انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير الطبريالآيات 52–59

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النساء

الخلاصة من تفسير الطبري · 12 مقطعًا · 3:03:07

  1. 1 الآيات 36–57في هذه الصفحة 19:24
  2. 2 الآيات 58–73في هذه الصفحة 13:06

التفسير الصوتي لسورة النساء كاملًا (12 مقطعًا)

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا ۝٥٢

يعني جلّ ثناؤه بقوله: أولئك هؤلاء الذين وصف صفتهم أنهم أوتوا نصيباً من الكتاب وهم يؤمنون بالجبت والطاغوت، هم الذين لعنهم الله، يقول: أخزاهم الله فأبعدهم من رحمته بإيمانهم بالجبت والطاغوت وكفرهم بالله ورسوله، عناداً منهم لله ولرسوله، وبقولهم:

{ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً }[النساء: 51]. {وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ } يقول: ومن يخزه الله فيبعده من رحمته، {فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً } يقول: فلن تجد له يا محمد ناصراً ينصره من عقوبة الله ولعنته التي تحلّ به فيدفع ذلك عنه؛ كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال كعب بن الأشرف وحيـي بن أخطب ما قالا، يعني من قولهما: «هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً»، وهما يعلمان أنهما كاذبان، فأنزل الله: {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً }.

]

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا ۝٥٣

يعني بذلك جلّ ثناؤه: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ } أم لهم حظّ من الملك، يقول: ليس لهم حظّ من الملك. كما:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ } يقول: لو كان لهم نصيب من الملك إذا لم يؤتوا محمداً نقيراً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: قال الله: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ } قال: فليس لهم نصيب من الملك، {فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً } ولو كان لهم نصيب وحظّ من الملك، لم يكونوا إذًا يعطون الناس نقيراً من بخلهم.

واختلف أهل التأويل في معنى النقير، فقال بعضهم: هو النقطة التي في ظهر النواة. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثني عبد الله، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {نَقِيراً } يقول: النقطة التي في ظهر النواة.

حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: النقير الذي في ظهر النواة.

حدثني جعفر بن محمد الكوفي المروزي، قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس، قال: النقير: وسط النواة.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً } النقير: نقير النواة: وسطها.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً } يقول: لو كان لهم نصيب من الملك إذًا لم يؤتوا محمداً نقيراً، والنقير: النكتة التي في وسط النواة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني طلحة بن عمرو أنه سمع عطاء بن أبي رباح، يقول: النقير: الذي في ظهر النواة.

حدثني يحيـى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال: النقير: النقرة التي تكون في ظهر النواة.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالك، قال: النقير: الذي في ظهر النواة.

وقال آخرون: النقير: الحبة التي تكون في وسط النواة. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: {نَقِيراً } قال: النقير: حبة النواة التي في وسطها.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً } قال: النقير: حبة النواة التي في وسطها.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيـى بن سعيد، قال: ثنا سفيان بن سعيد، عن منصور، عن مجاهد قال: النقير في النوي.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهداً يقول: النقير: نقير النواة الذي في وسطها.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: النقير: نقير النواة الذي يكون في وسط النواة.

وقال آخرون: معنى ذلك: نقر الرجل الشيء بطرف أصابعه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن يزيد بن درهم أبي العلاء، قال: سمعت أبا العالية، ووضع ابن عباس طرف الإبهام على ظهر السبابة ثم رفعهما وقال: هذا النقير.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله وصف هؤلاء الفرقة من أهل الكتاب بالبخل باليسير من الشيء الذي لا خطر له، ولو كانوا ملوكاً وأهل قدرة على الأشياء الجليلة الأقدار. فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بمعنى النقير أن يكون أصغر ما يكون من النقر، وإذا كان ذلك أولى به، فالنقرة التي في ظهر النواة من صغار النقر، وقد يدخل في ذلك كل ما شاكلها من النقر. ورفع قوله: {لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ } ولم ينصب بـ«إذاً»، ومن حكمها أن تنصب الأفعال المستقبلة إذا ابتدىء الكلام بها؛ لأن معها فاء، ومن حكمها إذا دخل فيها بعض حروف العطف أن توجه إلى الابتداء بها مرّة وإلى النقل عنها إلى غيرها أخرى، وهذا الموضع مما أريد بالفاء فيه النقل عن إذًا إلى ما بعدها، وأن يكون معنى الكلام: أم لهم نصيب فلا يؤتون الناس نقيرا إذًا.

]

أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ۝٥٤

يعني بقوله جلّ ثناؤه: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ } أم يحسد هؤلاء الذين أوتوا نصيباً من الكتاب من اليهود. كما:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ } قال: اليهود.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة مثله.

