انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير الطبريالآيات 34–35

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النساء

الخلاصة من تفسير الطبري · 12 مقطعًا · 3:03:07

  1. 1 الآيات 24–35في هذه الصفحة 14:31

التفسير الصوتي لسورة النساء كاملًا (12 مقطعًا)

ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ وَٱلَّٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ۝٣٤

يعني بقوله جلّ ثناؤه: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَاء }: الرجال أهل قيام على نسائهم في تأديبهن والأخذ على أيديهن، فيما يجب عليهنّ لله ولأنفسهم؛ {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ }: يعني بما فضل الله به الرجال على أزواجهم من سوقهم إليهنّ مهورهنّ، وإنفاقهم عليهنّ أموالهم، وكفايتهم إياهن مؤنهن. وذلك تفضيل الله تبارك وتعالى إياهم عليهن، ولذلك صاروا قوّاماً عليهنّ، نافذي الأمر عليهنّ فيما جعل الله إليهم من أمورهنّ.

وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَاء } يعني: أمراء عليها أن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة إلى أهله حافظة لماله وفضله عليها بنفقته وسعيه.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } يقول: الرجل قائم على المرأة يأمرها بطاعة الله، فإن أبت، فله أن يضربها ضرباً غير مبرّح، وله عليها الفضل بنفقته وسعيه.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَاء } قال: يأخذون على أيديهن ويؤدبونهنّ.

حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: سمعت سفيان، يقول: {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } قال: بتفضيل الله الرجال على النساء.

وذكر أن هذه الآية نزلت في رجل لطم امرأته، فخوصم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقضى لها بالقصاص. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ثنا الحسن: أن رجلاً لطم امرأته، فأتت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يقصها منه، فأنزل الله: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ } فدعاه النبيّ صلى الله عليه وسلم، فتلاها عليه وقال:

أرَدْتُ أمْرا وأرَادَ اللّه غَيْرَهُ

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ } ذكر لنا أن رجلاً لطم امرأٍّه، فأتت النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحوه.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَاءِ } قال: صكّ رجل امرأته، فأتت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يقيدَها منه، فأنزل الله: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَاءِ }.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن جرير بن حازم، عن الحسن، أن رجلاً من الأنصار لطم امرأته، فجاءت تلتمس القصاص، فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص، فنزلت: قوله:

{ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ }[طه: 114] ونزلت: {ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاء بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: لطم رجل امرأته، فأراد النبيّ صلى الله عليه وسلم القصاص، فبينما هم كذلك، نزلت الآية.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، أما: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَاءِ } فإن رجلاً من الأنصار كان بينه وبين امرأته كلام، فلطمها، فانطلق أهلها، فذكروا ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فأخبرهم: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَاءِ }... الآية.

وكان الزهري يقول: ليس بين الرجل وامرأته قصاص فيما دون النفس.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، سمعت الزهري، يقول: لو أن رجلاً شجّ امرأته، أو جرحها، لم يكن عليه في ذلك قود وكان عليه العقل، إلا أن يعدو عليها فيقتلها، فيقتل بها.

وأما قوله: {وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ } فإنه يعني: وبما ساقوا إليهنّ من صداق، وأنفقوا عليهن من نفقة. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: فضله علها بنفقته وسعيه.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، مثله.

حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: سمعت سفيان يقول: {وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ } بما ساقوا من المهر.

فتأويل الكلام إذًا: الرجال قوّامون على نسائهم بتفضيل الله إياهم عليهنّ وبإنفاقهم عليهنّ من أموالهم. و«ما» التي في قوله: {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ } والتي في قوله: {وَبِمَا أَنفَقُواْ } في معنى المصدر.

القول في تأويل قوله تعالى: {فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ حَـٰفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ }.

يعني بقوله جلّ ثناؤه: {فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ }: المستقيمات الدين، العاملات بالخير. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، قال: سمعت سفيان، يقول: فالصالحات يعملن بالخير.

وقوله: {قَـٰنِتَـٰتٌ } يعني: مطيعات لله ولأزواجهن. كما:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: قوله: {قَـٰنِتَـٰتٌ } قال: مطيعات.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {قَـٰنِتَـٰتٌ } قال: مطيعات.

حدثني عليّ عن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {قَـٰنِتَـٰتٌ }: مطيعات.

حدثنا الحسن بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {قَـٰنِتَـٰتٌ }: أي مطيعات لله ولأزواجهنّ.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: مطيعات.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: القانتات: المطيعات.

حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: سمعت سفيان يقول في قوله: {قَـٰنِتَـٰتٌ} قال: مطيعات لأزواجهن.

وقد بينا معنى القنوت فيما مضى وأنه الطاعة، ودللنا على صحة ذلك من الشواهد بما أغنى عن إعادته.

وأما قوله: {حـَٰـفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ } فإنه يعني: حافظات لأنفسهنّ عند غيبة أزواجهنّ عنهنّ في فروجهن وأموالهم، وللواجب عليهنّ من حقّ الله في ذلك وغيره. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {حَـٰـفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ } يقول: حافِظات لما استودعهنّ الله من حقه، وحافظات لغيب أزواجهن.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {حَـٰـفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ } يقول: تحفظ على زوجها ماله وفرجها، حتى يرجع كما أمرها الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: ما قوله: {حَـٰـفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ }؟ قال: حافظات للزوج.

حدثني زكريا بن يحيـى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: سألت عطاء، عن{حَـٰفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ } قال: حافظات للأزواج.

حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: سمعت سفيان يقول: {حَـٰفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ }: حافظات لأزواجهن لما غاب من شأنهنّ.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا أبو معشر، قال: ثنا سعيد عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

خَيْرُ النِّساءِ امْرأةٌ إذَا نَظَرْتَ إلَيْها سَرَّتْكَ، وإذَا أمَرْتَها أطاعَتْكَ، وَإذَا غِبْتَ عَنْها حَفِظَتْكَ فِي نَفْسِها وَمالِكَ قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَاءِ }... الآية.

قال أبو جعفر: وهذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلّ على صحة ما قلنا في تأويل ذلك، وأن معناه: صالحات في أديانهنّ، مطيعات لأزواجهنّ، حافظات لهم في أنفسهنّ وأموالهم.

