انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير الطبريالآيات 160–172

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النساء

الخلاصة من تفسير الطبري · 12 مقطعًا · 3:03:07

  1. 1 الآيات 148–162في هذه الصفحة 14:19
  2. 2 الآيات 163–176في هذه الصفحة 14:07

التفسير الصوتي لسورة النساء كاملًا (12 مقطعًا)

فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًا ۝١٦٠ وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَقَدْ نُهُوا۟ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَٰطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ۝١٦١

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: فحرمنا علـى الـيهود الذين نقضوا ميثاقهم الذي واثقوا ربهم، وكفروا بآيات الله، وقتلوا أنبـياءهم، وقالوا البهتان علـى مريـم، وفعلوا ما وصفهم الله فـي كتابه طيبـات من الـمآكل وغيرها كانت لهم حلالاً، عقوبة لهم بظلـمهم الذي أخبر الله عنهم فـي كتابه. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَبِظُلْـمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَـيْهِمْ طَيِّبـاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ}... الآية، عوقب القوم بظلـم ظَلَـموه وبَغْيٍ بَغَوه حرّمت علـيهم أشياء ببغيهم وبظلـمهم.

وقوله: {وَبِصَدّهِمْ عَنْ سَبِـيـلِ اللَّهِ كَثِـيراً} يعنـي: وبصدّهم عبـاد الله عن دينه وسبله التـي شرعها لعبـاده صدّاً كثـيراً، وكان صدّهم عن سبـيـل الله بقولهم علـى الله البـاطل، وادّعائهم أن ذلك عن الله، وتبديـلهم كتاب الله وتـحريف معانـيه عن وجوهه، وكان من عظيـم ذلك جحودهم نبوّة نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم وتركهم بـيان ما قد علـموا من أمره لـمن جهل أمره من الناس. وبنـحو ذلك كان مـجاهد يقول.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنـي أبو عاصم، قال: ثنـي عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {وَبِصَدّهِمْ عَنْ سَبِـيـلِ اللَّهِ كَثِـيراً} قال: أنفسهم وغيرهم عن الـحقّ.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

وقوله: {وأخْذِهِمُ الرّبـا} وهو أخذهم ما أفضلوا علـى رؤوس أموالهم لفضل تأخير فـي الأجل بعد مَـحِلها. وقد بـينت معنى الربـا فـيـما مضى قبل بـما أغنى عن إعادته. {وقَدْ نُهُوا عَنْهُ}: يعنـي عن أخذ الربـا.

وقوله: {وأكْلِهِمْ أمْوَالَ النَّاسِ بـالبـاطِلِ} يعنـي: ما كانوا يأخذون من الرشا علـى الـحكم، كما وصفهم الله به فـي قوله:

{ وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }[المائدة: 62] وكان من أكلهم أموال الناس بـالبـاطل ما كانوا يأخذون من أثمان الكتب التـي كانوا يكتبونها بأيديهم، ثم يقولون: هذا من عند الله، وما أشبه ذلك من الـمآكل الـخسيسة الـخبـيثة. فعاقبهم الله علـى جميع ذلك بتـحريـمه ما حرّم علـيهم من الطيبـات التـي كانت لهم حلالاً قبل ذلك. وإنـما وصفهم الله بأنهم أكلوا ما أكلوا من أموال الناس كذلك بـالبـاطل بأنهم أكلوه بغير استـحقاق وأخذوا أموالهم منهم بغير استـيجاب، فقوله: {وأعْتَدْنا للكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابـا ألِـيـماً} يعنـي: وجعلنا للكافرين بـالله وبرسوله مـحمد من هؤلاء الـيهود العذاب الألـيـم، وهو الـموجع من عذاب جهنـم، عدة يصلونها فـي الآخرة، إذا وردوا علـى ربهم فـيعاقبهم بها.

لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ أُو۟لَٰٓئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ۝١٦٢

هذا من الله جلّ ثناؤه استثناء، استثنى من أهل الكتاب من الـيهود الذين وصف صفتهم فـي هذه الآيات التـي مضت من قوله:

{ يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }[النساء: 153] ثم قال جلّ ثناؤه لعبـاده، مبـيناً لهم حكم من قد هداه لدينه منهم ووفقه لرشده: ما كُلّ أهل الكتاب صفتهم الصفة التـي وصفت لكم، {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِـي العِلْـمِ مِنْهُمْ} وهم الذين قد رسخوا فـي العلـم بأحكام الله التـي جاءت بها أنبـياؤه، وأتقنوا ذلك، وعرفوا حقـيقته. وقد بـينا معنى الرسوخ فـي العلـم بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. {وَالـمُؤْمِنُونَ} يعنـي: والـمؤمنون بـالله ورسله، وهم يؤمنون بـالقرآن الذي أنزل الله إلـيك يا مـحمد، وبـالكتب التـي أنزلها علـى من قبلك من الأنبـياء والرسل، ولا يسألونك كما سأل هؤلاء الـجهلة منهم أن تنزل علـيهم كتابـاً من السماء، لأنهم قد علـموا بـما قرءوا من كتب الله وأتتهم به أنبـياؤهم، أنك لله رسول واجب علـيهم اتبـاعك، لا يسعهم غير ذلك، فلا حاجة بهم إلـى أن يسألوك آية معجزة، ولا دلالة غير الذي قد علـموا من أمرك بـالعلـم الراسخ فـي قلوبهم من أخبـار أنبـيائهم إياهم بذلك وبـما أعطيتك من الأدلة علـى نبوّتك، فهم لذلك من علـمهم ورسوخهم فـيه {يُؤْمِنُونَ بِـما أُنْزِلَ إلَـيْكَ} من الكتاب {و} بـ {ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} من سائر الكتب. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِـي العِلْـمِ مِنْهُمْ وَالـمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِـما أنْزِلَ إلَـيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} استثنى الله ثَنِـيَّةً من أهل الكتاب، وكان منهم من يؤمن بـالله، وما أنزل علـيهم، وما أنزل علـى نبـيّ الله، يؤمنون به ويصدّقون به، ويعلـمون أنه الـحقّ من ربهم.