وأما قوله: {ٱلنَّاسِ } فإن أهل التأويل اختلفوا فيمن عنى الله به، فقال بعضهم: عنى الله بذلك محمداً صلى الله عليه وسلم خاصة. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، قال: أخبرنا هشيم، عن خالد، عن عكرمة في قوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاس عَلَىٰ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } قال: الناس في هذا الموضع: النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثني أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاس عَلَىٰ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِه} يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاس عَلَىٰ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِه} قال: الناس: محمد صلى الله عليه وسلم.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول: فذكر نحوه.

وقال آخرون: بل عَنَى الله به العربَ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاس عَلَىٰ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِه} أولئك اليهود حسدوا هذا الحيّ من العرب على ما آتاهم الله من فضله.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عاتب اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآيات، فقال لهم في قيلهم للمشركين من عبدة الأوثان إنهم أهدى من محمد وأصحابه سبيلاً على علم منهم بأنهم في قيلهم ما قالوا من ذلك كذبة: أم يحسدون محمداً على ما آتاهم الله من فضله.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن ما قبل قوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاس عَلَىٰ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِه} مضى بذمّ القائلين من اليهود للذين كفروا:

{ هَـؤُلاء أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ سَبِيلاً }، فإلحاق قوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاس عَلَىٰ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِه} بذمهم على ذلك، وتقريظ الذين آمنوا الذين قيل فيهم ما قيل أشبه وأولى، ما لم يأت دلالة على انصراف معناه عن معنى ذلك.

واختلف أهل التأويل في تأويل الفضل الذي أخبر الله أنه آتى الذين ذكرهم في قوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاس عَلَىٰ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِه} فقال بعضهم: ذلك الفضل هو النبوّة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاس عَلَىٰ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِه}: حسدوا هذا الحيّ من العرب على ما آتاهم الله من فضله، بعث الله منهم نبياً فحسدوهم على ذلك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: {عَلَىٰ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } قال: النبوّة.

وقال آخرون: بل ذلك الفضل الذي ذكر الله أنه آتاهموه: هو إباحته ما أباح لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم من النساء، ينكح منهنّ ما شاء بغير عدد. قالوا: وإنما يعني بالناس: محمداً صلى الله عليه وسلم على ما ذكرت قبل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاس عَلَىٰ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِه}... الآية، وذلك أن أهل الكتاب قالوا: زعم محمد أنه أُوتي ما أُوتي في تواضع وله تسع نسوة، ليس همه إلا النكاح، فأيّ ملك أفضل من هذا؟ فقال الله: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاس عَلَىٰ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِه}.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاس عَلَىٰ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِه} يعني محمداً أن ينكح ما شاء من النساء.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاس عَلَىٰ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِه} وذلك أن اليهود قالوا: ما شأن محمد أعطي النبوّة كما يزعم وهو جائع عار، وليس له همّ إلا نكاح النساء؟ فحسدوه على تزويج الأزواج، وأحلّ الله لمحمد أن ينكح منهنّ ما شاء أن ينكح.

وأولى التأويلين في ذلك بالصواب قول قتادة وابن جُريج الذي ذكرناه قبلُ أن معنى الفضل في هذا الموضع النبوّة التي فضل الله بها محمداً، وشرّف بها العرب إذ آتاها رجلاً منهم دون غيرهم، لما ذكرنا من أن دلالة ظاهر هذه الآية تدلّ على أنها تقريظ للنبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، على ما قد بينا قبل، وليس النكاح وتزويج النساء، وإن كان من فضل الله جلّ ثناؤه الذي آتاه عباده بتقريظ لهم ومدح.

القول في تأويل قوله تعالى: {فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إِبْرٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءاتَيْنَـٰهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً }.

يعني: بذلك جلّ ثناؤه: أم يحسد هؤلاء اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآيات، الناسَ على ما آتاهم الله من فضله، من أجل أنهم ليسوا منهم، فكيف لا يحسدون آل إبراهيم، فقد آتيناهم بالكتاب؟ ويعني بقوله: {فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إِبْرٰهِيمَ }: فقد أعطينا آل إبراهيم، يعني: أهله وأتباعه على دينه {ٱلْكِتَـٰبِ } يعني: كتاب الله الذي أوحاه إليهم، وذلك كصحف إبراهيم وموسى والزبور، وسائر ما آتاهم من الكتب. وأما الحكمة، فما أوحى إليهم مما لم يكن كتاباً مقروءاً. {وَءاتَيْنَـٰهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً }.