وأما قوله: {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ } فإن القرّاء اختلفت في قراءته، فقرأته عامة القراء في جميع أمصار الإسلام: {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ } برفع اسم الله على معنى: بحفظ الله إياهنّ إذ صيرهن كذلك. كما:

حدثني زكريا بن يحيـى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: سألت عطاء، عن قوله: {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ } قال: يقول: حفظهنّ الله.

حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: سمعت سفيان يقول في قوله: {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ } قال: بحفظ الله إياها أنه جعلها كذلك.

وقرأ ذلك أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني: «بِمَا حَفِظَ اللَّهَ» يعني: بحفظهنّ الله في طاعته، وأداء حقه بما أمرهنّ من حفظ غيب أزواجهنّ، كقول الرجل للرجل: ما حفظت الله في كذا وكذا، بمعنى: راقبته ولاحظته.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك ما جاءت به قراءة المسلمين من القراءة مجيئاً يقطع عذر من بلغه ويثبت عليه حجته، دون ما انفرد به أبو جعفر فشذّ عنهم، وتلك القراءة ترفع اسم الله تبارك وتعالى: {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ } مع صحة ذلك في العربية وكلام العرب، وقبح نصبه في العربية لخروجه عن المعروف من منطق العرب. وذلك أن العرب لا تحذف الفاعل مع المصادر من أجل أن الفاعل إذا حذف معها لم يكّن للفعل صاحب معروف. وفي الكلام متروك استغني بدلالة الظاهر من الكلام عليه من ذكره ومعناه: {فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ حَـٰفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ } فأحسنوا إليهنّ وأصلحوا، وكذلك هو فيما ذكر في قراءة ابن مسعود.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال: ثنا عيسى الأعمى، عن طلحة بن مصرف، قال: في قراءة عبد الله: «فالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ للْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ فأصلحوا إليهنّ واللاَّتِي تخافُونَ نُشُوزَهُنَّ».

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ حَـٰفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ } فأحسنوا إليهنَّ.

حدثني عليّ بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ حَـٰفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ } فأصلحوا إليهنّ.

حدثني عليّ بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ حَـٰفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ } يعني إذا كنّ هكذا، فأصلحوا إليهنّ.

القول في تأويل قوله: {وَٱللَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ }.

اختلف أهل التأويل في معنى قوله: {وَٱللَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } فقال بعضهم: معناه: واللاتي تعلمون نشوزهنّ. ووجه صرف الخوف في هذا الموضع إلى العلم في قول هؤلاء نظير صرف الظنّ إلى العلم لتقارب معنييهما، إذ كان الظنّ شكاً، وكان الخوف مقروناً برجاء، وكانا جميعاً من فعل المرء بقلبه، كما قال الشاعر:

وَلا تَدْفِنَنَّـي فِي الفَلاةِ فانَّنِي أخافُ إذَا ما مِتُّ أنْ لا أذُوقُها

معناه: فإنني أعلم، وكما قال الآخر:

أتانِي كَلامٌ عَنْ نُصَيْب يَقُولُهُ وَما خِفْتُ يا سَلاَّمُ أنَّكَ عائِبي

بمعنى: وما ظننت.

وقال جماعة من أهل التأويل: معنى الخوف في هذا الموضع: الخوف الذي هو خلاف الرجاء. قالوا: معنى ذلك: إذا رأيتم منهن ما تخافون أن ينشزن عليكم من نظر إلى ما لا ينبغي لهن أن ينظرن إليه، ويدخلن ويخرجن، واستربتم بأمرهنّ، فعظوهنّ واهجروهنّ. وممن قال ذلك محمد بن كعب.

وأما قوله: {نُشُوزَهُنَّ } فإنه يعني: استعلاءهنّ على أزواجهنّ، وارتفاعهنّ عن فرشهم بالمعصية منهنّ، والخلاف عليهم فيما لزمهنّ طاعتهم فيه، بغضاً منهنّ وإعراضاً عنهم وأصل النشوز الارتفاع، ومنه قيل للمكان المرتفع من الأرض نَشْز ونَشَاز. {فَعِظُوهُنَّ } يقول: ذكروهنّ الله، وخوفوهنّ وعيده في ركوبها ما حرّم الله عليها من معصية زوجها فيما أوجب عليها طاعته فيه.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال: النشوز: البغض ومعصية الزوج:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَٱللَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } قال: بعضهنّ.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَٱللَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } قال: التي تخاف معصيتها. قال: النشوز: معصيته وخلافه.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {وَٱللَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } تلك المرأة تنشز وتستخفّ بحق زوجها ولا تطيع أمره.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، ثنا روح، قال: ثنا ابن جريج، قال: قال عطاء: النشوز: أن تحب فراقه، والرجل كذلك. ذكر الرواية عمن قال ما قلنا في قوله: {فَعِظُوهُنَّ }:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {فَعِظُوهُنَّ } يعني: عظوهن بكتاب الله، قال: أمره الله إذا نشزت أن يعظها ويذكرها الله ويعظم حقه عليها.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱللَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ } قال: إذا نشزت المرأة عن فراش زوجها يقول لها: اتقي الله وارجعي إلى فراشك، فإن أطاعته فلا سبيل له عليها.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن، قال: إذا نشزت المرأة على زوجها فليعظها بلسانه، يقول: يأمرها بتقوى الله وطاعته.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، قال: إذا رأى الرجل خفّة في بصرها في مدخلها ومخرجها، قال: يقول لها بلسانه: قد رأيت منك كذا وكذا فانتهى‍! فإن أعَتَبتْ فلا سبيل له عليها، وإن أبت هجر مضجعها.

حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَعِطُوهُنَّ} قال: إذا نشزت المرأة عن فراش زوجها، فإنه يقول لها: اتقي الله وارجعي.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عطاء: { فَعِظُوهُنَّ } قال: بالكلام.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قوله: {فَعِظُوهُنَّ } قال بالألسنة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير: {فَعِظُوهُنَّ } قال: عظوهن باللسان.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ }.

