انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير الطبريالآيات 138–149

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النساء

الخلاصة من تفسير الطبري · 12 مقطعًا · 3:03:07

  1. 1 الآيات 135–147في هذه الصفحة 12:55
  2. 2 الآيات 148–162في هذه الصفحة 14:19

التفسير الصوتي لسورة النساء كاملًا (12 مقطعًا)

بَشِّرِ ٱلْمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ۝١٣٨

يعني بذلك جلّ ثناؤه: {وَبَشّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ }: أخبر المنافقين، وقد بينا معنى التبشير فيما مضى بما أغني عن إعادته. {بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } يعني: بأن لهم يوم القيامة من الله على نفاقهم، عذابا أليماً، وهو الموجع، وذلك عذاب جهنم.

ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۝١٣٩

..

أما قوله جلّ ثناؤه: {ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } فمن صفة المنافقين. يقول الله لنبيه: يا محمد، بشر المنافقين الذين يتخذون أهل الكفر بي والإلحاد في ديني أولياء: يعني أنصاراً وأخلاء من دون المؤمنين، يعني: من غير المؤمنين. {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ } يقول: أيطلبون عندهم المنعة والقوّة باتخاذهم إياهم أولياء من دون أهل الإيمان بي. {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } يقول: فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياء ابتغاء العزّة عندهم، هم الأذلاء الأقلاّء، فهلاّ اتخذوا الأولياء من المؤمنين، فيلتمسوا العزّة والمنعة والنصرة من عند الله، الذي له العزّة والمنعة، الذي يعزّ من يشاء، ويذلّ من يشاء فيعزّهم ويمنعهم؟ وأصل العزّة: الشدّة؛ ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز، وقيل: قد اسْتِعزَّ على المريض: إذا اشتدّ مرضه وكاد يُشْفِي، ويقال: تعزّز اللحم: إذا اشتدّ؛ ومنه قيل: عزّ عليّ أن يكون كذا وكذا، بمعنى: اشتدّ عليّ.]

وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا۟ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْكَٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا ۝١٤٠

..

يعني بذلك جلّ ثناؤه: بشر المنافقين الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } يقول: أخبر من اتخذ من هؤلاء المنافقين الكفار أنصاراً وأولياء بعد ما نزل عليهم من القرآن. { أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ } يعني: بعد ما علموا نهى الله عن مجالسة الكفار الذين يكفرون بحجج الله وآي كتابه، ويستهزئون بها، {حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ } يعني بقوله: {يَخُوضُواْ }: يتحدّثوا حديثاً غيره بأن لهم عذاباً أليماً. وقوله: {إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } يعني: وقد نزل عليكم أنكم إن جالستم من يكفر بآيات الله، ويستهزىء بها وأنتم تسمعون فأنتم مثله، يعني: فأنتم إن لم تقوموا عنهم في تلك الحال مثلهم في فعلهم، لأنكم قد عصيتم الله بجلوسكم معهم، وأنتم تسمعون آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها، كما عصوه باستهزائهم بآيات الله، فقد أتيتم من معصية الله نحو الذي أتوه منها، فأنتم إذاً مثلهم في ركوبكم معصية الله، وإتيانكم ما نهاكم الله عنه. وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كلّ نوع من المبتدعة والفسقة عند خوضهم في باطلهم.

وبنحو ذلك كان جماعة من الأمة الماضية يقولون تأوّلاً منهم هذه الآية، إنه مراد بها النهي عن مشاهدة كلّ باطل عند خوض أهله فيه. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي، عن أبي وائل، قال: إن الرجل ليتكلم بالكلمة في المجلس من الكذب ليضحك بها جلساءه، فيسخط الله عليهم. قال: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي، فقال: صدق أبو وائل! أو ليس ذلك في كتاب الله: { أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ }.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن العلاء بن المنهال، عن هشام بن عروة، قال: أخذ عمر بن عبد العزيز قوماً على شراب، فضربهم وفيهم صائم، فقالوا: إن هذا صائم! فتلا: {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ }.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايَـٰتِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا} وقول:

{ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ }[الأنعام: 153]، وقوله: { أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ }[الشورى: 13]، ونحو هذا من القرآن، قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم: إنما هلك من كان قبلكم بالمراء والخصومات في دين الله.

وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ } يقول: إن الله جامع الفريقين من أهل الكفر والنفاق في القيامة في النار، فموفق بينهم في عقابه في جهنم وأليم عذابه، كما اتفقوا في الدنيا فاجتمعوا على عداوة المؤمنين وتوازروا على التخذيل عن دين الله وعن الذي ارتضاه وأمر به أهله.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: «وَقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ» فقرأ ذلك عامة القرّاء بضمَّ النون وتثقيل الزاي وتشديدها على وجه ما لم يسم فاعله. وقرأ بعض الكوفين بفتح النون وتشديد الزاي على معنى: وقد نزّل الله عليكم. وقرأ ذلك بعض المكيين: «وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْكُمْ» بفتح النون وتخفيف الزاي، بمعنى: وقد جاءكم من الله أن إذا سمعتم.

