انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير الطبريالآيات 36–41

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النساء

الخلاصة من تفسير الطبري · 12 مقطعًا · 3:03:07

  1. 1 الآيات 36–57في هذه الصفحة 19:24

التفسير الصوتي لسورة النساء كاملًا (12 مقطعًا)

وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ۝٣٦

يعني بذلك جلّ ثناؤه: وذلّوا لله بالطاعة، واخضعوا له بها، وأفردوه بالربوبية، وأخلصوا له الخضوع والذلة، بالانتهاء إلى أمره، والانزجار عن نهيه، ولا تجعلوا له في الربوبية والعبادة شريكاً تعظمونه تعظيمكم إياه. {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } يقول: وأمركم بالوالدين إحساناً، يعني برًّا بهما؛ ولذلك نصب الإحسان، لأنه أمر منه جلّ ثناؤه بلزوم الإحسان إلى الوالين على وجه الإغراء. وقد قال بعضهم: معناه: واستوصوا بالوالدين إحساناَ، وهو قريب المعنى مما قلناه.

وأما قوله: {وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ } فإنه يعني: وأمر أيضاً بذي القربى، وهم ذوو قرابة أحدنا من قبل أبيه أو أمه ممن قربت منه قرابته برحمه من أحد الطرفين إحساناً بصلة رحمه.

وأما قوله: {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ } فإنهم جمع يتيم، وهو الطفل الذي قد مات والده وهلك. {وَٱلْمَسَـٰكِينُ } وهو جمع مسكين، وهو الذي قد ركبه ذلّ الفاقة والحاجة، فتمسكن لذلك. يقول تعالى ذكره: استوصوا بهؤلاء إحساناً إليهم، وتعطفوا عليهم، والزموا وصيتي في الإحسان إليهم.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ }.

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك والجار ذي القرابة والرحم منك. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ } يعني: الذي بينك وبينه قرابة.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ } يعني: ذا الرحم.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة وابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ } قال: جارك هو ذو قرابتك.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد في قوله: {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ } قالا: القرابة.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ } قال: جارك الذي بينك وبينه قرابة.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ } جارك ذو القرابة.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَٱلْجَارِ ذِى } إذا كان له جار له رحم، فله حقان اثنان: حقّ القرابة، وحقّ الجار.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ } قال: الجار ذو القربى: ذو قرابتك.

وقال آخرون: بل هو جار ذي قرابتك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عبد الرحمن، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن ميمون بن مهران، في قوله: {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ } قال: الرجل يتوسل إليك بجوار ذي قرابتك.

قال أبو جعفر: وهذا القول قول مخالف المعروف من كلام العرب، وذلك أن الموصوف بأنه ذو القرابة في قوله: {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ } الجار دون غيره، فجعله قائل هذه المقالة جار ذي القرابة، ولو كان معنى الكلام كما قال ميمون بن مهران لقيل: وجار ذي القربى، ولم يقل: والجار ذي القربي، فكان يكون حينئذً ـ إذا أضيف الجار إلى ذي القرابة الوصية ببرّ جار ذي القرابة دون الجار ذي القربي. وأما والجار بالألف واللام فغير جائز أن يكون «ذي القربى» إلا من صفة الجار. وإذا كان ذلك كذلك كانت الوصية من الله في قوله: {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ } ببرّ الجار ذي القربى دون جار ذي القرابة، وكان بيناً خطأ ما قال ميمون بن مهران في ذلك.

وقال آخرون: معنى ذلك: والجار ذي القربى منكم بالإسلام. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال؛ ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوف الشامي: {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ } المسلم.

وهذا أيضاً مما لا معنى له، وذلك أن تأويل كتاب الله تبارك وتعالى غير جائز صرفه إلا إلى الأغلب من كلام العرب، الذين نزل بلسانهم القرآن المعروف فيهم دون الأنكر الذي لا تتعارفه، إلا أن يقوم بخلاف ذلك حجة يجب التسليم لها. وإذا كان ذلك كذلك، وكان معلوماً أن المتعارف من كلام العرب إذا قيل فلان ذو قرابة، إنما يعني به: إنه قريب الرحم منه دون القرب بالدين، كان صرفه إلى القرابة بالرحم أوّلَى من صرفه إلى القرب بالدين.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ }.

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: والجار البعيد الذي لا قرابة بينك وبينه. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ } الذي ليس بينك وبينه قرابة.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ } يعني: الجار من قوم جنب.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ }: الذي ليس بينهما قرابة وهو جار، فله حقّ الجوار.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ } الجار الغريب يكون في القوم.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة وابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ } جارك من قوم آخرين.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ }: جارك لا قرابة بينك وبينه، البعيد في النسب وهو جار.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد، في قوله: {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ } قال: المجانب.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ }: الذي ليس بينك وبينه وجه ولا قرابة.