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: فعظوهن في نشوزهن عليكم أيها الأزواج، فإن أبين مراجعة الحق في ذلك والواجب عليهم لكم، فاهجروهن بترك جماعهن في مضاجعتكم إياهن. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ } يعني: عظوهن، فإن أطعنكم وإلا فاهجروهن.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ } يعني بالهجران أن يكون الرجل وامرأته على فراش واحد لا يجامعها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: الهجر: هجر الجماع.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: أما {تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } فإن على زوجها أن يعظها، فإن لم تقبل فليهجرها في المضجع. يقول: يرقد عندها ويوليها ظهره، ويطؤها ولا يكلمها. هكذا في كتابي: «ويطؤها ولا يكلمها».

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ } قال: يضاجعها ويهجر كلامها ويوليها ظهره.

حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ } قال: لا يجامعها.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: واهجروهن واهجروا كلامهن في تركهنّ مضاجعتكم، حتى يرجعن إلى مضاجعتكم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن أبي الضحى، عن ابن عباس في قوله: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ } أنها لا تترك في الكلام، ولكن الهجران في أمر المضجع.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيـى بن واضح، قال: ثنا أبو حمزة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ } يقول: حتى يأتين مضاجعكم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبير: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ }: في الجماع.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ } قال: يعظها فإن هي قبلت وإلا هجرها في المضجع ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها شديد.

حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا شريك، عن خصيف، عن عكرمة: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ } الكلام والحديث.

.... ذكر من قال ذلك:

حدثني الحسن بن زريق الطهوى، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن منصور، عن مجاهد في قوله: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ } قال: لا تضاجعوهنّ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: الهجران أن لايضاجعها.

وبه قال حدثنا جرير، عن مغيرة، عن عامر وإبراهيم، قالا: الهجران في المضجع أن لا يضاجعها على فراش.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم والشعبي، أنهما قالا في قوله: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ } قالا: يهجر مضاجعتها حتى ترجع إلى ما يحبّ.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم والشعبي أنهما كانا يقولان: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ } قالا: يهجرها في المضجع.

حدثنا المثنى، قال: ثنا حبان، قال: ثنا ابن المبارك، قال: ثنا شريك، عن خصيف، عن مقسم: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ } قال: هجرها في مضجعها: أن لا يقرب فراشها.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، قال: اهجروهنّ في المضاجع، قال: يعظها بلسانه، فإن أعتبتْ فلا سبيل له عليها، وإن أبت هجر مضجعها.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن الحسن وقتادة في قوله: {فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ } قالا: إذا خاف نشوزها وعظها، فإن قبلت وإلا هجر مضجعها.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ } قال: تبدأ يا ابن آدم فتعظها، فإن أبت عليك فاهجرها، يعني به: فراشها.

وقال آخرون: معنى قوله: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ } قولوا لهنّ من القول هُجْراً في تركهنّ مضاجعتكم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن رجل، عن أبي صالح عن ابن عباس، في قوله: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ } قال: يهجرها بلسانه، ويغلظ لها بالقول، ولا يدع جماعها.

وبه قال: أخبرنا الثوري، عن خصيف، عن عكرمة، قال: إنما الهجران بالمنطق أن يغلظ لها، وليس بالجماع.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن أبي الضحى، في قوله: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ } قال: يهجر بالقول، ولا يهجر مضاجعتها حتى ترجع إلى ما يريد.

حدثنا المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد عن رجل، عن الحسن، قال: لا يهجرها إلا في المبيت في المضجع، ليس له أن يهجر في كلام ولا شيء إلا في الفراش.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثني يعلى، عن سفيان، في قوله: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ } قال: في مجامعتها، ولكن يقول لها: تعالَيْ وافعلي! كلاماً فيه غلظة، فإذا فعلت ذلك فلا يكلفها أن تحبه، فإن قلبها ليس في يديها.

ولا معنى للهجر في كلام العرب إلا على أحد ثلاثة أوجه: أحدها هجر الرجل كلام الرجل وحديثه، وذلك رفضه وتركه، يقال منه: هجر فلان أهله يهجُرها هجراً وهجراناً. والآخر: الإكثار من الكلام بترديد كهيئة كلام الهازيء، يقال منه: هجر فلان في كلامه يهجُر هجراً إذا هَذَي ومدّد الكلمة، وما زالت تلك هِجِّيراه وإهْجِيراه، ومنه قول ذي الرمة:

رمى فأخْطَأ والأقْدارُ غالِبَةٌ فانْصَعْنَ والوَيْلُ هِجِّيراهُ والحَربُ

والثالث: هَجَرَ البعير إذا ربطه صاحبه بالهِجَار، وهو حبل يربط في حُقويها ورسغها، ومنه قول امرىء القيس:

رأتْ هَلَكاً بِنِجَافِ الغَبِيطِ فَكادَتْ تَجُدُّ لِذَاك الهِجارَا

فأما القول الذي فيه الغلظة والأذى فإنما هو الإهجار، ويقال منه: أهجر فلان في منطقه: إذا قال الهُجْرَ وهو الفحش من الكلام، يُهْجِرُ إهجاراً وهُجْراً. فإذ كان لا وجه للهجْر في الكلام إلا أحد المعاني الثلاثة، وكانت المرأة المخوف نشوزها إنما أمر زوجها بوعظها لتنيب إلى طاعته فيما يجب عليها له من موافاته عند دعائه إياها إلى فراشه، فغير جائز أن تكون عظته لذلك، ثم تصير المرأة إلى أمر الله وطاعة زوجها في ذلك، ثم يكون الزوج مأموراً بهجرها في الأمر الذي كانت عظته إياها عليه. وإذ كان ذلك كذلك بطل قول من قال: معنى قوله: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ } وَاهجروا جماعهنّ. أو يكون إذ بطل هذا المعنى. بمعنى: واهجروا كلامهنّ بسبب هجرهنّ مضاجعكم، وذلك أيضاً لا وجه له مفهوم لأن الله تعالى ذكره قد أخبر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أنه لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث. على أن ذلك لو كان حلالاً لم يكن لهجرها في الكلام معنى مفهوم، لأنها إذا كانت عنه منصرفة وعليه ناشزاً فمن سرورها أن لا يكلمها ولا يراها ولا تراه، فكيف يؤمر الرجل في حال بغض امرأته إياه وانصرافها عنه بترك ما في تركه سرورها من ترك جماعها ومجاذبتها وتكليمها، وهو يؤمر بضربها لترتدع عما هي عليه من ترك طاعته إذا دعاها إلى فراشه، وغير ذلك مما يلزمها طاعته فيه؟ أو يكون إذ فسد هذان الوجهان يكون معناه: واهجروا في قولكم لهم، بمعنى: ردّوا عليهنّ كلامكم إذا كلمتموهنّ بالتغليظ لهنّ، فإن كان ذلك معناه، فلا وجه لإعمال الهجر في كناية أسماء النساء الناشزات، أعني في الهاء والنون من قوله {وَٱهْجُرُوهُنَّ }، لأنه إذا أريد به ذلك المعنى، كان الفعل غير واقع، إنما يقال: هجر فلان في كلامه ولا يقال: هجر فلان فلاناً.