واختلف أهل التأويل في معنى المُلْكِ العظيم الذي عناه الله في هذه الآية، فقال بعضهم: هو النبوّة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ } قال: يهود، {عَلَىٰ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } فقد آتينا آل آبراهيم الكتاب وليسوا منهم، والحكمة، {وَءاتَيْنَـٰهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً } قال: النبوّة.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: {مُلَكًا }: النبوّة.

وقال آخرون: بل ذلك تحليل النساء؛ قالوا: وإنما عنى الله بذلك: أم يحسدون محمداً على ما أحلّ الله له من النساء، فقد أحلّ الله مثل الذي أحله له منهنّ لداود وسليمان وغيرهم من الأنبياء، فكيف لم يحسدوهم على ذلك وحسدوا محمداً عليه الصلاة والسلام؟ ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إِبْرٰهِيمَ }: سليمان وداود {ٱلْحِكْمَةَ } يعني: النبوّة. {وَءاتَيْنَـٰهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً} في النساء، فما باله حلّ لأولئك وهم أنبياء أن ينكح داود تسعاً وتسعين امرأة، وينكح سليمان مائة، ولا يحلّ لمحمد أن ينكح كما نكحوا‍!.

وقال آخرون: بل معنى قوله: {وَءاتَيْنَـٰهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً} الذي آتى سليمان بن داود. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وَءاتَيْنَـٰهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً } يعني: ملك سليمان.

وقال آخرون: بل كانوا أُيِّدُوا بالملائكة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن حازم الغفاري، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن همام بن الحارث: {وَءاتَيْنَـٰهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً} قال: أُيدوا بالملائكة والجنود.

وأولى هذه الأقوال بتأويل الآي، وهي قوله: {وَءاتَيْنَـٰهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً} القول الذي رُوي عن ابن عباس أنه قال: يعني: ملك سليمان؛ لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، دون الذي قال: إنه ملك النُبوّة، ودون قول من قال: إنه تحليل النساء والملك عليهنّ. لأن كلام الله الذي خوطب به العرب غير جائز توجيهه إلا إلى المعروف المستعمل فيهم من معانيه، إلا أن تأتي دلالة أو تقوم حجة على أن ذلك بخلاف ذلك يجب التسليم لها.

]

فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ۝٥٥

يعني بذلك جلّ ثناؤه: فمن الذين أوتوا الكتاب من يهود بني إسرائيل الذين قال لهم جلّ ثناؤه:

{ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ }[النساء: 47] { مَنْ ءامَنَ بِهِ } يقول: من صدّق بما أنزلنا على محمد صلى الله عليه وسلم مصدّقاً لما معهم. {وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ } ومنهم من أعرض عن التصديق به. كما:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فَمِنْهُمْ مَّنْ ءامَنَ بِهِ } قال: بما أنزل على محمد من يهود {وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ }.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

وفي هذه الآية دلالة على أن الذين صدّوا عما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل الذين كانوا حوالي مهاجَرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما رفع عنهم وعيد الله الذي توعدهم به، في قوله:

{ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ وكانَ أمْرُ ٱللّهِ مَفْعُولا }[النساء: 47] في الدنا، وأخرت عقوبتهم إلى يوم القيامة، لإيمان من آمن منهم. وإن الوعيد لهم من الله بتعجيل العقوبة في الدنيا إنما كان على مقام جميعهم على الكفر بما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم، فلما آمن بعضهم خرجوا من الوعيد الذي توعده في عاجل الدنيا، وأخّرت عقوبة المقيمين على التكذيب إلى الآخرة، فقال لهم: كفاكم بجهنم سعيراً.

ويعني قوله: {وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً }: وحسبكم أيها المكذّبون بما أنزلت على محمد نبيـي ورسولي بجهنم سعيراً، يعني: بنار جهنم تُسَعَّر عليكم: أي توقد عليكم. وقيل: {سَعِيراً } أصله مسعوراً، من سعرت تسعر فهي مسعورة، كما قال الله:

{ وَإِذَا ٱلْجَحِيمُ سُعِّرَتْ }[التكوير: 12] ولكنها صرفت إلى فعيل، كما قيل: كفّ خضيب ولحية دهين، بمعنى مخضوبة ومدهونة، والسعير: الوقود.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ۝٥٦

