انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير الطبريالآيات 4–6

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النساء

الخلاصة من تفسير الطبري · 12 مقطعًا · 3:03:07

  1. 1 الآيات 1–11في هذه الصفحة 13:34

التفسير الصوتي لسورة النساء كاملًا (12 مقطعًا)

وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًٔا مَّرِيٓـًٔا ۝٤

قال أبو جعفر: يعنـي بذلك تعالـى ذكره: وأعطوا النساء مهورهنّ عطية واجبة، وفريضة لازمة؛ يقال منه: نـحل فلان فلاناً كذا، فهو يَنْـحَلُه نِـحْلَةً ونُـحْلاً. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَءاتُواْ ٱلنِّسَاءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً } يقول: فريضة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: أخبرنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {وَءاتُواْ ٱلنِّسَاءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً } يعنـي بـالنـحلة: الـمهر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {وَءاتُواْ ٱلنِّسَاءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً } قال: فريضة مسماة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول فـي قوله: {وَءاتُواْ ٱلنِّسَاءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً } قال: النـحلة فـي كلام العرب: الواجب، يقول: لا ينكحها إلا بشيء واجب لها صدقة، يسميها لها واجبة، ولـيس ينبغي لأحد أن ينكح امرأة بعد النبـيّ صلى الله عليه وسلم إلا بصداق واجب، ولا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبـاً بغير حقّ.

وقال آخرون: بل عنى بقوله: {وَءاتُواْ ٱلنِّسَاءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً } أولـياء النساء، وذلك أنهم كانوا يأخذون صدقاتهن. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيـم، عن سيار، عن أبـي صالـح، قال: كان الرجل إذا زوّج أيـمة أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله تبـارك وتعالـى عن ذلك، وَنزلت: {وَءاتُواْ ٱلنِّسَاءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً }.

وقال آخرون: بل كان ذلك من أولـياء النساء، بأن يعطي الرجل أخته الرجل، علـى أن يعطيه الآخر أخته، علـى أن لا كثـير مهر بـينهما، فنهوا عن ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، عن أبـيه، قال: زعم حضرميّ أن أناساً كانوا يعطي هذا الرجل أخته ويأخذ أخت الرجل، ولا يأخذون كثـير مهر، فقال الله تبـارك وتعالـى: {وَءاتُواْ ٱلنِّسَاءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً }.

قال أبو جعفر: وأولـى التأويلات التـي ذكرناها فـي ذلك التأويـل الذي قلناه، وذلك أن الله تبـارك وتعالـى ابتدأ ذكر هذه الآية بخطاب الناكحين النساء، ونهاهم عن ظلـمهنّ والـجور علـيهنّ، وعرفهم سبـيـل النـجاة من ظلـمهنّ؛ ولا دلالة فـي الآية علـى أن الـخطاب قد صرف عنهم إلـى غيرهم. فإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الذين قـيـل لهم:

{ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ }[النساء: 3] هم الذين قـيـل لهم: {وَءاتُواْ ٱلنِّسَاءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ } وأن معناه: وآتوا من نكحتـم من النساء صدقاتهنّ نـحلة، لأنه قال فـي الأوّل: { فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ }[النساء: 3] ولـم يقل: فـانكحوا، فـيكون قوله: {وَءاتُواْ ٱلنِّسَاءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ } مصروفـاً إلـى أنه معنـيّ به أولـياء النساء دون أزواجهنّ، وهذا أمر من الله أزواج النساء الـمدخول بهنّ والـمسمى لهنّ الصداق أن يؤتوهنّ صدقاتهنّ دون الـمطلقات قبل الدخول مـمن لـم يسمّ لها فـي عقد النكاح صداق.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: فإن وهب لكم أيها الرجال نساؤكم شيئاً من صدقاتهنّ، طيبة بذلك أنفسهنّ، فكلوه هنـيئاً مريئاً. كما:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا بشر بن الـمفضل، قال: ثنا عمارة، عن عكرمة: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْساً } قال: الـمهر.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنـي حرمي بن عمارة، قال: ثنا شعبة، عن عمارة، عن عكرمة، عن عمارة فـي قول الله تبـارك وتعالـى: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْساً } قال: الصدقات.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنـي الـحمانـي، قال: ثنا شريك، عن سالـم، عن سعيد: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْساً } قال: الأزواج.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن عبـيدة، قال: قال لـي إبراهيـم: أكلتَ من الهنـيء الـمريء! قلت: ما ذاك؟ قال: امرأتك أعطتك من صداقها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيـم، قال: دخـل رجل علـى علقمة وهو يأكل من طعام بـين يديه، من شيء أعطته امرأته من صداقها أو غيره، فقال له علقمة: ادْنُ، فكل من الهنـيء الـمريء!

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } يقول: إذا كان غير إضرار ولا خديعة، فهو هنـيء مريء كما قال الله جلّ ثناؤه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْساً } قال: الصداق، {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً }.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول فـي قوله: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مِّنْهُ نَفْساً }.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر، عن أبـيه، قال: زعم حضرميّ أن أناساً كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم فـي شيء مـما ساق إلـى امرأته، فقال الله تبـارك وتعالـى: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً }.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } يقول: ما طابت به نفساً فـي غير كره أو هوان، فقد أحلّ الله لك ذلك أن تأكله هنـيئاً مريئاً.

وقال آخرون: بل عُنـي بهذا القول: أولـياء النساء، فقـيـل لهم: إن طابت أنفس النساء اللواتـي إلـيكم عصمة نكاحهنّ بصدقاتهنّ نفساً، فكلوه هنـيئاً مريئاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: ثنا سيار، عن أبـي صالـح فـي قوله: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مِّنْهُ نَفْساً } قال: كان الرجل إذا زوّج ابنته عمد إلـى صداقها فأخذه، قال: فنزلت هذه الآية فـي الأولـياء: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً }.

قال أبو جعفر: وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب، التأويـل الذي قلنا وأن الآية مخاطب بها الأزواج؛ لأن افتتاح الآية مبتدأ بذكرهم، وقوله: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْساً } فـي سياقه.