فإذا كان في كل هذه المعاني ما ذكرنا من الخلل اللاحق، فأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يكون قوله: {وَٱهْجُرُوهُنَّ } موجهاً معناه إلى معنى الربط بالهجار على ما ذكرنا من قيل العرب للبعير إذا ربطه صاحبه بحبل على ما وصفنا: هَجَرَه فهو يهجره هَجْراً. وإذا كان ذلك معناه كان تأويل الكلام: واللاتي تخافون نشزوهنّ، فعظوهنّ في نشوزهنّ عليكم، فإن اتعظن فلا سبيل لكم عليهنّ، وإن أبين الأوبة من نشوزهنّ فاستوثقوا منهنّ رباطاً في مضاجعهنّ، يعني في منازلهنّ وبيوتهنّ التي يضطجعن فيها ويضاجعن فيها أزواجهن. كما:

حدثني عباس بن أبي طالب، قال: ثنا يحيـى بن أبي بكير، عن شبل، قال: سمعت أبا قزعة يحدث عن عمرو بن دينار، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه: أنه جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: ما حقّ زوجة أحدنا عليه؟ قال:

يُطْعِمُها وَيَكْسُوها، وَلا يَضْرِبِ الوَجْهَ وَلا يُقْبِّحْ وَلا يَهْجُرْ إلاَّ فِي البيت

حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا يزيد، عن شعبة بن الحجاج، عن أبي قزعة، عن حكيم بن معاوية عن أبيه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، نحوه.

حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا بهز بن حكيم، عن جده، قال: قلت: يا رسول الله، نساؤنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال:

حَرْثُكَ فَأْتِ حَرْثَكَ أنَّى شِئْتَ، غيرَ أنْ لا تَضْرِبَ الوَجْهَ وَلا تُقَبِّحْ وَلا تَهْجُرْ إلاَّ فِي البيت وأطْعِمْ إذَا طَعِمْتَ واكْسُ إذَا اكْتَسَيْتَ؛ كَيْفَ وَقَدْ أفْضَى بَعْضُكُمْ إلا بَعْض إلاَّ بِمَا حَلَّ عَلَيْها؟

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك، قال عدة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن الحسن، قال: إذا نشزت المرأة على زوجها، فليعظها بلسانه، فإن قبلت فذاك وإلا ضربها ضرباً غير مبرّح، فإن رجعت فذاك، وإلا فقد حلّ له أن يأخذ منها ويخليها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الحسن بن عبيد الله، عن أبي الضحى، عن ابن عباس في قوله: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ } قال: يفعل بها ذاك ويضربها حتى تطيعه في المضاجع، فإذا أطاعته في المضجع فليس له عليها سبيل إذا ضاجعته.

حدثني المثنى، قال: ثنا حبان، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا يحيـى بن بشر أنه سمع عكرمة يقول في قوله: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ } ضرباً غير مبرّج، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اضْرِبُوهُنَّ إذَا عَصَيْنَكُمْ فِي المَعْرُوفِ ضَرْباً غيرَ مُبَرّح

قال أبو جعفر: فكل هؤلاء الذين ذكرنا قولهم لم يوجبوا للهجر معنى غير الضرب، ولم يوجبوا هجراً إذا كان هيئة من الهيئات التي تكون بها المضروبة عند الضرب مع دلالة الخبر الذي رواه عكرمة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه أمر بضربهنّ إذا عصين أزواجهنّ في المعروف من غير أمر منه أزواجهنّ بهجرهنّ لما وصفنا من العلة.

فإن ظنّ ظانّ أن الذي قلنا في تأويل الخبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي رواه عكرمة، ليس كما قلنا، وصحّ أن ترك النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر الرجل بهجر زوجته إذا عصيته في المعروف وأمره بضربها قبل الهجر، لو كان دليلاً على صحة ما قلنا من أن معنى الهجر هو ما بيناه، لوجب أن يكون لا معنى لأمر الله زوجها أن يعظها إذا هي نشزت، إذ كان لا ذكر للعظة في خبر عكرمة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظنّ؛ وذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم:

إذَا عَصيْنَكُمْ في المَعْروفِ دلالة بينة أنه لم يبح للرجل ضرب زوجته إلا بعد عظتها من نشوزها، وذلك أنه لا تكون له عاصية، إلا وقد تقدم منه لها أمر أو عظة بالمعروف على ما أمر الله تعالى ذكره به.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَٱضْرِبُوهُنَّ }.

يعني بذلك جلّ ثناؤه: فعظوهنّ أيها الرجال في نشوزهنّ، فإن أبين الأياب إلى ما يلزمهنّ لكم فشدّوهنّ وثاقاً في منازلهنّ، واضربوهنّ ليؤبن إلى الواجب عليهنّ من طاعة الله في اللازم لهنّ من حقوقكم. وقال أهل التأويل: صفة الضرب التي أبام الله لزوج الناشز أن يضربها الضرب غير المبرّح. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبير: {وَٱضْرِبُوهُنَّ } قال: ضرباً غير مبرّح.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيـى بن واضح، قال: أخبرنا أبو حمزة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: الضرب غير المبرّح.

حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وَٱضْرِبُوهُنَّ } قال: ضرباً غير مبرّح.

حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ } واضربوهنّ، قال: تهجرها في المضجع، فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضرباً غير مبرّح، ولا تكسر لها عظماً، فإن أقبلت، وإلا فقد حلّ لك منها الفدية.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن وقتادة في قوله: {وَٱضْرِبُوهُنَّ } قال: ضرباً غير مبرّح.

وبه قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: {وَٱضْرِبُوهُنَّ } قال: ضرباً غير مبرّح.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ } قال: تهجرها في المضجع، فإن أبت عليك فاضربها ضرباً غير مبرّح؛ أي غير شائن.

حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرّح، قال: السواك وشبهه يضربها به.

حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، قال: ثنا ابن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرّج؟ قال: بالسواك ونحوه.

حدثنا المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته:

ضَرْباً غيرَ مُبَرّحٍ» قال: السواك ونحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا تَهْجُرُوا النِّساءَ إلاَّ فِي المَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غيرَ مُبَرّحٍ يقول: غير مؤثر.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عطاء: {وَٱضْرِبُوهُنَّ } قال: ضرباً غير مبرّح.

حدثنا المثنى، قال: ثنا حبان، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: ثنا يحيـى بن بشر، عن عكرمة مثله.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَٱضْرِبُوهُنَّ } قال: إن أقبلت في الهجران، وإلا ضَرَبها ضرباً غير مبرّح.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، قال: تهجر مضجعها ما رأيت أن تنزع، فإن لم تنزع ضربها ضرباً غير مبرّح.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن: {وَٱضْرِبُوهُنَّ } قال: ضرباً غير مبرّح.

حدثني المثنى، قال: ثنا حبان، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا عبد الوارث بن سعيد، عن رجل، عن الحسن، قال: ضرباً غير مبرّح، غير مؤثر.

القول في تأويل قوله تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً }.

يعني بذلك جلّ ثناؤه: فإن أطعنكم أيها الناس نساؤكم اللاتي تخافون نشوزهنّ عند وعظكم إياهنّ فلا تهجروهنّ في المضاجع، فإن لم يطعنكم فاهجروهنّ في المضاجع واضربوهنّ، فإن راجعن طاعتكم عند ذلك وفئن إلى الواجب عليهنّ، فلا تطلبوا طريقاً إلى أذاهنّ ومكروههنّ، ولا تلتمسوا سبيلاً إلى ما لا يحلّ لكم من أبدانهنّ وأموالهنّ بالعلل، وذلك أن يقول أحدكم لإحداهن وهي له مطيعة: إنك لست تحبيني وأنت لي مبغضة، فيضربها على ذلك أو يؤذيها، فقال الله تعالى للرجال: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ }: أي على بغضهن لكم فلا تجنوا عليهنّ، ولا تكلفوهنّ محبتكم، فإن ذلك ليس بأيديهنّ فتضربوهنّ أو تؤذوهنّ عليه. ومعنى قوله: {فَلاَ تَبْغُواْ }: لا تلتمسوا ولا تطلبوا، من قول القائل: بغيت الضالة: إذا التمستها، ومنه قول الشاعر في صفة الموت:

بَغاكَ وَما تَبْغِيهِ حتى وَجَدْتَهُ كأنَّكَ قدْ وَاعَدْتَهُ أمسِ مَوْعِداً

بمعنى: طلبك وما تطلبه.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً } قال: إذا أطاعتك فلا تتجنّ عليها العلل.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن الحسن بن عبيد الله، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: إذا أطاعته فليس له عليها سبيل إذا ضاجعته.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قوله: {فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً } قال: العلل.

وقال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: قال الثوري في قوله: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ } قال: إن أتت الفراش وهي تبغضه.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يعلي، عن سفيان، قال: إذا فعلت ذلك لا يكلفها أن تحبه، لأن قلبها ليس في يديها.

حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: إن أطاعته فضاجعته، فإن الله يقول: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً }.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً } يقول: فإن أطاعتك فلا تبغ عليها العلل.

القول في تأويل قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً }.

يقول: إن الله ذو علوّ على كلّ شيء، فلا تبغوا أيها الناس على أزواجكم إذا أطعنكم فيما ألزمهنّ الله لكم من حقّ سبيلاً لعلوّ أيديكم على أيديهنّ، فإن الله أعلى منكم ومن كلّ شيء، وأعلى منكم عليهن، وأكبر منكم ومن كل شيء، وأنتم في يده وقبضته، فاتقوا الله أن تظلموهنّ وتبغوا عليهنّ سبيلاً وهن لكم مطيعات، فينتصر لهنّ منكم ربكم الذي هو أعلى منكم ومن كل شيء، وأكبر منكم ومن كلّ شيء.

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحًا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ۝٣٥

يعني بقوله جلّ ثناؤه: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا } وإن علمتم أيها الناس شقاق بينهما، وذلك مشاقة كل واحد منهما صاحبه، وهو إتيانه ما يشقّ عليه من الأمور، فأما من المرأة فالنشوز، وتركها أداء حقّ الله عليها الذي ألزمها الله لزوجها؛ وأما من الزوج فتركه إمساكها بالمعروف، أو تسريحها بإحسان. والشقاق: مصدر من قول القائل: شاق فلان فلاناً: إذا أتى كل واحد منهما إلى صاحبه ما يشقّ عليه من الأمور، فهو يشاقه مشاقة وشقاقاً؛ وذلك قد يكون عداوة، كما:

حدثنا محمد بن الحسن، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا } قال: إن ضربها فأبت أن ترجع وشاقّته، يقول: عادته.

وإنما أضيف الشقاق إلى البين، لأن البين قد يكون اسماً، كما قال جلّ ثناؤه:

« { لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ }»[الأنعام: 94] في قراءة من قرأ ذلك.

وأما قوله: {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا } فإن أهل التأويل اختلفوا في المخاطبين بهذه الآية من المأمور ببعثة الحكمين، فقال بعضهم: المأمور بذلك: السلطان الذي يرفع ذلك إليه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن سعيد بن جبير أنه قال في المختلعة: يعظها، فإن انتهت وإلا هجرها، فإن انتهت وإلا ضربها، فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلى السلطان، فيبعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها، فيقول الحكم الذي من أهلها: يفعل بها كذا، ويقول الحكم الذي من أهله: تفعل به كذا، فأيهما كان الظالم ردّه السلطان وأخذ فوق يديه، وإن كانت ناشزاً أمره أن يخلع.

