انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير الطبريالآيات 124–128

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النساء

الخلاصة من تفسير الطبري · 12 مقطعًا · 3:03:07

  1. 1 الآيات 114–134في هذه الصفحة 18:21

التفسير الصوتي لسورة النساء كاملًا (12 مقطعًا)

وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ۝١٢٤

يعني بذلك جلّ ثناؤه: الذين قال لهم:

{ لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ }[النساء: 123] يقول الله لهم: إنما يدخل الجنة وينعم فيها في الآخرة، من يعمل من الصالحات من ذكوركم وإناثكم، وذكور عبادي وإناثهم وهو مؤمن بي وبرسولي محمد، مصدّق بوحدانيتي، ونبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عندي، لا أنتم أيها المشركون بي المكذّبون رسولي، فلا تطمعوا أن تحلوا وأنتم كفار محلّ المؤمنين بي وتدخلوا مداخلهم في القيامة وأنتم مكذّبون برسولي. كما:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ } قال: أبى أن يقبل الإيمان إلا بالعمل الصالح، وأبى أن يقبل الإسلام إلا بالإحسان.

وأما قوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً } فإنه يعني: ولا يظلم الله هؤلاء الذين يعملون الصالحات من ثواب عملهم مقدار النقرة التي تكون في ظهر النواة في القلة، فيكف بما هو أعظم من ذلك وأكثر. وإنما يخبر بذلك جلّ ثناؤه عباده أنه لا يبخسهم من جزاء أعمالهم قليلاً ولا كثيراً، ولكن يوفيهم ذلك كما وعدهم.

وبالذي قلنا في معنى النقير قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد: {وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً } قال: النقير: الذي يكون في ظهر النواة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن عطية، قال: النقير: الذي في وسط النواة.

فإن قال لنا قائل: وما وجه دخول «مَنْ» في قوله: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ }، ولم يقل: ومن يعمل الصالحات؟ قيل: لدخولها وجهان: أحدهما أن يكون الله قد علم أن عباده المؤمنين لن يطيقوا أن يعملوا جميع الأعمال الصالحات، فأوجب وعده لمن عمل ما أطاق منها ولم يحرمه من فضله بسبب ما عجزت عن عمله منها قواه. والآخر منهما أن يكون تعالى ذكره أوجب وعده لمن اجتنب الكبائر وأدّى الفرائض، وإن قصر في بعض الواجب له عليه، تفضلاً منه على عباده المؤمنين، إذ كان الفضل به أولى، والصفح عن أهل الإيمان به أحرى. وقد تقوّل قوم من أهل العربية أنها أدخلت في هذا الموضع بمعنى الحذف، ويتأوّله: ومن يعمل الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن. وذلك عندي غير جائز، لأن دخولها لمعنى، فغير جائز أن يكون معناها الحذف.]

وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًا ۝١٢٥

وهذا قضاء من الله جلّ ثناؤه للإسلام وأهله بالفضل على سائر الملل غيره وأهلها، يقول الله: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً } أيها الناس، وأصوب طريقاً وأهدى سبيلاً؛ {مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله } يقول: ممن استسلم وجهه لله، فانقاد له بالطاعة، مصدّقاً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عند ربه. {وَهُوَ مُحْسِنٌ } يعني: وهو عامل بما أمره به ربه، محرّم حرامه، ومحلل حلاله. {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفاً } يعني بذلك: واتبع الدين الذي كان عليه إبراهيم خليل الرحمن، وأمر به نبيه من بعده وأوصاهم به؛ حنيفاً، يعني: مستقيماً على منهاجه وسبيله. وقد بينا اختلاف المختلفين فيما مضى قبل في معنى الحنيف والدليل على الصحيح من القول في ذلك بما أغنى عن إعادته.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. وممن قال ذلك أيضاً الضحاك.

حدثني يحيـى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد قال: أخبرنا جويبر عن الضحاك، قال: فضل الله الإسلام على كلّ دين، فقال: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ }... إلى قوله: {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً } وليس يقبل فيه عمل غير الإسلام، وهي الحنيفية.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً }.

يعني بذلك جلّ ثناؤه: واتخذ الله إبراهيم وليًّا.

فإن قال قائل: وما معنى الخُلة التي أعطيها إبراهيم؟ قيل: ذلك من إبراهيم عليه السلام العداوة في الله والبغض فيه، والولاية في الله والحبّ فيه، على ما يُعرف من معاني الخلة. وأما من الله لإبراهيم، فنصرته على من حاوله بسوء، كالذي فعل به إذا أراده نمروذ بما أراده به من الإحراق بالنار، فأنقذه منها، وأعلى حجته عليه إذ حاجه، وكما فعل ملك مصر إذ أراده عن أهله، وتمكينه مما أحبّ، وتصييره إماماً لمن بعده من عباده وقدوة لمن خلقه في طاعته وعبادته، فذلك معنى مخالّته إياه. وقد قيل: سماه الله خليلاً من أجل أنه أصاب أهل ناحيته جدب، فارتحل إلى خليل له من أهل الموصل ـ وقال بعضهم: من أهل مصر في امتيار طعام لأهله من قبلَه فلم يصب عنده حاجته، فلما قرب من أهله مرّ بمفازة ذات رمل، فقال: لو ملأت غرائري من هذا الرمل لئلا أغمّ أهلي برجوعي إليهم بغير ميرة، وليظنوا أني قد أتيتهم بما يحبون! ففعل ذلك، فتحوّل ما في غرائره من الرمل دقيقاً، فلما صار إلى منزله نام وقام أهله، ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقاً، فعجنوا منه وخبزوا، فاستيقظ فسألهم عن الدقيق الذي منه خبزوا، فقالوا: من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك، فعلم، فقال: نعم هو من خليلي الله. قالوا: فسماه الله بذلك خليلاً.]