هذا وعيد من الله جلّ ثناؤه للذين أقاموا على تكذيبهم بما أنزل الله على محمد من يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر الكفار برسوله. يقول الله لهم: إن الذين جحدوا ما أنزلت على رسولي محمد صلى الله عليه وسلم من آياتي، يعني من آيات تنزيله ووحي كتابه، وهي دلالاته وحججه على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يصدّقوا به من يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر أهل الكفر به؛ {سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً } يقول: سوف ننضجهم في نار يَصْلُوْن فيها: أي يشوون فيها. {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ } يقول: كلما انْشَوَتْ بها جلودهم فاحترقت، {بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا } يعني: غير الجلود التي قد نضجت فانشوت. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن نوير، عن ابن عمر: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا } قال: إذا احترقت جلودهم بدلناهم جلوداً بيضاً أمثال القراطيس.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا } يقول: كلما احترقت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ } قال: سمعنا أنه مكتوب في الكتاب الأوّل أن جلد أحدهم أربعون ذراعاً، وسنّه سبعون ذراعاً، وبطنه لو وضع فيه جبل لوَسِعَهُ، فإذا أكلت النار جلودهم بُدِّلوا جلوداً غيرها.

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: بلغني عن الحسن: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا } قال: نُنضجهم في اليوم سبعين ألف مرّة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو عبيدة الحداد، عن هشام بن حسان، عن الحسن، قوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا } قال: تنضج النار كل يوم سبعين ألف جلد، وغلظ جلد الكافر أربعون ذراعاً، والله أعلم بأيّ ذراع.

فإن سأل سائل، فقال: وما معنى قوله جلّ ثناؤه: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا }؟ وهل يجوز أن يبدّلوا جلوداً غير جلودهم التي كانت لهم في الدنيا، فيعذّبوا فيها؟ فإن جاز ذلك عندك، فأجز أن يبدّلوا أجساماً وأرواحاً غير أجسامهم وأوراحهم التي كانت لهم في الدنيا فتعذّب! وإن أجزت ذلك، لزمك أن يكون المعذّبون في الآخرة بالنار غير الذين أوعدهم الله العقاب على كفرهم به ومعصيتهم إياه، وأن يكون الكفار قد ارتفع عنهم العذاب! قيل: إن الناس اختلفوا في معنى ذلك، فقال بعضهم: العذاب إنما يصل إلى الإنسان الذي هو غير الجلد واللحم، وإنما يحرق الجلد ليصل إلى الإنسان ألم العذاب، وأما الجلد واللحم فلا يألمان. قالوا: فسواء أعيد على الكافر جلده الذي كان له في الدنيا، أو جلد غيره، إذ كانت الجلود غير آلمة ولا معذّبة، وإنما الآلمة المعذّبة النفس التي تحسّ الألم، ويصل إليها الوجع. قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، فغير مستحيل أن يخلق لكل كافر في النار في كل لحظة وساعة من الجلود ما لا يُحْصَى عدده، ويحرق ذلك عليه، ليصل إلى نفسه ألم العذاب، إذ كانت الجلود لا تألم.

وقال آخرون: بل الجلود تألم، واللحم وسائر أجزاء جِرْمِ بني آدم، وإذا أحرق جلده أو غيره من أجزاء جسده، وصل ألم ذلك إلى جميعه. قالوا: ومعنى قوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا }: بدلناهم جلوداً غير محترقة، وذلك أنها تعاد جديدة، والأولى كانت قد احترقت فأعيدت غير محترقة، فلذلك قيل غيرها، لأنها غير الجلود التي كانت لهم في الدنيا التي عصوا الله وهي لهم. قالوا: وذلك نظير قول العرب للصائغ إذا استصاغته خاتماً من خاتم مصوغ، بتحويله عن صياغته التي هو بها إلى صياغة أخرى: صغ لي من هذا الخاتم خاتماً غيره! فيكسره ويصوغ له منه خاتماً غيره والخاتم المصوغ بالصياغة الثانية هو الأوّل، ولكنه لما أعيد بعد كسره خاتماً قيل هو غيره. قالوا: فكذلك معنى قوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا } لما احترقت الجلود ثم أعيدت جديدة بعد الاحتراق، قيل هي غيرها على ذلك المعنى.

وقال آخرون: معنى ذلك: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ } سرابيلهم، بدلناهم سرابيل من قطران غيرها. فجعلت السرابيل القطران لهم جلوداً، كما يقال للشيء الخاصّ بالإنسان: هو جلدة ما بين عينيه ووجهه لخصوصه به. قالوا: فكذلك سرابيل القطران التي قال الله في كتابه:

{ سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ }[إبراهيم: 50] لما صارت لهم لباساً لا تفارق أجسامهم جُعلت لهم جلوداً، فقيل: كلما اشتعل القطران في أجسامهم واحترق بدّلوا سرابيل من قطران آخر. قالوا: وأما جلود أهل الكفر من أهل النار فإنها لا تحرق، لأن في احتراقها إلى حال إعادتها فناءها، وفي فنائها راحتها. قالوا: وقد أخبرنا الله تعالى ذكره عنها أنهم لا يموتون ولا يخفف عنهم من عذابها. قالوا: وجلود الكفار أحد أجزاء أجسامهم، ولو جاز أن يحترق منها شيء فيفنى ثم يعاد بعد الفناء في النار، جاز ذلك في جميع أجزائها، وإذا جاز ذلك وجب أن يكون جائزاً عليهم الفناء ثم الإعادة والموت ثم الإحياء، وقد أخبر الله عنهم أنهم لا يموتون. قالوا: وفي خبره عنهم أنهم لا يموتون دليل واضح أنه لا يموت شيء من أجزاء أجسامهم، والجلود أحد تلك الأجزاء.

وأما معنى قوله: {لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } فإنه يقول: فعلنا ذلك بهم ليجدوا ألم العذاب وكربه وشدّته بما كانوا في الدنيا يكذّبون آيات الله ويجحدونها.

القول في تأويل قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً }.

يقول: إن الله لم يزل عزيزاً في انتقامه ممن انتقم منه من خلقه، لا يقدر على الامتناع منه أحد أراده بضرّ، ولا الانتصار منه أحد أحلّ به عقوبة، حكيماً في تدبيره وقضائه.

]

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ۝٥٧

يعني بقوله جلّ ثناؤه: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ }: والذين آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وصدّقوا بما أنزل الله على محمد مصدّقاً لما معهم من يهود بني إسرائيل وسائر الأمم غيرهم. {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } يقول: وأدّوا ما أمرهم الله به من فرائضه، واجتنبوا ما حرّم الله عليهم من معاصيه، وذلك هو الصالح من أعمالهم. {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } يقول: سوف يدخلهم الله يوم القيامة جناتٍ، يعني: بساتين {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } يقول: تجري من تحت تلك الجنات الأنهار. {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } يقول: باقين فيها أبدا بغير نهاية ولا انقطاع، دائم ذلك لهم فيها أبداً. {لَّهُمْ فِيهَا أَزْوٰجٌ } يقول: لهم في تلك الجنات التي وصف صفتها {أَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ } يعني: بريئات من الأدناس والريب الحيض والغائط والبول والحبل والبصاق، وسائر ما يكون في نساء أهل الدنيا.

وقد ذكرنا ما في ذلك من الأثار فيما مضى قبل، وأغنى ذلك عن إعادتها. وأما قوله: {وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً } فإنه يقول: وندخلهم ظلاًّ كنيناً، كما قال جلّ ثناؤه:

{ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ }[الواقعة: 30]. وكما:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، وحدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قالا جميعاً، ثنا شعبة، قال: سمعت أبا الضحاك يحدّث عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:

إنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّها مائَةَ عامٍ لا يَقْطَعُها، شَجَرَةُ الخُلْدِ».

]

إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًا ۝٥٨

اختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية، فقال بعضهم: عُني بها: ولاةُ أمور المسلمين. ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا أبو أسامة، عن أبي مكين، عن زيد بن أسلم، قال: نزلت هذه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا } في ولاة الأمر.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إديس، قال: ثنا ليث، عن شهر، قال: نزلت في الأمراء خاصة {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ }.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا إدريس، قال: ثنا إسماعيل، عن مصعب بن سعد، قال: قال عليّ رضي الله عنه: كلمات أصاب فيهنّ حقّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدّى الأمانة، وإذا فعل ذلك فحقّ على الناس أن يسمعوا وأن يطيعوا وأن يجيبوا إذا دعوا.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا إسماعيل عن مصعب بن سعد، عن عليّ بنحوه.

حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا موسى بن عمير، عن مكحول، في قول الله:

{ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ }[النساء: 59] قال: هم أهل الآية التي قبلها: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا }... إلى آخر الآية.

حدثني يونس، قال؛ أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا ابن زيد، قال: قال أبي: هم الولاة، أمرهم أن يؤدّوا الأمانات إلى أهلها.

وقال آخرون: أمر السلطان بذلك أن يعطوا الناس. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا } قال: يعني: السلطان يعطون الناس.

وقال آخرون: الذي خُوطِبَ بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم في مفاتيح الكعبة أُمِرَ بردّها على عثمان بن طلحة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا } قال: نزلت في عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، قبض منه النبيّ صلى الله عليه وسلم مفاتيح الكعبة، ودخل بها البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح. قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو هذه الآية: فداؤه أبي وأمي! ما سمعته يتلوها قبل ذلك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا الزنجي بن خالد، عن الزهري، قال: دفعه إليه وقال: أعينوه.