حدثنا يحيـى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما، فابْعَثُوا حَكَما مِنْ أهْلِهِ وَحَكَما مِنْ أهْلِها} قال: بل ذلك إلى السلطان.

وقال آخرون: بل المأمور بذلك الرجل والمرأة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا } إن ضربها فإن رجعت فإنه ليس له عليها سبيل، فإن أبت أن ترجع وشاقته، فليبعث حكماً من أهله وتبعث حكماً من أهلها.

ثم اختلف أهل التأويل فيما يبعث له الحكمان، وما الذي يجوز للحكمين من الحكم بينهما، وكيف وجه بعثهما بينهما؟ فقال بعضهم: يبعثهما الزوجان بتوكيل منهما إياهما بالنظر بينهما، وليس لهما أن يعملا شيئاً في أمرهما إلا ما وكلاهما به، أو وكله كل واحد منهما بما إليه، فيعملان بما وكلهما به من وكلهما من الرجل والمرأة فيما يجوز توكيلهما فيه، أو توكيل من وكل منهما في ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد، عن عبيدة، قال: جاء رجل وامرأته بينهما شقاق إلى عليّ رضي الله عنه، مع كل واحد منهما فئام من الناس، فقال عليّ رضي الله عنه: ابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، ثم قال للحكمين: تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرّقا أن تفرّقا. قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما عليّ فيه ولى. وقال الرجل: أما الفرقة فلا. فقال عليّ رضي الله عنه: كذبتَ، والله لا تنقلب حتى تقرّ بمثل الذي أقرّت به.

حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا هشام بن حسان، وعبد الله بن عون، عن محمد: أن علياً رضي الله عنه أتاه رجل وامرأته، ومع كل واحد منهما فئام من الناس، فأمرهما عليّ رضي الله عنه أن يبعثا حكماً من أهله وحكماً من أهلها لينظرا. فلما دنا منه الحكمان، قال لهما عليّ رضي الله عنه: أتدريان مالكما؟ لكما إن رأيتما أن تفرّقا فرّقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما. قال هشام في حديثه: فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعليّ فقال الرجل: أما الفرقة فلا. فقال عليّ: كذبت والله حتى ترضى مثل ما رضيت به. وقال ابن عون في حديثه: كذبت، والله لا تبرح حتى ترضى بمثل ما رضيت به.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور وهشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: شهدت علياً رضي الله عنه، فذكر مثله.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: إذا هجرها في المضجع وضربها، فأبت أن ترجع وشاقته، فليبعث حكماً من أهله وتبعث حكماً من أهلها؛ تقول المرأة لحكمها: قد وليتك أمري، فإن أمرتني أن أرجع رجعت، وإن فرّقت تفرّقنا. وتخبره بأمرها إن كانت تريد نفقة أو كرهت شيئاً من الأشياء، وتأمره أن يرفع ذلك عنها وترجع، أو تخبره أنها لا تريد الطلاق. ويبعث الرجل حكماً من أهله يوليه أمره، ويخبره يقول له حاجته إن كان يريدها، أو لا يريد أن يطلقها، أعطاها ما سألت وزادها في النفقة، وإلا قال له: خذ لي منها مالها عليّ وطلقها‍! فيوليه أمره، فإن شاء طلق، وإن شاء أمسك. ثم يجتمع الحكمان فيخبر كل واحد منهما ما يريد لصاحبه، ويجهد كل واحد منهما ما يريد لصاحبه، فإن اتفق الحكمان على شيء فهو جائز، إن طلقا وإن أمسكا، فهو قول الله: {فـَٱبْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا }، فإن بعثت المرأة حكماً وأبي الرجل أن يبعث، فإنه لا يقربها حتى يبعث حكماً.

وقال آخرون: إن الذي يبعث الحكمين هو السلطان، غير أنه إنما يبعثهما ليعرفا الظالم من المظلوم منهما، ليحملهما على الواجب لكلّ واحد منهما قِبَل صاحبه لا التفريق بينهما. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، وهو قول قتادة، إنهما قالا: إنما يبعث الحكمان ليصلحا ويشهدا على الظالم بظلمه؛ وأما الفرقة فليست في أيديهما، ولم يملكا ذلك، يعني: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا }.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا }... الآية، إنما يبعث الحكمان ليصلحا، فإن أعياهما أن يصلحا شهدا على الظالم وليس بأيديهما فرقة، ولا يملَّكان ذلك.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن قيس بن سعد، قال: سألت عن الحكمين، قال: ابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، فما حكم الحكمان من شيء فهو جائز؛ يقول الله تبارك وتعالى: {إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا } قال: يخلو حكم الرجل بالزوج، وحكم المرأة بالمرأة، فيقول كل واحد منهما لصاحبه: اصدُقني ما في نفسك! فإذا صدق كل واحد منهما صاحبه اجتمع الحكمان وأخذ كل واحد منهما على صاحبه ميثاقاً لتصدقني الذي قال لك صاحبك، ولأصدقنك الذي قال لي صاحبي! فذاك حين أرادا الإصلاح يوفق الله بينهما، فإذا فعلا ذلك اطلع كل واحد منهما على ما أفضى به صاحبه إليه، فيعرفان عند ذلك من الظالم والناشز منهما، فأتيا عليه، فحكما عليه. فإن كانت المرأة قالا: أنت الظالمة العاصية، لا ينفق عليك حتى ترجعي إلى الحقّ وتطيعي الله فيه. وإن كان الرجل هو الظالم، قالا: أنت الظالم المضارّ لا تدخل لها بيتاً حتى تنفق عليها وترجع إلى الحقّ والعدل. فإن كانت هي الظالمة العاصية أخذ منها مالها، وهو له حلال طيب، وإن كان هو الظالم المسيء إليها المضارّ لها طلقها، ولم يحلّ له من مالها شيء، فإن أمسكها أمسكها بما أمر الله وأنفق عليها وأحسن إليها.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، قال: كان عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يبعث الحكمين: حكماً من أهله وحكماً من أهلها، فيقول الحكم من أهلها: يا فلان ما تنقم من زوجتك؟ فيقول: أنقم منها كذا وكذا. قال: فيقول: أفرأيت إن نَزَعَتْ عما تكره إلى ما تحبّ، هل أنت متقي الله فيها ومعاشرها بالذي يحقّ عليك في نفقتها وكسوتها؟ فإذا قال نعم، قال الحكم من أهله: يا فلانة ما تنقمين من زوجك فلان؟ فتقول مثل ذلك، فإن قالت: نعم، جمع بينهما. قال: وقال عليّ رضي الله عنه: الحكمان بهما يجمع الله وبهما يفرّق.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال الحسن: الحكمان يحكمان في الاجتماع، ولا يحكمان في الفرقة.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:

{ وَٱللَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ }[النساء: 34] وهي المرأة التي تنشز على زوجها، فلزوجها أن يخلعها حين يأمر الحكمان بذلك، وهو بعد ما تقول لزوجها: والله لا أبرّ لك قسماً، ولآذننّ في بيتك بغير أمرك. ويقول السلطان: لا نجيز لك خلعاً. حتى تقول المرأة لزوجها: والله لا أغتسل لك من جنابة، ولا أقيم لك صلاة، فعند ذلك يقول السلطان: اخلع المرأة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:

{ وَٱللَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ }[النساء: 34] قال: تعظها، فإن أبت وغلبت فاهجرها في مضجعها. فإن غلبت هذا أيضاً فاضربها. فإن غلبت هذا أيضاً، بُعث حكم من أهله وحكم من أهلها. فإن غلبت هذا أيضاً وأرادت غيره، فإنّ أبي كان يقول: ليس بيد الحكمين من الفرقة شيء، إن رأيا الظلم من ناحية الزوج قالا: أنت يا فلان ظالم، انزع! فإن أبى رفعا ذلك إلى السلطان، ليس إلى الحكمين من الفراق شيء.

وقال آخرون: بل إنما يبعث الحكمين السلطان على أن حكمهما ماض على الزوجين في الجمع والتفريق. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا } فهذا الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما، فأمر الله سبحانه أن يبعثوا رجلاً صالحاً من أهل الرجل، ومثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها، ومنعوها النفقة. فإن اجتمع رأيهما على أن يفرّقا أو يجمعا، فأمرهما جائز. فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره ذلك الآخر ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث الذي كره، ولا يرث الكاره الراضي، وذلك قوله: {إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً } قال: هما الحكمان يوفق الله بينهما.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا روح، قال: ثنا عوف، عن محمد بن سيرين: أن الحكم من أهلها والحكم من أهله يفرّقان ويجمعان إذا رأيا ذلك {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا }.

حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر: قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، قال: سألت سعيد بن جبير عن الحكمين، فقال: لم أولد إذ ذاك، فقلت: إنما أعني حكم الشقاق، قال: يقبلان على الذي جاء الأذى من عنده، فإن فعل وإلا أقبلا على الآخر، فإن فعل، وإلا حكما، فما حكما، فما حكما من شيء فهو جائز.

حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن عامر في قوله: {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا } قال: ما قضى الحكمان من شيء فهو جائز.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن داود، عن إبراهيم، قال: ما حكما من شيء فهو جائز؛ إن فرقا بينهما بثلاث تطليقات أو تطليقتين فهو جائز، وإن فرقا بتطليقة فهو جائز. وإن حكما عليه بهذا من ماله فهو جائز، فإن أصلحا فهو جائز، وإن وضعا من شيء فهو جائز.

حدثنا المثنى، قال: ثنا حبان، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: ثنا أبو جعفر، عن المغيرة، عن إبراهيم في قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا } قال: ما صنع الحكمان من شيء فهو جائز عليهما، إن طلقا ثلاثاً فهو جائز عليهما، وإن طلقها واحدة أو طلقها على جُعْل فهو جائز، وما صنعا من شيء فهو جائز.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن يحيـى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: إن شاء الحكمان أن يفرّقا فرّقا، وإن شاءا أن يجمعا جمعا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن الشعبي: أن امرأة نشزت على زوجها، فاختصموا إلى شريح، فقال شريح: ابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها! فنظر الحكمان في أمرهما، فرأيا أن يفرّقا بينهما، فكره ذلك الرجل، فقال شريح: ففيم كانا اليوم؟ وأجاز قولهما.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عباس، قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين. قال معمر: بلغني أن عثمان رضي الله عنهما بعثهما، وقال لهما: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرّقا فرّقتما.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: ثني ابن أبي مليكة: أن عقيل بن أبي طالب تزوّج فاطمة ابنة عتبة، فكان بينهما كلام، فجاءت عثمان فذكرت ذلك له، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس: لأفرّقنّ بينهما! وقال معاوية: ما كنت لأفرّق بين شيخين من بني عبد مناف! فأتياهما وقد اصطلحا.

حدثني يحيـى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا } يكونان عدلين عليهما وشاهدين. وذلك إذا تدارأ الرجل والمرأة وتنازعا إلى السلطان، جعل عليهما حكمين: حكماً من أهل الرجل وحكماً من أهل المرأة، يكونان أمينين عليهما جميعاً. وينظران من أيهما يكون الفساد، فإن كان من قِبَل المرأة أُجبرت على طاعة زوجها، وأمر أن يتقي الله ويحسن صحبتها وينفق عليها بقدر ما آتاه الله؛ إمْساكٌ بِمَعْرُوف أوْ تَسْرِيحٌ بإحْسانٍ. وإن كانت الإساءة من قبل الرجل أُمر بالإحسان إليها، فإن لم يفعل قيل له: أعطها حقها، وخلّ سبيلها! وإنما يلي ذلك منهما السلطان.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في قوله: {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا } أن الله خاطب المسلمين بذلك، وأمرهم ببعثة الحكمين عند خوف الشقاق بين الزوجين للنظر في أمرهما، ولم يخصص بالأمر بذلك بعضهم دون بعض. وقد أجمع الجميع على أن بعثة الحكمين في ذلك ليست لغير الزوجين وغير السلطان، الذي هو سائس أمر المسلمين، أو من أقامه في ذلك مُقام نفسه.