وإن قال قائل: فكيف قـيـل: فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً، وقد علـمت أن معنى الكلام: فإن طابت لكم أنفسهن بشيء؟ وكيف وحدت النفس والـمعنى للـجميع، وذلك أنه تعالـى ذكره قال: {وَءاتُواْ ٱلنِّسَاءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً }؟ قـيـل: أما نقل فعل النفوس إلـى أصحاب النفوس، فإن ذلك الـمستفـيض فـي كلام العرب من كلامها الـمعروف: ضِقْتُ بهذا الأمر ذراعاً وذرعاً، وَقَرِرْت بهذا الأمر عيناً، والـمعنى: ضاق به ذرعي، وقرّت به عينـي، كما قال الشاعر:

إذا التَّـيازُ ذُو العَضَلاتِ قُلْنا إلـيكَ إلـيكَ ضَاقَ بِها ذِرَاعا

فنقل صفة الذراع إلـى ربّ الذراع، ثم أخرج الذراع مفسرة لـموقع الفعل. وكذلك وحد النفس فـي قوله: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْساً } إذ كانت النفس مفسرة لـموقع الـخبر. وأما توحيد النفس من النفوس، لأنه إنـما أراد الهوى، والهوى يكون جماعة، كما قال الشاعر:

بِها جِيَفُ الـحَسْرَى فَأمَّا عِظامُها فبِـيضٌ وأمَّا جلدُها فَصَلِـيبُ

وكما قال الآخر:

فِـي حَلْقِكمْ عَظْمٌ وقد شجِينَا

وقال بعض نـحويـي الكوفة: جائز فـي النفس فـي هذا الـموضع الـجمع والتوحيد؛ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً وأنفساً، وضقت به ذراعاً وذرعاً وأذرعاً، لأنه منسوب إلـيك، وإلـى من تـخبر عنه، فـاكتفـى بـالواحد عن الـجمع لذلك، ولـم يذهب الوهم إلـى أنه لـيس بـمعنى جمع لأن قبله جمعاً.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن النفس وقع موقع الأسماء التـي تأتـي بلفظ الواحد مؤدّية معناه إذا ذكر بلفظ الواحد، وأنه بـمعنى الـجمع عن الـجمع. وأما قوله: {هَنِيئَاً } فإنه مأخوذ من هنأت البعير بـالقطران: إذا جرب فعولـج به، كما قال الشاعر:

مُتَـبَذِّلاً تَبْدُو مَـحَاسِنُهُ يَضَعُ الهِنَاءَ مَوَاضِعَ النُّقْبِ

فكان معنى قوله: {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً }: فكلوه دواء شافـياً، يقال منه: هنأنـي الطعام ومرأنـي: أي صار لـي دواء وعلاجاً شافـياً، وهنئنـي ومرئنـي بـالكسر، وهي قلـيـلة، والذين يقولون هذا القول يقولون يهنأنـي ويـمرأنـي، والذين يقولون هنأنـي، يقولون: يهنئنـي ويـمرئنـي، فإذا أفردوا، قالوا: قد أمرأنـي هذا الطعام إمراء، ويقال: هنأت القوم: إذا عُلتهم، سمع من العرب من يقول: إنـما سميت هانئاً لتهنأ، بـمعنى: لتعول وتكفـى.

وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰمًا وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۝٥

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويـل فـي السفهاء الذين نهى الله جلّ ثناؤه عبـاده أن يؤتوهم أموالهم، فقال بعضهم: هم النساء والصبـيان. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا إسرائيل، عن عبد الكريـم، عن سعيد بن جبـير، قال: الـيتامى والنساء.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيـم، عن يونس، عن الـحسن فـي قوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ } قال: لا تعطوا الصغار والنساء.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن يونس، عن الـحسن، قال: الـمرأة والصبـيّ.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن شريك، عن أبـي حمزة، عن الـحسن قال: النساء والصغار، والنساء أسفه السفهاء.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الـحسن فـي قوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ } قال: السفهاء: ابنك السفـيه وامرأتك السفـيهة، وقد ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

اتَّقوا اللّهَ فـي الضَّعِيفَـيْنِ: الـيتـيـم، والـمرأة

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا الـحمانـي، قال: ثنا حميد، عن عبد الرحمن الرؤاسي، عن السديّ ـ قال: يردّه إلـى عبد الله ـ قال: النساء والصبـيان.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ } أما السفهاء: فـالولد والـمرأة.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، عن الضحاك، قوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ } يعنـي بذلك: ولد الرجل وامرأته، وهي أسفه السفهاء.

حدثنـي يحيـى بن أبـي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك فـي قوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ } قال: السفهاء: الولد والنساء أسفه السفهاء، فـيكونوا علـيكم أربـابـاً.

حدثنا أحمد بن حازم الغفـاريّ، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك، قال: أولادكم ونساؤكم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحمانـي، قال: ثنا أبـي، عن سلـمة، عن الضحاك، قال: النساء والصبـيان.

حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان، عن حميد الأعرج، عن مـجاهد: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ } قال: النساء والولدان.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا ابن أبـي عنبسة، عن الـحكم: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ } قال: النساء والولدان.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً } أمر الله بهذا الـمال أن يخزن فـيحسن خزانته، ولا يـملكه الـمرأة السفـيهة والغلام السفـيه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحمانّـي، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن إسماعيـل، عن أبـي مالك، قال: النساء والصبـيان.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ } قال: امرأتك وبنـيك، وقال: السفهاء: الولدان والنساء أسفه السفهاء.

وقال آخرون: بل السفهاء: الصبـيان خاصة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن شريك، عن سالـم، عن سعيد بن جبـير، فـي قوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ } قال: هم الـيتامى.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، عن شريك، عن سالـم، عن سعيد، قال: {ٱلسُّفَهَاء }: الـيتامى.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا يونس، عن الـحسن، فـي قوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ } يقول: لا تنـحلوا الصغار.

وقال آخرون: بل عنى بذلك السفهاء من ولد الرجل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا سعيد بن يحيـى الأموي، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن أبـي مالك، قوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ } قال: لا تعط ولدك السفـيه مالك فـيفسده الذي هو قوامك بعد الله تعالـى.

حدثنا مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ } يقول: لا تسلط السفـيه من ولدك. فكان ابن عبـاس يقول: نزل ذلك فـي السفهاء، ولـيسوا الـيتامى من ذلك فـي شيء.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن فراس، عن الشعبـي، عن أبـي بردة، عن أبـي موسى الأشعري أنه قال: ثلاثة يدعون الله فلا يستـجيب لهم: رجل كانت له امرأة سيئة الـخـلق فلـم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفـيهاً وقد قال الله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ }، ورجل كان له علـى رجل دين، فلـم يُشهد علـيه.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ }... الآية، قال: لا تعط السفـيه من ولدك رأساً ولا حائطاً ولا شيئاً هو لك قـيـماً من مالك.