ثم اختلف فـي الـمقـيـمين الصلاة، أهم الراسخون فـي العلـم، أم هم غيرهم؟ فقال بعضهم: هم هم. ثم اختلف قائلو ذلك فـي سبب مخالفة إعرابهم إعراب الراسخون فـي العلـم، وهما من صفة نوع من الناس، فقال بعضهم: ذلك غلط من الكاتب، وإنـما هو: لكن الراسخون فـي العلـم منهم، والـمقـيـمون الصلاة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا حماد بن سلـمة، عن الزبـير، قال: قلت لأبـان بن عثمان بن عفـان: ما شأنها كتبت {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِـي العِلْـمِ مِنْهُمْ وَالـمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنونَ بِـمَا أُنْزِلَ إلَـيكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ والـمُقِـيـمِينَ الصَّلاةَ}؟ قال: إن الكاتب لـما كتب {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِـي العِلْـمِ مِنْهُمْ} حتـى إذا بلغ قال: ما أكتب؟ قـيـل له اكتب {والـمُقِـيـمِينَ الصَّلاةَ} فكتب ما قـيـل له.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبـيه، أنه سأل عائشة عن قوله: {وَالـمُقِـيـمِينَ الصَّلاةَ}، وعن قوله:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ }[المائدة: 69]، وعن قوله: { إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ }[طه: 63] فقالت: يا ابن أختـي هذا عمل الكتاب أخطأوا فـي الكتاب.

وذكر أن ذلك فـي قراءة ابن مسعود: «والـمُقِـيـمُونَ الصَّلاةَ».

وقال آخرون، وهو قول بعض نـحويـي الكوفة والبصرة: والـمقـيـمون الصلاة من صفة الراسخون فـي العلـم، ولكن الكلام لـما تطاول واعترض بـين الراسخين فـي العلـم والـمقــمين الصلاة ما اعترض من الكلام فطال نصب الـمقـيـمين علـى وجه الـمدح، قالوا: والعرب تفعل ذلك فـي صفة الشيء الواحد ونعته إذا تطاولت بـمدح أو ذمّ خالفوا بـين إعراب أوّله وأوسطه أحياناً ثم رجعوا بآخره إلـى إعراب أوّله، وربـما أجروا إعراب آخره علـى إعراب أوسطه، وربـما أجروا ذلك علـى نوع واحد من الإعراب. واستشهدوا لقولهم ذلك بـالآيات التـي ذكرناها فـي قوله:

{ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّآءِ }[البقرة: 177] .

وقال آخرون: بل الـمقـيـمون الصلاة من صفة غير الراسخين فـي العلـم فـي هذا الـموضع وإن كان الراسخون فـي العلـم من الـمقـيـمين الصلاة. وقال قائلو هذه الـمقالة جميعاً: موضع الـمقـيـمين فـي الإعراب خفض، فقال بعضهم: موضعه خفض علـى العطف علـى «ما» التـي فـي قوله: {يُؤْمِنُونَ بِـمَا أُنْزِلَ إلَـيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} ويؤمنون بـالـمقـيـمين الصلاة.

ثم اختلف متأوّلو ذلك فـي هذا التأويـل فـي معنى الكلام، فقال بعضهم: معنى ذلك: والـمؤمنون يؤمنون بـما أنزل إلـيك وما أنزل من قبلك، وبإقام الصلاة. قالوا: ثم ارتفع قوله: «والـمؤتون الزكاة»، عطفـاً علـى ما فـي «يؤمنون» من ذكر الـمؤمنـين، كأنه قـيـل: والـمؤمنون يؤمنون بـما أنزل إلـيك هم والـمؤتون الزكاة.

وقال آخرون: بل الـمقـيـمون الصلاة: الـملائكة. قالوا: وإقامتهم الصلاة: تسبـيحهم ربهم واستغفـارهم لـمن فـي الأرض. قالوا: ومعنى الكلام: والـمؤمنون يؤمنون بـما أنزل إلـيك وما أنزل من قبلك وبـالـملائكة.

وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك: والـمؤمنون يؤمنون بـما أنزل إلـيك وما أنزل من قبلك، ويؤمنون بـالـمقـيـمين الصلاة، هم والـمؤتون الزكاة، كما قال جلّ ثناؤه:

{ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ }[التوبة: 61]. وأنكر قائلو هذه الـمقالة أن يكون الـمقـيـمين منصوبـاً علـى الـمدح وقالوا: إنـما تنصب العرب علـى الـمدح من نعت من ذكرته بعد تـمام خبره قالوا: وخبر الراسخين فـي العلـم قوله: {أُولَئِكَ سَنُؤْتِـيهِمْ أجْراً عَظِيـماً}. قال: فغير جائز نصب الـمقـيـمين علـى الـمدح وهو فـي وسط الكلام ولـما يتـمّ خبر الابتداء.

وقال آخرون: معنى ذلك: لكن الراسخون فـي العلـم منهم، ومن الـمقـيـمين الصلاة. وقالوا: موضع الـمقـيـمين خفض.

وقال آخرون: معناه: والـمؤمنون يؤمنون بـما أنزل إلـيك وإلـى الـمقـيـمين الصلاة.

وقال أبو جعفر: وهذا الوجه والذي قبله منكر عند العرب، ولا تكاد العرب تعطف لظاهر علـى مكنـّى فـي حال الـخفض وإن كان ذلك قد جاء فـي بعض أشعارها.

وأولـى الأقوال عندي بـالصواب، أن يكون الـمقـيـمين فـي موضع خفض نسقاً علـى «ما» التـي فـي قوله: {بِـمَا أُنْزِلَ إلَـيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} وأن يوجه معنى الـمقـيـمين الصلاة إلـى الـملائكة، فـيكون تأويـل الكلام: والـمؤمنون منهم يؤمنون بـما أنزل إلـيك يا مـحمد من الكتاب وبـما أنزل من قبلك من كتبـي وبـالـملائكة الذين يقـيـمون الصلاة ثم يرجع إلـى صفة الراسخين فـي العلـم فـيقول: لكن الراسخون فـي العلـم منهم، والـمؤمنون بـالكتب، والـمؤتون الزكاة، والـمؤمنون بـالله والـيوم الآخر. وإنـما اخترنا هذا علـى غيره، لأنه قد ذكر أن ذلك فـي قراءة أبـيّ بن كعب: «والـمقـيـمين»، وكذلك هو فـي مصحفه فـيـما ذكروا، فلو كان ذلك خطأ من الكاتب لكان الواجب أن يكون فـي كل الـمصاحف غير مصحفنا الذي كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ فـي كتابه بخلاف ما هو فـي مصحفنا. وفـي اتفـاق مصحفنا ومصحف أبـيّ فـي ذلك، ما يدلّ علـى أن الذي فـي مـصحفنا من ذلك صواب غير خطأ، مع أن ذلك لو كان خطأ من جهة الـخط، لـم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلـمون من علـموا ذلك من الـمسلـمين علـى وجه اللـحن، ولأصلـحوه بألسنتهم، ولقنوه للأمة تعلـيـماً علـى وجه الصواب. وفـي نقل الـمسلـمين جميعاً ذلك قراءة علـى ما هو به فـي الـخطّ مرسوماً أدلّ الدلـيـل علـى صحة ذلك وصوابه، وأن لا صنع فـي ذلك للكاتب.