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطًا ۝١٢٦

يعني بذلك جلّ ثناؤه: واتخذ الله إبراهيم خليلاً لطاعته ربه، وإخلاصه العبادة له، والمسارعة إلى رضاه ومحبته، لا من حاجة به إليه وإلى خلته، وكيف يحتاج إليه وإلى خلته، وله ما في السموات وما في الأرض من قليل وكثير ملكاً، والمالك الذي إليه حاجة ملكه دون حاجته إليه، فكذلك حاجة إبراهيم إليه، لا حاجته إليه، فيتخذه من أجل حاجته إليه خليلاً، ولكنه اتخذه خليلاً لمسارعته إلى رضاه ومحبته. يقول: فكذلك فسارعوا إلى رضاي ومحبتي لأتخذكم لي أولياء. {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَىْء مُّحِيطاً } ولم يزل الله محصياً لكل ما هو فاعله عباده من خير وشرّ، عالماً بذلك، لا يخفى عليه شيء منه، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة.]

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَٰبِ فِى يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُوا۟ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمًا ۝١٢٧

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنّسَاءِ } ويسألك يا محمد أصحابك أن تفتيهم في أمر النساء، والواجب لهنّ وعليهنّ. فاكتفى بذكر النساء من ذكر شأنهنّ، لدلالة ما ظهر من الكلام على المراد منه. {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } قل لهم يا محمد: الله يفتيكم فيهنّ، يعني في النساء. {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَاءِ ٱلَّلَـٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ }.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } فقال بعضهم: يعني بقوله: {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } قل الله يفتيكم فيهنّ، وفيما يتلى عليكم، قالوا: والذي يتلى عليهم هو آيات الفرائض، التي في أوّل هذه السورة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، عن عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَاءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون المولود حتى يكبر، ولا يورثون المرأة؛ فلما كان الإسلام قال: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَاءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } في أوّل السورة في الفرائض اللاتي لا تؤتونهنّ ما كتب الله لهن.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَاءِ ٱلَّلَـٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } قالت: هذا في اليتيمة تكون عند الرجل لعلها أن تكون شريكته، في ماله، وهو أولى بها من غيره، فيرغب عنها أن ينكحها ويعضلها لمالها ولا ينكحها غيره كراهية أن يشركه أحد في مالها.

حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا: ثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: كانوا لا يورّثون في الجاهلية النساء والصبيّ حتى يحتلم، فأنزل الله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَاءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَاءِ } في أوّل سورة النساء من الفرائض.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن أشعث، عن جعفر، عن شعبة، قال: كانوا في الجاهلية لا يورثون اليتيمة ولا ينكحونها ويعضلونها، فأنزل الله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَاءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ }... إلى آخر الآية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: أخبرني الحجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع سعيد بن جبير يقول في قوله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَاءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَاءِ ٱلَّلَـٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ }... الآية، قال: كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ، لا يرث الرجل الصغير، ولا المرأة؛ فلما نزلت آية المواريث في سورة النساء، شقّ ذلك على الناس، وقالوا: يرث الصغير الذي لا يعمل في المال ولا يقوم فيه، والمرأة هي كذلك فيرثان كما يرث الرجل الذي يعمل في المال! فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء، فانتظروا فلما رأوا أنه لا يأتي حدث، قالوا: لئن تمّ هذا إنه لواجب ما منه بدّ، ثم قالوا: سلوا! فسألوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَاءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } في أوّل السورة: {فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَاءِ ٱلَّلَـٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ }. قال سعيد بن جبير: وكان الولي إذا كانت المرأة ذات جمال ومال رغب فيها ونكحها واستأثر بها، وإذا لم تكن ذات جمال ومال أنكحها ولم يَنْكِحْها.

حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَاءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَاءِ ٱلَّلَـٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا } قال: كانوا إذا كانت الجارية يتيمة دميمة لم يعطوها ميراثها وحبسوها عن التزويج حتى تموت، فيرثوها، فأنزل الله هذا.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم في قوله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَاءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } قال: كان الرجل منهم تكون له اليتيمة بها الدمامة والأمر الذي يرغب عنها فيه ولها مال، قال: فلا يتزوّجها ولا يزوّجها حتى تموت فيرثها، قال: فنهاهم الله عن ذلك.

حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السديّ، عن أبي مالك: {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَاء ٱلَّلَـٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } قال: كانت المرأة إذا كانت عند وليّ يرغب عنها حبسها أن لم يتزوّجها ولم يدع أحداً يتزوّجها.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَاءِ ٱلَّلَـٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان شيئاً، كانوا يقولون: لا يغزون ولا يغنمون خيراَ، ففرض الله لهنّ الميراث حقاً واجباً، ليتنافس أو لينفس الرجل في مال يتيمته إن لم تكن حسنة.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَاءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } يعني الفرائض التي افترض في أمر النساء اللاتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهن، {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } قال: كانت اليتيمة تكون في حجر الرجل، فيرغب أن ينكحها، أو يجامعها ولا يعطيها مالها، رجاء أن تموت فيرثها، وإن مات لها حميم لم تعط من الميراث شيئاً، وكان ذلك في الجاهلية، فبين الله لهم ذلك.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَاءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } حتى بلغ: {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } فكان الرجل تكون في حجره اليتيمة بها دمامة ولها مال، فكان يرغب عنها أن يتزوّجها ويحبسها لمالها، فأنزل الله فيه ما تسمعون.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَاءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } قال: كانت اليتيمة تكون في حجر الرجل فيها دمامة، فيرغب عنها أن ينكحها، ولا يُنكحها رغبة في مالها.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَاءِ ٱلَّلَـٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ }... إلى قوله: {بِٱلْقِسْطِ } قال: كان جابر بن عبد الله الأنصاريّ ثم السلميّ له ابنة عمّ عمياء، وكانت دميمة، وكانت قد ورثت عن أبيها مالاً، فكان جابر يرغب عن نكاحها ولا ينكحها رهبة أن يذهب الزوج بمالها، فسأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وكان ناس في حجورهم جوار أيضاً مثل ذلك، فجعل جابر يسأل النبيّ صلى الله عليه وسلم، أترث الجارية إذا كانت قبيحة عيماء؟ فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول «نعم»، فأنزل الله فيهنّ هذا.

وقال آخرون: معنى ذلك: ويستفتونك في النساء، قل الله يفتيكم فيهنّ، وفيما يتلى عليكم في الكتاب في آخر سورة النساء، وذلك قوله:

{ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ }[النساء: 176]... إلى آخر السورة. ذكر من قال ذلك:

حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سلام بن سليم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن حبير قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون الولدان حتى يحتلموا، فأنزل الله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَاءِ } إلى قوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً } قال: ونزلت هذه الآية:

{ إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ }[النساء: 176]... الآية كلها.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ويستفتونك في النساء، قل الله يفتيكم فيهنّ وفيما يتلى عليكم في الكتاب، يعني في أوّل هذه السورة، وذلك قوله:

{ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ }[النساء: 3]. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم، عن قول الله:

{ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ } [النساء: 3] قالت: يا ابن أختي هيْ اليتيمة تكون في حجر وليها، تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهنّ ويبلغوا بهنّ أعلى سنتهنّ من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ. قال عروة: قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهنّ، فأنزل الله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَاء قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَاء ٱلَّلَـٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ} قالت: والذي ذكر الله أنه يتلى في الكتابِ الآية الأولى التي قال فيها: { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ } [النساء: 3]. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني الليث، قال: ثني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، مثله.

فعلى هذه الأقوال الثلاثة التي ذكرناها «ما» التي في قوله: {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } في موضع خفض بمعنى العطف على الهاء والنون التي في قوله: {يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } فكأنهم وجهوا تأويل الآية: قل الله يفتيكم أيها الناس في النساء، وفيما يتلى عليكم في الكتاب.

وقال آخرون: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم من أصحابه سألوه عن أشياء من أمر النساء، وتركوا المسألة عن أشياء أخر كانوا يفعلونها، فأفتاهم الله فيما سألوا عنه وفيما تركوا المسألة عنه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى وسفيان بن وكيع، قال سفيان: ثنا عبد الأعلى، وقال ابن المثنى: ثني عبد الأعلى قال: ثنا داود، عن محمد بن أبي موسى في هذه الآية: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَاءِ } قال: استفتوا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم في النساء، وسكتوا عن شيء كانوا يفعلونه، فأنزل الله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَاءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } ويفتيكم فيما لم تسألوا عنه. قال: كانوا لا يتزوجون اليتيمة إذا كان بها دمامة، ولا يدفعون إليها مالها فتنفق، فنزلت: {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلنِّسَاءِ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَاءِ ٱلَّلَـٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } قال: والمستضعفين من الولدان. قال: كانوا يورثون الأكابر ولا يورثون الأصاغر، ثم أفتاهم فيما سكتوا عنه، فقال:

{ وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ }[النساء: 128]، ولفظ الحديث لابن المثنى.

قال أبو جعفر: فعلى هذا القول الذي يتلى علينا في الكتاب الذي قال الله جل ثناؤه: {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ }:

{ وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً }[النساء: 128]... الآية، والذي سأل القوم فأجيبوا عنه في يتامى النساء اللاتي كانوا لا يؤتونهنّ ما كتب الله لهنّ من الميراث عمن ورثنه عنه.