حدثني يحيـى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ } قال: من قوم آخرين.

وقال آخرون: هو الجار المشرك. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمارة الأسديّ، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوف الشامي {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ } قال: اليهودي والنصرانيّ.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى الجنب في هذا الموضع: الغريب البعيد، مسلماً كان أو مشركاً، يهودياً كان أو نصرانياً؛ لما بينا قبل أن الجار ذي القربى: هو الجار ذو القرابة والرحم، والواجب أن يكون الجار ذو الجنابة الجار البعيد، ليكون ذلك وصية بجميع أصناف الجيران، قريبهم وبعيدهم. وبعد فإن الجُنب في كلام العرب البعيد كما قال أعشى بني قيس:

أتَيْتُ حُرَيْثاً زَائِراً عَنْ جَنابَةٍفكانَ حُرَيْثٌ فِي عَطائيَ جامِدَا

يعني بقوله: «عن جنابة»: عن بعد وغربة، ومنه قيل: اجتنب فلان فلاناً: إذا بعد منه. وتجنبه غيره: إذا منعه إياه؛ ومنه قيل للجنب: جُنُب، لاعتزاله الصلاة حتى يغتسل. فمعنى ذلك: والجار المجانب للقرابة.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ }.

اختلف أهل التأويل في المعنيّ بذلك، فقال بعضهم: هو رفيق الرجل في سفره. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ }: الرفيق في السفر.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيـى وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفيان، عن أبي بكير، قال: سمعت سعيد ابن جبير، يقول: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ }: الرفيق في السفر.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة وابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ }: صاحبك في السفر.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ } وهو الرفيق في السفر.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ }: الرفيق في السفر، منزله منزلك، وطعامه طعامك، ومسيره مسيرك.

حدثنا سفيان، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ } قالا: الرفيق في السفر.

حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن جابر، عن عامر، عن عليّ وعبد الله، قالا: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ }: الرفيق الصالح.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني سليم، عن مجاهد، قال: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ }: رفيقك في السفر الذي يأتيك ويده مع يدك.

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك قراءة على ابن جريج، قال: أخبرنا سليم أنه سمع مجاهداً يقول: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ } فذكر مثله.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ }: الصاحب في السفر.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو دكين، قال: ثنا سفيان، عن أبي بكير، عن سعيد بن جبير: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ }: الرفيق الصالح.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبي بكير، عن سعيد بن جبير، مثله.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ } قال: الرفيق في السفر.

حدثني يحيـى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثله.

وقال آخرون: بل هو امرأة الرجل التي تكون معه إلى جنبه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر أو القاسم، عن عليّ وعبد الله: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ } قالا: هي المرأة.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن بعض أصحابه، عن جابر، عن عليّ وعبد الله، مثله.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ } يعني الذي معك في منزلك.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن هلال، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال في هذه الآية: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ } قال: هي المرأة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثناسفيان، عن أبي الهيثم، عن إبراهيم: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ } قال: المرأة.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: قال الثوري، قال أبو الهيثم، عن إبراهيم: هي المرأة.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن أبي الهيثم، عن إبراهيم، مثله.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو معاوية، عن محمد بن سوقة، عن أبي الهيثم، عن إبراهيم، مثله.

حدثني عمرو بن بيذق، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن محمد بن سوقة، عن أبي الهيثم، عن إبراهيم، مثله.

وقال آخرون: هو الذي يلزمك ويصحبك رجاء نفعك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ }: الملازم. وقال أيضاً: رفيقك الذي يرافقك.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ }: الذي يلصق بك وهو إلى جنبك، ويكون معك إلى جنبك رجاء خيرك ونفعك.

والصواب من القول في تأويل ذلك عندي: أن معنى: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ }: الصاحب إلى الجنب، كما يقال: فلان بجنب فلان وإلى جنبه، وهو من قولهم: جَنَب فلان فلاناً فهو يَجْنُبُهُ جَنْباً، إذا كان لجنبه، ومن ذلك: جَنَبَ الخَيْلَ، إذا قاد بعضها إلى جنب بعض. وقد يدخل في هذا الرفيق في السفر، والمرأة، والمنقطع إلى الرجل الذي يلازمه رجاء نفعه، لأن كلهم بجنب الذي هو معه وقريب منه، وقد أوصى الله تعال بجميعهم لوجوب حقّ الصاحب على المصحوب. وقد:

حدثنا سهل بن موسى الرازي، قال: ثنا ابن أبي فديك، عن فلان بن عبد الله، عن الثقة عنده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه رجل من أصحابه وهما على راحلتين، فدخل النبيّ صلى الله عليه وسلم وسلم في غيضة طرفاء، فقطع فصيلين أحدهما معوجّ والآخر معتدل، فخرج بهما فأعطى صاحبه المعتدل وأخذ لنفسه المعوجّ، فقال الرجل: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أنت أحقّ بالمعتدل منيٰ فقال:

كَلاَّ يا فُلانُ، إنَّ كُلَّ صَاحِبٍ يَصْحَبُ صَاحِبا مَسْئُولٌ عَنْ صَحَابَتِهِ وَلَوْ ساعَةً مِنْ نَهارٍ

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن حيوة، قال: ثني شرحبيل بن شريك، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:

إنَّ خَيْرَ الأصحَابِ عِنْدَ اللّهِ تَبارَكَ وَتَعالى خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِه، وَخَيْرُ الجِيرانَ عِنْدَ اللّه خَيْرُهُمْ لِجارِه

وإن كان الصاحب بالجنب معناه ما ذكرناه من أن يكون داخلاً فيه كل من جنب رجلاً يصحبه في سفر أو نكاح أو انقطاع إليه واتصال به، ولم يكن الله جلّ ثناؤه خصّ بعضهم مما احتمله ظاهر التنزيل؛ فالصواب أن يقال: جميعهم معنيون بذلك، وبكلهم قد أوصى الله بالإحسان إليه.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ }.

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: ابن السبيل: هو المسافر الذي يجتاز مارّاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة وابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } هو الذي يمرّ عليك وهو مسافر.

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وقتادة، مثله.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } قال: هو المارّ عليك وإن كان في الأصل غنيًّا.

وقال آخرون: هو الضيف. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } قال: الضيف له حقّ في السفر والحضر.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } وهو الضيف.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } قال: الضيف.

حدثنا يحيـى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثله.

والصواب من القول في ذلك: أن ابن السبيل: هو صاحب الطريق، والسبيل: هو الطريق، وابنه: صاحبه الضارب فيه، فله الحقّ على من مرّ به محتاجاً منقطعاً به إذا كان سفره في غير معصية الله أن يعينه إن احتاج إلى معونة، ويضيفه إن احتاج إلى ضيافة، وأن يحمله إن احتاج إلى حُمْلان.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ }.

يعني بذلك جلّ ثناؤه: والذين ملكتموهم من أرقائكم. فأضاف الملك إلى اليمين، كما يقال: تكلم فوك، ومشت رجلُك، وبطشت يدُك، بمعنى: تكلمتَ، ومشيتَ، وبطشتَ. غير أن ما وصفت به كل عضو من ذلك، فإنما أضيف إليه ما وصفت به، لأنه بذلك يكون في المتعارف في الناس دون سائر جوارح الجسد، فكان معلوماً بوصف ذلك العضو بما وُصف به من ذلك المعنى المراد من الكلام، فكذلك قوله: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } لأن مماليك أحدنا تحت يده، إنما يَطعم ما تناوله أيماننا ويكتسي ما تكسوه وتصرِّفه فيما أحبّ صرفه فيه بها. فأضيف ملكهم إلى الأيمان لذلك.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } مما خوّلك الله كل هذا أوصى الله به.

وإنما يعني مجاهد بقوله: «كل هذا أوصى الله به» الوالدين وذا القربى واليتامى والمساكين والجار ذا القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل، فأوصى ربنا جلّ جلاله بجميع هؤلاء عباده إحساناً إليهم، وأمر خلقه بالمحافظة على وصيته فيهم، فحقّ على عباده حفظ وصية الله فيهم ثم حفظ وصية رسوله صلى الله عليه وسلم.

القول في تأويل قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً }.

يعني بقوله جلّ ثناؤه: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً }: إن الله لا يحبّ من كان ذا خيلاء، والمختال المفتعل من قولك: خال الرجل فهو يَخُول خَوْلاً وخَالاً، ومنه قول الشاعر:

فإنْ كُنْتَ سَيَّدَنا سُدْتَنا وإن كُنْتَ للخالِ فاذْهبْ فَخَلْ

ومنه قول العجاج:

والخالِ ثَوْبٌ مِنْ ثِيابِ الجُهَّالْ

وأما الفخور: فهو المفتخر على عباد الله بما أنعم الله عليه من آلائه، وبسط له من فضله، ولا يحد على ما أتاه من طوله، ولكنه به مختال مستكبر، وعلى غيره به مستطيل مفتخر. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً } قال: متكبراً فخوراً، قال: يعدّ ما أُعطي، وهو لا يشكر الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد أبي رجاء الهروي، قال: لا تجد سيـيء الملكة إلا وجدته مختالاً فخوراً، وتلا: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً }. ولا عاقًّا إلا وجدته جباراً شقياً، وتلا:

{ وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً }[مريم: 32].

ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ۝٣٧

يعني بذلك جلّ ثناؤه: إن الله لا يحبّ المختال الفخور، الذي يبخل ويأمر الناس بالبخل. فـ «الذين» يحتمل أن يكون في موضع رفع ردّاً على ما في قوله {فَخُوراً } من ذمّ، ويحتمل أن يكون نصباً على النعت لـ «مَنْ». والبخل في كلام العرب منع الرجل سائله ما لديه وعنده من فضل عنه. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن ابن طاوس عن أبيه في قوله: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ } قال: البخل: أن يبخل الإنسان بما في يديه، والشحّ: أن يشحّ على ما في أيدي الناس. قال: يحبّ أن يكون له ما في أيدي الناس بالحلّ والحرام لا يقنع.

واختلف القراء في قراءة قوله: {وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ } فقرأته عامة قراء أهل الكوفة: «بالبَخَل» بفتح الباء والخاء. وقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض البصريين بضم الباء: {بِٱلْبُخْلِ }. وهما لغتان فصيحتان بمعنى واحد، وقراءتان معروفتان غير مختلفتي المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فهو مصيب في قراءته. وقد قيل: إن الله جلّ ثناؤه عنى بقوله: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ }: الذين كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم وصفته من اليهود، ولم يبينوه للناس، وهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحضرميّ: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } قال: هم اليهود بخلوا بما عندهم من العلم وكتموا ذلك.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ }... إلى قوله:

{ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِم عَلِيماً }[النساء: 39] ما بين ذلك في يهود.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ } وهم أعداء الله أهل الكتاب، بخلوا بحقّ الله عليهم، وكتموا الإسلام ومحمداً صلى الله عليه وسلم، وهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، أما: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ } فهم اليهود، {وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } اسم محمد صلى الله عليه وسلم. أو {يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ }: يبخلون باسم محمد صلى الله عليه وسلم، ويأمر بعضهم بعضاً بكتمانه.

حدثنا محمد بن مسلم الرازي، قال: ثني أبو جعفر الرازي، قال: ثنا يحيـى، عن عارم، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، في قوله: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ } قال: هذا للعلم، ليس للدنيا منه شيء.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ } قال: هؤلاء يهود، وقرأ: {وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } قال: يبخلون بما آتاهم الله من الرزق، ويكتمون ما آتاهم الله من الكتب، إذا سئلوا عن الشيء وما أنزل الله كتموه. وقرأ:

{ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً }[النساء: 53] من بخلهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان كردم بن زيد حليف كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري بن عمرو، وحيّ بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت، يأتون رجالاً من الأنصار، وكانوا يخالطونهم، يتنصحون لهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون! فأنزل الله فيهم: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ }: أي من النبوّة التي فيها تصديق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً }... إلى قوله:

{ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِم عَلِيماً } [النساء: 39].

فتأويل الآية على التأويل الأوّل: والله لا يحبّ ذوي الخيلاء والفخر الذين يبخلون بتبيين ما أمرهم الله بتبيينه للناس من اسم محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وصفته التي أنزلها في كتبه على أنبيائه، وهم به عالمون، ويأمرون الناس الذين يعلمون ذلك، مثل علمهم بكتمان ما أمرهم الله بتبيينه له، ويكتمون ما آتاهم الله من علم ذلك ومعرفته من حرم الله عليه كتمانه إياه.

وأما على تأويل ابن عباس وابن زيد: إن الله لا يحبّ من كان مختالاً فخوراً، الذين يبخلون على الناس بفضل ما رزقهم الله من أموالهم. ثم سائر تأويلهما وتأويل غيرهما سواء.

وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما قاله الذين قالوا: إن الله وصف هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في هذه الآية بالبخل، بتعريف من جهل أمر محمد صلى الله عليه وسلم أنه حقّ، وأن محمداً لله نبيّ مبعوث، وغير ذلك من الحقّ الذي كان الله تعالى ذكره قد بينه فيما أوحى إلى أنبيائه من كتبه، فبخل بتبيينه للناس هؤلاء، وأمروا من كانت حاله حالهم في معرفتهم به أن يكتموه من جهل ذلك، ولا يبينوه للناس.

وإنما قلنا: هذا القول أولى بتأويل الآية؛ لأن الله جلّ ثناؤه وصفهم بأنهم يأمرون الناس بالبخل، ولم يبلغنا عن أمة من الأمم أنها كانت تأمر الناس بالبخل ديانة ولا تخلقاً، بل ترى ذلك قبيحاً، ويُذمّ فاعله، ولا يمتدح؛ وإن هي تخلقت بالبخل واستعملته في أنفسها، فالسخاء والجود تعدّه من مكارم الأفعال، وتحثّ عليه؛ ولذلك قلنا: إن بخلهم الذي وصفهم الله به إنما كان بخلاً بالعلم الذي كان الله آتاهموه، فبخلوا بتبيينه للناس، وكتموه دون البخل بالأموال. إلا أن يكون معنى ذلك الذين يبخلون بأموالهم التي ينفقونها في حقوق الله وسبله، ويأمرون الناس من أهل الإسلام بترك النفقة في ذلك، فيكون بخلهم بأموالهم وأمرهم الناس بالبخل. فهذا المعنى على ما ذكرنا من الرواية عن ابن عباس، فيكون لذلك وجه مفهوم في وصفهم بالبخل وأمرهم به.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً }.