وأولى هذه الأقوال بالصوااب في ذلك عندي قول من قال: هو خطاب من الله ولاة أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من ولّوا في فيئهم وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم بالعدل بينهم في القضية. والقسم بينهم بالسوية، يدلّ على ذلك ما وعظ به الرعية في:

{ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ }[النساء: 59] فأمرهم بطاعتهم، وأوصى الراعي بالرعية، وأوصى الرعية بالطاعة. كما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:

{ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ }[النساء: 59] قال: قال أبي: هم السلاطين. وقرأ ابن زيد: { تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ }[آل عمران: 26] ألا ترى أنه أمر فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا }؟ والأمانات: هي الفيء الذي استأمنهم على جمعه وقسمه، والصدقات التي استأمنهم على جمعها وقسمها. {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ }... الآية كلها فأمر بهذا الولاة، ثم أقبل علينا نحن، فقال: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ }[النساء: 59].

وأما الذي قال ابن جريج من أن هذه الآية نزلت في عثمان بن طلحة فإنه جائز أن تكون نزلت فيه، وأريد به كلّ مؤتمن على أمانة فدخل فيه ولاة أمور المسلمين وكل مؤتمن على أمانة في دين أو دنيا، ولذلك قال من قال: عني به قضاء الدين وردّ حقوق الناس. كالذي:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا } فإنه لم يرخص لموسر ولا معسر أن يمسكها.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا } عن الحسن: أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

أدّ الأمانةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خانَكَ

فتأويل الآية إذًا، إذ كان الأمر على ما وصفنا: إن الله يأمركم يا معشر ولاة أمور المسلمين أن تؤدّوا ما ائتمنتكم عليه رعيتكم من فيئهم وحقوقهم وأموالهم وصدقاتهم إليهم على ما أمركم الله، بأداء كلّ شيء من ذلك إلى من هو له بعد أن تصير في أيديكم، لا تظلموها أهلها ولا تستأثروا بشيء منها ولا تضعوا شيئاً منها في غير موضعه، ولا تأخذوها إلا ممن أذن الله لكم بأخذها منه قبل أن تصير في أيديكم؛ ويأمركم إذا حكمتم بين رعيتكم أن تحكموا بينهم بالعدل والإنصاف، وذلك حكم الله الذي أنزله في كتابه وبينه على لسان رسوله، لا تَعْدوا ذلك فتجوروا عليهم.

القول في تأويل قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً }.

يعني بذلك جلّ ثناؤه: يا معشر ولاة أمور المسلمين إنّ الله نَعِمَّ الشيء يعظكم به، ونِعِمَّت العظة يعظكم بها في أمره إياكم، أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها، وأن تحكموا بين الناس بالعدل {إنَّ ٱللَّهِ كَانَ سَمِيعاً } يقول: إن الله لم يزل سميعاً بما تقولون وتنطقون، وهو سميع لذلك منكم إذا حكمتم بين الناس ولم تحاوروهم به، {بَصِيراً } بما تفعلون فيما ائتمنتكم عليه من حقوق رعيتكم وأموالهم، وما تقضون به بينهم من أحكامكم بعدل تحكمون أو جور، لا يخفى عليه شيء من ذلك، حافظ ذلك كله، حتى يجازي محسنكم بإحسانه ومسيئكم بإساءته، أو يعفو بفضله.

]

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ۝٥٩

يعني بذلك جلّ ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ربكم فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، وأطيعوا رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، فإن في طاعتكم إياه لربكم طاعة، وذلك أنكم تطيعونه لأمر الله إياكم بطاعته. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَنْ أطاعَنِي فَقَدْ أطاعَ اللّهَ وَمَنْ أطاعَ أمِيري فَقَدْ أطاعَنِي، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللّهَ وَمَنْ عَصَا أمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي.

واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } فقال بعضهم: ذلك أمر من الله باتباع سنّته. ذكر من قال ذلك:

حدثنا المثنى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء، في قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } قال: طاعة الرسول: اتّباع سنته.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يعلى بن عبيد، عن عبد الملك، عن عطاء: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } قال: طاعة الرسول: اتباع الكتاب والسنة.

وحدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن عبد الملك، عن عطاء، مثله.

وقال آخرون: ذلك أمر من الله بطاعة الرسول في حياته. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } إن كان حيًّا.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: هو أمر من الله بطاعة رسوله في حياته فيما أمر ونهى، وبعد وفاته في اتباع سنته؛ وذلك أن الله عمّ بالأمر بطاعته ولم يخصص ذلك في حال دون حال، فهو على العموم حتى يخصّ ذلك ما يجب التسليم له.

