انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة التوبة

تفسير البغويالآيات 41–74

تفسير سورة التوبة آية آية، من تفسير البغوي.

ٱنفِرُوا۟ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝٤١

قوله تعالى: {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً}، قال الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة وعِكرمة: شُبّاناً وشُيوخاً. وعن ابن عباس: نشاطاً وغير نشاط. وقال عطية العوفي: ركباناً ومشاةً. وقال أبو صالح: خفافاً من المال، أي: فقراء، وثقالاً أي: أغنياء. وقال ابن زيد: الثقيل الذي له الضيعة، فهو ثقيل يكره أن يدع ضيعته، والخفيف الذي لا ضيعة له. ويروى عن ابن عباس قال: خفافاً أهل الميسرة من المال، وثقالاً أهل العسرة. وقيل: خفافاً من السلاح، أي: مقلّين منه، وثقالاً أي: مستكثرين منه. وقال الحكم بن عتيبة: مشاغيل وغير مشاغيل. وقال مرّة الهمذاني. أصحاء ومرضى. وقال يمان بن رباب: عزاباً ومتأهلين. وقيل: خفافاً من حاشيتكم وأتباعكم، وثقالاً مستكثرين بهم. وقيل: خفافاً مسرعين خارجين ساعة سماع النفير، وثقالاً بعد التروي فيه والاستعداد له.

{وَجَـٰهِدُواْ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ذََٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}، قال الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنك عليل صاحب ضرر، فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكني الحرب كثَّرت السواد وحفظت المتاع.

وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس: نُسخت هذه الآية بقوله: (وما كان المؤمنون لنيفروا كافة).

وقال السدي: لما نزلت هذه الآية اشتد شأنها على الناس فنسخها الله تعالى وأنزل: (ليسَ على الضعفاء ولا على المرضَى) الآية.

ثم نزل في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك:

لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ ۝٤٢

{لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً} واسم كان مضمر، أي: لو كان ما تدعوهم إليه عرضاً قريباً، أي: غنيمة قريبة المتناول، {وَسَفَرًا قَاصِدًا}، أي قريباً هيناً، {لاَّتَّبَعُوكَ}، لخرجوا معك، {وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ}، أي: المسافة، والشقة السفر البعيد لأنه يشقُّ على الإِنسان. وقيل: الشقة الغاية التي يقصدونها، {وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ}، يعني: باليمين الكاذبة، {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ}، في أَيمانهم وإِيمانهم، لأنهم كانوا مستطيعين.

عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَٰذِبِينَ ۝٤٣ لَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ أَن يُجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ ۝٤٤ إِنَّمَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ۝٤٥ وَلَوْ أَرَادُوا۟ ٱلْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا۟ لَهُۥ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْقَٰعِدِينَ ۝٤٦

{عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ}، قال عمرو بن ميمون: اثنان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين، وأخذه الفدية من أسارى بدر، فعاتبه الله كما تسمعون.

قال سفيان بن عيينة: انظروا إلى هذا اللطف بدأ بالعفو قبل أن يُعيِّره بالذنب.

وقيل: إن الله عزّ وجلّ وقّره ورفع محله بافتتاح الكلام بالدعاء له، كما يقول الرجل لمن يخاطبه إذا كان كريماً عنده: عفا الله عنك ما صنعت في حاجتي؟ ورضي الله عنك ألاَ زرتني. وقيل معناه: أدام الله لك العفو.

{لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}، أي: في التخلّف عنك {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ}، في أعذارهم، {وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ}، فيها، أي: تعلم من لا عذر له. قال ابن عباس رضي الله عنه: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين يومئذ.

{لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ أَن يُجَـٰهِدُواْ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ}، أي: لا يستأذنك في التخلّف، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ}.

{إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ}، أي: شكَّتْ ونافقت، {فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ}، متحيّرين.

{وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ}، إلى الغزو، {لأَعَدُّواْ لَهُ}، أي: لهيَّؤوا له {عُدَّةً}، أهبة وقوّة من السلاح والكراع، {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ}، خروجهم، {فَثَبَّطَهُمْ}، منعهم وحبسهم عن الخروج، {وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ}، في بيوتكم، {مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ}، يعني: مع المرضى والزَّمْنَى. وقيل: مَع النسوان والصبيان. قوله عزّ وجلّ: {وَقِيلَ}، أي: قال بعضهم لبعض: اقعدوا. وقيل: أوحى إلى قلوبهم وأُلْهِمُوا أسباب الخذلان.

لَوْ خَرَجُوا۟ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا۟ خِلَٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّٰعُونَ لَهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ۝٤٧ لَقَدِ ٱبْتَغَوُا۟ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا۟ لَكَ ٱلْأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَهُمْ كَٰرِهُونَ ۝٤٨

{لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم}، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بالجهاد لغزوة تبوك، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عسكره على ثنية الوداع، وضرب عبدالله بن أُبيّ على ذي جُدَّة أسفل من ثنية الوداع، ولم يكن بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عند عبدالله بن أُبيّ فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب، فأنزل الله تعالى يعزّي نبيه صلى الله عليه وسلم: {لَوْ خَرَجُواْ} يعني المنافقين {فِيكُمْ} أي معكم، {مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً}، أي: فساداً وشرّاً. ومعنى الفساد: إيقاع الجبن والفشل بين المؤمنين بتهويل الأمر، {وَلأَوْضَعُواْ}، أسرعوا، {خِلَـٰلَكُمْ}، وسطكم بإيقاع العداوة والبغضاء بينكم بالنميمة ونقل الحديث من البعض إلى البعض. وقيل: {وَلأَوْضَعُواْ خِلَـٰلَكُمْ} أي: أسرعوا فيما يخلّ بكم. {يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ}، أي: يطلبون لكم ما تفتنون به، يقولون: لقد جُمع لكم كذا وكذا، وإنكم مهزومون وسيظهر عليكم عدوكم ونحو ذلك. وقال الكلبي: يبغونكم الفتنة يعني: العَيْبَ والشرَّ. وقال الضحاك: الفتنة الشرك، ويقال: بغيته الشرك والخير أبغيه بُغَاءً إذا التمستُه له، يعني: بغيت له.

{وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ}، قال مجاهد: معناه وفيكم مخبرون لهم يؤدّون إليهم ما يسمعون منكم، وهم الجواسيس. وقال قتادة: معناه وفيكم مطيعون لهم، أي: يستمعون كلامهم ويطيعونهم، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمِينَ}.

{لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ}، أي: طلبوا صدَّ أصحابك عن الدين وردَّهم إلى الكفر، وتخذيل الناس عنك قبل هذا اليوم، كفعل عبدالله بن أُبيّ يوم أحد حين انصرف عنك بأصحابه. {وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ} وأجالوا فيك وفي إبطال دينك الرأي، بالتخذيل عنك وتشتيت أمرك، {حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ}، النصر والظفر، {وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ}، دين الله، {وَهُمْ كَـٰرِهُونَ}.

وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَٰفِرِينَ ۝٤٩ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا۟ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا۟ وَّهُمْ فَرِحُونَ ۝٥٠ قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَىٰنَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ۝٥١

قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّى}، نزلت في جَدِّ بن قيسٍ المنافق، وذلك

أن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا تجهز لغزو تبوك قال: يا أبا وهب هل لك في جلاد بني الأصفر؟ يعني الروم، تتخذ منهم سراري ووصفاء، فقال جد: يا رسول الله لقد عرف قومي أني رجل مغرم بالنساء، وإني أخشى إن رأيت بنات بني الأصفر أن لا أصبر عنهن، ائذنْ لي في القعودِ ولا تفتني بهنّ وأعينك بمالي. قال ابن عباس: اعتلَّ جد بن قيس ولم تكن له علة إلا النفاق، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أذنت لك" فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَمِنْهُمْ} يعني من المنافقين {مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي} في التخلّف {وَلاَ تَفْتِنِّى} ببنات الأصفر. قال قتادة: ولا تؤثمني. {أَلاَ فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ}، أي: في الشرك والإِثم وقعوا بنفاقهم وخلافهم أمْرَ الله وأَمْر رسوله، {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ}، مطبقة بهم وجامعة لهم فيها.

{إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ}، نصرة وغنيمة، {تَسُؤْهُمْ}، تُحزنُهم، يعني: المنافقين، {وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ}، قتل وهزيمة، {يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا}، حَذَرَنا، أي: أخذنا بالحزم في القعود عن الغزو، {مِن قَبْلُ}، أي: من قبل هذه المصيبة، {وَيَتَوَلَّواْ}، ويدبروا {وَّهُمْ فَرِحُونَ}، مسرورون بما نالك من المصيبة.

{قُل} لهم يا محمد {لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا}، أي: علينا في اللوح المحفوظ، {هُوَ مَوْلَـٰنَا}، ناصرنا وحافظنا. وقال الكلبي: هو أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة، {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}.

قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِۦٓ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ۝٥٢ قُلْ أَنفِقُوا۟ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَٰسِقِينَ ۝٥٣ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَٰتُهُمْ إِلَّآ أَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَٰرِهُونَ ۝٥٤

{قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ}، تنتظرون بنا أيها المنافقون، {إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ}، إما النصر والغنيمة أو الشهادة والمغفرة. وروينا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

تكفَّلَ اللّهُ لِمَنْ جاهد في سبيله لا يُخْرِجُه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلمته، أن يدخله الجن، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة».

{وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ}، إحدى السوأتين إمّا: {أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ}، فيهلككم كما أهلك الأمم الخالية، {أَوْ بِأَيْدِينَا} أي: بأيدي المؤمنين إن أظهرتم ما في قلوبكم، {فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ}، قال الحسن: فتربصوا مواعيد الشيطان إنا متربصون مواعيد الله من إظهار دينه واستئصال من خالفه.

{قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً}، أمرٌ بمعنى الشرط والجزاء، أي: إن أنفقتم طوعاً أو كرهاً، نزلت في جد بن قيس حين استأذن في القعود، قال: أُعِيْنُكم بمالي، يقول: إن أنفقتم طوعاً أو كرهاً {لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ}، أي: لأنكم، {كُنتُمْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ}.

{وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ}، قرأ حمزة والكسائي: {يقبل} بالياء لتقدم الفعل، وقرأ الباقون بالتاء لأن الفعل مسند إلى جمع مؤنث وهو النفقات، فأنَّث الفعل ليعلم أن الفاعل مؤنث، {نَفَقَـٰتُهُمْ}، صدقاتهم، {إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ}، أي: المانع من قبول نفقاتهم كفرهم، {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ}، متثاقلون لأنهم لا يرجون على أدائها ثواباً، ولا يخافون على تركها عقاباً، فإن قيل: كيف [ذمَّ] الكسلَ في الصلاة ولا صلاة لهم أصلاً؟ قيل: الذم واقع على الكفر الذي يبعث على الكسل، فإن الكفر مُكسل، والإيمان منشط، {وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَـٰرِهُونَ}، لأنهم يعدونها مغرماً ومنعها مغنماً.

فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ ۝٥٥ وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ۝٥٦ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَـًٔا أَوْ مَغَٰرَٰتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَّوَلَّوْا۟ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ۝٥٧

{فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ}، والإِعجاب هو السرور بما يتعجب منه، يقول: لا تستحسن ما أنعمنا عليهم من الأموال والأولاد لأن العبد إذا كان من الله في استدراج كثّر الله ماله وولده، {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا}، فإن قيل أي تعذيب في المال والولد وهم يتنعمون بها في الحياة الدنيا؟

قيل: قال مجاهد وقتادة: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنّما يريد الله ليعذّبهم بها في الآخرة.

وقيل: التعذيب بالمصائب الواقعة في المال والولد.

وقال الحسن: يعذبهم بها في الدنيا بأخذ الزكاة منها والنفقة في سبيل الله. وقيل: يعذبهم بالتعب في جمعه، والوجل في حفظه، والكره في إنفاقه، والحسرة على تخليفه عند من لا يحمده، ثم يُقدم على مَلِكٍ لا يُعْذره. {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ}، أي: تخرج، {وَهُمْ كَـٰفِرُونَ}، أي: يموتون على الكفر.

{وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ}، أي: على دينكم، {وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} [يخافون أن يظهروا ما هم عليه].

{لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً}، حرزاً أو حصناً أو معقلاً. وقال عطاء: مهرباً، وقيل: قوماً يأمنون فيهم. {أَوْ مَغَـٰرَاتٍ}، غِيرَاناً في الجبال، جمع مغارة وهو الموضع الذي يغور فيه، أي يستتر. وقال عطاء: سراديب. {أَوْ مُدَّخَلاً}، موضع دخول فيه، وهو من أدخل يدخل، وأصله: مدتخل مفتعل، من أدخل يدخل. قال مجاهد: محرزاً. وقال قتادة: سرباً. وقال الكلبي: نفقاً في الأرض كنفق اليربوع. وقال الحسن: وجهاً يدخلونه على خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرىء: (مَدْخلاً)، بفتح الميم وتخفيف الدال، وكذلك قرأ يعقوب، {لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ}، لأدبروا إليه هرباً منكم، {وَهُمْ يَجْمَحُونَ}، يسرعون في إباءٍ ونفورٍ ولا يردّ وجوهَهم شيء. ومعنى الآية: أنهم لو يجدون مخلصاً منكم ومهرباً لفارقوكم.

وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِى ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنْ أُعْطُوا۟ مِنْهَا رَضُوا۟ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا۟ مِنْهَآ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ۝٥٨

قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَـٰتِ}، الآية نزلت في ذي الخويصرة التميمي، واسمه حرقوص بن زهير، أصل الخوارج.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبدالرحمن أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال:

بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسماً فينا، أتَاه ذُو الخُويصرة، وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله اعدل، فقال: وَيْلَكَ فمنْ يعدلُ إذا لم أعدلْ، فقد خبت وخسرت إن لم أكنْ أعدل"، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال له: "دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يُجاوز تراقيهم، يمرقون من الدِّين كما يَمْرُقُ السّهمُ مِنَ الرَّمِيَّة ينظر إلى نَصْلِه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رِصَافِه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نَضْيِّه، وهو قِدْحُه، فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قُذَذِهِ فلا يوجد فيه شيء، قد سَبَقَ الفَرْث والدَّم آيتُهم، رجل أسود إحدى عضديه مثل ثَدْيِ المرأة، أو مثل البَضْعَةِ تَدَرْدَرٌ، يخرجون على حين فُرْقَةٍ من الناس. قال أبو سعيد: فأشهد أَني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب رضى الله عنه قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فَالْتَمْس، فَوُجِدَ، فَأُتِيَ به حتى نظرتُ إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعته.

وقال الكلبي: قال رجل من المنافقين يقال له [أبو الجَوَّاظ] لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تقسمْ بالسوية، فأنزل الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَـٰتِ} أي: يعيبك في أمرها وتفريقها ويطعن عليك فيها. يُقال: لمزه وهمزه، أي: عابه، يعني أن المنافقين كانوا يقولون إن محمداً لا يعطي إلا من أحب. وقرأ يعقوب: {يلمزك} حيث كان. وقال مجاهد: يلزمك أي: يَرُوزُك يعني: يختبرك. {فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ}، قيل: إن أعطوا كثيراً فرحوا وإن أعطوا قليلاً سخطوا.

وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا۟ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ ۝٥٩ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ۝٦٠

{وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ}، أي: قنعوا بما قسم لهم الله ورسوله {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ}، كافينا الله، {سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ}، ما نحتاج إليه {إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ}، في أن يوسّع علينا من فضله، فيُغنينا عن الصدقة وغيرها من أموال الناس. وجواب {لو} محذوف، أي: لكان خيراً لهم وأعود عليهم.

قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ} الآية، بيّن الله تعالى في هذه الآية أهل سهمان الصدقات وجعلها لثمانية أصناف. ورُوي عن زياد بن الحارث الصُّدَائِي قال:

أتيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فبايعته، فأتاه رجل قال: أعطني من الصدقة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله لم يرضَ بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزّأها ثمانية أجزاء، فإن كنتَ من تلك الأجزاء أعطيتك حقك".

قوله: {لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ}. فأحدُ أصناف الصدقة، الفقراءُ، والثاني: المساكين.