وأما من وجه ذلك إلـى النصب علـى وجه الـمدح للراسخين فـي العلـم وإن كان ذلك قد يحتـمل علـى بعد من كلام العرب لـما قد ذكرنا قبل من العلة، وهو أن العرب لا تعدل عن إعراب الاسم الـمنعوت بنعت فـي نعته إلا بعد تـمام خبره، وكلام الله جلّ ثناؤه أفصح الكلام، فغير جائز توجيهه إلا إلـى الذي هو به من الفصاحة.

وأما توجيه من وجه ذلك إلـى العطف به علـى الهاء والـميـم فـي قوله: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِـي العِلْـمِ مِنْهُمْ} أو إلـى العطف به علـى الكاف من قوله: {بِـمَا أُنْزِلَ إلَـيْكَ} أو إلـى الكاف من قوله: {وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} فإنه أبعد من الفصاحة من نصبه علـى الـمدح لـما قد ذكرت قبل من قبح ردّ الظاهر علـى الـمكنـي فـي الـخفض.

وأما توجيه من وجه الـمقـيـمين إلـى الإقامة، فإنه دعوى لا برهان علـيها من دلالة ظاهر التنزيـل ولا خبر تثبت حجته، وغير جائز نقل ظاهر التنزيـل إلـى بـاطن بغير برهان.

وأما قوله: {وَالـمُؤْتُونَ الزَّكاةَ} فإنه معطوف به علـى قوله: {وَالـمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ} وهو من صفتهم. وتأويـله: والذين يعطون زكاة أموالهم من جعلها الله له وصرفها إلـيه {والُـمؤْمِنُونَ بـاللَّهِ وَالـيَوْمِ الآخِرِ} يعنـي: والـمصدّقون بوحدانـية الله وألوهيته، والبعث بعد الـمـمات، والثواب والعقاب {أولئك سَنُؤْتِـيهمْ أجْرا عَظِيـماً} يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم سنؤتـيهم، يقول: سنعطيهم أجراً عظيـماً، يعنـي: جزاء علـى ما كان منهم من طاعة الله، واتبـاع أمره، وثواباً عظيـماً، وذلك الـجنة.

إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيْمَٰنَ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا ۝١٦٣

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {إنَّا أوْحَيْنا إلَـيْكَ كمَا أوْحَيْنا إلـى نُوحٍ}: إنا أرسلنا إلـيك يا مـحمد بـالنبوّة كما أرسلنا إلـى نوح وإلـى سائر الأنبـياء الذين سميتهم لك من بعده والذين لـم أسمهم لك. كما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن منذر الثوريّ، عن الربـيع بن خيثـم فـي قوله: {إنَّا أوْحَيْنا إلَـيْكَ كمَا أوْحَيْنا إلـى نُوحٍ وَالنَّبِـيِّـينَ مِنْ بَعْدِه} قال: أوحى إلـيك كما أوحى إلـى جميع النبـيـين من قبله.

وذكر أن هذه الآية نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن بعض الـيهود لـما فضحهم الله بـالآيات التـي أنزلها علـى رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك من قوله:

{ يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }[النساء: 153] فتلا ذلك علـيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: ما أنزل الله علـى بشر من شيء بعد موسى. فأنزل الله هذه الآيات تكذيبـاً لهم، وأخبر نبـيه والـمؤمنـين به أنه قد أنزل علـيه بعد موسى وعلـى من سماهم فـي هذه الآية وعلـى آخرين لـم يسمهم. كما:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، وحدثنا ابن حـميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، قال: ثنـي سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: قال سُكَيْن وعديّ بن زيد: يا مـحمد ما نعلـم الله أنزل علـى بشر من شيء بعد موسى، فأنزل الله فـي ذلك من قولهما: {إنَّا أوْحَيْنا إلَـيْكَ كمَا أوْحَيْنا إلـى نُوحٍ وَالنَّبِـيِّـينَ مِنْ بَعْدِه}... إلـى آخر الآيات.

وقال آخرون: بل قالوا: لـما أنزل الله الآيات التـي قبل هذه فـي ذكرهم ما أنزل الله علـى بشر من شيء، ولا علـى موسى، ولا علـى عيسى، فأنزل الله جلّ ثناؤه:

{ وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ }[الأنعام: 91] ولا علـى موسى، ولا علـى عيسى. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو معشر، عن مـحمد بن كعب القُرَظيّ، قال: أنزل الله:

{ يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }[النساء: 153]... إلـى قوله: { وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً }[النساء: 156]، فلـما تلاها علـيهم يعنـي علـى الـيهود وأخبرهم بأعمالهم الـخبـيثة، جحدوا كلّ ما أنزل الله، وقالوا: ما أنزل الله علـى بشر من شيء، ولا علـى موسى، ولا علـى عيسى، وما أنزل الله علـى نبـيّ من شيء. قال: فحل حُبْوَته، وقال: ولا علـى أحد فأنزل الله جلّ ثناؤه: { وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ } [الأنعام: 91].

وأما قوله: {وآتَـيْنا دَاوُدَ زَبُوراً} فإن القراء اختلفت فـي قراءته، فقرأته عامة قرّاء أمصار الإسلام غير نفر من قرّاء الكوفة: {وآتَـيْنا دَاوُدَ زَبُوراً} بفتـح الزاي علـى التوحيد، بـمعنـي: وآتـينا داود الكتاب الـمسمى زبوراً. وقرأ ذلك بعض قرّاء الكوفـيـين: «وآتَـيْنا دَاوُدَ زُبُوراً» بضمّ الزاي جمع زُبُر، كأنهم وجهوا تأويـله: وآتـينا داود كتبـاً وصحفـاً مزبورة، من قولهم: زَبَرْت الكتاب أَزْبُرُه زَبْراً، وذَبَرْته أَذْبُرُه ذَبْراً: إذا كتبته.