وقال آخرون: بل السفهاء فـي هذا الـموضع: النساء خاصة دون غيرهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، عن أبـيه، قال: زعم حضرميّ أن رجلاً عمد فدفع ماله إلـى امرأته فوضعته فـي غير الـحقّ، فقال الله تبـارك وتعالـى: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ }.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن حميد، عن مـجاهد: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ } قال: النساء.

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا سفـيان، عن الثوري، عن حميد، عن قـيس، عن مـجاهد فـي قوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ } قال: هنّ النساء.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله تبـارك وتعالـى: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً } قال: نهى الرجال أن يعطوا النساء أموالهم، وهن سفهاء مَنْ كُنَّ أزواجاً أو أمهات أو بنات.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا هشام، عن الـحسن، قال: الـمرأة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال: النساء من أسفه السفهاء.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن أبـي عوانة، عن عاصم، عن مورق قال: مرّت امرأة بعبد الله بن عمر لها شارة وهيئة، فقال لها ابن عمر: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً }.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي تأويـل ذلك عندنا أن الله جلّ ثناؤه عمّ بقوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ } فلـم يخصص سفـيهاً دون سفـيه، فغير جائز لأحد أن يؤتـي سفـيهاً ماله صبـياً صغيراً كان أو رجلاً كبـيراً ذكرا كان أو أنثى، والسفـيه الذي لا يجوز لولـيه أن يؤتـيه ماله، هو الـمستـحقّ الـحجر بتضيـيعه ماله وفساده وإفساده وسوء تدبـيره ذلك.

وإنا قلنا ما قلنا من أن الـمعنـيّ بقوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ } هو من وصفنا دون غيره، لأن الله جلّ ثناؤه قال فـي الآية التـي تتلوها:

{ وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } [النساء: 6] فأمر أولـياء الـيتامى بدفع أموالهم إلـيهم إذا بلغوا النكاح وأونس منهم الرشد، وقد يدخـل فـي الـيتامى الذكور والإناث، فلـم يخصص بـالأمر يدفع مالهم من الأموال الذكور دون الإناث، ولا الإناث دون الذكور. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الذين أمر أولـياؤهم بدفعهم أموالهم إلـيهم، وأجيز للـمسلـمين مبـايعتهم، ومعاملتهم غير الذين أمر أولـياؤهم بـمنعهم أموالهم، وحظر علـى الـمسلـمين مداينتهم ومعاملتهم، فإذ كان ذلك كذلك، فبـين أن السفهاء الذين نهى الله الـمؤمنـين أن يؤتوهم أموالهم، هم الـمستـحقون الـحجر، والـمستوجبون أن يولـى علـيهم أموالهم، وهم من وصفنا صفتهم قبل، وأن من عدا ذلك، فغير سفـيه، لأن الـحجر لا يستـحقه من قد بلغ، وأونس رشده. وأما قول من قال: عنى بـالسفهاء النساء خاصة، فإنه جعل اللغة علـى غير وجهها، وذلك أن العرب لا تكاد تـجمع فعيلاً علـى فعلاء، إلا فـي جمع الذكور، أو الذكور والإناث؛ وأما إذا أرادوا جمع الإناث خاصة لا ذكران معهم، جمعوه علـى فعائل وفعيلات، مثل غريبة تـجمع غرائب وغريبـات؛ فأما الغربـاء فجمع غريب.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {أَمْوٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ } فقال بعضهم: عنى بذلك: لا تؤتوا السفهاء من النساء والصبـيان علـى ما ذكرنا من اختلاف من حكينا قوله قبل أيها الرشداء أموالكم التـي تـملكونها، فتسلطوهم علـيها فـيفسدوها ويضيعوها، ولكن ارزقوهم أنتـم منها، إن كانوا مـمن تلزمكم نفقته، واكسوهم، وقولوا لهم قولاً معروفـاً. وقد ذكرنا الرواية عن جماعة مـمن قال ذلك: منهم أبو موسى الأشعري، وابن عبـاس، والـحسن، ومـجاهد، قتادة، وحضرميّ، وسنذكر قول الآخرين الذين لـم يذكر قولهم فـيـما مضى قبل.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا } يقول: لا تعط امرأتك وولدك مالك، فـيكونوا هم الذين يقومون علـيك، وأطعمهم من مالك واكسهم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } يقول: لا تسلط السفـيه من ولدك علـى مالك، وأمره أن يرزقه منه ويكسوه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ } قال: لا تعط السفـيه من مالك شيئاً هو لك.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تؤتوا السفهاء أموالهم؛ ولكنه أضيف إلى الولاة لأنهم قُوَّامها ومدبِّروها. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: ثنا ابن المبارك، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير فـي قوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ }.

وقد يدخـل فـي قوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ } أموال الـمنهيـين عن أن يؤتوهم ذلك، وأموال السفهاء، لأن قوله: {أَمْوٰلَكُمْ } غير مخصوص منها بعض الأموال دون بعض، ولا تـمنع العرب أن تـخاطب قوماً خطابـاً، فـيخرّج الكلام بعضه خبر عنهم وبعضه عن غيب، وذلك نـحو أن يقولوا: أكلتـم يا فلان أموالكم بـالبـاطل فـيخاطب الواحد خطاب الـجمع بـمعنى: أنك وأصحابك، أو وقومك أكلتـم أموالكم، فكذلك قوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ } معناه: لا تؤتوا أيها الناس سفهاءكم أموالكم التـي بعضها لكم وبعضها لهم، فتضيعوها. وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله تعالـى ذكره قد عمّ بـالنهي عن إيتاء السفهاء الأموال كلها، ولـم يخصص منها شيئاً دون شيء، كان بـيناً بذلك أن معنى قوله: {ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً } إنـما هو التـي جعل الله لكم ولهم قـياماً، ولكن السفهاء دخـل ذكرهم فـي ذكر الـمخاطبـين بقوله: «لكم».

وأما قوله: {ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً } فإن قـياماً وقـيـماً وقواماً فـي معنى واحد، وإنـما القـيام أصله القوام، غير أن القاف التـي قبل الواو لـما كانت مكسورة، جعلت الواو ياء لكسرة ما قبلها، كما يقال: صمت صياماً، وحلت حيالاً، ويقال منه: فلان قوّام أهل بـيته، وقـيام أهل بـيته.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأ بعضهم: {ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَماً } بكسر القاف وفتـح الـياء بغير ألف. وقرأه آخرون: {قِيَاماً } بألف. قال مـحمد: والقراءة التـي نـختارها: {قِيَاماً } بـالألف، لأنها القراءة الـمعروفة فـي قراءة أمصار الإسلام، وإن كانت الأخرى غير خطأ ولا فـاسد. وإنـما اخترنا ما اخترنا من ذلك، لأن القراءات إذا اختلفت فـي الألفـاظ واتفقت فـي الـمعانـي، فأعجبها إلـينا ما كان أظهر وأشهر فـي قراءة أمصار الإسلام.