وأولى هذه الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرناها عنه بالصواب وأشبهها بظاهر التنزيل قول من قال: معنى قوله: {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ }: وما يتلى عليكم من آيات الفرائض في أوّل هذه السورة وآخرها.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الصداق ليس مما كتب للنساء إلا بالنكاح، فما لم تنكح فلا صداق لها قِبَلَ أحَد، وإذا لم يكن ذلك لها قِبَل أحد لم يكن مما كتب لها، وإذا لم يكن مما كتب لها، لم يكن لقول قائل عني بقوله: {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ }: الإقساط في صدقات يتامى النساء وجه، لأن الله قال في سياق الآية مبيناً عن الفتيا التي وعدنا أن يفتيناها في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ، فأخبر أن بعض الذي يفتينا فيه من أمر النساء أمر اليتيمة المحولة بينها وبين ما كتب الله لها، والصداق قبل عقد النكاح ليس مما كتب الله لها على أحد، فكان معلوماً بذلك أن التي عنيت بهذه الآية هي التي قد حيل بينها وبين الذي كتب لها مما يتلى علينا في كتاب الله. فإذا كان ذلك كذلك، كان معلوماً أن ذلك هو الميراث الذي يوجبه الله لهن في كتابه. فأما الذي ذكر عن محمد بن أبي موسى، فإنه مع خروجه من قول أهل التأويل، بعيد مما يدلّ عليه ظاهر التنزيل، وذلك أنه زعم أن الذي عنى الله بقوله: {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } هو

{ وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً }[النساء: 128]، وإذا وجه الكلام إلى المعنى الذي تأوّله صار الكلام مبتدأ من قوله: {فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَاءِ ٱلَّلَـٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } ترجمة بذلك عن قوله {فِيهِنَّ } ويصير معنى الكلام: قل الله يفتيكم فيهن في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهنّ، ولا دلالة في الآية على ما قاله، ولا أثر عمن يعلم بقوله صحة ذلك. وإذا كان ذلك كذلك، كان وصل معاني الكلام بعضه ببعض أولى ما وجد إليه سبيل. فإذا كان الأمر على ما وصفنا، فقوله: {فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَاءِ } بأن يكون صلة لقوله: {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } أولى من أن يكون ترجمة عن قوله: {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } لقربه من قوله: {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ }، وانقطاعه عن قوله: {يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ }. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: ويستفتونك في النساء، قل الله يفتيكم فيهنّ، وفيما يتلى عليكم فِي كتابِ الله الذي أنزله على نبيه في أمر يتامى النساء اللاتي لا تعطونهنّ ما كتب لهنّ، يعني: ما فرض الله لهنّ من الميراث عمن ورثنه. كما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } قال: لا تورثونهن.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قوله: {لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } قال: من الميراث، قال: كانوا لا يورثون النساء، وترغبون أن تنكحوهن.

واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } فقال بعضهم: معنى ذلك: وترغبون عن نكاحهنّ. وقد مضى ذكر جماعة ممن قال ذلك، وسنذكر قول آخرين لم نذكرهم.

حدثنا حميد بن مسعدة الساميّ، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا عبيد الله بن عون، عن الحسن: {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } قال: ترغبون عنهنّ.

حدثنا يعقوب وابن وكيع، قالا: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن الحسن، مثله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عروة، قال: قالت عائشة في قوله الله: {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ }: رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، يعني ابن صالح، قال: ثني الليث، قال: ثني يونس، عن ابن شهاب، قال: قال عروة، قالت عائشة، فذكر مثله.

وقال آخرون: معنى ذلك: وترغبون في نكاحهنّ. وقد مضى ذكر جماعة ممن قال ذلك قبل، ونحن ذاكرو قول من لم نذكر منهم.

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا ابن عون عن محمد، عن عبيدة: {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } قال: وترغبون فيهن.

حدثني يعقوب بن إبراهيم وابن وكيع، قالا: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، قال: قلت لعبيدة: {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } قال: ترغبون فيهنّ.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس في قوله: {فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَاءِ ٱلَّلَـٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } فكان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقى عليها ثوبه، فإذا فعل بها ذلك لم يقدر أحد أن يتزوّجها أبداً، فإن كانت جميلة وهويها تزوّجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجل أبدا حتى تموت فإذا ماتت ورثها، فحرّم الله ذلك ونهى عنه.

قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية قول من قال: معنى ذلك: وتَرْغَبُونَ عَنْ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ، لأن حبسهم أموالهن عنهنّ، مع عضلهم إياهنّ إنما كان ليرثوا أموالهن دون زوج إن تزوّجن. ولو كان الذين حبسوا عنهنّ أموالهنّ إنما حبسوها عنهنّ رغبة في نكاحهنّ، لم يكن للحبس عنهنّ وجه معروف، لأنهم كانوا أولياءهن، ولم يكن يمنعهم من نكاحهنّ مانع فيكون به حاجة إلى حبس مالها عنها ليتخذ حبسها عنها سبباً إلى إنكاحها نفسها منه.

القول في تأويل قوله: {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ }.