قال أبو جعفر: وليس في هذه القراءات الثلاثة وجه يبعد معناه مما يحتمله الكلام، غير أن الذي أختار القراءة به قراءة من قرأ: «وَقَدْ نُزِّلَ» بضمّ النون وتشديد الزاي، على وجه ما لم يسمّ فاعله؛ لأن معنى الكلام فيه: التقديم على ما وصلت قبل، على معنى الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين؛ «وَقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ أنْ إذَا سَمعْتُمْ آياتِ اللّهِ يُكْفَرُ بِها»... إلى قوله: {حَدِيثٍ غَيْرِهِ }

{ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ }[النساء: 139]. فقوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً }[النساء: 139] يعني التأخير، فلذلك كان ضمّ النون من قوله: «نُزّلَ» أصوب عندنا في هذا الموضع. وكذا اختلفوا في قراءة قوله: { وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى أَنَزلَ مِن قَبْلُ }[النساء: 136] فقرأه بفتح «وأنْزَلَ» أكثر القراء، بمعنى: والكتاب الذي نزّل الله على رسوله، والكتاب الذي أنزل من قبل. وقرأ ذلك بعض قرّاء البصرة بضمه في الحرفين كلاهما، بمعنى: ما لم يسمّ فاعله. وهما متقاربتا المعنى، غير أن الفتح في ذلك أعجب إليّ من الضمّ، لأن ذكر الله قد جرى قبل ذلك في قوله: {ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ }.]

ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَٰفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ۝١٤١

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ } الَّذينَ ينتظرون أيها المؤمنون بكم. {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ ٱللَّهِ } يعني: فإن فتح الله عليكم فتحاً من عدوّكم، فأفاء عليكم فيئاً من المغانم. {قَالُواْ } لكم {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ } نجاهد عدوّكم، ونغزوهم معكم، فأعطونا نصيباً من الغنيمة، فإنا قد شهدنا القتال معكم. {وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ } يعني: وإن كان لأعدائكم من الكافرين حظّ منكم بإصابتهم منكم. {قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } يعني: قال هؤلاء المنافقون للكافرين: {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ }: ألم نغلب عليكم حتى قهرتم المؤمنين، ونمنعكم منهم بتخذيلنا إياهم، حتى امتنعوا منكم فانصرفوا. {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } يعني: فالله يحكم بين المؤمنين والمنافقين يوم القيامة، فيفصل بينكم بالقضاء الفاصل بإدخال أهل الإيمان جنته وأهل النفاق مع أوليائهم من الكفار نارَه. {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } يعني: حجة يوم القيامة، وذلك وعد من الله المؤمنين أنه لن يدخل المنافقين مدخلهم من الجنة ولا المؤمنين مدخل المنافقين، فيكون بذلك للكافرين على المؤمنين حجة، بأن يقولوا لهم: أن ادخلوا مدخلهم، ها أنتم كنتم في الدنيا أعداءنا، وكان المنافقون أولياءنا، وقد اجتمعتم في النار فيجمع بينكم وبين أوليائنا، فأين الذين كنتم تزعمون أنكم تقاتلوننا من أجله في الدنيا؟ فذلك هو السبيل الذي وعد الله المؤمنين أن لا يجعلها عليهم للكافرين.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ ٱللَّهِ } قال: المنافقون يتربصون بالمسلمين، فإن كان لكم فتح قال: إن أصاب المسلمون من عدوّهم غنيمة، قال المنافقون: ألم نكن معكم؟ قد كنا معكم فأعطونا غنيمة مثل ما تأخذون! وإن كان للكافرين نصيب يصيبونه من المسلمين، قال المنافقون للكافرين: ألم نستحوذ عليكم، ونمنعكم من المؤمنين؟ قد كنا نثبطهم عنكم!.

واختلف أهل التأويل في تأول قوله: {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } فقال بعضهم: معناه: ألم نغلب عليكم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ في قوله: {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } قال: نغلب عليكم.

وقال آخرون: معنى ذلك: ألم نبين لكم أنَّا معكم على ما أنتم عليه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } ألم نبين لكم أنَّا معكم على ما أنتم عليه.

قال أبو جعفر: وهذان القولان متقاربا المعنى، وذلك أن من تأوّله بمعنى: ألم نبين لكم إنما أراد إن شاء الله ألم نغلب عليكم بما كان منا من البيان لكم أنَّا معكم. وأصل الاستحواذ في كلام العرب فيما بلغنا الغلبة، ومنه قول الله جلّ ثناؤه:

{ ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَأَنسَـٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ }[المجادله: 19] بمعنى غلب عليهم، يقال منه: حاذ عليه، واستحاذ يحيذ ويستحيذ، وأحاذ يحيذ. ومن لغة من قال حاذ، قول العجاج في صفة ثور وكلب:

يَحُـوذُهُـنَّ وَلَـهُ حُـوذِيُّ

وقد أنشد بعضهم:

يَحُـوزهُـنَّ وَلَـهُ حُـوزِي

وهما متقاربا المعنى. ومن لغة من قال أحاذ، قول لبيد في صفة عَيْر وأُتُن:

إذَا اجْتَمَعْتْ وأحوذَ جانِبَيْهاوأوْرَدَها على عُوجٍ طِوَالِ

يعني بقوله: وأحوذ جانبيها: غلبها وقهرها حتى حاذ كلا جانبيه فلم يشذّ منها شيء. وكان القياس في قوله: { ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ }[المجادله: 19] أن يأتي استحاذ عليهم، لأن الواو إذا كانت عين الفعل وكانت متحركة بالفتح وما قبلها ساكن، جعلت العرب حركتها في فاء الفعل قبلها، وحوّلوها ألفاً متبعة حركة ما قبلها، كقولهم: استحال هذا الشيء عما كان عليه من حال يحول، واستنار فلان بنور الله من النور، واستعاذ بالله من عاذ يعوذ. وربما تركوا ذلك على أصله، كما قال لبيد: «وأحوذ»، ولم يقل: «وأحاذ»، وبهذه اللغة جاء القرآن في قوله: { ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } [المجادله: 19].