واختلف أهل التأويل في أولي الأمر الذين أمر الله عباده بطاعتهم في هذه الآية، فقال بعضهم هم الأمراء. ذكر من قال ذلك:

حدثني أبو السائب سلم بن جنادة، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } قال: هم الأمراء.

حدثنا الحسن بن الصباح البزار، قال: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه قال: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ }، نزلت في رجل بعثه النبيّ صلى الله عليه وسلم على سرية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبيد الله بن مسلم بن هرمز، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي إذ بعثه النبيّ صلى الله عليه وسلم في السرية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، قال: سأل مسلمة ميمون بن مهران، عن قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى مِّنكُمْ } قال: أصحاب السرايا على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } قال: قال أبي: هم السلاطين. قال: وقال ابن زيد في قوله: {وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } قال أبي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الطَّاعَة الطَّاعة! وفي الطَّاعَةِ بلاءٌ. وقال:ولو شَاء اللّه لَجَعَلَ الأَمْرَ في الأنْبِيَاءِ، يعني: لقد جعل إليهم والأنبياء معهم، ألا ترى حين حكموا في قتل يحيـى بن زكريا؟.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، ثنا أسباط، عن السديّ: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها خالد ابن الوليد، وفيها عمار بن ياسر، فساروا قَبِلَ القوم الذين يريدون، فلما بلغوا قريباً منهم عَرَّسوا، وأتاهم ذو العيينتين، فأخبرهم فأصبحوا وقد هربوا غير رجل أمر أهله، فجمعوا متاعهم. ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل، حتى أتى عسكر خالد، فسأل عن عمار بن ياسر فأتاه، فقال: يا أبا اليقظان، إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا، وإني بقيت فهل إسلامي نافعي غداً وإلا هربت؟ قال عمار: بل هو ينفعك، فأقم! فأقام. فلما أصبحوا أغار خالد، فلم يجد أحداً غير الرجل، فأخذه وأخذ ماله، فبلغ عماراً الخبر، فأتى خالداً فقال: خلّ عن الرجل فإنه قد أسلم، وهو في أمان مني! فقال خالد: وفيم أنت تجير؟ فاستَّبا وارتفعا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأحاز أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على أمير. فاستَّبا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال خالد: يا رسول الله أتترك هذا العبد الأجدع يسبني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يا خالِدُ لا تَسُبَّ عَمَّاراً، فإنَّهُ مَنْ سَبَّ عَمَّاراً سَبَّهُ اللّهُ، وَمَنْ أبْغَضَ عَمَّاراً أبْغَضَهُ اللّهُ، وَمَنْ لَعَنَ عَمَّاراً لَعَنَهُ اللّهُ. فغضب عمار، فقام فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه، فرضي عنه، فأنزل الله تعالى قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ }.

وقال آخرون: هم أهل العلم والفقه. ذكر من قال ذلك:

حدثني سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبي، عن عليّ بن صالح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله... قال: ثنا جابر بن نوح، عن الأعمش، عن مجاهد، في قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } قال: أولي الفقه منكم.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا ليث، عن مجاهد، في قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } قال: أولي الفقه والعلم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح: {وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } قال: أولي الفقه في الدين والعقل.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } يعني: أهل الفقه والدين.

حدثني أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن مجاهد: {وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } قال: أهل العلم.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك، عن عطاء بن السائب في قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } قال: أولي العلم والفقه.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء: {وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } قال: الفقهاء والعلماء.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: {وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} قال: هم العلماء.

قال: وأخبرنا عبد الرزاق، عن الثَّوْرِيّ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: {وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} قال: هم أهل الفقه والعلم.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: {وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} قال: هم أهل العلم، ألا ترى أنه يقول:

{ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ }[النساء: 83]؟.

وقال آخرون: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } قال: كان مجاهد يقول: أصحاب محمد. قال: وربما قال: أولي الفضل والفقه ودين الله.

وقال آخرون: هم أبو بكر وعمر رضي الله عنه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن عمرو البصري، قال: ثنا حفص بن عمر العدني، قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } قال: أبو بكر وعمر.