قال أبو جعفر: وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب عندنا، قراءة من قرأ: {وآتَـيْنا دَاوُدَ زَبُوراً} بفتـح الزاي علـى أنه اسم الكتاب الذي أوتـيه داود، كما سمى الكتاب الذي أوتـيه موسى التوراة، والذي أوتـيه عيسى الإنـجيـل، والذي أوتـيه مـحمد الفرقان، لأن ذلك هو الاسم الـمعروف به ما أوتـي داود، وإنـما تقول العرب زَبور داود، وبذلك يعرف كتابه سائر الأمـم.

وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا ۝١٦٤

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: إنا أوحينا إلـيك، كما أوحينا إلـى نوح، وإلـى رسل قد قصصناهم علـيك، ورسل لـم نقصصهم علـيك. فلعل قائلاً أن يقول: فإذا كان ذلك معناه، فما بـال قوله: {وَرُسُلاً} منصوبـاً غير مخفوض؟ قـيـل: نصب ذلك إذا لـم تعد علـيه «إلـى» التـي خفضت الأسماء قبله، وكانت الأسماء قبلها وإن كانت مخفوضة، فإنها فـي معنى النصب، لأن معنى الكلام: إنا أرسلناك رسولاً كما أرسلنا نوحاً والنبـيـين من بعده، فعطفت الرسل علـى معنى الأسماء قبلها فـي الإعراب، لانقطاعها عنها دون ألفـاظها، إذ لـم يعد علـيها ما خفضها، كما قال الشَّاعر:

لَوْ جِئْتَ بـالـخُبْزِ لَهُ مُنَشَّرَاوالبَـيْضَ مَطْبُوخاً مَعاً والسُّكَّرَالـمْ يُرْضِهِ ذَلِكَ حتـى يَسْكَرَا

وقد يحتـمل أن يكون نصب الرسل، لتعلق الواو بـالفعل، بـمعنى: وقصصنا رسلاً علـيك من قبل، كما قال جلّ ثناؤه: { يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً }[الإنسان: 31]، وقد ذكر أن ذلك فـي قراءة أُبَـيّ: «وَرُسُلٌ قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَـيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلٌ لَـمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَـيْكَ» فرفع ذلك إذا قرىء كذلك بعائد الذكر فـي قوله: {قَصَصْناهُمْ عَلَـيْكَ}.

وأما قوله: وكَلَّـمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِـيـماً فإنه يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: وخاطب الله بكلامه موسى خطابـاً. وقد:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا نوح بن أبـي مريـم، وسئل: كيف كلَّـم الله موسى تكلـيـماً؟ فقال: مشافهة.

وقد حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن ابن مبـارك، عن معمر ويونس، عن الزهري، عن أبـي بكر بن عبد الرحمن بن الـحرث بن هشام، قال: أخبرنـي جزء بن جابر الـخثعمي، قال: سمعت كعبـاً يقول: إن الله جلّ ثناؤه لـمَّا كلـم موسى، كلـمه بـالألسنة كلها قبل كلامه يعنـي كلام موسى فجعل يقول: يا ربّ لا أفهم حتـى كلـمه بلسانه آخر الألسنة، فقال: يا ربّ هكذا كلامك؟ قال: لا، ولو سمعت كلامي أي علـى وجهه لـم تك شيئاً. قال ابن وكيع، قال أبو أسامة: وزادنـي أبو بكر الصغانـي فـي هذا الـحديث: أن موسى قال: يا ربّ هل فـي خـلقك شيء يشبه كلامك؟ قال: لا، وأقرب خـلقـي شبهاً بكلامي، أشدّ ما تسمع الناس من الصواعق.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر، قال: سمعت مـحمد بن كعب القُرَظيّ، يقول: سئل موسى: ما شبَّهتَ كلام ربك مـما خـلق؟ فقال موسى: الرعد الساكن.

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرنـي يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرنـي أبو بكر بن عبد الرحمن، أنه أخبره عن جزء بن جابر الـخثعمي، قال: لـما كلـم الله موسى بـالألسنة كلها قبل لسانه، فطفق يقول: والله يا ربّ ما أفقه هذا حتـى كلـمه بلسانه آخر الألسنة بـمثل صوته، فقال موسى: يا ربّ هذا كلامك؟ قال: لا، قال: هل فـي خـلقك شيء يشبه كلامك؟ قال: لا، وأقرب خـلقـي شبهاً بكلامي، أشدّ ما يسمع الناس من الصواعق.

حدثنـي أبو يونس الـمكيّ، قال: ثنا ابن أبـي أُوَيس، قال: أخبرنـي أخي، عن سلـيـمان، عن مـحمد بن أبـي عتـيق، عن ابن شهاب، عن أبـي بكر بن عبد الرحمن بن الـحرث بن هشام، أنه أخبره جَزْء بن جابر الـخثعمي، أنه سمع الأحبـار تقول: لـمَّا كلـم الله موسى بـالألسنة كلها قبل لسانه، فطفق موسى يقول: أي ربّ، والله ما أفقه هذا حتـى كلـمه آخر الألسنة بلسانه بـمثل صوته، فقال موسى: أي ربّ، أهكذا كلامك؟ فقال: لو كلـمتك بكلامي لـم تكن شيئاً. قال: أي ربّ هل فـي خـلقك شيء يشبه كلامك؟ فقال: لا، وأقرب خـلقـي شبهاً بكلامي، أشدّ ما يسمع من الصواعق.

حدثنا ابن عبد الرحيم، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا زهير، عن يحيى، عن الزهريّ، عن أبـي بكر بن عبد الرحمن بن الـحرث بن هشام، عن جزء بن جابر، أنه سمع كعبـاً يقول: لـما كلـم الله موسى بـالألسنة قبل لسانه، طفق موسى يقول: أي ربّ، إنـي لا أفقه هذا حتـى كلـمه الله آخر الألسنة بـمثل لسانه، فقال موسى: أي ربّ هذا كلامك؟ قال الله: لو كلـمتك بكلامي لـم تكن شيئاً. قال: يا ربّ، فهل من خـلقك شيء يشبه كلامك؟ قال: لا، وأقرب خَـلْقـي شبهاً بكلامي، أشدّ ما يسمع من الصواعق.

رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ۝١٦٥

يعنـي جلّ ثناؤه بذلك:

{ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ }[النساء: 163] ومن ذكر من الرسل {رُسُلاً} فنصب به الرسل علـى القطع من أسماء الأنبـياء الذين ذكر أسماءهم. {مُبَشِّرِينَ} يقول: أرسلتهم رسلاً إلـى خـلقـي وعبـادي مبشرين بثوابـي من أطاعنـي واتبع أمري وصدّق رسلـي، {وَمُنْذِرِينَ} عقابـي من عصانـي وخالف أمري وكذّب رسلـي. {لِئَلاَّ يَكُونَ للنَّاسِ علـى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} يقول: أرسلت رسلـي إلـى عبـادي مبشرين ومنذرين، لئلا يحتـجّ من كفر بـي وعبد الأنداد من دونـي، أو ضلّ عن سبـيـلـي بأن يقول إن أردت عقابه: { لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ }[طه: 134]، فقطع حجة كل مبطل ألـحد فـي توحيده وخالف أمره بجميع معانـي الـحجج القاطعة عذره، إعذاراً منه بذلك إلـيهم، لتكون لله الـحجة البـالغة علـيهم وعلـى جميع خـلقه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {لِئَلاَّ يَكُونَ للنَّاسِ علـى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} فـيقولوا: ما أرسلت إلـينا رسلاً.

{وكانَ اللَّهُ عَزِيراً حَكِيـماً} يقول: ولـم يزل الله ذا عزّة فـي انتقامه مـمن انتقم من خـلقه علـى كفره به ومعصيته إياه بعد تثبـيته حجته علـيه برسله وأدلته، حكيـماً فـي تدبـيره فـيهم ما دبره.

لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُۥ بِعِلْمِهِۦ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ۝١٦٦

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: إن يكفر بـالذي أوحينا إلـيك يا مـحمد الـيهود الذين سألوك أن تنزل علـيهم كتابـاً من السماء، وقالوا لك: ما أنزل الله علـى بشر من شيء فكذّبوك، فقد كذّبوا ما الأمر، كما قالوا: لكن الله يشهد بتنزيـله إلـيك ما أنزله من كتابه ووحيه، أنزل ذلك إلـيك بعلـم منه بأنك خيرته من خـلقه وصفـيه من عبـاده، ويشهد لك بذلك ملائكته، فلا يحزنك تكذيب من كذّبك، وخلاف من خالفك. {وكَفَـى بـاللَّهِ شَهِيداً} يقول: وحسبك بـالله شاهداً علـى صدقك دون ما سواه من خـلقه، فإنه إذا شهد لك بـالصدق ربك لـم يضرّك تكذيب من كذّبك. وقد قـيـل: إن هذه الآية نزلت فـي قوم من الـيهود دعاهم النبـيّ صلى الله عليه وسلم إلـى أتبـاعه، وأخبرهم أنهم يعلـمون حقـيقة نبوّته، فجحدوا نبوّته وأنكروا معرفته. ذكر الـخبر بذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، قال: ثنـي سعيد بن جبـير، أو عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: دخـل علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من يهود، فقال لهم:

إنّى والله أعْلَـمُ أنَّكُمْ لَتَعْلَـمُونَ أَنّى رَسُولُ الله فقالوا: ما نعلـم ذلك. فأنزل الله: لَكِنِ اللَّهِ يَشْهَدُ بِـمَا أَنْزَلَ إلَـيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْـمِهِ وَالـمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفَـى بـاللَّهِ شَهِيداً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي ابن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد، عن عكرمة وسعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: دخـلتْ علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم عصابة من الـيهود، ثم ذكر نـحوه.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {لَكِنِ اللَّهِ يَشْهَدُ بِـمَا أَنْزَلَ إلَـيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْـمِهِ وَالـمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفَـى بـاللَّهِ شَهِيداً} شهود والله غير متهمة.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّوا۟ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا ۝١٦٧

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: إن الذين جحدوا يا مـحمد نبوّتك بعد علـمهم بها من أهل الكتاب الذين اقتصصت علـيك قصتهم، وأنكروا أن يكون الله جلّ ثناؤه أوحى إلـيك كتابه، {وَصدُّوا عن سَبِـيـلِ الله} يعنـي عن الدين الذي بعثك الله به إلـى خـلقه وهو الإسلام. وكان صدّهم عنه: قـيـلهم للناس الذين يسألونهم عن مـحمد من أهل الشرك: ما نـجد صفة مـحمد فـي كتابنا، وادّعاءهم أنهم عهد إلـيهم أن النبوّة لا تكون إلا فـي ولد هارون ومن ذرية داود، وما أشبه ذلك من الأمور التـي كانوا يثبطون الناس بها عن اتبـاع رسول الله صلى الله عليه وسلم والتصديق به وبـما جاء به من عند الله. وقوله: {قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً} يعنـي: قد جاروا عن قصد الطريق جَوْراً شديداً، وزالوا عن الـمـحجة. وإنـما يعنـي جلّ ثناؤه بجورهم عن الـمـحجة، وضلالهم عنها: إخطاءهم دين الله الذي ارتضاه لعبـاده وابتعث به رسله، يقول: من جحد رسالة مـحمد صلى الله عليه وسلم وصدّ عما بعث به من الـملة من قبل منه، فقد ضلّ فذهب عن الدين الذي هو دين الله الذي ابتعث به أنبـياءه ضلالاً بعيداً.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَظَلَمُوا۟ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا ۝١٦٨ إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ۝١٦٩

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: إنّ الذين جحدوا رسالة مـحمد صلى الله عليه وسلم، وكفروا بـالله بجحود ذلك وظلـموا بـمقامهم علـى الكفر، علـى علـم منهم بظلـمهم عبـاد الله، وحسداً للعرب، وبغياً علـى رسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم، {لَـمْ يَكُنِ اللَّهُ لِـيَغْفِرَ لَهُمْ} يعنـي: لـم يكن الله لـيعفو عن ذنوبهم بتركه عقوبتهم علـيها، ولكنه يفضحهم بها بعقوبته إياهم علـيها. {وَلا لِـيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً} يقول: ولـم يكن الله تعالـى ذكره لـيهدى هؤلاء الذين كفروا وظلـموا، الذين وصفنا صفتهم، فـيوفقهم لطريق من الطرق التـي ينالون بها ثواب الله، ويصلون بلزومهم إياه إلـى الـجنة، ولكنه يخذلهم عن ذلك، حتـى يسلكوا طريق جهنـم. وإنـما كنـي بذكر الطريق عن الدين وإنـما معنى الكلام: لـم يكن الله لـيوفقهم للإسلام، ولكنه يخذلهم عنه إلـى طريق جهنـم، وهو الكفر، يعنـي: حتـى يكفروا بـالله ورسله، فـيدخـلوا جهنـم خالدين فـيها أبداً، يقول: مقـيـمين فـيها أبداً. {وكانَ ذَلِكَ علـى اللَّهِ يَسِيراً} يقول: وكان تـخـلـيد هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم فـي جهنـم علـى الله يسيراً، لأنه لا يقدر من أراد ذلك به علـى الامتناع منه، ولا له أحد يـمنعه منه، ولا يستصعب علـيه ما أراد فعله به، من ذلك، وكان ذلك علـى الله يسيرا، لأن الـخـلق خـلقه، والأمر أمره.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَـَٔامِنُوا۟ خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝١٧٠