وأما قوله: {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } فلا خلاف بينهم في أن معناه: ولن يجعل الله للكافرين يومئذٍ على المؤمنين سبيلاً. ذكر الخبر عمن قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن ذرّ، عن يُشَيْع الحضرميّ، قال: كنت عند عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال رجل: يا أمير المؤمنين أرأيت قول الله: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } وهم يقاتلوننا فيظهرون ويقتلون؟ قال له عليّ: ادنه! ثم قال: {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } يوم القيامة.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوريّ، عن الأعمش، عن ذرّ، عن يُسَيْع الكندي في قوله: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } قال: جاء رجل إلى عليّ بن أبي طالب، فقال: كيف هذه الآية: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }؟ فقال عليّ: ادنه! {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ } يوم القيامة {لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }.

حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن ذرّ، عن بُسَيْع الحضرميّ، عن عليّ بنحوه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن شعبة، قال: سمعت سليمان يحدّث عن ذرّ، عن رجل، عن عليّ رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } قال: في الآخرة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السديّ، عن أبي مالك: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } يوم القيامة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراسانيّ، عن ابن عباس: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } قال: ذاك يوم القيامة.

وأما السبيل في هذا الموضع فالحجة. كما:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ في قوله: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } قال: حجة.]

إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ۝١٤٢

قد دللنا فيما مضى قبل على معنى خداع المنافق ربه ووجه خداع الله إياهم، بما أغني عن إعادته في هذا الموضع، مع اختلاف المختلفين في ذلك.

فتأويل ذلك: إن المنافقين يخادعون الله باحرازهم بنفاقهم دماءهم وأموالهم، والله خادعهم بما حكم فيهم من منع دمائهم بما أظهروا بألسنتهم من الإيمان، مع علمه بباطن ضمائرهم، واعتقادهم الكفر، استدراجاً منه لهم في الدنيا حتى يلقوه في الآخرة، فيوردهم بما استنبطنوا من الكفر نار جهنم. كما:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } قال: يعطيهم يوم القيامة نوراً يمشون به مع المسلمين كما كانوا معهم في الدنيا، ثم يسلبهم ذلك النور فيطفئه، فيقومون في ظلمتهم ويضرب بينهم بالسور.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } قال: نزلت في عبد الله بن أبيّ، وأبي عامر بن النعمان، وفي المنافقين؛ يخادعون الله وهو خادعهم، قال: مثل قوله في البقرة: {يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءامَنُوا وَمَا يُخَـٰدِعُونَ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ }. قال: وأما قوله: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ } فيقول: في النور الذي يعطي المنافقون مع المؤمنين، فيعطون النور، فإذا بلغوا السور سلب، وما ذكرا لله من قوله:

{ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ }[الحديد: 13] قال: قوله: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ }.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الحسن، أنه كان إذا قرأ: {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } قال: يُلْقَى على كلّ مؤمن ومنافق نور يمشون به، حتى إذا انتهوا إلى الصراط طفيء نور المنافقين، ومضي المؤمنين بنورهم، فينادونهم:

{ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ }[الحديد: 13]... إلى قوله: { وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ }[الحديد: 14] قال الحسن: فتلك خديعة الله إياهم.

وأما قوله: {وَإِذَا قَامُواْ إلى ٱلصَّـلـٰةِ قامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ ٱلنَّاسَ} فإنه يعني: أن المنافقين لا يعملون شيئاً من الأعمال التي فرضها الله على المؤمنين على وجه التقرب بها إلى الله، لأنهم غير موقنين بمعاد ولا ثواب ولا عقاب، وإنما يعملون ما عملوا من الأعمال الظاهرة بقاء على أنفسهم وحذاراً من المؤمنين عليها أن يقتلوا أو يسلبوا أموالهم، فهم إذا قاموا إلى الصلاة التي هي من الفرائض الظاهرة، قاموا كسالى إليها، رياءً للمؤمنين، ليحسبوهم منهم وليسوا منهم؛ لأنهم غير معتقدي فرضها ووجوبها عليهم، فهم في قيامهم إليها كسالي. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإِذَا قَامُواْ إلى ٱلصَّـلـٰةِ قامُوا كُسَالى } قال: والله لولا الناس ما صلى المنافق ولا يصلي إلا رياء وسمعة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَإِذَا قَامُواْ إلى ٱلصَّـلـٰةِ قامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ ٱلنَّاسَ} قال: هم المنافقون، لولا الرياء ما صلوا.