واختلف العلماء في صفة الفقير والمسكين، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وعكرمة والزهري: الفقير الذي لا يسأل، والمسكين: الذي يسأل.

وقال ابن عمر: ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم والتمرة إلى التمرة، ولكن من أنقى نفسه وثيابه لا يقدر على شيء، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف.

وقال قتادة: الفقير: المحتاج الزَّمِنُ، والمسكين: الصحيح المحتاج.

وروي عن عكرمة أنه قال: الفقراء من المسلمين، والمساكين من أهل الكتاب.

وقال الشافعي: الفقير من لاَ مَالَ له ولا حِرْفَة تقع منه موقعاً: زَمِناً كان أو غير زَمِن، والمسكين من كان له مال أو حرفة ولا يغنيه، سائلاً كان أو غير سائل، فالمسكين عنده أحسن حالاً من الفقير لأن الله تعالى قال:

{ { أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَـٰكِينَ } } [الكهف: 79]، أثبت لهم ملكاً مع اسم المسكنة.

وعند أصحاب الرأي: الفقير أحسن حالاً من المسكين.

وقال القتيبي: الفقير: الذي له البُلْغَة من العيش، والمسكين: الذي لا شيء له.

وقيل: الفقير من له المسكن والخادم، والمسكين من لا ملك له. وقالوا: كل محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه وإن كان غنياً عن غيره، قال الله تعالىٰ:

{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ }[فاطر: 15]، والمسكين المحتاج إلى كل شيء ألا ترى كيف حض على إطعامه، وجعل طعام الكفارة له ولا فاقة أشد من الحاجة إلى سدّ الجوعة.

وقال إبراهيم النخعي: الفقراء هم المهاجرون، والمساكين من لم يهاجر من المسلمين.

وفي الجملة: الفقر والمسكنة عبارتان عن الحاجة وضعف الحال، فالفقير المحتاج الذي كسرت الحاجة فِقَار ظهره، والمسكين الذي ضعفت نفسه وسكنت عن الحركة في طلب القوت.

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، حدثنا عبد العزيز بن أحمد الخلاَّل، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا الربيع، أنبأنا الشافعي، أنبأنا سفيان بن عيينة عن هشام، يعني: ابنَ عروة، عن أبيه، عن عبيدالله بن عدي بن الخِيَار:

أن رجلين أخبراه أنهما أتيا رسولَ الله فسألاه عن الصدقة [فصعّد فيهما وصوّب]، فقال: "إنْ شئتما أعطيتُكما ولا حظَّ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب".

واختلفوا في حدّ الغنى الذي يمنع أخذ الصدقة: فقال الأكثرون: حدُّه أن يكون عنده ما يكفيه وعياله سنة، وهو قول مالك والشافعي.

وقال أصحاب الرأي: حدُّه أن يملك مائتي درهم.

وقال قوم: من ملك خمسين درهماً لا تحل له الصدقة، لما روينا عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" مَنْ سأل النّاسَ وله ما يُغنيه جاءَ يومَ القيامةِ ومسألتهُ في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح"، قيل: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: "خمسون درهماً أو قيمتُها من الذهب". وهو قول الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق. وقالوا: لا يجوز أن يعطى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين درهماً. وقيل: أربعون درهماً. لِما رُوي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافاً".

قوله تعالى: {وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا}. وهم السُّعَاة الذين يتولون قبض الصدقات من أهلها وضعها في حقها، فيُعطون من مال الصدقة، فقراءً كانوا أو أغنياء، فيُعطَون مثل أجر عملهم.

وقال الضحاك ومجاهد: لهم الثمن من الصدقة.

{وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ}، فالصنف الرابع من المستحقين للصدقة هم: المؤلَّفَةُ قلوبُهم، وهم قسمان: قسم مسلمون، وقسم كفار. فأمّا المسلمون: فقسمان، قسم دخلوا في الإِسلام ونيتهم ضعيفة فيه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم تألفاً كما أعطى عيينة بن بدر، والأقرع بن حابس، والعباس بن مرداس أو أسلموا ونيتهم قوية في الإِسلام، وهم شرفاء في قومهم مثل: عدي بن حاتم، والزِّبْرِقان بن بدر، فكان يعطيهم تألفاً لقومهم وترغيباً لأمثالهم في الإِسلام، فهؤلاء يجوز للإِمام أن يعطيهم من خمس خمس الغنيمة، والفيء سهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم من ذلك ولا يعطيهم من الصدقات.