يعني بذلك جلّ ثناؤه {وَأَعْتَدْنَا }: وجعلنا للجاحدين نعمة الله التي أنعم بها عليهم من المعرفة بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، المكذّبين به بعد علمهم به، الكاتمين نعته وصفته مَنْ أَمَرَهم الله ببيانه له من الناس، {عَذَاباً مُّهِيناً } يعني: العقاب المذلّ من عذّب بخلوده فيه عتاداً له في آخرته، إذا قدم على ربه وجده بما سلف منه من جحوده فَرْضَ الله الذي فرض عليه.

وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَٰنُ لَهُۥ قَرِينًا فَسَآءَ قَرِينًا ۝٣٨

يعني بذلك جلّ ثناؤه: وأعتدنا للكافرين بالله من اليهود الذين وصف الله صفتهم عذاباً مهيناً. {وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ رِئَـاء ٱلنَّاسِ } «والذين» في موضع خفض عطفاً على «الكافرين». وقوله: {رِئَاء ٱلنَّاسِ } يعني: ينفقه مراءاة الناس في غير طاعة الله أو غير سبيله، ولكن في سبيل الشيطان. {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } يقول: ولا يصدّقون بواحدنية الله ولا بالميعاد إليه يوم القيامة، الذي فيه جزاء الأعمال أنه كائن. وقد قال مجاهد: إن هذا من صفة اليهود، وهو صفة أهل النفاق الذين كانوا أهل شرك فأظهروا الإسلام تقية من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به، وهم على كفرهم مقيمون أشبه منهم بصفة اليهود؛ لأن اليهود كانت توحد الله وتصدّق بالبعث والمعاد، وإنما كان كفرها تكذيبها بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم. وبعد ففي فصل الله بين صفة الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وصفة الفريق الآخر الذين وصفهم في الآية قبلها، وأخبر أن لهم عذاباً مهيناً، بالواو الفاصلة بينهم ما ينبىء عن أنهما صفتان من نوعين من الناس مختلفي المعاني، وإن كان جميعهم أهل كفر بالله. ولو كانت الصفتان كلتاهما صفة نوع من الناس لقيل إن شاء الله: وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً، الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس. ولكن فصل بينهم بالواو لما وصفنا.

فإن ظنّ ظانّ أن دخول الواو غير مستنكر في عطف صفة على صفة لموصوف واحد في كلام العرب؟ قيل: ذلك وإن كان كذلك، فإن الأفصح في كلام العرب إذا أريد ذلك ترك إدخال الواو، وإذا أريد بالثاني وصف آخر غير الأوّل أدخل الواو. وتوجيه كلام الله إلى الأفصح الأشهر من كلام من نزل بلسانه كتابه أولى بنا من توجيهه إلى الأنكر من كلامهم.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً }.

يعني بذلك جلّ ثناؤه: ومن يكن الشيطان له خليلاً وصاحباً يعمل بطاعته ويتبع أمره ويترك أمر الله في إنفاقه ماله رئاء الناس في غير طاعته، وجحوده وحدانية الله والبعث بعد الممات؛ {فَسَاء قِرِيناً } يقول: فساء الشيطان قريناً. وإنما نصب القرين، لأن في «ساء» ذكراً من الشيطان، كما قال جلّ ثناؤه: {بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلاً }، وكذلك تفعل العرب في ساء ونظائرها، ومنه قول عديّ بن زيد:

عَنِ المَرْءِ لا تَسألْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ فَكُلُّ قَرِينٍ بالمُقارِنِ يَقْتَدِي

يريد بالقرين: الصاحب والصديق.

وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ۝٣٩

يعني بذلك جلّ ثناؤه: أيّ شيء على هؤلاء الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، لو آمنوا بالله واليوم الآخر، لو صدّقوا بأن الله واحد لا شريك له، وأخلصوا له التوحيد، وأيقنوا بالبعث بعد الممات، وصدّقوا بأن الله مجازيهم بأعمالهم يوم القيامة {وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ } يقول وأدّوا زكاة أموالهم التي رزقهم الله، وأعطاهموها طيبة بها أنفسهم، ولم ينفقوها رئاء الناس التماس الذكر والفخر عند أهل الكفر بالله، والمحمدة بالباطل عند الناس، وكان الله بهؤلاء الذين وصف صفتهم أنهم ينفقون أموالهم رئاء الناس نفاقاً، وهم بالله واليوم الآخر مكذّبون، عليماً، يقول: ذا علم بهم وبأعمالهم وما يقصدون ويريدون بانفاقهم، وما ينفقون من أموالهم، وأنهم يريدون بذلك الرياء والسمعة والمحمدة في الناس، وهو حافظ عليهم أعمالهم، لا يخفى عليه شيء منها حتى يجازيهم بها جزاءهم عند معادهم إليه.