وبنـحو الذي قلناه فـي تأويـل قوله: {قِيَاماً } قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا سعيد بن يحيـى الأموي، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن أبـي مالك: {أَمْوٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً }: التـي هي قوامك بعد الله.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {أَمْوٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً } فإن الـمال هو قـيام الناس قوام معايشهم، يقول: كنت أنت قـيـم أهلك، فلا تعط امرأتك مالك، فـيكونوا هم الذين يقومون علـيك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً } يقول الله سبحانه: لا تعمد إلـى مالك وما خوّلك الله وجعله لك معيشة، فتعطيه امرأتك أو بنـيك ثم تنظر إلـى ما فـي أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلـحه، وكن أنت الذي تنفق علـيهم فـي كسوتهم ورزقهم ومؤنتهم. قال: وقوله: {قِيَاماً } بـمعنى: قوامكم فـي معايشكم.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الـحسن قوله: {قِيَاماً } قال: قـيام عيشك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا بكر بن شرود، عن ابن مـجاهد أنه قرأ: {ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً } بـالألف، يقول: قـيام عيشك.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {أَمْوٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً } قال: لا تعط السفـيه من ولدك شيئا هو لك قـيـم من مالك.

وأما قوله: {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ } فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي تأويـله؛ فأما الذين قالوا: إنـما عنى الله جلّ ثناؤه بقوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ } أولـياء السفهاء، لا أموال السفهاء، فإنهم قالوا: معنى ذلك: وارزقوا أيها الناس سفهاءكم من نسائكم وأولادكم من أموالكم طعامهم، وما لا بدّ لهم منه من مؤنهم وكسوتهم. وقد ذكرنا بعض قائلـي ذلك فـيـما مضى، وسنذكر من لـم يذكر من قائلـيه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: أمروا أن يرزقوا سفهاءهم من أزواجهم وأمهاتهم وبناتهم من أموالهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس، قوله: {وَٱرْزُقُوهُمْ } قال: يقول: أنفقوا علـيهم.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ } يقول: أطعمهم من مالك واكسهم.

وأما الذين قالوا: إنـما عنى بقوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ } أموال السفهاء أن لا يؤتـيهموها أولـياؤهم، فإنهم قالوا: معنى قوله: {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ }: وارزقوا أيها الولاة ولاة أموال سفهاءكم من أموالهم، طعامهم وما لا بدّ لهم من مؤنهم وكسوتهم. وقد مضى ذكر ذلك.

قال أبو جعفر: وأما الذي نراه صوابـاً فـي قوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ } من التأويـل، فقد ذكرناه، ودللنا علـى صحة ما قلنا فـي ذلك بـما أغنى عن إعادته.

فتأويـل قوله: {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ } علـى التأويـل الذي قلنا فـي قوله: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ } وألفوا علـى سفهائكم من أولادكم ونسائكم الذين تـجب علـيكم نفقتهم من طعامهم وكسوتهم فـي أموالكم، ولا تسلطوهم علـى أموالكم فـيهلكوها، وعلـى سفهائكم منهم مـمن لا تـجب علـيكم نفقته، ومن غيرهم الذين تلون أنتـم أمورهم من أموالهم فـيـما لا بدّ لهم من مؤنهم فـي طعامهم وشرابهم وكسوتهم، لأن ذلك هو الواجب من الـحكم فـي قول جميع الـحجة، لا خلاف بـينهم فـي ذلك مع دلالة ظاهر التنزيـل علـى ما قلنا فـي ذلك.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً }.

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: عِدْهُمْ عِدَةً جميـلة من البر والصلة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } قال: أمروا أن يقولوا لهم قولاً معروفـاً فـي البرّ والصلة. يعنـي النساء، وهن السفهاء عنده.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } قال: عِدَةً تعدوهم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ادعوا لهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } إن كان لـيس من ولدك، ولا مـمن يجب علـيك أن تنفق علـيه، فقل لهم قولاً معروفـاً، قل لهم: عافـانا الله وإياك، وبـارك الله فـيك.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال فـي ذلك بـالصحة، ما قاله ابن جريج، وهو أن معنى قوله: {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً }: أي قولوا يا معشر ولاة السفهاء قولاً معروفـاً للسفهاء، إنْ صلـحتـم ورشدتـم سلـمنا إلـيكم أموالكم وخـلـينا بـينكم وبـينها، فـاتقوا الله فـي أنفسكم وأموالكم. وما أشبه ذلك من القول الذي فـيه حثّ علـى طاعة الله ونهي عن معصيته.

وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا۟ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِمْ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًا ۝٦

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ }: واختبروا عقول يتاماكم فـي أفهامهم، وصلاحهم فـي أديانهم، وإصلاحهم أموالهم. كما:

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة والـحسن فـي قوله: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ } قالا: يقول: اختبروا الـيتامى.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: أما ابتلوا الـيتامى: فجرّبوا عقولهم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ } قال: عقولهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ } قال: اختبروهم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ } قال: اختبروه فـي رأيه وفـي عقله كيف هو إذا عرف أنه قد أُنس منه رشد دفع إلـيه ماله. قال: وذلك بعد الاحتلام.

قال أبو جعفر: وقد دللنا فـيـما مضى قبل علـى أن معنى الابتلاء: الاختبـار، بـما فـيه الكفـاية عن إعادته.

وأما قوله: {إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ } فإنه يعنـي: إذا بلغوا الـحلـم. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ }: حتـى إذا احتلـموا.

حدثنـي علـيّ بن داود قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـي بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ } قال: عند الـحلـم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ } قال: الـحلـم.

القول فـي تأويـل قوله: {فإنْ ءَانَسْتُم مِنْهُمْ رُشْداً}.

يعنـي قوله: {فإنْ ءَانَسْتُم مِنْهُمْ رُشْداً }: فإن وجدتـم منهم وعرفتـم. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: {فإنْ ءَانَسْتُم مِنْهُمْ رُشْداً} قال: عرفتـم منهم.