يعني بذلك جلّ ثناؤه: ويستفتونك في النساء، قل الله يفتيكم فيهنّ وفيما يتلى عليكم في الكتاب، وفي المستضعفين من الولدان، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط. وقد ذكرنا الرواية بذلك عمن قاله من الصحابة والتابعين فيما مضى، والذي أفتاهم في أمر المستضعفين من الولدان أن يؤتوهم حقوقهم من الميراث لأنهم كانوا لا يورثون الصغار من أولاد الميت، وأمرهم أن يقسطوا فيهم فيعدلوا ويعطوهم فرائضهم على ما قسم الله لهم في كتابه. كما:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدٰنِ } كانوا لا يورثون جارية ولا غلاماً صغيراً، فأمرهم الله أن يقوموا لليتامى بالقسط. والقسط: أن يعطى كلّ ذي حقّ منهم حقه، ذكراً كان أو أنثى، الصغير منهم بمنزلة الكبير.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَاءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَاءِ ٱلَّلَـٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا } قال: لا تورثونهنّ مالاً، {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ } قال: فدخل النساء والصغير والكبير في المواريث، ونسخت المواريث ذلك الأوّل.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ } أمروا لليتامى بالقسط: بالعدل.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السديّ، عن أبي مالك: {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ } قال: كانوا لا يورثون إلا الأكبر فالأكبر.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدٰنِ } فكانوا في الجاهلية لا يورّثون الصغار ولا البنات، فذلك قوله: {لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } فنهى الله عن ذلك، وبين لكل ذي سهم سهمه، فقال:

{ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ }[النساء: 11] صغيراً كان أو كبيراً.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ } وذلك أنهم كانوا لا يورّثون الصغير والضعيف، شيئاً، فأمر الله أن يعطيه نصيبه من الميراث.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة عن إبراهيم: أن عمر بن الخطاب كان إذا جاءه وليّ اليتيمة فإن كانت حسنة غنية قال له عمر: زوّجها غيرك، والتمس لها مَن هو خير منك! وإذا كانت بها دَمامة ولا مال لها، قال: تزوّجها فأنت أحقّ بها!.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا يونس بن عبيد، عن الحسن، قال: جاء رجل إلى عليّ بن أبي طالب، فقال: يا أمير المؤمنين ما أمري، وما أمر يتيمتي؟ قال: في أيٍّ بالُكما؟ قال: ثم قال علي: أمتزوّجها أنت غنية جميلة؟ قال: نعم والإلهِ! قال: فتزوّجها دميمة لا مال لها! ثم قال عليٌّ: تزوّجها إن كنت خيراً لها، فإن كان غيرك خيراً لها فألحقها بالخير.

قال أبو جعفر: فقيامهم لليتامي بالقسط كان العدل فيما أمر الله فيهم.

القول في تأويل قوله: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً }.

يعني بذلك جلّ ثناؤه: ومهما يكن منكم أيها المؤمنون من عدل في أموال اليتامى التي أمركم الله أن تقوموا فيهم بالقسط، والانتهاء إلى أمر الله في ذلك، وفي غيره، وإلى طاعته، فإن الله كان به عليماً لم يزل عالماً بما هو كائن منكم، وهو محصٍ ذلك كله عليكم، حافظ له، حتى يجازيَكم به جزاءكم يوم القيامة.]

وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنۢ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ ٱلْأَنفُسُ ٱلشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ۝١٢٨

يعني بذلك جلّ ثناؤه: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا } يقول: علمت من زوجها {نُشُوزاً } يعني استعلاء بنفسه عنها إلى غيرها، أَثَرَة عليها، وارتفاعاً بها عنها، إما لبغضة، وإما لكراهة منه بعض أشياء بها، إما دمامتها، وإما سنها وكِبَرها، أو غير ذلك من أمورها. {أَوْ إِعْرَاضاً } يعني: انصرافاً عنها بوجهه أو ببعض منافعه، التي كانت لها منه {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً } يقول فلا حرج عليهما، يعني: على المرأة الخائفة نشوز بعلها أو إعراضَه عنها، أن يصلحا بينهما صلحاً، وهو أن تترك له يومها، أو تضع عنه بعض الواجب لها من حقّ عليه، تستعطفه بذلك، وتستديم المُقام في حباله، والتمسك بالعقد الذي بينها وبينه من النكاح، يقول: {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ } يعني: والصلح بترك بعض الحقّ استدامة للحرمة، وتماسكاً بعقد النكاح، خير من طلب الفرقة والطلاق.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا هنَّاد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عُرْعُرة: أن رجلاً أتى علياً رضي الله عنه يستفتيه في امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً، فقال: قد تكون المرأة عند الرجل، فتنبو عيناه عنها من دمامتها أو كبرها أو سوء خلقها أو فقرها، فتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئاً حلّ له، وإن جعلت له من أيامها شيئاً فلا حرج.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن خالد، عن عُرْعرة، قال: سئل عليّ رضي الله عنه: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً } قال: المرأة الكبيرة أو الدميمة أو لا يحبها زوجها فيصطلحان.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة وحماد بن سلمة وأبو الأحوص، كلهم عن سماك بن حرب، عن خالد بن عُرْعرة، عن عليّ رضي الله عنه بنحوه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي عن إسرائيل، عن سماك، عن خالد بن عرعرة: أن رجلاً سأل عليًّا رضي الله عنه عن قوله: {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً } قال: تكون المرأة عند الرجل دميمة فتنبو عينه من دمامتها أو كبرها، فإن جعلت له من أيامها أو مالها شيئاً فليس عليه جناح.

حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن أشعث، عن ابن سيرين، قال: جاء رجل إلى عمر، فسأله عن آية، فكره ذلك وضربه بالدرّة، فسأله آخر عن هذه الآية: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً } فقال: عن مثل هذا فسلوا! ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سِنّها، فيتزوّج المرأة الشابة يلتمس ولدها، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.

حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا عمران بن عيينة، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً } قال: هي المرأة تكون عند الرجل حتى تكبر، فيريد أن يتزوّج عليها، فيتصالحا بينهما صلحاً، عن أن لها يوماً ولهذه يومان أو ثلاثة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس بنحوه، إلا أنه قال: حتى تلد أو تكبر، وقال أيضاً: فلا جناح عليهما أن يصالحا على ليلة، والأخرى ليلتين.

حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا: ثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، قال: هي المرأة تكون عند الرجل قد طالت صحبتها وكبرت، فيريد أن يستبدل بها فتكره أن تفارقه، فيتزوّج عليها، فيصالحا على أن يجعل لها أياماً، وللأخرى الأيام والشهر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً } قال: هي المرأة تكون عند الرجل، فيريد أن يفارقها، فتكره أن يفارقها، ويريد أن يتزوّج، فيقول: إني لا أستطيع أن أقسم لكِ بمثل ما أقسم لها، فتصالحه على أن يكون لها في الأيام يوم، فيتراضيان على ذلك، فيكونان على ما اصطلحا عليه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ } قالت هذا في المرأة تكون عند الرجل، فلعله لا يكون يستكثر منها، ولا يكون لها ولد ولها صحبة، فتقول: لا تطلقني وأنت في حلّ من شأني.

حدثني المثنى، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة في قوله: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً } قال: هذا الرجل يكون له امرأتان: إحداهما قد عجزت، أو هي دميمة لا يستكثر منها، فتقول: لا تطلقني وأنت في حلّ من شأني.

حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، أخبرنا ابن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، بنحوه، غير أنه قال: فتقول: أجعلك من شأني في حلّ، فنزلت هذه الآية في ذلك.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً } فتلك المرأة تكون عند الرجل لا يرى منها كثير ما يحبّ، وله امرأة غيرها أحبّ إليه منها، فيؤثرها عليها، فأمره الله إذا كان ذلك أن يقول لها: يا هذه إن شئت أن تقيمي على ما ترين من الأثرة فأواسيك وأنفق عليك فأقيمي، وإن كرهت خليت سبيلك. فإن هي رضيت أن تقيم بعد أن يخيرها فلا جناح عليه، وهو قوله: {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ } وهو التخيير.

حدثنا الربيع بن سليمان وبحر بن نصر، قالا: ثنا ابن وهب، قال: ثني ابن أبي الزناد، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أنزل الله هذه الآية في المرأة إذا دخلت في السنّ، فتجعل يومها لامرأة أخرى، قالت: ففي ذلك أنزلت: {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً }.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: سألته عن قول الله: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً } قال: هي المرأة تكون مع زوجها، فيريد أن يتزوّج عليها فتصالحه من يومها على صلح. قال: فهما على ما اصطلحا عليه، فإن انتقضت به فعليه أن يعدل عليها أو يفارقها.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم أنه كان يقول ذلك.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن مجاهد أنه كان يقول ذلك.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة في قوله: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً }... إلى آخر الآية، قال: يصالحها على ما رضيت دون حقها، فله ذلك ما رضيت، فإذا أنكرت أو قالت: غرت، فلها أن يعدل عليها أو يرضيها أو يطلقها.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن محمد، قال: سألت عبيدة عن قول الله: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً } قال: هو الرجل تكون له امرأة قد خلا من سِنها، فتصالحه عن حقها على شيء، فهو له ما رضيت، فإذا كرهت، فلها أن يعدل عليها أو يرضيها من حقها، أو يطلقها.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن هشام، عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة عن قوله: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً } فذكر نحو ذلك، إلا أنه قال: فإن سخطت فله أن يرضيها، أو يوفيها حقها كله، أو يطلقها.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، قال: قال إبراهيم: إذا شاءت كانت على حقها، وإن شاءت أبت، فردّت الصلح فذاك بيدها، فإن شاء طلقها، وإن شاء أمسكها على حقها.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا } قال: قال عليّ: تكون المرأة عند الرجل الزمان الكثير، فتخاف أن يطلقها، فتصالحه على صلح ما شاء وشاءت، يبيت عندها في كذا وكذا ليلة، وعند أخرى ما تراضيا عليه، وأن تكون نفقتها دون ما كانت؛ وما صالحته عليه من شيء فهو جائز.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيـى بن عبد الملك، عن أبيه، عن الحكم: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً } قال: هي المرأة تكون عند الرجل، فيريد أن يخلي سبيلها، فإذا خافت ذلك منه فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً، تدع من أيامها إذا تزوّج.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً }... إلى قوله: {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ } هو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة، فينكح عليها المرأة الشابة، فيكره أن يفارق أم ولده، فيصالحها على عطية من ماله ونفسه، فيطيب له ذلك الصلح.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً } فقرأ حتى بلغ {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } وهذا في الرجل تكون عنده المرأة قد خلا من سِنها وهان عليه بعض أمرها، فيقول: إن كنتِ راضية من نفسي ومالي بدون ما كنت ترضين به قبل اليوم، فإن اصطلحا من ذلك على أمر الله فقد أحلّ لهما ذلك، وإن أبت فإنه لا يصلح له أنْ يحبسها على الخَسْف.