وأما قوله: {وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } فلعلّ قائلاً أن يقول: وهل من ذكر الله شيء قليل؟ قيل له: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبت، إنما معناه: ولا يذكرون الله إلا ذكراً رياء، ليدفعوا به عن أنفسهم القتل والسباء وسلب الأموال، لا ذكر موقن مصدّق بتوحيد الله مخلص له الربوبية، فلذلك سماه الله قليلاً، لأنه غير مقصود به الله ولا مُبْتَغَي به التقرّب إلى الله، ولا مراداً به ثواب الله، وما عنده فهو وإن كثر من وجه نَصَب عامله، وذاكره في معنى السراب الذي له ظاهر بغير حقيقة ماء.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن أبي الأشهب، قال: قرأ الحسن: {وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } قال: إنما قلّ لأنه كان لغير الله.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } قال: إنما قلّ ذكر المنافق لأن الله لم يقبله، وكلّ ما ردّ الله قليل وكلّ ما قبل الله كثير.]

مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًا ۝١٤٣

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {مُّذَبْذَبِينَ }: مردّدين، وأصل التذبذب: التحرّك والاضطراب، كما قال، النابغة:

ألَمْ تَرَ أنْ اللّهَ أعْطَاكَ سُورَةً ترَى كُلَّ مَلْكٍ دُوَنها يَتَذبْذَبُ

وإنا عنى بذلك: أن المنافقين متحيرون في دينهم، لا يرجعون إلى اعتقاد شيء على صحةٍ فهم لامع المؤمنين على بصيرة، ولا مع المشركين على جهالة، ولكنهم حيارى بين ذلك، فمثلهم المثل الذي ضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي:

حدثنا به محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:

مَثَلُ المُنافِقِ كَمَثَل الشَّاةِ العائِرةِ بَيَنَ الغَنَمَيْنِ، تَعِيرُ إلى هَذِهِ مَرَّةً وَإلى هَذِهِ مَرَّةً، لا تَدْرِي أيَّتَهُما تَتْبَعُ

وحدثنا به محمد بن المثنى مرّة أخرى عن عبد الوهاب، فوقفه على ابن عمر ولم يرفعه، قال: ثنا عبد الوهاب مرْتين كذلك.

ثني عمران بن بكار، قال: ثنا أبو روح، قال: ثنا ابن عباس، قال: ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثله.

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء } يقول: ليسوا بمشركين فيظهروا الشرك، وليسوا بمؤمنين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء } يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين ولا مشركين مصرّحين بالشرك. قال: وذكر لنا أن نبيّ الله عليه الصلاة والسلام كان يضرب مثلاً للمؤمن والمنافق والكافر، كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر، فوقع المؤمن فقطع، ثم وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن، ناداه الكافر: أن هلمّ إليّ فإني أخشى عليك! وناداه المؤمن: أن هلمّ إليّ فإن عندي وعندي! يحصي له ما عنده. فما زال المنافق يتردّد بينهما حتى أتي عليه الماء فغرّقه، وإن المنافق لم يزل في شكّ وشبهة حتى أتى عليه الموت وهو كذلك. قال: وذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

مَثَلُ المُنافِقِ كَمَثَلِ ثاغِيَةٍ بينَ غَنَمَيْنِ رأتْ غَنَماً عَلى نَشَزٍ، فَأتَتْها فَلَمْ تُعْرَفْ، ثمَّ رأتْ غَنماً على نَشَزٍ فَأتَتْها وَشامَّتْها فَلَمْ تُعْرَفْ

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {مُّذَبْذَبِينَ } قال: المنافقون.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء } يقول: لا إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ولا إلى هؤلاء اليهود.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قوله: {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ } قال: لم يخلصوا الإيمان فيكونوا مع المؤمنين، وليسوا مع أهل الشرك.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ }: بين الإسلام والكفر {لاَ إِلَىٰ هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء }.

وأما قوله: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } فإنه يعني: من يخذ له الله عن طريق الرشاد وذلك هو الإسلام الذي دعا الله إليه عباده، يقول: من يخذ له الله عنه فلم يوفقه له، فلن تجد له يا محمد سبيلاً: يعني طريقاً يسلكه إلى الحقّ غيره. وأيّ سبيل يكون له إلى الحقّ غير الإسلام؟ وقد أخبر الله جل ثناؤه: أنه من يتبع غيره ديناً فلن يُقبل منه، ومن أضله الله عنه فقد غوى، فلا هادي له غيره.]

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰنًا مُّبِينًا ۝١٤٤

وهذا نهي من الله عباده المؤمنين أن يتخلقوا بأخلاق المنافقين الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فيكونوا مثلهم في ركوب ما نهاهم عنه من موالاة أعدائه. يقول لهم جلّ ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا توالوا الكفار فتوازروهم من دون أهل ملتكم ودينكم من المؤمنين، فتكونوا كمن أوجب له النار من المنافقين. ثم قال جلّ ثناؤه متوعداً من اتخذ منهم الكافرين أولياء من دون المؤمنين إن هو لم يرتدع عن موالاته وينجر عن مخالته أن يلحقه بأهل ولايتهم من المنافقين الذين أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بتبشيرهم بأن لهم عذاباً أليماً: أتريدون أيها المتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ممن قد آمن بي وبرسولي أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً، يقول: حجة باتخاذكم الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فتستوجبوا منه ما استوجبه أهل النفاق الذين وصف لكم صفتهم وأخبركم بمحلهم عنده {مُّبِيناً } يعني: عن صحتها وحقيتها، يقول: لا تعرضوا لغضب الله بإيجابكم الحجة على أنفسكم في تقدمكم على ما نهاكم ربكم من موالاة أعدائه وأهل الكفر به.

وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } قال: إن لله السلطان على خلقه، ولكنه يقول عذراً مبيناً} قال: إن لله السلطان على خلقه، ولكنه يقول عذراً مبيناً.

حدثني المثنى، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان، عن رجل، عن عكرمة، قال: ما كان في القرآن من سلطان فهو حجة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {سُلْطَـٰناً مُّبِيناً } قال: حجة.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.]

إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ۝١٤٥

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ }: إن المنافقين في الطبق الأسفل من أطباق جهنم. وكل طبق من أطباق جهنم درّك، وفيه لغتان: درَك بتسكينها، فمن فتح الراء جمعه في القلة أدراك، وإن شاء جمعه في الكثرة الدروك، ومن سكن الراء قال: ثلاثة أدرُك، وللكثير: الدروك. وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: «فِي الدَّرَكِ» بفتح الراء. وقرأته عامة قرّاء الكوفة بتسكين الراء. وهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، لاتفاق معنى ذلك واستفاضة القراءة بكلّ واحدة منهما في قراءة الإسلام. غيرأني رأيت أهل العلم بالعربية يذكرون أن فتح الراء منه في العرب أشهر من تسكينها، وحكموا سماعاً منهم: أعطني دَرَكاً أصل به حبلي، وذلك إذا سأل ما يصل به حبله الذي قد عجز عن بلوغ الركيَّة.

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن خيثمة، عن عبد الله: {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ } قال: في توابيت من حديد مبهمة عليهم.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن سلمة، عن خيثمة، عن عبد الله قال: إنَّ المنافقين في توابيت من حديد مقفلة عليهم في النار.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيـى بن يمان، عن سفيان، عن عاصم، عن ذكوان، عن أبي هريرة: {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ } قال: في توابيت تُرْتجُ عليهم.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ } يعني: في أسفل النار.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال لي عبد الله بن كثير، قوله: {فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ } قال: سمعنا أن جهنم أدْراك، منازل.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن خيثمة، عن عبد الله: {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ } قال: توابيت من نار تطبق عليهم.

وأما قوله: {وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } فإنه يعني: ولن تجد لهؤلاء المنافقين يا محمد من الله إذا جعلهم في الدّرك الأسفل من النار ناصراً ينصرهم منه، فينقذهم من عذابه، ويدفع عنهم أليم عقابه.]

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُوا۟ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ۝١٤٦

وهذا استثناء من الله جل ثناؤه، استثنى التائبين من نفاقهم إذا أصلحوا وأخلصوا الدين لله وحده وتبرّءوا من الآلهة والأنداد، وصدّقوا رسوله، أن يكونوا مع المصرّين على نفاقهم، حتى يوفيهم مناياهم فِي الآخرة، وأن يدخلوا مداخلهم من جهنم. بل وعدهم جلّ ثناؤه أن يُحلهم مع المؤمنين محلّ الكرامة، ويسكنهم معهم مساكنهم في الجنة، ووعدهم من الجزاء على توبتهم الجزيل من العطاء، فقال: وَسَوْفَ يُؤْتِي اللّهُ المُؤمِنِينَ أجْراً عَظِيماً}.

فتأويل الآية: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } أي راجعوا الحقّ، وأبوا إلا الإقرار بوحدانية الله وتصديق رسوله وما جاء به من عند ربه، من نفاقهم. {وَأَصْلَحُواْ }: يعني وأصلحوا أعمالهم، فعملوا بما أمرهم الله به وأدّوا فرائضه، وانتهوا عما نهاهم عنه وانزجروا عن معاصيه. {وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ } يقول: وتمسكوا بعهد الله. وقد دللنا فيما مضى قبل، على أن الاعتصام: التمسك والتعلق، فالاعتصام بالله: التمسك بعهده وميثاقه الذي عهد في كتابه إلى خلقه من طاعته وترك معصيته. {وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } يقول: وأخلصوا طاعتهم وأعمالهم التي يعملونها لله، فأرادوه بها، ولم يعملوها رئاء الناس ولا على شكّ منهم في دينهم وامتراء منهم، في أن الله محصٍ عليهم ما عملوا، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته؛ ولكنهم عملوها على يقين منهم في ثواب المحسن على إحسانه وجزاء المسيء على إساءته، أو يتفضل عليه ربه فيعفو، متقرّبين بها إلى الله مريدين بها وجه الله؛ فذلك معنى إخلاصهم لله دينهم. ثم قال جلّ ثناؤه: {فَأُوْلَـئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } يقول: فهؤلاء الذين وصف صفتهم من المنافقين بعد توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم بالله وإخلاصهم له مع المؤمنين في الجنة، لا مع المنافقين الذي ماتوا على نفاقهم، الذي أوعدهم الدَّرْكَ الأسفل من النار. ثم قال: {وَسَوْفَ يُؤْتِى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً } يقول: وسوف يعطي الله هؤلاء الذين هذه صفتهم على توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم بالله وإخلاصهم دينهم له على إيمانهم، ثواباً عظيماً، وذلك درجات في الجنة، كما أعطى الذين ماتوا على النفاق منازل في النار، وهي السفلى منها؛ لأن الله جلّ ثناؤه وعد عباده المؤمنين أن يؤتيهم على إيمانهم ذلك، كما أوعد المنافقين على نفاقهم ما ذكر في كتابه. وهذا القول، هو معنى قول حذيفة بن اليمان الذي:

حدثنا به ابن حميد وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال حذيفة: ليدخلنّ الجنة قوم كانوا منافقين! فقال عبد الله: وما علمك بذلك؟ فغضب حذيفة، ثم قام فتنحَّى. فلما تفرّقوا مرّ به علقمة فدعاه، فقال: أما إنّ صاحبك يعلم الذي قلت! ثم قرأ {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً }.]

مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ۝١٤٧

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ }: ما يصنع الله أيها المنافقون بعذابكم، إن أنتم تبتم إلى الله ورجعتم إلى الحقّ الواجب لله عليكم، فشكرتموه على ما أنعم عليكم من نعمه في أنفسكم وأهاليكم وأولادكم، بالإنابة إلى توحيده والاعتصام به، وإخلاصكم أعمالكم لوجهه، وترك رياء الناس بها، وآمنتم برسوله محمد صلى الله عليه وسلم فصدّقتموه وأقررتم بما جاءكم به من عنده فعملتم به. يقول: لا حاجة بالله أن يجعلكم في الدرك الأسفل من النار إن أنتم أنبتم إلى طاعته وراجعتم العمل بما أمركم به وترك ما نهاكم عنه؛ لأنه لا يجتلب بعذابكم إلى نفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضرّاً، وإنما عقوبته من عاقب من خلقه جزاء منه له على جراءته عليه وعلى خلافه أمره ونهيه وكفرانه شكر نعمه عليه. فإن أنتم شكرتم له على نعمة وأطعتموه في أمره ونهيه، فلا حاجة به إلى تعذيبكم، بل يشكر لكم ما يكون منكم من طاعة له وشكر، بمجازاتكم على ذلك بما تقصر عنه أمانيكم فلم تبلغه آمالكم. {وَكَانَ ٱللَّهُ شَـٰكِراً } لكم ولعباده على طاعتهم إياه باجزاله لهم الثواب عليها، وإعظامه لهم العوض منها. {عَلِيماً } بما تعملون أيها المنافقون وغيركم من خير وشرّ وصالح وطالح، محصٍ ذلك كله عليكم محيط بجميعه، حتى يجازيكم جزاءكم يوم القيامة، المحسن بإحسانه والمسيء باساءته. وقد:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَـٰكِراً عَلِيماً } قال: إن الله جلّ ثناؤه لا يعذّب شاكراً ولا مؤمناً.

لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ۝١٤٨

اختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار بضمّ الظاء.

وقرأه بعضهم: «إلاّ مَنْ ظَلَمَ» بفتح الظاء. ثم اختلف الذين قرءوا ذلك بضمّ الظاء في تأويله فقال بعضهم: معنى ذلك: لا يحب الله تعالى ذكره أني جهر أحدنا بالدعاء على أحد، وذلك عندهم هو الجهر بالسوء إلاَّ مَنْ ظُلِم يقول: إلا من ظُلم فيدعو على ظالمه، فإن الله جلّ ثناؤه لا يكره له ذلك، لأنه قد رخص له في ذلك. ذكر مَن قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: لا يُحبُّ الله الجَهْرَ بالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ يقول: لا يحبّ الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوماً، فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظَلَمَه، وذلك قوله: إلاَّ مَنْ ظُلِمَ وإن صبر فهو خير له.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {لا يُحِبُّ الله الجَهْرَ بالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلاَّ مَنْ ظُلمَ} فإنه يحبّ الجهر بالسوء من القول.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لايُحِبُّ الله الجِهْرَ بالسُّوءِ منَ القَوْلِ إلاَّ مَنْ ظُلِمَ وكانَ الله سَمِيعَاً عَليماً} عذر الله المظلوم كما تسمعون أن يدعو.

حدثني الحرث، قال: ثنا أبو عبيد، قال: ثناهشيم، عن يونس، عن الحسن، قال: هو الرجل يظلم الرجل، فلا يدْعُ عليه، ولكن ليقل: اللهمّ أعني عليه اللهمّ استخرج لي حقي اللهمّ حل بينه وبين ما يريد ونحوه من الدعاء.

فـ «مَنْ» على قول ابن عباس هذا في موضع رفع، لأنه وجهه إلى أن الجهر بالسوء في معنى الدعاء، واستثنى المظلوم منه، فكان معنى الكلام على قوله: لا يحبّ الله أن يجهر بالسوء من القول، إلا المظلوم فلا حرج عليه في الجهر به. وهذا مذهب يراه أهل العربية خطأ في العربية، وذلك أن «مَن» لا يجوز أن يكون رفعاً عندهم بالجهر،لأنها في صلة «أنْ»، وأنْ لم ينله الجحد فلا يجوز العطف عليه من الخطإ عندهم أن يقال: لا يعجبني أن يقوم إلا زيد. وقد يحتمل أن تكون «مَنْ» نصباً على تأويل قول ابن عباس، ويكون قوله: {لا يُحِبُّ الله الجَهْرِ بالسُّوءِ منَ القَوْلِ} كلاماً تامّاً، ثم قيل: إلاَّ مَنْ ظُلِمَ فلا حرج عليه، فيكون «مَنْ» استثناء من الفعل، وإن لم يكن قبل الاستثناء شيء ظاهر يستثنى منه، كما قال جلّ ثناؤه: لَسْت عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ، إلاَّ مَنْ تَوَلى وكَفَرَ وكقولهم: إني لأكره الخصومة والمراء، اللهمّ إلا رجلاً يريد الله بذلك. ولم يذكر قبله شيء من الأسماء. و«مَنْ» على قول الحسن هذا نصب على أنه مستثنى من معنى الكلام، لا من الاسم كما ذكرنا قبلُ في تأويل قول ابن عباس إذا وجه «من» إلى النصب، وكقول القائل كان من كذا وكذا اللهم أن فلاناً جزاه الله خيراً فعل كذا وكذا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول، إلا من ظُلم فيُخبر بما نيل منه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: هو الرجل ينزل بالرجل، فلا يحسن ضيافته، فيخرج من عنده، فيقول: أساء ضيافتي ولم يحسن.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، {إلاَّ مَنْ ظُلِمَ} قال: إلا من آثَر ما قيل له.

حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد: {لايُحِبُّ الله الجهْرَ بالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلاَّ مَنْ ظُلِمَ} قال: هو الضيف المحوَّل رحله، فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول.

وقال آخرون: عنى بذلك الرجل ينزل بالرجل فلا يَقرِيه، فينال من الذي لم يَقْرِه. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: إلاَّ مَنْ ظُلِمَ قال: إلاَّ من ظُلم فانتصر يجهر بالسوء.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، مثله.

وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن إبراهيم بن أبي بكر، عن مجاهد. وعن حميد الأعرج، عن مجاهد: {لا يُحبُّ الله الجَهْرَ بالسُّوء مِنَ القَوْلِ إلاَّ مَنْ ظُلِمَ}. قال: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن إليه، فقد رخص الله له أنَ يقول فيه.

حدثني أحمد بن حماد الدَّولابيّ، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن إبراهيم بن أبي بكر،عن مجاهد: {لا يُحِبُّ الله الجَهْرِ بالسُّوءِ منَ القَوْلِ إلاَّ مَنْ ظُلِمَ} قال: هو في الضيافة يأتي الرجل القوم فينزل عليهم فلا يضيفونه، رخص الله له أن يقول فيهم.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الـمثنى بن الصبـاح، عن مـجاهد فـي قوله: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الـجَهْرَ بـالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ}... الآية، قال: ضاف رجل رجلاً، فلـم يؤدّ إلـيه حقّ ضيافته، فلـما خرج أخبر الناس، فقال: ضفت فلاناً فلـم يودّ حقّ ضيافتـي، فذلك جهر بـالسوء {إلاَّ مَنْ ظُلِـمَ} حين لـم يودّ إلـيه ضيافته.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مـجاهد: إلا من ظلـم فـانتصر يجهر بسوء. قال مـجاهد: نزلت فـي رجل ضاف رجلاً بفلاة من الأرض فلـم يضفه، فنزلت {إلاَّ مَنْ ظُلِـمَ} ذكر أنه لـم يضفه، لا يزيد علـى ذلك.

وقال آخرون: معنى ذلك: إلا من ظُلـم فـانتصر من ظالـمه، فإن الله قد أذن له فـي ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الـجَهْرَ بـالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلاَّ مَنْ ظُلِـمَ} يقول: إن الله لا يحبّ الـجهر بـالسوء من أحدٍ من الـخـلق، ولكن من ظلـم فـانتصر بـمثل ما ظلـم، فلـيس علـيه جناح.

فـ «مَنْ» علـى هذه الأقوال التـي ذكرناها سوى قول ابن عبـاس فـي موضع نصب علـى انقطاعه من الأول، والعرب من شأنها أن تنصب ما بعد إلا فـي الاستثناء الـمنقطع فكان معنى الكلام علـى هذه الأقوال سوى قول ابن عبـاس: لا يحبّ الله الـجهر بـالسوء من القول، ولكن من ظُلـم فلا حرج علـيه أن يخبر بـما نـيـل منه أو ينتصر مـمن ظلـمه.

وقرأ ذلك آخرون بفتـح الظاء: «إلاَّ مَنْ ظَلَـمَ» وتأوّلوه: لا يحبّ الله الـجهر بـالسوء من القول، إلا من ظَلـم، فلا بأس أن يُجهر له بـالسوء من القول. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان أبـي يقرأ: «لا يُحِبُّ اللَّهُ الـجَهْرَ بـالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلاَّ مَنْ ظَلَـمَ» قال ابن زيد: يقول: إلا من أقام علـى ذلك النفـاق فـيجهر له بـالسوء حتـى ينزع. قال: وهذه مثل:

{ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ }[الحجرات: 11] أن تسميه بـالفسق { بَعْدَ ٱلإَيمَانِ }[الحجرات: 11] بعد إذ كان مؤمناً، { وَمَن لَّمْ يَتُبْ }[الحجرات: 11] من ذلك العمل الذي قـيـل له، { فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ }[الحجرات: 11] قال: هو أشرّ مـمن قال ذلك له.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الـجَهْرَ بـالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلاَّ مَنْ ظَلَـمَ} فقرأ:

{ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ } [النساء: 145] حتـى بلغ: { وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً }[النساء: 146] ثم قال بعد ما قال: هم فـي الدرك الأسفل من النار. { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً * لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ }[النساء: 147-148] قال: لا يحبّ الله أن يقول لهذا: ألست نافقت؟ ألست الـمنافق الذي ظلـمت وفعلت وفعلت؟ من بعد ما تاب، «إلاَّ مَنْ ظَلَـم»، إلا من أقام علـى النفـاق. قال: وكان أبـي يقول ذلك له ويقرؤها: «إلاَّ مَنْ ظَلَـمَ».