يقال: آنست من فلان خيراً وقرىء بـمدّ الألف إيناساً، وأنست به آنسُ أُنْساً بقصر ألفها: إذا ألفه. وقد ذكر أنها فـي قراءة عبد الله: «فإنْ أحْسَيْتُـمْ مِنْهُمْ رُشْدا» بـمعنى: أحسستـم: أي وجدتـم.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى الرشد الذي ذكره الله فـي هذه الآية، فقال بعضهم: معنى الرشد فـي هذا الـموضع: العقل والصلاح فـي الدين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {فإنْ ءَانَسْتُم مِنْهُمْ رُشْداً} عقولاً وصلاحاً.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فإنْ ءَانَسْتُم مِنْهُمْ رُشْداً} يقول: صلاحاً فـي عقله ودينه.

وقال آخرون: معنى ذلك: صلاحاً فـي دينهم، وإصلاحاً لأموالهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، عن مبـارك، عن الـحسن، قال: رشداً فـي الدين وصلاحاً وحفظاً للـمال.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: {فإنْ ءَانَسْتُم مِنْهُمْ رُشْداً } فـي حالهم، والإصلاح فـي أموالهم.

وقال آخرون: بل ذلك العقل خاصة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، قال: لا ندفع إلـى الـيتـيـم ماله، وإن أخذ بلـحيته، وإن كان شيخاً، حتـى يؤنس منه رشده: العقل.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيـى، عن سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد: {فإنْ ءَانَسْتُم مِنْهُمْ رُشْداً} قال: العقل.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا أبو شبرمة، عن الشعبـي، قال: سمعته يقول: إن الرجل لـيأخذ بلـحيته وما بلغ رشده.

وقال آخرون: بل هو الصلاح والعلـم بـما يصلـحه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {فإنْ ءَانَسْتُم مِنْهُمْ رُشْداً} قال: صلاحاً وعلـماً بـما يصلـحه.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال عندي بـمعنى الرشد فـي هذا الـموضع: العقل وإصلاح الـمال؛ لإجماع الـجميع علـى أنه إذا كان كذلك لـم يكن مـمن يستـحقّ الـحجر علـيه فـي ماله، وحوز ما فـي يده عنه، وإن كان فـاجراً فـي دينه. وإذ كان ذلك إجماعاً من الـجميع، فكذلك حكمه إذا بلغ وله مال فـي يدي وصي أبـيه أو فـي يد حاكم قد ولـي ماله لطفولته، واجب علـيه تسلـيـم ماله إلـيه، إذا كان عاقلاً بـالغاً، مصلـحاً لـماله، غير مفسد؛ لأن الـمعنى الذي به يستـحقّ أن يولـي علـى ماله الذي هو فـي يده، هو الـمعنى الذي به يستـحقّ أن يـمنع يده من ماله الذي هو فـي يد ولـيّ، فإنه لا فرق بـين ذلك. وفـي إجماعهم علـى أنه غير جائز حيازة ما فـي يده فـي حال صحة عقله وإصلاح ما فـي يده، الدلـيـلُ الواضح علـى أنه غير جائز منع يده مـما هو له فـي مثل ذلك الـحال، وإن كان قبل ذلك فـي يد غيره لا فرق بـينهما. ومن فرق بـين ذلك عكس علـيه القول فـي ذلك، وسئل الفرق بـينهما من أصل أو نظير، فلن يقول فـي أحدهما قولاً إلا ألزم فـي الآخر مثله. فإن كان ما وصفنا من الـجميع إجماعاً، فبـين أن الرشد الذي به يستـحقّ الـيتـيـم إذا بلغ فأونس منه دفع ماله إلـيه، ما قلنا من صحة عقله وإصلاح ماله.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً }.

يعنـي بذلك تعالـى ذكره: ولاة أموال الـيتامى، يقول الله لهم: فإذا بلغ أيتامكم الـحلـم، فآنستـم منهم عقلاً وإصلاحاً لأموالهم، فـادفعوا إلـيهم أموالهم، ولا تـحبسوها عنهم.

وأما قوله: {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً } يعنـي: بغير ما أبـاحه الله لكم. كما:

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة والـحسن: {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً } يقول: لا تسرف فـيها.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً } قال: يسرف فـي الأكل.

وأصل الإسراف: تـجاوز الـحدّ الـمبـاح إلـى ما لـم يبح، وربـما كان ذلك فـي الإفراط، وربـما كان فـي التقصير، غير أنه إذا كان فـي الإفراط، فـاللغة الـمستعملة فـيه أن يقال: أسرف يُسرف إسرافـاً، وإذا كان كذلك فـي التقصير، فـالكلام منه: سَرِفَ يَسْرَفُ سَرَفـاً، يقال: مررت بكم فسرفتكم، يراد منه: فسهوت عنكم وأخطأتكم، كما قال الشاعر:

أعْطَوْا هُنَـيْدَةَ يَحْدُوها ثمَانِـيَةٌ ما فِـي عَطائِهِمْ مَنٌّ وَلا.سَرَفُ

يعنـي بقوله: ولا سرف: لا خطأ فـيه، يراد به: أنهم يصيبون مواضع العطاء فلا يخطئونها.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ }.

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {وَبِدَاراً } ومبـادرة؛ وهو مصدر من قول القائل: بـادرت هذا الأمر مبـادرة وبداراً. وإنـما يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: ولاة أموال الـيتامى، يقول لهم: لا تأكلوا أموالهم إسرافـاً، يعنـي: ما أبـاح الله لكم أكله، ولا مبـادرة منكم بلوغهم، وإيناس الرشد منهم حذراً أن يبلغوا فـيـلزمكم تسلـيـمه إلـيهم. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {إِسْرَافاً وَبِدَاراً } يعنـي: أكل مال الـيتـيـم مبـادراً أن يبلغ فـيحول بـينه وبـين ماله.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة والـحسن: {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً } يقول: لا تسرف فـيها، ولا تبـادر.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَبِدَاراً } تبـادراً أن يكبروا، فـيأخذوا أموالهم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد فـي قوله: {إِسْرَافاً وَبِدَاراً } قال: هذه لولـيّ الـيتـيـم خاصة، جعل له أن يأكل معه إذا لـم يجد شيئاً يضع يده معه، فـيذهب بوجهه، يقول: لا أدفع إلـيه ماله، وجعلتَ تأكله تشتهي أكله، لأنك إن لـم تدفعه إلـيه لك فـيه نصيب، وإذا دفعته إلـيه فلـيس لك فـيه نصيب.