حُدثت عن الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار: أن رافع بن خديج كان تحته امرأة قد خلا من سنّها، فتزوّج عليها شابة، فآثر الشابة عليها، فأبت امرأته الأولى أن تقيم على ذلك، فطلقها تطليقة، حتى إذا بقي من أجلها يسير، قال: إن شئت راجعتك وصبرت على الأثرة، وإن شئت تركتك حتى يخلو أجلك. قالت: بل راجعني وأصبر على الأثرة! فراجعها. ثم آثر عليها فلم تصبر على الأثرة فطلقها أخرى، وآثر عليها الشابة. قال: فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله أنزل فيه: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً }. قال الحسن: قال عبد الرزاق: قال معمر: وأخبرني أيوب عن ابن سيرين، عن عبيدة بمثل حديث الزهري، وزاد فيه، فإن أضرّ بها الثالثة فإن عليه أن يوفيها حقها، أو يطلقها.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً } قال: قول الرجل لامرأته: أنت كبيرة، وأنا أريد أن أستبدل امرأة شابة وضيئة، فقرّي على ولدك، فلا أقسم لك من نفسي شيئاً. فذلك الصلح بينهما، وهو أبو السنابل بن بعكك.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح: {مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً } ثم ذكر نحوه، قال شبل: فقلت له: فإن كانت لك امرأة فتقسم لها، ولم تقسم لهذه؟ قال: إذا صالحته على ذلك فليس عليه شيء.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جبار، قال: سألت عامراً عن الرجل تكون عنده المرأة يريد أن يطلقها فتقول: لا تطلقني، واقسم لي يوماً، وللتي تزوّج يومين! قال: لا بأس به هو صلح.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ } قال: المرأة ترى من زوجها بعض الجفاء وتكون قد كبرت، أو لا تلد، فيريد زوجها أن ينكح غيرها فيأتيها، فيقول: إني أريد أن أنكح امرأة شابة أنسب منك، لعلها أن تلد لي وأوثرها في الأيام والنفقة. فإن رضيت بذلك وإلا طلقها، فيصطلحان على ما أحبَّا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً } قال: نشوزاً عنها، عَرِضَ بها الرجل تكون له المرأتان ـ أو إعراضاً بتركها {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً } إما أن يرضيها فتحللها، وإما أن ترضيه فتعطفه على نفسها.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً } يعني: البغض.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً } فهو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة، فيتزوّج عليها المرأة الشابة، فيميل إليها، وتكون أعجب إليه من الكبيرة، فيصالح الكبيرة على أن يعطيها من ماله، ويقسم لها من نفسه نصيباً معلوماً.

حدثنا عمرو بن عليّ وزيد بن أخرم، قالا: ثنا أبو داود، قال: ثنا سليمان بن معاذ، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا تطلقني على نسائك، ولا تقسم لي! ففعل، فنزلت: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً }.

واختلفت القراء في قراءة قوله: «أنْ يَصَّالَحا بَيْنَهُما صُلْحاً» فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة وبعض أهل البصرة بفتح الياء وتشديد الصاد، بمعنى: أن يتصالحا بينهما صلحاً، ثم أدغمت التاء في الصاد فصيرتا صاداً مشددة. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة: {أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً } بضم الياء وتخفيف الصاد، بمعنى: اصلح الزوج والمرأة بينها. وأعجب القراءتين في ذلك إليّ، قراءة من قرأ: «إلاَّ أنْ يَصَّالَحا بَيْنَهُما صُلْحاً». بفتح الياء وتشديد الصاد، بمعنى: يتصالحا، لأن التصالح في هذا الموضع أشهر وأوضح معنى وأفصح وأكثر على ألسن العرب من الإصلاح، والإصلاح في خلاف الإفساد أشهر منه في معنى التصالح. فإن ظنّ ظانّ أن في قوله: {صُـلْحاً } دلالة على أن قراءة من قرأ ذلك: {يُصْلِحَا } بضمّ الياء أولى بالصواب، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظنّ، وذلك أن الصلح اسم وليس بفعل فيتسدلّ به على أولى القراءتين بالصواب في قوله: {يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً }.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً }.

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: وأحضرت أنفس النساء الشحّ على أنصبائهن من أنفس أزواجهن وأموالهن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ } قال: نصيبها منه.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يمان، قالا: جميعاً ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ } قال: في الأيام.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ } قال: في الأيام والنفقة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن مهدي وابن يمان، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: في النفقة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا رَوْح، عن ابن جريج، عن عطا، قال: في النفقة.

وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ } قال: في الأيام.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ } قال: نفس المرأة على نصيبها من زوجها من نفسه وماله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، بمثله.

حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يمان عن سفيان، عن رجل، عن سعيد بن جبير: في النفقة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن مهديّ، عن سفيان، عن الشيبانيّ، عن بكير بن الأخنس، عن سعيد بن جبير، قال: في الأيام والنفقة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن مهديّ، عن سفيان، عن الشيبانيّ، عن سعيد بن جبير، قال: في الأيام والنفقة.

حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ } قال: المرأة تِشحّ على مال زوجها ونفسه.

حدثنا المثنى، قال: أخبرنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، قال: جاءت المرأة حين نزلت هذه الآية: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً } قالت: إني أريد أن تقسم لي من نفسك! وقد كانت رضيت أن يدعها فلا يطلقها ولا يأتيها؛ فأنزل الله: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ }.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ } قال: تطلع نفسها إلى زوجها وإلى نفقته. قال: وزعم أنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سدوة بنت زمعة كانت قد كبرت، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلقها، فاصطلحا على أن يمسكها ويجعل يومها لعائشة، فشحت بمكانها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: معنى ذلك: وأحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة الشحّ بحقه قبَل صاحبه. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ } قال: لا تطيب نفسه أن يعطيها شيئاً فتحلله، ولا تطيب نفسها أن تعطيه شيئاً من مالها، فتعطفه عليها.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: عني بذلك: أحضرت أنفس النساء الشحّ بأنصبائهن من أزواجهن في الأيام والنفقة. والشحّ: الإفراط في الحرص على الشيء، وهو في هذا الموضع: إفراط حرص المرأة على نصيبها من أيامها من زوجها ونفقتها.

فتأويل الكلام: وأحضرت أنفس النساء أهواءهن من فرط الحرص على حقوقهنّ من أزواجهنّ، والشحّ بذلك على ضرائرهن.

وبنحو ما قلنا في معنى الشحّ، ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ } والشحّ: هواه في الشيء يحرص عليه.

وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب من قول من قال: عني بذلك: وأحضرت أنفس الرجال والنساء الشحّ، على ما قاله ابن زيد، لأن مصالحة الرجل امرأته باعطائه إياها من ماله جعلاً على أن تصفح له عن القسم لها غير جائزة، وذلك أنه غير معتاض عوضاً من جعله الذي بذله لها، والجعل لا يصحّ إلا على عوض: إما عين، وإما منفعة. والرجل متى جَعَل للمرأة جُعْلاً على أن تصفح له عن يومها وليلتها فلم يملك عليها عيناً ولا منفعة. وإذا كان ذلك كذلك، كان ذلك من معاني أكل المال بالباطل. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه لا وجه لقول من قال: عني بذلك: الرجل والمرأة. فإن ظنّ ظانّ أن ذلك إذ كان حقاً للمرأة، ولها المطالبة به، فللرجل افتداؤه منها بجعل، فإن شفعة المستشفع في حصة من دار اشتراها رل من شريك له فيها حقّ، له المطالبة بها، فقد يجب أن يكون للمطلوب افتداء ذلك منه بجعل، وفي إجماع الجميع على أن الصلح في ذلك على عوض غير جائز، إذ كان غير معتاض منه المطلوب في الشفعة عيناً ولا نفعاً، ما يدلّ على بطول صلح الرجل امرأته على عوض، على أن تصفح عن مطالبتها إياه بالقسمة لها. وإذ فسد ذلك صحّ أن تأويل الآية ما قلنا. وقد أبان الخبر الذي تركناه عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، أن قوله: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً }... الآية، نزلت في أمر رافع بن خديج وزوجته، إذ تزوّج عليها شابة، فآثر الشابة عليها، فأبت الكبيرة أن تقرّ على الأثرة، فطلقها تطليقة وتركها، فلما قارب انقضاء عدتها، خيرها بين الفراق والرجعة والصبر على الأثرة، فاختارت الرجعة والصبر على الأثرة، فراجعها وآثر عليها، فلم تصبر فطلقها. ففي ذلك دليل واضح على أن قوله: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ } إنما عني به: وأحضرت أنفس النساء الشحّ بحقوقهنّ من أزواجهن على ما وصفنا.

وأما قوله: {وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ } فإنه يعني: وإن تحسنوا أيها الرجال في أفعالكم إلى نسائكم إذا كرهتم منهنّ دمامة أو خُلُقا، أو بعض ما تكرهون منهنّ بالصبر عليهنّ، وأيفائهنّ حقوقهنّ، وعشرتهنّ بالمعروف {وَتَتَّقُواْ } يقول: وتتقوا الله فيهنّ بترك الجور منكم عليهنّ فيما يجب لمن كرهتموه منهنّ عليكم من القسمة له والنفقة والعشرة بالمعروف. {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } يقول: فإن الله كان بما تعلمون في أمور نسائكم أيها الرجال من الإحسان إليهنّ، والعشرة بالمعروف، والجور عليهنّ فيما يلزمكم لهنّ ويجب {خَبِيراً } يعني عالماً خابراً، لا يخفي عليه منه شيء، بل هو به عالم، وله محص عليكم، حتى يوفيكم جزاء ذلك المحسن منكم بإحسانه والمسيء بإساءته.]

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