فـ «مَنْ» علـى هذا التأويـل نصب لتعلقه بـالـجهر. وتأويـل الكلام علـى قول قائل هذا القول. لا يحبّ الله أن يجهر أحد لأحد من الـمنافقـين بـالسوء من القول «إلاَّ مَنْ ظَلَـمَ» منهم، فأقام علـى نفـاقه فإنه لا بأس بـالـجهر له بـالسوء من القول.

قال أبو جعفر: وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك قراءة من قرأ: {إلاَّ مَنْ ظُلِـمَ} بضمّ الظاء، لإجماع الـحجة من القرّاء وأهل التأويـل علـى صحتها، وشذوذ قراءة من قرأ ذلك بـالفتـح. فإذ كان ذلك أولـى القراءتـين بـالصواب، فـالصواب فـي تأويـل ذلك: لا يحبّ الله أيها الناس أن يجهر أحد لأحد بـالسوء من القول {إلاَّ مَنْ ظُلِـمَ} بـمعنى: إلا من ظُلـم فلا حرج علـيه أن يخبر بـما أسيء إلـيه. وإذا كان ذلك معناه، دخـل فـيه إخبـار من لـم يُقْرَ أو أسيء قِرَاه، أو نـيـل بظلـم فـي نفسه أو ماله عَنوة من سائر الناس، وكذلك دعاؤه علـى من ناله بظلـم أن ينصره الله علـيه، لأن فـي دعائه علـيه إعلاماً منه لـمن سمع دعاءه علـيه بـالسوء له. وإذ كان ذلك كذلك، فـ «مَنْ» فـي موضع نصب، لأنه منقطع عما قبله، وأنه لا أسماء قبله يستثنى منها، فهو نظير قول:

{ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ* إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ }[الغاشية: 22-23].

وأما قوله: {وكانَ اللّهُ سَمِيعاً عَلِـيـماً} فإنه يعنـي: وكان الله سميعاً لـمِا يجهرون به من سوء القول لـمن يجهرون له به، وغير ذلك من أصواتكم وكلامكم، علـيـماً بـما تـخفون من سوء قولكم وكلامكم لـمن تـخفون له به، فلا تـجهرون له به، مُـحصٍ كلّ ذلك علـيكم حتـى يجازيَكم علـى ذلك كله جزاءكم الـمسيء بـاساءته والـمـحسن بإحسانه.

إِن تُبْدُوا۟ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا۟ عَن سُوٓءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ۝١٤٩

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه إنْ تُبْدُوا أيها الناس خيراً يقول: إن تقولوا جميلاً من القول لـمن أحسن إلـيكم، فتظهروا ذلك شكراً منكم له علـى ما كان منه من حسن إلـيكم، أوْ تُـخْفُوهُ يقول: أو تتركوا إظهار ذلك فلا تبدوه، {أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ} يقول: أو تصفحوا لـمن أساء إلـيكم عن إساءته، فلا تـجهروا له بـالسوء من القول الذي قد أذنت لكم أن تـجهروا له به. {فإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوّا} يقول: لـم يزل ذا عفو عن خـلقه، يصفح لهم عمن عصاه وخالف أمره. قَدِيراً يقول: ذا قدرة علـى الانتقام منهم. وإنـما يعنـي بذلك: أن الله لـم يزل ذا عفو عن عبـاده مع قدرته علـى عقابهم علـى معصيتهم إياه. يقول: فـاعفوا أنتـم أيضاً أيها الناس عمن أتـى إلـيكم ظلـماً، ولا تـجهروا له بـالسوء من القول وإن قدرتـم علـى الإساءة إلـيه، كما يعفو عنكم ربكم مع قدرته علـى عقابكم وأنتـم تعصونه وتـخالفون أمره. وفـي قوله جلّ ثناؤه: {إنْ تُبْدُوا خَيْراً أوْ تُـخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} الدلالة الواضحة علـى أن تأويـل قوله: لا يُحِبُّ اللَّهُ الـجَهْرَ بـالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلاَّ مَنْ ظُلِـمَ بخلاف التأويـل الذي تأوّله زيد ابن أسلـم فـي زعمه أن معناه: لا يحبّ الله الـجهر بـالسوء من القول لأهل النفـاق، إلا من أقام علـى نفـاقه، فإنه لا بأس بـالـجهر له بـالسوء من القول. وذلك أنه جلّ ثناؤه قال عقـيب ذلك: {إنْ تُبْدُوا خَيْراً أوْ تُـخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ} ومعقول أن الله جلّ ثناؤه لـم يأمر الـمؤمنـين بـالعفو عن الـمنافقـين علـى نفـاقهم، ولا نهاهم أن يُسَمُّوا من كان منهم معلن النفـاق منافقاً، بل العفو عن ذلك مـما لا وجه له معقول، لأن العفو الـمفهوم إنـما هو صفح الـمرء عما له قِبَل غيره من حقّ، وتسمية الـمنافق بـاسمه لـيس بحقّ لأحد قِبله فـيؤمر بعفوه عنه، وإنـما هو اسم له، وغير مفهوم الأمر بـالعفو عن تسمية الشيء بـما هو اسمه.

الأربعاء، 4 نوفمبر 2026 24 جمادى الأولى 1448 هـ