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {يا أيُّها النَّاسُ} مشركي العرب، وسائر أصناف الكفر. {قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ} يعنى: مـحمداً صلى الله عليه وسلم، قد جاءكم {بـالـحَقّ مِنْ رَبِّكُمْ} يقول: بـالإسلام الذى ارتضاه الله لعبـاده ديناً، يقول: من ربكم: يعنـي من عند ربكم. {فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ} يقول: فصدقوه وصدقّوا بـما جاءكم به من عند ربكم من الدين، فإن الإيـمان بذلك خير لكم من الكفر به. {وَإنْ تَكْفُرُوا} يقول: وإن تـجحدوا رسالته، وتكذّبوا به وبـما جاءكم به من عند ربكم، فإن جحودكم ذلك وتكذيبكم به لن يضرّ غيركم، وإنـما مكروه ذلك عائد علـيكم دون الله الذي أمركم بـالذي بعث به إلـيكم رسوله مـحمداً صلى الله عليه وسلم، وذلك أن {لِلّهِ ما فِـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ} ملكاً وخـلقاً، لا ينقص كفركم بـما كفرتـم به من أمره، وعصيانكم إياه فـيـما عصيتـموه فـيه من ملكه وسلطانه شيئاً. {وكانَ اللَّهُ عَلِـيـماً حَكِيـماً} يقول: وكان الله علـيـماً بـما أنتـم صائرون إلـيه من طاعته فـيـما أمركم به وفـيـما نهاكم عنه ومعصيته فـى ذلك، وعلـى علـم منه بذلك منكم أمركم ونهاكم. {حَكِيـماً} يعنـي: حكيـماً فـى أمره إياكم بـما أمركم به وفـي نهيه إياكم عما نهاكم عنه، وفـي غير ذلك من تدبـيره فـيكم وفـي غيركم من خـلقه.

واختلف أهل العربـية فـي الـمعنى الذي من أجله نصب قوله: {خَيْراً لَكُمْ} فقال بعض نـحويـي الكوفة: نصب خيراً علـى الـخروج مـما قبله من الكلام، لأن ما قبله من الكلام قد تـم، وذلك قوله: {فَآمِنُوا}، وقال: قد سمعت العرب تفعل ذلك فـي كل خبر كان تامًّا ثم اتصل به كلام بعد تـمامه علـى نـحو اتصال «خير» بـما قبله، فتقول: لتقومنّ خيراً لك، ولو فعلت ذلك خيراً لك، واتق الله خيراً لك. قال: وأما إذا كان الكلام ناقصاً، فلا يكون إلا بـالرفع كقولك: إن تتق الله خير لك، و

{ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } [النساء: 25].

وقال آخر منهم: جاء النصب فـي «خير»، لأن أصل الكلام: فآمنوا هو خير لكم، فلـما سقط «هو» الذي هو مصدر اتصل الكلام بـما قبله، والذي قبله معرفة و«خير» نكرة، فـانتصب لاتصاله بـالـمعرفة، لأن الإضمار من الفعل: قم فـالقـيام خير لك، ولا تقم فترك القـيام خير لك فلـما سقط اتصل بـالأوّل. وقال: ألا ترى أنك ترى الكناية عن الأمر تصلـح قبل الـخبر، فتقول للرجل: اتق الله هو خير لك، أي الاتقاء خير لك. وقال: لـيس نصبه علـى إضمار «يكن»، لأن ذلك يأتـي بقـياس يبطل هذا، ألا ترى أنك تقول: اتق الله تكن مـحسناً، ولا يجوز أن تقول: اتق الله مـحسناً، وأنت تضمر «كان»، ولا يصلـح أن تقول: انصرنا أخانا، وأنت تريد: تكن أخانا. وزعم قائل هذا القول أنه لا يجيز ذلك إلا فـي «أَفْعَل» خاصة، فتقول: افعل هذا خيراً لك، ولا تفعل هذا خيراً لك وأفضلَ لك ولا تقول: صلاحاً لك. وزعم أنه إنـما قـيـل مع «أفعل»، لأن «أفعل» يدلّ علـى أن هذا أصلـح من ذلك. وقال بعض نـحويـي البصرة: نصب «خيراً» لأنه حين قال لهم: آمنوا، أمرهم بـما هو خير لهم، فكأنه قال: اعملوا خيراً لكم، وكذلك: انتهوا خيراً لكم، قال: وهذا إنـما يكون فـي الأمر والنهي خاصة، ولا يكون فـي الـخبر، لا تقول: أن أنتهي خيراً لـي، ولكن يرفع علـى كلامين لأن الأمر والنهي يضمر فـيهما، فكأنك أخرجته من شيء إلـى شيء، لأنك حين قلت له انْتَهِ، كأنك قلت له: أخرج من ذا، وادخـل فـي آخر واستشهد بقول الشاعر عمر بن أبـي ربـيعة:

فَوَاعِدِيهِ سَرْحَتـيْ مالِكٍأوِ الرُّبـا بَـيْنَهُما أسْهَلا

كما تقول: واعديه خيراً لك. قال: وقد سمعت نصب هذا فـي الـخبر، تقول العرب: آتـي البـيت خيراً لـي وأتركه خيراً لـي، وهو علـى ما فسرت لك فـي الأمر والنهي. وقال آخر منهم: نصب «خيراً» بفعل مضمر، واكتفـى من ذلك الـمضمر بقوله: لا تفعل هذا وافعل الـخير، وأجازه فـي غير «أفعل»، فقال: لا تفعل ذاك صلاحاً لك. وقال آخر منهم: نصب «خيراً» علـى ضمير جواب: يكن خيراً لكم، وقال: كذلك كل أمر ونهي.

