناس. يا ابن آدم إن يكن غنياً أو فقيراً، فالله أولى بهما، يقول: أولى بغنيكم وفقيركم. قال: وذكر لنا أن نبيّ الله موسى عليه السلام قال: يا ربّ أيّ شيء وضعت في الأرض أقلّ؟ قال: «العدل أقلّ ما وضعت في الأرض، فلا يمنعك غني عنيّ ولا فقر فقير أن تشهد عليه بما تعلم، فإن ذلك عليك من الحق». وقال جلّ ثناؤه: {فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا }.

وقد قيل: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً }... الآية، أريد: فالله أولى بغنى الغنيّ وفقر الفقير، لأن ذلك منه لا من غيره، فلذلك قال «بهما»، ولم يقل «به».

وقال آخرون: إنما قيل «بهما» لأنه قال: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً } فلم يقصد فقيراً بعينه ولا غنيا بعينه، وهو مجهول، وإذا كان مجهولاً جاز الردّ عليه بالتوحيد والتثنية والجمع. وذكر قائلوا هذا القول أنه في قراءة أبيّ: «فاللّهُ أوْلى بِهِمْ».

وقال آخرون: «أو» بمعنى الواو في هذا الموضع.

وقال آخرون: جاز تثنية قوله «بهما»، لأنهما قد ذكرا كما قيل:

{ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلّ وٰحِدٍ مِّنْهُمَا }[النساء: 12]. وقيل: جاز لأنه أضمر فيه «مَنْ» كأنه قيل: إن يكن من خاصم غنياً أو فقيراً، بمعنى: غنيين أو فقيرين، فالله أولى بهما.

وتأويل قوله؛ {فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ } أي عن الحقّ، فتجوروا بترك إقامة الشهادة بالحقّ. ولو وُجّه إلى أن معناه: فلا تتبعوا أهواء أنفسكم هرباً من أن تعدلوا عن الحقّ في إقامة الشهادة بالقسط كان وجهاً. وقد قيل: معنى ذلك: فلا تتبعوا الهوى لتعدلوا، كما يقال: لا تتبع هواك لترضي ربك، بمعنى: أنهاك عنه كما ترضي ربك بتركه.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً }.

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: عني: وإن تلووا أيها الحكام في الحكم لأحد الخصمين على الآخر أو تعرضوا، فإن الله كان بما تعملون خبيراً. ووجهوا معنى الآية إنها نزلت في الحكام على نحو القول الذي ذكرنا عن السديّ من قوله: إن الآية نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما ذكرنا قبل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس في قول الله: {وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ } قال: هما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي، فيكون لَيُّ القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر.

وقال آخرون: معنى ذلك: وإن تلووا أيها الشهداء في شهاداتكم فتحرّفوها ولا تقيموها، أو تعرضوا عنها فتتركوها. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ } يقول: إن تلووا بألسنتكم بالشهادة أو تعرضوا عنها.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَاء للَّهِ }... إلى قوله: {وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ } يقول: تلوي لسانك بغير الحقّ، وهي اللجلجة، فلا تقيم الشهادة على وجهها. والإعراض الترك.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَإِن تَلْوُواْ }: أي تبدلّوا الشهادة؛ {أَوْ تُعْرِضُواْ } قال: تكتموها.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَإِن تَلْوُواْ } قال: بتبديل الشهادة، والإعراض: كتمانها.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ } قال: إن تحرّفوا، أو تتركوا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ } قال: تلجلجوا أو تكتموا؛ وهذا في الشهادة.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ } أما تلووا: فتلوي للشهادة فتحرّفها حتى لا تقيمها؛ وأما «تعرضوا»: فتعرض عنها فتكتمها وتقول: ليس عندي شهادة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {وَإِن تَلْوُواْ } فتكتموا الشهادة، تلوي: تنقص منها، أو تعرض عنها فتكتمها فتأبى أن تشهد عليه، تقول: أكتم عنه لأنه مسكين أرحمه فتقول: لا أقيم الشهادة عليه، وتقول: هذا غنيّ أبقيه وأرجو ما قَبِله فلا أشهد عليه، فذلك قوله: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً }.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَإِن تَلْوُواْ } تحرّفوا {أَوْ تُعْرِضُواْ }: تتركوا.