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ۝٤٠

يعني بذلك جلّ ثناؤه: وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر، وأنفقوا مما رزقهم الله، فإن الله لا يبخس أحداً من خلقه أنفق في سبيله مما رزقه من ثواب نفقته في الدنيا ولا من أجرها يوم القيامة {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } أي ما يزنها ويكون على قدر ثقلها في الوزن، ولكنه يجازيه به، ويثيبه عليه. كما:

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة أنه تلا: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا } قال: لأن تفضل حسناتي ما يزن ذرّة أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان بعض أهل العلم يقول: لأن تفضل حسناتي على سيئاتي ما يزن ذرّة أحبّ إليّ من أن تكون لي الدنيا جميعاً.

وأما الذرّة، فإنه ذكر عن ابن عباس أنه قال فيها، كما:

حدثني إسحاق بن وهب الواسطي، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } قال: رأس نملة حمراء.

قال لي إسحاق بن وهب: قال يزيد بن هارون: زعموا أن هذه الدودة الحمراء ليس لها وزن. وبنحو الذي قلنا في ذلك صحت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار، قالا: ثنا أبو داود، قال: ثنا عمران، عن قتادة، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً، يُثابُ عَلَيْها الرّزْقَ فِي الدُّنْيا وُيجْزَى بها فِي الآخِرَةِ؛ وأمَّا الكافِرُ فَيُطْعَمُ بها فِي الدُّنْيا، فإذَا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ لَمْ تَكُنْ لَه حَسَنَةً.

حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: ثنا هشام بن سعد، قال: أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار:

وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ ما أحَدُكُمْ بِأشَدَّ مُناشَدَةً فِي الحَقّ يَرَاه مُصيباً لَه، مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي إخْوَانِهِمْ إذَا رأوْا أنْ قَدْ خَلَصُوا مِنَ النَّار يَقُولُونَ: أيْ رَبَّنا إخْوَانُنا كانُوا يُصَلُّونَ مَعَنا وَيَصُومُونَ مَعَنا وَيحُجُّونَ مَعَنا ويُجاهِدُونَ مَعَنا، قَدْ أخَذَتْهُمُ النَّار! فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ: اذْهَبُوا فَمَنْ عَرَفْتُمْ صورَتَه فأخْرِجُوه! ويحَرِّمُ صورَتهُمْ على النَّارِ، فَيَجِدونَ الرَّجُلَ قَدْ أخَذَتْه النَّارُ إلى أنْصَاف ساقَيْهِ وإلى رُكْبَتَيْهِ وإلى حَقْوَيْهِ، فَيُخْرِجُونَ مِنْها بَشَراً كَثِيراً، ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَتَكَلَّمُونَ، فَيَقُولُ: اذْهَبُوا لِمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقالَ قِيرَاطِ خَيْرٍ فأخْرِجُوه! فَيُخْرِجُونَ مِنْها بَشَراً كَثِيراً، ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَتَكَلَّمُونَ، فَلا يَزَالُ يَقولُ لَهُمْ ذَلِكَ حتى يَقُولَ: اذْهَبُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقالَ ذَرّةٍ فأخْرِجُوه! ـ فكان أبو سعيد إذا حدّث بهذا الحديث، قال: إن لم تصدّقوا فاقرءوا: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } فيقولون: «رَبَّنا لم نَذَرْ فيها خَيْراً».

وحدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثني أبي وشعيب بن الليث، عن الليث عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه.

وقال آخرون في ذلك. بما:

حدثني به المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا صدقة بن أبي سهل، قال: ثنا أبو عمرو، عن زاذان، قال: أتيت ابن مسعود، فقال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأوّلين والآخرين، ثم نادى مناد من عند الله: «ألا من كان يطلب مظلمة، فليجىءْ إلى حقه فليأخذه!» قال: فيفرح والله الصبيّ أن يذوب له الحقّ على والده أو ولده أو زوجته، فيأخذه منه وإن كان صغيراً. ومصداق ذلك في كتاب الله تبارك وتعالى:

{ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ }[المؤمنون: 101] فيقال له: «آت هؤلاء حقوقهم» أي أعطهم حقوقهم. فيقول: أي ربّ من أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله لملائكته: أي ملائكتي انظروا في أعماله الصالحة، وأعطوهم منها! فإن بقي مثقال ذرة من حسنة، قالت الملائكة وهو أعلم بذلك منها: يا ربنا أعطيْنا كلّ ذي حقّ حقه، وبقي له مثقال ذرّة من حسنة. فيقول للملائكة: ضعِّفوها لعبدي، وأدخلوه بفضل رحمتى الجنة! ومصداق ذلك في كتاب الله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً }: أي الجنة يعطيها. وإن فنيت حسناته وبقيت سيئاته، قالت الملائكة وهو أعلم بذلك: إلهنا فنيت حسناته وبقي سيئاته، وبقي طالبون كثير! فيقول الله: ضعوا عليها من أوزارهم واكتبوا له كتاباً إلى النار! قال صدقة: «أو صكًّا إلى جهنم»، شكّ صدقة أيتهما قال.

وحُدثت عن محمد بن عبيد، عن هارون بن عنترة، عن عبد الله بن السائب، قال: سمعت زاذان يقول: قال عبد الله بن مسعود: يأخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة، فينادي منادٍ على رؤوس الأوّلين والآخرين: هذا فلان ابن فلان، من كان له حقّ فليأت إلى حقه! فتفرح المرأة أن يذوب لها الحقّ على أبيها، أو على ابنها، أو على أخيها، أو على زوجها، ثم قرأ ابن مسعود:

{ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ } [المؤمنون: 101] فيغفر الله تبارك وتعالى من حقه ما شاء، ولا يغفر من حقوق الناس شيئاً، فينصب للناس فيقول: آتوا إلى الناس حقوقهم! فيقول: ربّ فنيت الدنيا من أين أوتيهم حقوقهم؟ فيقول: خذوا من أعماله الصالحة، فأعطوا كل ذي حقّ حقه بقدر مظلمته، فإن كان ولياً لله، ففضل له مثقال ذرّة ضاعفها له حتى يدخله بها الجنة! ـ ثم قرأ علينا: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } وإن كان عبداً شقياً قال الملك: ربّ فنيت حسناته، وبقي طالبون كثير. فيقول: خذوا من سيئاتهم، فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صُكُّوا له صَكًّا إلى النار.

قال أبو جعفر: فتأويل الآية على تأويل عبد الله هذا: إن الله لا يظلم عبداً وجب له مثقال ذرّة قِبَل عبد له آخر في معاده ويوم لقائه فما فوقه فيتركه عليه فلا يأخذه للمظلوم من ظالمه، ولكنه يأخذه منه له، ويأخذ من كل ظالم لكل مظلوم تَبِعَتَهُ قِبَلَهُ. {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا } يقول: وإن توجد له حسنة يضاعفها، بمعنى: يضاعف له ثوابها وأجرها. {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } يقول: ويعطه من عنده أجراً عظيماً. والأجر العظيم: الجنة على ما قاله عبد الله.

ولكلا التأويلين وجه مفهوم، أعنى التأويل الذي قاله ابن مسعود والذي قاله قتادة. وإنما اخترنا التأويل الأوّل لموافقته الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع دلالة ظاهر التنزيل على صحته، إذ كان في سياق الآية التي قبلها، التي حثّ الله فيها على النفقة في طاعته، وذمّ النفقة في طاعة الشيطان، ثم وصل ذلك بما وعد المنافقين في طاعته بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً }.

واختلفت القراء في قراءة قوله: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً }. فقرأت ذلك عامة قرّاء العراق: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً } بنصب الحسنة، بمعنى: وإن تك زنة الذرّة حسنة يضاعفها. وقرأ ذلك عامة قراء المدينة: «وَإنْ تَكُ حَسَنَةٌ» برفع الحسنة، بمعنى: وإن توجد حسنة على ما ذكرت عن عبد الله بن مسعود من تأويل ذلك. وأما قوله: {يُضَـٰعِفْهَا } فإنه جاء بالألف، ولم يقل: «يضعفها»، لأنه أريد به في قول بعض أهل العربية: يضاعفها أضعافاً كثيرة؛ ولو أريد به في قوله يضعف ذلك ضعفين لقيل: «يضعِّفها» بالتشديد.

ثم اختلف أهل التأويل في الذين وعدهم الله بهذه الآية ما وعدهم فيها، فقال بعضهم: هم جميع أهل الإيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم. واعتلوا في ذلك بما:

حدثنا الفضل بن الصباح، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن مبارك بن فضالة، عن عليّ بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، قال: لقيت أبا هريرة فقلت له: إنه بلغني أنك تقول: إن الحسنة لتضاعف ألف ألف حسنة! قال: وما أعجبك من ذلك؟ فوالله لقد سمعته ـ يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:

إنَّ اللَّهَ لَيُضَاعِفُ الحَسَنَةَ ألْفَيْ ألْفِ حَسَنَةَ.