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَٰثَةٌ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ سُبْحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ۝١٧١

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {يا أهْلَ الكِتابِ}: يا أهل الإنـجيـل من النصارى، {لا تَغْلُوا فِـي دِيِنِكُمْ} يقول: لا تـجاوزوا الـحقّ فـي دينكم فتفرِطوا فـيه، ولا تقولوا فـي عيسى غير الـحقّ، فإنّ قـيـلكم فـي عيسى إنه ابن الله قول منكم علـى الله غير الـحقّ، لأن الله لـم يتـخذ ولداً، فـيكون عيسى أو غيره من خـلقه له ابناً. {وَلا تَقُولُوا علـى اللَّهِ إلاَّ الـحَقَّ} وأصل الغلوّ فـي كلّ شيء: مـجاوزة حده الذي هو حده، يقال منه فـي الدين قد غلا فهو يغلو غُلُوًّا، وغلا بـالـجارية عظمُها ولـحمُها: إذا أسرعت الشبـاب، فجاوزت لذاتها، يغلو بها غُلُوًّا وغَلاءً ومن ذلك قول الـحارث بن خالد الـمخزومي:

خُمْصَانَةٌ قَلِقٌ مُوَشَّحُهارُؤْدُ الشَّبـابِ غلا بها عَظْمُ

وقد حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: صاروا فريقـين: فريق غَلَوا فـي الدين، فكان غلوّهم فـيه: الشكّ فـيه والرغبة عنه. وفريق منهم قصروا عنه ففسقوا عن أمر ربهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {إنَّـمَا الـمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَـمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِـمَتُهُ ألْقاها إلـى مَرْيَـمَ وَرُوحٌ مِنْهُ}.

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {إنَّـمَا الـمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَـمُ}: ما الـمسيح أيها الغالون فـي دينهم من أهل الكتاب بـابن الله كما تزعمون، ولكنه عيسى ابن مريـم دون غيرها من الـخـلق، لا نسب له غير ذلك. ثم نعته الله جلّ ثناؤه بنعته ووصفه بصفته، فقال: هو رسول الله، أرسله الله بـالـحق إلـى من أرسله إلـيه من خـلقه. وأصل الـمسيح: الـمـمسوح، صرف من مفعول إلـى فعيـل، وسماه الله بذلك لتطهيره إياه من الذنوب وقـيـل: مسح من الذنوب والأدناس التـي تكون فـي الآدميـين، كما يـمسح الشيء من الأذى الذي يكون فـيه فـيطهر منه، ولذلك قال مـجاهد ومن قال مثل قوله: الـمسيح: الصديق. وقد زعم بعض الناس أن أصل هذه الكلـمة عبرانـية أو سريانـية «مَشِيحَا» فعرّبت، فقـيـل الـمسيح، كما عرّب سائر أسماء الأنبـياء التـي فـي القرآن مثل إسماعيـل وإسحاق وموسى وعيسى.

قال أبو جعفر: ولـيس ما مثل به من ذلك للـمسيح بنظير وذلك أن إسماعيـل وإسحاق وما أشبه ذلك، أسماء لا صفـات، والـمسيح صفة، وغير جائز أن تـخاطب العرب وغيرها من أجناس الـخـلق فـي صفة شيء إلا بـمثل ما يفهم عمن خاطبها، ولو كان الـمسيح من غير كلام العرب ولـم تكن العرب تعقل معناه ما خوطبت به. وقد أتـينا من البـيان عن نظائر ذلك فـيـما مضى بـما فـيه الكفـاية عن إعادته. وأما الـمسيح الدجال، فإنه أيضاً بـمعنى الـمـمسوح العين، صرف من مفعول إلـى فعيـل، فمعنى الـمسيح فـي عيسى صلى الله عليه وسلم: الـمـمسوح البدن من الأدناس والآثام، ومعنى الـمسيح فـي الدجال: الـمـمسوح العين الـيـمنى أو الـيسرى كالذي رُوِيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي ذلك.

وأما قوله: {وكَلِـمَتُهُ ألْقاها إلـى مَرْيَـمَ} فإنه يعنـي بـالكلـمة: الرسالة التـي أمر الله ملائكته أن تأتـي مريـم بها، بشارة من الله لها التـي ذكر الله جلّ ثناؤه فـي قوله:

{ إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ }[آل عمران: 45] يعنـي: برسالة منه، وبشارة من عنده. وقد قال قتادة فـي ذلك، ما:

حدثنا به الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن قتادة: {وكَلِـمَتُهُ ألْقاها إلـى مَرْيَـمَ} قال: هو قوله: كن فكان.

وقد بـيَّنا اختلاف الـمختلفـين من أهل الإسلام فـي ذلك فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. وقوله: {ألْقاها إلـى مَرْيَـمَ} يعنـي: أعلـمها بها وأخبرها، كما يقال: ألقـيت إلـيك كلـمة حسنة، بـمعنى أخبرتك بها، وكلـمتك بها.

وأما قوله: {وَرُوحٌ مِنْه} فإن أهل العلـم اختلفوا فـي تأويـله، فقال بعضهم: معنى قوله: {وَرُوحٌ مِنْه}: ونفخة منه، لأنه حدّث عن نفخة جبريـل علـيه السلام فـي دِرْع مريـم بأمر الله إياه بذلك، فنسب إلـى أنه رُوح من الله، لأنه بأمره، كان، قال: وإنـما سمي النفخ رُوحاً لأنها ريح تـخرج من الروح، واستشهدوا علـى ذلك من قولهم بقول ذي الرمة فـي صفة نار نعتها:

فلـمَّا بَدَتْ كَفَّنْتُها وَهْيَ طِفْلَةٌبطَلْساءَ لَـم تَكْمُل ذِرَاعاً وَلا شِبْرَا وقُلْتُ لَهُ ارْفَعْها إلَـيْكَ وأحْيِهابُروحِكَ واقْتَتْهُ لهَا قِـيتَةً قَدْرَا وظاهِرْ لها مِن بـائسِ الشَّخْتِ واستعنعلَـيها الصَّبـا واجْعَلْ يدَيْكَ لها سِتْرا فَلَـمَّا جَرَتْ للْـجَزْلِ جَرْياً كأنَّهُسَنا البرْقِ أحدَثْنا لـخالقها شُكْرَا

وقالوا: يعنـي بقوله: أحيها بُروحك: أي أحْيها بنفخك.

وقال بعضهم: يعنـي بقوله: {وَرُوحٌ مِنْهُ}: أنه كان إنساناً بإحياء الله له بقوله: «كن»، قالوا: وإنـما معنى قوله: {وَرُوحٌ مِنْهُ}: وحياة منه، بـمعنى: إحياء الله إياه بتكوينه.