واختلفوا في الزوجين والسلطان، ومَن المأمور بالبعثة في ذلك: الزوجان، أو السلطان؟ ولا دلالة في الآية تدلّ على أن الأمر بذلك مخصوص به أحد الزوجين، ولا أثر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأمة فيه مختلفة.

وإذ كان الأمر على ما وصفنا، فأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يكون مخصوصاً من الآية من أجمع الجميع على أنه مخصوص منها. وإذ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون الزوجان والسلطان ممن قد شمله حكم الآية، والأمر بقوله: {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا } إذ كان مختلفاً بينهما هل هما معنيان بالأمر بذلك أم لا؟ وكان ظاهر الآية قد عمهما؛ فالواجب من القول إذ كان صحيحاً ما وصفنا أن يقال: إن بعث الزوجان كل واحد منهما حكماً من قبله، لينظر في أمرهما، وكان لكل واحد منهما ممن بعثه من قبله في ذلك طاقة على صاحبه ولصاحبه عليه، فتوكيله بذلك من وكل جائز له وعليه، وإن وكله ببعض ولم يوكله بالجميع، كان ما فعله الحكم مما وكله به صاحبه ماضياً جائزاً على ما وكله به وذلك أن يوكله أحدهما بماله دون ما عليه، أو لم يوكل كل واحد من الزوجين بماله وعليه، أو بما له، أو بما عليه، فليس للحكمين كليهما إلا ما اجتمعا عليه دون ما انفرد به أحدهما. وإن لم يوكلهما واحداً منها بشيء، وإنما بعثاهما للنظر ليعرفا الظالم من المظلوم منهما ليشهدا عليهما عند السلطان إن احتاجا إلى شهادتهما، لم يكن لهما أن يحدثا بينهما شيئاً غير ذلك من طلاق أو أخذ مال أو غير ذلك، ولم يلزم الزوجين ولا واحداً منهما شيء من ذلك.

فإن قال قائل: وما معنى الحكمين إذ كان الأمر على ما وصفت؟ قيل: قد اختلف في ذلك، فقال بعضهم: معنى الحكم: النظر العدل، كما قال الضحاك بن مزاحم في الخبر الذي ذكرناه، الذي:

حدثنا به يحيـى بن أبي طالب، عن يزيد، عن جويبر، عنه: لا، أنتما قاضيان تقضيان بينهما.

على السبيل التي بينا من قوله.

وقال آخرون: معنى ذلك: أنهما القاضيان يقضيان بينهما ما فوّض إليهما الزوجان. وأيّ الأمرين كان فليس لهما ولا لواحد منهما الحكم بينهما بالفرقة، ولا بأخذ مال إلا برضا المحكوم عليه بذلك، وإلا ما لزم من حقّ لأحد الزوجين على الآخر في حكم الله، وذلك ما لزم الرجل لزوجته من النفقة والإمساك بمعروف إن كان هو الظالم لها. فأما غير ذلك فليس ذلك لهما ولا لأحد من الناس غيرهما، لا السلطان، ولا غيره؛ وذلك أن الزوج إن كان هو الظالم للمرأة فللإمام السبيل إلى أخذه بما يجب لها عليه من حقّ، وإن كانت المرأة هي الظالمة زوجها الناشزة عليه، فقد أباح الله له أخذ الفدية منها وجعل إليه طلاقها على ما قد بيناه في سورة البقرة. وإذ كان الأمر كذلك لم يكن لأحد الفرقة بين رجل وامرأة بغير رضا الزوج، ولا أخذ مال من المرأة بغير رضاها بإعطائه، إلا بحجة يجب التسليم لها من أصل أو قياس. وإن بعث الحكمين السلطانُ، فلا يجوز لهما أن يحكما بين الزوجين بفرقة إلا بتوكيل الزوج إياهما بذلك، ولا لهما أن يحكما بأخذ مال من المرأة إلا برضا المرأة؛ يدلّ على ذلك ما قد بيناه قَبْلُ من فعل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بذلك، والقائلين بقوله. ولكن لهما أن يصلحا بين الزوجين، ويتعرّفا الظالم منهما من المظلوم ليشهداً عليه إن احتاج المظلوم منهما إلى شهادتهما. وإنما قلنا: ليس لهما التفريق للعلة التي ذكرناها آنفا، وإنما يبعث السلطان الحكمين إذا بعثهما إذا ارتفع إله الزوجان، فشكا كل واحد منهما صاحبه، وأشكل عليه المحقّ منهما من المبطل، لأنه إذا لم يشكل المحقّ من المبطل، فلا وجه لبعثة الحكمين في أمر قد عرف الحكم فيه.

القول في تأويل قوله تعالى: {إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا }.

يعني بقوله جلّ ثناؤه: {إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً }: إن يرد الحكمان إصلاحاً بين الرجل والمرأة، أعني بين الزوجين المخوف شقاق بينهما، يقول: يوفق الله بين الحكمين، فيتفقا على الإصلاح بينهما، وذلك إذا صدق كل واحد منهما فيما أفضى إليه من بعث للنظر في أمر الزوجين.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيـى، عن سفيان، عن أبي هاشم، عن مجاهد، في قوله: {إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً } قال: أما إنه ليس بالرجل والمرأة، ولكنه الحكمان.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبير: {إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا } قال: هما الحكمان، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما.

حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا } وذلك الحكمان، وكذلك كل مصلح يوفقه الله للحقّ والصواب.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا } يعني بذلك الحكمين.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: {إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً } قال: إن يرد الحكمان إصلاحا أصلحا.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبي هاشم، عن مجاهد: {إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا }: يوفق الله بين الحكمين.

حدثني يحيـى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا جويبر، عن الضحاك، قوله: {إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً } قال: هما الحكمان إذا نصحا المرأة والرجل جميعاً.

القول في تأويل قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً }.

يعني جلّ ثناؤه: إن الله كان عليماً بما أراد الحكمان من إصلاح بين الزوجين وغيره، خبيراً بذلك وبغيره من أمورهما وأمور غيرهما، لا يخفى عليه شيء منه، حافظ عليهم، حتى يجازي كلاًّ منهم جزاءه بالإحسان إحساناً، وبالإساءة غفراناً أو عقاباً.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