حدثنا محمد بن عمارة، قال: ثنا حسن بن عطية، قال: ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية في قوله: {وَإِن تَلْوُواْ } قال: إن تلجلجوا في الشهادة فتفسدوها، {أَوْ تُعْرِضُواْ } قال: فتتركوها.

حدثنا المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ } قال: إن تلووا في الشهادة، أن لا تقيموها على وجهها {أَوْ تُعْرِضُواْ } قال: تكتموا الشهادة.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال: ثنا شيبان، عن قتادة أنه كان يقول: {وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ } يعني: تلجلجوا {أَوْ تُعْرِضُواْ } قال: تدعها فلا تشهد.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ } أما تلووا: فهو أن يلوي الرجل لسانه بغير الحقّ، يعني في الشهادة.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويل من تأوّله: إنه ليّ الشاهد شهادته لمن يشهد له وعليه؛ وذلك تحريفه إياها لسانه وتركه إقامتها ليبطل بذلك شهادته لمن شهد له وعمن شهد عليه. وأما إعراضه عنها، فإنه تركه أداءها والقيام بها فلا يشهد بها. وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالصواب، لأن الله جلّ ثناؤه قال: {كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَاء للَّهِ } فأمرهم بالقيام بالعدل شهداء، وأظهر معاني الشهداء ما ذكرنا من وصفهم بالشهادة.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: {وَإِن تَلْوُواْ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار سوى الكوفة {وَإِن تَلْوُواْ } بواوين من: لواني الرجل حقي، والقوم يلوونني دَيْني، وذلك إذا مَطَلوه، لَيًّا. وقرأ ذلك جماعة من قرّاء أهل الكوفة: «وَإنْ تَلُوا» بواو واحدة؛ ولقراءة من قرأ ذلك كذلك وجهان: أحدهما أن يكون قارئها أراد همز الواو لانضمامها، ثم أسقط الهمز، فصار إعراب الهمز في اللام إذ أسقطه، وبقيت واو واحدة، كأنه أراد: تلوؤا، ثم حذف الهمز. وإذا عني هذا الوجه كان معناه معنى من قرأ: {وَإِن تَلْوُواْ } بواوين غير أنه خالف المعروف من كلام العرب، وذلك أن الواو الثانية من قوله: {تَلْوُواْ } واو جمع، وهي علم لمعنى، فلا يصحّ همزها ثم حذفها بعد همزها، فيبطل علم المعنى الذي له أدخلت الواو المحذوفة. والوجه الآخر: أن يكون قارئها كذلك، أراد: إن تلوا، من الولاية، فيكون معناه: وإن تلوا أمور الناس، أو تتركوا. وهذا معنى إذا وجه القارىء قراءته على ما وصفنا إليه، خارج عن معاني أهل التأويل وما وجه إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون تأويل الآية. فإذا كان فساد ذلك واضحاً من كلا وجهيه، فالصواب من القراءة الذي لا يصلح غيره أن يقرأ به عندنا: {وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ } بمعنى الليّ: الذي هو مطل، فيكون تأويل الكلام: وإن تدفعوا القيام بالشهادة على وجهها لمن لزمكم القيام له بها، فتغيروها، وتبدّلوا، أو تعرضوا عنها، فتتركوا القيام له بها، كما يلوي الرجل دين الرجل، فيدافعه بأدائه إليه على ما أوجب عليه له مطلاً منه له، كما قال الأعشى:

يَلْوِينَنِي دَيْنِي النَّهارَ وأقْتَضِي دَيْنِي إذا وَقَذَ النُعَّاسُ الرُّقَّدَا

وأما تأويل قوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } فإنه أراد: فإن الله كان بما تعملون من إقامتكم الشهادة وتحريفكم إياها وإعراضكم عنها بكتمانكموها، خبيراً، يعني: ذا خبرة وعلم به، يحفظ ذلك منكم عليكم حتى يجازيكم به جزاءكم في الآخرة، المحسن منكم بإحسانه، والمسيء باساءته، يقول: فاتقوا ربكم في ذلك. ]