وقال آخرون: بل ذلك المهاجرون خاصة دون أهل البوادي والأعراب. واعتلوا في ذلك بما:

حدثني محمد بن هارون أبو نشيط، قال: ثنا يحيـى بن أبي بكير، قال: ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن عبد الله بن عمر، قال: نزلت هذه الآية في الأعراب:

{ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا }[الأنعام: 160] قال: فقال رجل: فما للمهاجرين؟ قال: «ما هُوَ أعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } وإذَا قال الله لشيءٍ عَظِيمٌ فهَوُ عَظِيم».

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: عنى بهذه الآية المهاجرين دون الأعراب. وذلك أنه غير جائز أن يكون في أخبار الله أو أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء يدفع بعضه بعضاً، فإذا كان صحيحاً وعد الله من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة من الجزاء عشر أمثالها، ومن جاء بالحسنة منهم أن يضاعفها له، وكان الخبران اللذان ذكرناهما عنه صلى الله عليه وسلم صحيحين، كان غير جائز إلا أن يكون أحدهما مجملاً والآخر مفسراً، إذ كانت أخباره صلى الله عليه وسلم يصدِّق بعضها بعضاً. وإذا كان ذلك كذلك صحّ أن خبر أبي هريرة معناه: إن الحسنة لتضاعف للمهاجرين من أهل الإيمان ألفي ألف حسنة، وللأعراب منهم عشر أمثالها، على ما رَوَى ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وأن قوله:

{ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا }[الأنعام: 160] يعني: من جاء بالحسنة من أعراب المؤمنين فله عشر أمثالها، ومن جاء بالحسنة من مهاجريهم يضاعف له، ويؤته الله من لدنه أجراً، يعني: يعطه من عنده أجراً عظيماً، يعني: عوضاً من حسنته عظيماً. وذلك العوض العظيم: الجنة؛ كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا صدقة بن أبي سهل، قال: ثنا أبو عمرو، عن زاذان، عن ابن مسعود: {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً }: أي الجنة يعطها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عباد بن أبي صالح، عن سعيد بن جبير، قوله: {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } قال: الأجر العظيم: الجنة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } قال: أجراً عظيماً: الجنة.

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًا ۝٤١

يعني بذلك جلّ ثناؤه: إن الله لا يظلم عباده مثقال ذرّة، فكيف بهم {إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ } يعني: بمن يشهد عليها بأعمالها، وتصديقها رسلها، أو تكذيبها، {وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً } يقول: وَجِئْنَا بك يا محمد على هؤلاء: أي على أمتك شهيداً، يقول: شاهداً. كما:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدّي: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً } قال: إن النبيين يأتون يوم القيامة، منهم من أسلم معه من قومه الواحد والاثنان والعشرة وأقلّ وأكثر من ذلك، حتى يؤتى بقوم لوط صلى الله عليه وسلم لم يؤمن معه إلا ابنتاه، فيقال لهم: هل بلغتم ما أرسلتم به؟ فيقولون: نعم، فيقال: من يشهد؟ فيقولون: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فيقال لهم: أتشهدون أن الرسل أوْدَعوا عندكم شهادة، فبم تشهدون؟ فيقولون: ربنا نشهد أنهم قد بلغوا كما شهدوا في الدنيا بالتبليغ! فيقال: من يشهد على ذلك؟ فيقولون: محمد صلى الله عليه وسلم. فيدعى محمد عليه الصلاة والسلام، فيشهد أن أمته قد صدقوا، وأن الرسل قد بلَّغوا. فذلك قوله:

{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً }[البقرة: 143].

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: قوله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ } قال: رسولها، فيشهد عليها أن قد أبلغهم ما أرسله الله به إليهم؛ {وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً } قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أتى عليها فاضت عيناه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيـى بن واضح، قال: ثنا الحسن، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، في قوله:

{ وَشَـٰهِدٍ وَمَشْهُودٍ }[البروج: 3] قال: الشاهد محمد، والمشهود: يوم الجمعة. فذلك قوله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً }.

حدثني عبد الله بن محمد الزهري، قال: ثنا سفيان، عن المسعودي، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه، عن عبد الله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً } قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

شَهِيداً عَلَيْهِمْ ما دُمْتُ فِيهِمْ، فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ على كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا إبراهيم بن أبي الوزير، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن المسعودي، عن القاسم: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود:

«اقْرأْ عَلي!» قال: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «أنّي أُحِبُّ أنْ أسَمعه مِنْ غيرِي». قال: فقرأ ابن مسعود النساء، حتى بلغ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً } قال: قال استعبر النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكفّ ابن مسعود. قال المسعودي: فحدثني جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: شَهِيداً عَلَيْهِمْ ما دُمْتُ فِيهِمْ، فإذَا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ على كُلْ شَيْءٍ شَهِيدٌ».
الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