وموضع «أن» فـي قوله: «أن يكبروا» نصبٌ بـالـمبـادرة، لأن معنى الكلام: لا تأكلوها مبـادرة كبرهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ }.

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً } من ولاة أموال الـيتامى علـى أموالهم، {فَلْيَسْتَعْفِفْ } بـماله عن أكلها بغير الإسراف والبدار أن يكبروا، بـما أبـاح الله له أكلها به. كما:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش وابن أبـي لـيـلـى، عن الـحكم، عن مقسم، عن ابن عبـاس فـي قوله: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ } قال: لغناه من ماله، حتـى يستغنـي عن مال الـيتـيـم.

وبه قال: حدثنا سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم فـي قوله: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ } بغناه.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن لـيث، عن الـحكم، عن مقسم، عن ابن عبـاس فـي قوله: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: من مال نفسه، ومن كان فقـيراً منهم إلـيها مـحتاجاً فلـيأكل بـالـمعروف.

قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل التأويـل فـي الـمعروف الذي أذن الله جلّ ثناؤه لولاة أموالهم أكلها به إذا كانوا أهل فقر وحاجة إلـيها، فقال بعضهم: ذلك هو القرض يستقرضه من ماله ثم يقضيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفـيان وإسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن حارثة بن مضرّب، قال: قال عمر بن الـخطاب رضي الله عنه: إنـي أنزلت مال الله تعالـى منـي بـمنزلة مال الـيتـيـم، إن استغنـيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بـالـمعروف، فإذا أيسرت قضيت.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، عن زهير، عن العلاء بن الـمسيب، عن حماد، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس فـي قوله: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: هو القرض.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر، قال: سمعت يونس، عن مـحمد بن سيرين، عن عبـيدة السلـمانـي، أنه قال فـي هذه الآية: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: الذي ينفق من مال الـيتـيـم يكون علـيه قرضاً.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا سلـمة بن علقمة، عن مـحمد بن سيرين، قال: سألت عبـيدة عن قوله: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: إنـما هو قرض، ألا ترى أنه قال: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ }؟قال: فظننت أنه قالها برأيه.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا هشام، عن مـحمد، عن عبـيدة فـي قوله: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } وهو علـيه قرض.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، عن سلـمة بن علقمة، عن ابن سيرين، عن عبـيدة فـي قوله: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: الـمعروف: القرض، ألا ترى إلـى قوله: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ }؟

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبـيدة، مثل حديث هشام.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } يعنـي: القرض.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } يقول: إن كان غنـياً فلا يحلّ له من مال الـيتـيـم أن يأكل منه شيئاً، وإن كان فقـيراً فلـيستقرض منه، فإذا وجد ميسرة فلـيعطه ما استقرض منه؛ فذلك أكله بـالـمعروف.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبـي يذكر عن حماد، عن سعيد بن جبـير، قال: يأكل قرضاً بـالـمعروف.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا حجاج، عن سعيد بن جبـير، قال: هو القرض ما أصاب منه من شيء قضاه إذا أيسر، يعنـي قوله: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ }.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن هشام الدسوائي، قال: ثنا حماد، قال: سألت سعيد بن جبـير، عن هذه الآية: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: إن أخذ من ماله قدر قوته قرضاً، فإن أيسر بعد قضاه، وإن حضره الـموت ولـم يوسر تـحلله من الـيتـيـم، وإن كان صغيراً تـحلله من ولـيه.

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن الـمفضل، قال: ثنا شعبة، عن حماد، عن سعيد بن جبـير: فلـيأكل قرضاً.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن حماد، عن سعيد بن جبـير: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: هو القرض.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو بن أبـي قـيس، عن عطاء بن السائب، عن الشعبـي: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: لا يأكله إلا أن يضطرّ إلـيه كما يضطرّ إلـى الـميتة، فإن أكل منه شيئاً قضاه.

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن الـمفضل، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: قرضاً.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: سلفـاً من مال يتـيـمه.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، وعن حماد، عن سعيد بن جبـير: {فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قالا: هو القرض. قال الثوري: وقاله الـحكم أيضاً، ألا ترى أنه قال: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ }؟

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: ثنا حجاج، عن مـجاهد، قال: هو القرض ما أصاب منه من شيء قضاه إذا أيسر، يعنـي: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ }.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أبـي جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: القرض، ألا ترى إلـى قوله: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ }؟.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن عاصم، عن أبـي وائل، قال: قرضاً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الـحكم، عن سعيد بن جبـير، قال: إذا احتاج الولـيّ أو افتقر فلـم يجد شيئاً، أكل من مال الـيتـيـم، وكتبه، فإن أيسر قضاه، وإن لـم يوسر حتـى تـحضره الوفـاة دعا الـيتـيـم فـاستـحلّ منه ما أكل.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، قال: أخبرنا ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } من مال الـيتـيـم بغير إسراف ولا قضاء علـيه فـيـما أكل منه.

واختلف قائلو هذا القول فـي معنى أكل ذلك بـالـمعروف، فقال بعضهم: أن يأكل من طعامه بأطراف الأصابع، ولا يـلبس منه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن السديّ، قال: أخبرنـي من سمع ابن عبـاس يقول: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: بأطراف أصابعه.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبـيد الله الأشجعي، عن سفـيان، عن السديّ، عمن سمع ابن عبـاس يقول؛ فذكر مثله.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } يقول: فمن كان غنـياً من ولـي مال الـيتـيـم فلـيستعفف عن ماله، ومن كان فقـيراً من ولـي مال الـيتـيـم فلـيأكل معه بأصابعه، لا يسرف فـي الأكل، ولا يـلبس.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا حرمي بن عمارة، قال: ثنا شعبة، عن عمارة، عن عكرمة فـي مال الـيتـيـم: يَدُك مع أيديهم، ولا تتـخذ منه قَلنْسُوَة.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيـينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء وعكرمة، قالا: تضع يدك مع يده.

وقال آخرون: بل الـمعروف فـي ذلك، أن يأكل ما يسدّ جوعه ويـلبس ما وارى العورة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا مغيرة عن إبراهيـم، قال: إن الـمعروف لـيس يـلبس الكتان ولا الـحلل، ولكن ما سدّ الـجوع ووارى العورة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن مغيرة، عن إبراهيـم، قال: كان يقال: لـيس الـمعروف يـلبس الكتان والـحلل، ولكن الـمعروف ما سدّ الـجوع ووارى العورة.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن مغيرة، عن إبراهيـم نـحوه.