وأوْلَي الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان طاعة وللمسلمين مصلحة. كالذي:

حدثني عليّ بن مسلم الطوسي قال: ثنا ابن أبي فديك، قال: ثني عبد الله بن محمد بن عروة، عن هشام بن عروة، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم:

سيَليكُمْ بَعْدِي وُلاةٌ، فَيَلِيكُمْ البَرُّ بِبرِّه والفَاجِرِ بِفُجُوره، فاسمَعُوا لَهُمْ وأطِيعُوا فِي كلّ ما وَافَقَ الحَقَّ، وَصَلُّوا وَرَاءَهُمْ فإنْ أحْسَنُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإنْ أساءوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيـى عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن عبد الله، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:

على المَرْء المُسْلِم الطَّاعَةُ فِيما أحَبَّ وكَرهَ، إلاَّ أنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصَيَةٍ فَمَنْ أُمرَ بِمَعْصِيَةِ فَلا طاعَةَ

حدثني ابن المثنى، قال: ثني خالد عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، نحوه.

فإذا كان معلوماً أنه لا طاعة واجبة لأحد غير الله أو رسوله أو إمام عادل، وكان الله قد أمر بقوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ } بطاعة ذوي أمرنا، كان معلوماً أن الذين أمر بطاعتهم تعالى ذكره من ذوي أمرنا هم الأئمة ومن ولاّه المسلمون دون غيرهم من الناس، وإن كان فرضاً القبول من كل من أمر بترك معصية الله، ودعا إلى طاعة الله، وأنه لا طاعة تجب لأحد فيما أمر ونهى فيما لم تقم حجة وجوبه إلا للأئمة الذين ألزم الله عباده طاعتهم فيما أمروا به رعيتهم مما هو مصلحة لعامة الرعية، فإنَّ على من أمروه بذلك طاعتهم، وكذلك في كل ما لم يكن لله معصية. وإذ كان ذلك كذلك كان معلوماً بذلك صحة ما اخترنا من التأويل دون غيره.

القول في تأويل قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ }.

يعني بذلك جلّ ثناؤه: فإن اختلفتم يها المؤمنون في شيء من أمر دينكم أنتم فيما بينكم أو أنتم وولاة أمركم فاشتجرتم فيه، {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ } يعني بذلك: فارتادوا معرفة حكم الذي اشتجرتم أنتم بينكم أو انتم وأولو أمركم من عند الله، يعني بذلك: من كتاب الله، فاتبعوا ما وجدتم. وأما قوله: {وَٱلرَّسُولِ} فَإِنَّهُ يِقُولُ: فَإِن تَجِدُواْ إِلَى علم ذلك في كتـاب الله سبيلاً، فارتادوا معرفة ذلك أيضاً من عند الرسول إن كان حيًّا وإن كان ميتاً فمن سنته، {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } يقول: افعلوا ذلك إن كنتم تصدّقون بالله واليوم الآخر. يعني: بالمعاد الذي فيه الثواب والعقاب، فإنكم إن فعلتم ما أمرتم به من ذلك فلكم من الله الجزيل من الثواب، وإن لم تفعلوا ذلك فلكم الأليم من العقاب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا ليث عن مجاهد، في قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } قال: فإن تنازع العلماء ردّوه إلى الله والرسول. قال: يقول: فردّوه إلى كتاب الله وسنة رسوله. ثم قرأ مجاهد هذه الآية:

{ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [النساء: 83].

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد في قوله: {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } قال: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ليث، عن مجاهد في قوله: {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } قال: إلى الله إلى كتابه، وإلى الرسول: إلى سنة نبيه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، قال: سأل مسلمة ميمون بن مهران عن قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } قال: «الله»: كتابه و«رسوله»: سنته. فكأنما ألقمه حجراً.

حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: أخبرنا جعفر بن مروان، عن ميمون بن مهران: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } قال: الردّ إلى الله: الردّ إلى كتابه، والردّ إلى رسوله إن كان حيًّا، فإن قبضه الله إليه فالردّ إلى السنة.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } يقول: ردّوه إلى كتاب الله وسنة رسوله {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ }.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } إن كان الرسول حيًّا، و{إِلَى ٱللَّهِ } قال: إلى كتابه.

القول في تأويل قوله تعالى: {ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }.

يعني بقوله جلّ ثناؤه: {ذٰلِكَ } فردُّ ما تنازعتم فيه من شيء إلى الله والرسول، خير لكم عند الله في معادكم، وأصلح لكم في دنياكم، لأن ذلك يدعوكم إلى الألفة، وترك التنازع والفرقة. {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } يعني: وأحمدُ موئلاً ومغبة، وأجمل عاقبة. وقد بينا فيما مضى أن التأويل: التفعيل من تأوّل، وأن قول القائل تأوّل: تفعَّل، من قولهم آل هذا الأمر إلى كذا: أي رجع؛ بما أغنى عن إعادته.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } قال: حسن جزاء.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } يقول: ذلك أحسن ثواباً وخير عاقبه.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } قال: عاقبة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } قال: وأحسن عاقبة. قال: والتأويل: التصديق. ]

الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