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا ۝١٣٦

يعني بذلك جلّ ثناؤه: {يا أيُّها ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ }: بمن قَبل محمد من الأنبياء والرسل، وصدّقوا بما جاءوهم به من عند الله. { ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } يقول: صدّقوا بالله، وبمحمد رسوله، أنه لله رسول مرسل إليكم وإلى سائر الأمم قبلكم. {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ } يقول: وصدّقوا بما جاءكم به محمد من الكتاب الذي نزله الله عليه، وذلك القرآن. {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى أَنَزلَ مِن قَبْلُ } يقول: وآمنوا بالكتاب الذي أنزل الله من قبل الكتاب الذي نزّله على محمد صلى الله عليه وسلم وهو التوراة والإنجيل.

فإن قال قائل: وما وجه دعاء هؤلاء إلى الإيمان بالله ورسوله وكتبه وقد سماهم مؤمنين؟ قيل: إنه جلّ ثناؤه لم يسمهم مؤمنين، وإنما وصفهم بأنهم آمنوا، وذلك وصف لهم بخصوص من التصديق، وذلك أنهم كانوا صنفين: أهل توراة مصدّقين بها وبمن جاء بها، وهم مكذّبون بالإنجيل والقرآن وعيسى ومحمد صلوات الله عليهما؛ وصنف أهل إنجيل وهم مصدّقون به وبالتوراة وسائر الكتب، مكذّبون بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان. فقال جلّ ثناؤه لهم: {يا أيُّها ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } يعني: بما هم به مؤمنون من الكتب والرسل، {ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } محمد صلى الله عليه وسلم، {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِينَ نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ } فإنكم قد علمتم أن محمداً رسول الله تجدون صفته في كتبكم، {وَبِٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِينَ أُنزِلَ مِن قَبْلُ } الذي تزعمون أنكم به مؤمنون، فإنكم لن تكونوا به مؤمنين وأنتم بمحمد مكذّبون، لأن كتابكم يأمركم بالتصديق به وبما جاءكم به، فآمنوا بكتابكم في اتباعكم محمداً، وإلا فأنتم به كافرون. فهذا وجه أمرهم بالإيمان بما أمرهم بالإيمان به، بعد أن وصفهم بما وصفهم بقوله: {يا أيُّها ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ }.

وأما قوله: {وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } فإن معناه: ومن يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فيجحد نبوّته، فهو يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، لأن جحود الشيء من ذلك بمعنى جحوده جميعه؛ وذلك لأنه لا يصحّ إيمان أحد من الخلق إلا بالإيمان بما أمره الله بالإيمان به، والكفر بشيء منه كفر بجميعه، فلذلك قال: {وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } بعقب خطابه أهل الكتاب، وأمره إياهم بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم تهديداً منه لهم، وهم مقرّون بوحدانية الله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر سوى محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الفرقان. وأما قوله: {فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً بَعِيداً } فإنه يعني: فقد ذهب عن قصد السبيل، وجار عن محجة الطريق إلى المهالك ذهاباً وجوراً بعيداً، لأن كفر من كفر بذلك خروج منه عن دين الله الذي شرعه لعباده، والخروج عن دين الله: الهلاك الذي فيه البوار، والضلال عن الهدى هو الضلال.]