حدثنا علـيّ بن سهل، قال: ثنا الولـيد بن مسلـم، قال: ثنا أبو معبد، قال: سئل مكحول عن ولـيّ الـيتـيـم، ما أكله بـالـمعروف إذا كان فقـيراً؟ قال: يده مع يده. قـيـل له: فـالكسوة؟ قال: يـلبس من ثـيابه، فأما أن يتـخذ من ماله مالاً لنفسه فلا.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا الأشجعي، عن سفـيان، عن مغيرة، عن إبراهيـم فـي قوله: {فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: ما سدّ الـجوع، ووارى العورة، أما أنه لـيس لبوس الكتان والـحلل.

وقال آخرون: بل ذلك الـمعروف أكل تـمره وشرب رِسْل ماشيته بقـيامه علـى ذلك، فأما الذهب والفضة فلـيس له أخذ شيء منهما إلا علـى وجه القرض. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن القاسم بن مـحمد، قال: جاء رجل إلـى ابن عبـاس فقال: إن فـي حجري أموال أيتام؟ وهو يستأذنه أن يصيب منها. فقال ابن عبـاس: ألست تبغي ضالتها؟ قال: بلـى. قال: ألست تهنأ جربـاها؟ قال: بلـى. قال: ألست تلـيط حياضها؟ قال: بلـى. قال: ألست تَفْرِطُ علـيها يوم ورودها؟ قال: بلـى. قال: فأصب من رِسْلها، يعنـي: من لبنها.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن يحيـى بن سعيد، عن القاسم بن مـحمد، قال: جاء أعرابـيّ إلـى ابن عبـاس، فقال: إن فـي حجري أيتاماً، وإن لهم إبلاً ولـي إبل، وأنا أمنـح من إبلـي فقراء، فماذا يحلّ لـي من ألبـانها؟ قال: إن كنت تبغي ضالتها، وتهنأ جربـاها، وتلوط حوضها، وتسعى علـيها، فـاشرب غير مضرّ بنسل، ولا ناهك فـي الـحلب.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن أبـي العالـية فـي هذه الآية: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: من فضل الرسل والثمرة.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن أبـي العالـية فـي والـي مال الـيتـيـم، قال: يأكل من رسل الـماشية، ومن الثمرة لقـيامه علـيه، ولا يأكل من الـمال، وقال: ألا ترى أنه قال: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ }؟.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت داود، عن رُفَـيْع أبـي العالـية، قال: رخص لولـيّ الـيتـيـم أن يصيب من الرسل، ويأكل من الثمرة؛ وأما الذهب والفضة فلا بدّ أن تردّ. ثم قرأ: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ } ألا ترى أنه قال: لا بدّ من أن يدفع؟.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا عوف، عن الـحسن أنه قال: إنـما كانت أموالهم أدخال النـخـل والـماشية، فرخص لهم إذا كان أحدهم مـحتاجاً أن يصيب من الرسل.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا إسماعيـل بن سالـم، عن الشعبـي فـي قوله: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: إذا كان فقـيراً أكل من التـمر، وشرب من اللبن وأصاب من الرسل.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } ذكر لنا أن عمّ ثابت بن رفـاعة ـ وثابت يومئذٍ يتـيـم فـي حجره ـ من الأنصار، أتـى نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبـيّ الله، إن ابن أخي يتـيـم فـي حجري، فما يحلّ لـي من ماله؟ قال:

أنْ تأْكُلَ بـالـمَعْرُوف مِنْ غَيْرِ أنْ تَقِـيَ مالَكَ بـمالِهِ، وَلا تَتَّـخِذَ مِنْ مالِهِ وَفْراً وكان اليتيم يكون له الـحائط من النخل، فيقوم وليه على صلاحه وسقيه، فيصيب من ثمرته. أو تكون له الماشية، فيقوم وليه على صلاحها، أو يلي علاجها ومؤنتها فيصيب من جُزَازها وعوارضها ورِسْلها، فأما رقاب المال وأصول المال، فليس له أن يستهلكه.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } يعنـي: ركوب الدابة وخدمه الـخادم، فإن أخذ من ماله قرضاً فـي غنى، فعلـيه أن يؤدّيه، ولـيس له أن يأكل من ماله شيئاً.

وقال آخرون منهم: له أن يأكل من جميع الـمال إذا كان يـلـي ذلك وإن أتـى علـى الـمال ولا قضاء علـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا إسماعيـل بن صبـيح، عن أبـي إدريس، عن يحيـى بن سعيد وربـيعة جميعاً، عن القاسم بن مـحمد، قال: سئل عمر بن الـخطاب رضي الله عنه عما يصلـح لولـيّ الـيتـيـم؟ قال: إن كان غنـياً فلـيستعفف، وإن كان فقـيراً فلـيأكل بـالـمعروف.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا يحيـى بن أيوب، عن مـحمد بن عجلان، عن زيد بن أسلـم، عن أبـيه، أن عمر بن الـخطاب كان يقول: يحلّ لولـيّ الأمر ما يحلّ لولـيّ الـيتـيـم، من كان غنـياً فلـيستعفف، ومن كان فقـيراً فلـيأكل بـالـمعروف.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا الفضل بن عطية، عن عطاء بن أبـي ربـاح فـي قوله: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: إذا احتاج فلـيأكل بـالـمعروف، فإن أيسر بعد ذلك فلا قضاء علـيه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيـى بن واضح، قال: ثنا الـحسين بن واقد، عن يزيد النـحوي، عن عكرمة والـحسن البصري، قالا: ذكر الله تبـارك وتعالـى مال الـيتامى، فقال: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } ومعروف ذلك: أن يتقـي الله فـي يتـيـمه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن إبراهيـم: أنه كان لا يرى قضاء علـى ولـيّ الـيتـيـم إذا أكل وهو مـحتاج.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيـم: {فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } فـي الوصيّ قال: لا قضاء علـيه.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيـم أنه قال فـي هذه الآية: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: إذا عمل فـيه ولـيّ الـيتـيـم أكل بـالـمعروف.