وقال بعضهم: معنى قوله: {وَرُوحٌ مِنْهُ} ورحمة منه كما قال جلّ ثناؤه فـي موضع آخر:

{ وأيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ }[المجادلة: 22]. قال: ومعناه فـي هذا الـموضع: ورحمة منه. قال: فجعل الله عيسى رحمة منه علـى من اتبعه وآمن به وصدّقه، لأنه هداهم إلـى سبـيـل الرشاد.

وقال آخرون: معنى ذلك: وروح من الله خـلقها فصوّرها، ثم أرسلها إلـى مريـم، فدخـلت فـي فـيها، فصيرها الله تعالـى روح عيسى علـيه السلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد، قال: أخبرنـي أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، عن أبـيّ بن كعب فـي قوله:

{ وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ }[الأعراف: 172] قال: أخذهم فجعلهم أرواحاً، ثم صوّرهم، ثم استنطقهم، فكان روح عيسى من تلك الأرواح التـي أخذ علـيها العهد والـميثاق، فأرسل ذلك الروح إلـى مريـم، فدخـل فـي فـيها فحملت والذي خاطبها، وهو روح عيسى علـيه السلام.

وقال آخرون: معنى الروح ههنا: جبريـل علـيه السلام. قالوا: ومعنى الكلام: وكلـمته ألقاها إلـى مريـم، وألقاها أيضاً إلـيها روح من الله، ثم من جبريـل علـيه السلام. ولكلّ هذه الأقوال وجه ومذهب غير بعيد من الصواب.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَآمِنُوا بـاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ}.

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {فَآمِنُوا بـاللَّهِ وَرُسُلِهِ} فصدّقوا يا أهل الكتاب بوحدانـية الله وربوبـيته، وأنه لا ولد له، وصدِّقوا رسله فـيـما جاءوكم به من عند الله، وفـيـما أخبرتكم به أن الله واحد لا شريك له، ولا صاحبة له، ولا ولد له. {وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ} يعنـي: ولا تقولوا الأربـاب ثلاثة. ورفعت الثلاثة بـمـحذوف دلّ علـيه الظاهر، وهو «هم». ومعنى الكلام: ولا تقولوا هم ثلاثة. وإنـما جاز ذلك لأن القول حكاية، والعرب تفعل ذلك فـي الـحكاية، ومنه قول الله:

{ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ }[الكهف: 22] وكذلك كلّ ما ورد من مرفوع بعد القول لا رافع معه، ففـيه إضمار اسم رافع لذلك الاسم. ثم قال لهم جلّ ثناؤه متوعداً لهم فـي قولهم العظيـم الذي قالوه فـي الله: انتهوا أيها القائلون الله ثالث ثلاثة عما تقولون من الزور والشك بـالله، فإن الانتهاء عن ذلك خير لكم من قِـيـله، لـما لكم عند الله من العقاب العاجل لكم علـى قِـيـلكم ذلك، إن أقمتـم علـيه ولـم تنـيبوا إلـى الـحقّ الذي أمرتكم بـالإنابة إلـيه والآجل فـي معادكم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {إنَّـمَا اللَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِـي السَّمَوَاتِ وَما فِـي الأرْضِ وكَفَـى بـالله وَكِيلاً}.

يعنـي بقوله: {إنَّـمَا اللَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ}: ما الله أيها القائلون: الله ثالث ثلاثة كما تقولون، لأن من كان له ولد فلـيس بإله، وكذلك من كان له صاحبة فغير جائز أن يكون إلهاً معبوداً، ولكن الله الذي له الألوهية والعبـادة، إله واحد معبود، لا ولد له، ولا والد، ولا صاحبة، ولا شريك. ثم نزّه جلّ ثناؤه نفسه وعظمها ورفعها عما قال فـيه أعداؤه الكفرة به، فقال: {سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} يقول: علا الله وجلّ وعزّ وتعظم وتنزّه عن أن يكون له ولد أو صاحبة. ثم أخبر جلّ ثناؤه عبـاده أن عيسى وأمه، ومن فـي السموات ومن فـي الأرض، عبـيده، وملكه، وخـلقه، وأنه رازقهم وخالقهم، وأنهم أهل حاجة وفـاقة إلـيه، احتـجاجاً منه بذلك علـى من ادّعى أن الـمسيح ابنه، وأنه لو كان ابنه كما قالوا لـم يكن ذا حاجة إلـيه، ولا كان له عبداً مـملوكاً، فقال: {لَهُ ما فِـي السَّمَوَاتِ وَما فِـي الأرْضِ} يعنـي: لله ما فـي السموات وما فـي الأرض من الأشياء كلها، ملكاً وخـلقاً، وهو يرزقهم ويقوتهم ويدبرهم، فكيف يكون الـمسيح ابناً لله وهو فـي الأرض أو فـي السموات غير خارج من أن يكون فـي بعض هذه الأماكن

وقوله: {وكَفَـى بـاللَّهِ وَكِيلاً} يقول: وحسب ما فـي السموات وما فـي الأرض بـالله قـيـماً ومدبراً ورازقاً، من الـحاجة معه إلـى غيره.

لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ۝١٧٢

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الـمَسِيحُ}: لن يأنف ولن يستكبر الـمسيح {أنْ يَكُونَ عَبْداً لله} يعنـي: من أن يكون عبداً لله. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الـمَسِيحُ أنْ يكُون عبداً لِلَّهِ وَلا الـمَلائِكَةُ الـمُقَّربُونَ}: لن يحتشم الـمسيح أن يكون عبداً لله ولا الـملائكة.

وأما قوله: {وَلا الـمَلائِكَةُ الـمُقَرَّبُونَ} فإنه يعنـي: ولن يستنكف أيضاً من الإقرار لله بـالعبودية، والإذعان له بذلك رُسُله الـمقرّبون الذين قرّبهم الله ورفع منازلهم علـى غيرهم من خـلقه.

ورُوي عن الضحاك أنه كان يقول فـي ذلك ما:

حدثنـي به جعفر بن مـحمد البزوري، قال: ثنا يعلـى بن عبـيد، عن الأجلـح، قال: قلت للضحاك: ما الـمقرّبون؟ قال: أقربهم إلـى السماء الثانـية.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمَنْ يَسْتَنْكفْ عَنْ عِبـادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إلَـيهِ جَمِيعاً}.

يعنـي جلّ ثناؤه بذلك: ومن يتعظم عن عبـادة ربه، ويأنف من التذلل والـخضوع له بـالطاعة من الـخـلق كلهم، ويستكبر عن ذلك، {فَسَيْحُشُرُهُمْ إلـيه جَمِيعاً} يقول: فسيبعثهم يوم القـيامة جميعاً، فـيجمعهم لـموعدهم عنده.

الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