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًۢا ۝١٣٧

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } بموسى {ثُمَّ كَفَرُواْ } به {ثُمَّ ءامَنُواْ } يعني النصارى بعيسى، {ثُمَّ كَفَرُواْ } به {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً } بمحمد، {لَّمْ يَكُنْ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً }. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً } وهم اليهود والنصارى، آمنت اليهود بالتوراة، ثم كفرت؛ وآمنت النصارى بالإنجيل، ثم كفرت؛ وكفرهم به: تركهم إياه، ثم ازدادوا كفراً بالفرقان وبمحمد صلى الله عليه وسلم، فقال الله: {لَّمْ يَكُنْ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } يقول: لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريق هدى، وقد كفروا بكتاب الله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: «إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثمَّ كَفَروا} قال: هؤلاء اليهود آمنوا بالتوراة، ثم كفروا. ثم ذكر النصاري، ثم قال:{ ثُمَّ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً} يقول: آمنوا بالإنجيل ثم كفروا به، ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: بل عني بذلك: أهل النفاق أنهم آمنوا ثم ارتدّوا، ثم آمنوا ثم ارتدّوا، ثم ازدادوا كفراً بموتهم على كفرهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً } قال: كنا نحسبهم المنافقين، ويدخل في ذلك من كان مثلهم. {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً } قال: ثَمُّوا على كفرهم حتى ماتوا.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً } قال: ماتوا.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً } قال: حتى ماتوا.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ }... الآية، قال: هؤلاء المنافقون آمنوا مرّتين، وكفروا مرّتين، ثم ازدادوا كفراً بعد ذلك.

وقال آخرون: بل هم أهل الكتابين: التوراة والإنجيل، أتوا ذنوباً في كفرهم فتابوا، فلم تقبل منهم التوبة فيها مع إقامتهم على كفرهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً } قال: هم اليهود والنصارى أذنبوا في شركهم، ثم تابوا فلم تقبل توبتهم، ولو تابوا من الشرك لقبل منهم.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عني بذلك أهل الكتاب الذين أقرّوا بحكم التوراة، ثم كذبوا بخلافهم إياه، ثم أقرّ من أقرّ منهم بعيسى والإنجيل، ثم كذب به بخلافه إياه، ثم كذّب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان، فازداد بتكذيبه به كفراً على كفره.

وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب في تأويل هذه الآية، لأن الآية قبلها في قصص أهل الكتابين، أعني قوله:

{ يَٰـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ }[النساء: 136] ولا دلالة تدلّ على أن قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ } منقطع معناه من معنى ما قبله، فإلحاقه بما قبله أَوْلَى حتى تأٍّي دلالة دالة على انقطاعه منه.

وأما قوله: {لَّمْ يَكُنْ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ } فإنه يعني: لم يكن الله ليستر عليهم كفرهم وذنوبهم بعفوه عن العقوبة لهم عليه، ولكنه يفضحهم على رءوس الأشهاد. {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } يقول: ولم يكن ليسدّدهم لإصابة طريق الحقّ فيوفقهم لها، ولكنه يخذلهم عنها عقوبة لهم على عظيم جرمهم وجراءتهم على ربهم. وقد ذهب قوم إلى أن المرتدّ يستتاب ثلاثاً انتزاعاً منهم بهذه الآية، وخالفهم على ذلك آخرون. ذكر من قال يستتاب ثلاثاً:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص، عن أشعث، عن الشعبيّ، عن عليّ عليه السلام، قال: إن كنت لمستتيب المرتدّ ثلاثاً. ثم قرأ هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر، عن عليّ رضي الله عنه: يستتاب المرتدّ ثلاثاً، ثم قرأ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً }.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عبد الكريم، عن رجل، عن ابن عمر، قال: يستتاب المرتدّ ثلاثاً.

وقال آخرون: يستتاب كلما ارتدّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عمرو بن قيس، عمن سمع إبراهيم، قال: يستتاب المرتدّ كلما ارتد.

قال أبو جعفر: وفي قيام الحجة بأن المرتدّ يستتاب المرة الأولى، الدليل الواضح على أن الحكم كل مرّة ارتدّ فيها عن الإسلام حكم المرّة الأولى في أن توبته مقبولة، وأن إسلامه حقن له دمه؛ لأن العلة التي حقنت دمه في المرة الأولى إسلامه، فغير جائز أن توجد العلة التي من أجلها كان دمه محقوناً في الحالة الأولى ثم يكون دمه مباحاً مع وجودها، إلا أن يفرق بين حكم المرّة الأولى وسائر المرّات غيرها ما يجب التسليم له من أصل محكم، فيخرج من حكم القياس حينئذٍ.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