حدثنا بشر بن مـحمد، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الـحسن يقول: إذا احتاج أكل بـالـمعروف من الـمال، طُعْمَةًمن الله له.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيـينة، عن عمرو بن دينار، عن الـحسن البصري، قال: قال رجل للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: إن فـي حجري يتـيـماً أفأضربه؟ قال:

فِـيـما كُنْتَ ضَارِبـاً مِنْهُ وَلَدَكَ؟ قال: أفأصيب من ماله؟ قال: بـالـمَعْروفِ غيرَ مُتأثِّلٍ مالاً، وَلا وَاقٍ مَالكَ بِـمَالِهِ

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبـي نـجيح، عن الزبـير بن موسى، عن الـحسن البصري، مثله.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن عطاء أنه قال: يضع يده مع أيديهم، فـيأكل معهم. كقدر خدمته وقدر عمله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبـيه، عن عائشة، قالت: ولـيّ الـيتـيـم إذا كان مـحتاجاً يأكل بـالـمعروف لقـيامه بـماله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسألته عن قول الله تبـارك وتعالـى: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: إن استغنى كفّ، وإن كان فقـيراً أكل بـالـمعروف. قال: أكل بـيده معهم لقـيامه علـى أموالهم وحفظه إياها، يأكل مـما يأكلون منه، وإن استغنى كفّ عنه ولـم يأكل منه شيئاً.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال بـالـمعروف الذي عناه الله تبـارك وتعالـى فـي قوله: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ }: أكل مال الـيتـيـم عند الضرورة والـحاجة إلـيه علـى وجه الاستقراض منه، فأما علـى غير ذلك الوجه، فغير جائز له أكله. وذلك أن الـجميع مـجمعون علـى أن والـي الـيتـيـم لا يـملك من مال يتـيـمه إلا القـيام بـمصلـحته. فلـما كان إجماعاً منهم أنه غير مالكه، وكان غير جائز لأحد أن يستهلك مال أحد غيره، يتـيـماً كان ربّ الـمال أو مدركاً رشيداً، وكان علـيه إن تعدّى فـاستهلكه بأكل أو غيره ضمانه لـمن استهلكه علـيه بإجماع من الـجميع، وكان والـي الـيتـيـم سبـيـله سبـيـل غيره فـي أنه لا يـملك مال يتـيـمه، كان كذلك حكمه فـيـما يـلزمه من قضائه إذا أكل منه سبـيـله سبـيـل غيره وإن فـارقه فـي أن له الاستقراض منه عند الـحاجة إلـيه كما له الاستقراض علـيه عند حاجته إلـى ما يستقرض علـيه إذا كان قـيـماً بـما فـيه مصلـحته، ولا معنى لقول من قال: إنـما عنى بـالـمعروف فـي هذا الـموضع أكل والـي الـيتـيـم، من مال الـيتـيـم؛ لقـيامه علـى وجه الاعتـياض علـى عمله وسعيه، لأن الوالـي الـيتـيـم أن يؤاجر نفسه منه للقـيام بأموره إذا كان الـيتـيـم مـحتاجاً إلـى ذلك بأجرة معلومة، كما يستأجر له غيره من الأجراء، وكما يشتري له من نصيبه غنـياً كان الوالـي أو فقـيراً. وإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالـى ذكره قد دلّ بقوله: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ } علـى أنه أكل مال الـيتـيـم إنـما أذن لـمن أذن له من ولاته فـي حال الفقر والـحاجة، وكانت الـحال التـي للولاة أن يؤجروا أنفسهم من الأيتام مع حاجة الأيتام إلـى الأجراء، غير مخصوص بها حال غنى ولا حال فقر، كان معلوماً أن الـمعنى الذي أبـيح لهم من أموال أيتامهم فـي كلّ أحوالهم، غير الـمعنى الذي أبـيح لهم ذلك فـيه فـي حال دون حال. ومن أبى ما قلنا مـمن زعم أن لولـيّ الـيتـيـم أكل مال يتـيـمه عند حاجته إلـيه علـى غير وجه القرض استدلالاً بهذه الآية، قـيـل له: أمـجمع علـى أن الذي قلت تأويـل قوله: {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ }؟ فإن قال لا، قـيـل له: فما برهانك علـى أن ذلك تأويـله، وقد علـمت أنه غير مالك مال يتـيـمه؟ فإن قال: لأن الله أذن له بأكله، قـيـل له: أذن له بأكله مطلقاً، أم بشرط؟ فإن قال بشرط، وهو أن يأكله بـالـمعروف، قـيـل له: وما ذلك الـمعروف وقد علـمت القائلـين من الصحابة والتابـيعن ومن بعدهم من الـخالفـين إن ذلك هو أكله قرضاً وسلفـاً؟ ويقال لهم أيضاً مع ذلك: أرأيت الـمولـى علـيهم فـي أموالهم من الـمـجانـين والـمعاتـيه ألولاة أموالهم أن يأكلوا من أموالهم عند حاجتهم إلـيه علـى غير وجه القرض لا الاعتـياض من قـيامهم بها، كما قلتـم ذلك فـي أموال الـيتامى فأبحتـموها لهم؟ فإن قالوا ذلك لهم، خرجوا من قول جميع الـحجة، وإن قالوا لـيس ذلك لهم، قـيـل لهم: فما الفرق بـين أموالهم وأموال الـيتامى وحكم ولاتهم واحد فـي أنهم ولاة أموال غيرهم؟ فلن يقولوا فـي أحدهما شيئاً إلا ألزموا فـي الآخر مثله. ويسألون كذلك عن الـمـحجور علـيه، هل لـمن يـلـي ماله أن يأكل ماله عند حاجته إلـيه؟ نـحو سؤالناهم عن أموال الـمـجانـين والـمعاتـيه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ }.

قال أبو جعفر: يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: وإذا دفعتـم يا معشر ولاة أموال الـيتامى إلـى الـيتامى أموالهم، فأشهدوا علـيهم، يقول: فأشهدوا علـى الأيتام بـاستـيفـائهم ذلك منكم ودفعكموه إلـيهم. كما:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ } يقول: إذا دفع إلـى الـيتـيـم ماله، فلـيدفعه إلـيه بـالشهود، كما أمره الله تعالـى.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً }.

يقول تعالـى ذكره: وكفـى بـالله كافـياً من الشهود الذي يُشهدهم والـي الـيتـيـم علـى دفعه مال يتـيـمه إلـيه. كما:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً } يقول: شهيداً.

يقال منه: قد أحسبنـي الذي عندي، يراد به: كفـانـي. وسمع من العرب: لأُحْسِبَنَّكم من الأسودين، يعنـي به: من الـماء والتـمر، والـمُـحْسِبُ من الرجال: الـمرتفع الـحسب، والـمُـحْسَبُ: الـمكفـيّ.

الجمعة، 30 أكتوبر 2026 19 جمادى الأولى 1448 هـ