والقسم الثاني من مؤلفة المسلمين: أن يكون قوم من المسلمين بإزاء قوم كفار في موضع مُتَناطٍ، لا تبلغهم جيوش المسلمين إلا بمؤنة كثيرة وهم لا يجاهدون، إمّا لضعف نيتهم أو لضعف حالهم، فيجوز للإِمام أن يعطيهم من سهم الغزاة من مال الصدقة. وقيل: من سهم المؤلفة. ومنهم قوم بإزاء جماعة من مانعي الزكاة يأخذون منهم الزكاة يحملونها إلى الإِمام، فيعطيهم الإِمام من سهم المؤلفة من الصدقات. وقيل: من سهم سبيل الله.

رُوي أنّ عدي بن حاتم جاء أبا بكر الصديق بثلاثمائة من الإِبل من صدقات قومه فأعطاه أبو بكر منها ثلاثين بعيراً.

وأمّا الكفار من المؤلفة: فهو من يُخشى شرُّهُ منهم، أو يُرجى إسلامه، فيريد الإِمام أن يُعطي هذا حذراً من شره، أو يُعطى ذلك ترغيباً له في الإِسلام، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم من خمس الخمس، كما أعطى صفوان بن أمية لِمَا كان يرى من ميله إلى الإِسلام، أما اليوم فقد أعز الله الإِسلام فله الحمد، وأغناه أن يُتَألف عليه رجالٌ، فلا يُعطي مشركٌ تألفاً بحال، وقد قال بهذا كثير من أهل العلم أن المؤلفة منقطعة وسهمهم ساقط. رُوي ذلك عن عكرمة، وهو قول الشعبي، وبه قال مالك والثوري، وأصحاب الرأي، وإسحاق بن راهوية.

وقال قوم: سهمهم ثابت، يُروى ذلك عن الحسن، وهو قول الزهري، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي ثور، وقال أحمد: يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك.

قوله تعالى: {وَفِى ٱلرِّقَابِ}، والصنف الخامس: هم الرقاب، وهم المكاتَبُون، لهم سهم من الصدقة، هذا قول أكثر الفقهاء، وبه قال سعيد بن جبير، والنخعي، والزهري، والليث بن سعد، والشافعي. وقال جماعة: يشتري بسهم الرقاب عبيد فيُعتقون. وهذا قول الحسن، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق.

قوله تعالى: {وَٱلْغَـٰرِمِينَ}، والصنف السادس: هم الغارمون، وهم قسمان: قسم دانوا لأنفسهم في غير معصيته، فإنهم يعُطَون من الصدقة إذا لم يكن لهم من المال ما يفي بديونهم، فإن كان عندهم وفاءٌ فلا يُعطون، وقسم أدانوا في المعروف وإصلاح ذات البين فإنهم يعُطَون من مال الصدقة ما يقضون به ديونهم، وإن كانوا أغنياء.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنبأنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب عن مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

لا تَحِلُّ الصدقة لغني إلاّ لخمسة: لغازٍ في سبيل الله، أو لغارمٍ، أو لرجلٍ اشتراها بماله، أو لرجلٍ له جارٌ مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغني، أو لعاملٍ عليها».

ورواه معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم متصلاً بمعناه. أما من كان دَينه في معصيةٍ فلا يُدفع شيء إليه.

وقوله تعالى: {وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ}، أراد بها: الغزاة، فلهم سهم من الصدقة، يُعطَون إذا أرادوا الخروج إلى الغزو، وما يستعينون به على أمر الغزو من: النفقة والكسوة، والسلاح، والحمولة، وإن كانوا أغنياء، ولا يُعطى شيء منه في الحج عند أكثر أهل العلم.

وقال قوم: يجوز أن يصرف سهم في سبيل الله إلى الحج. ويُروى ذلك عن ابن عباس، وهو قول الحسن وأحمد، وإسحاق.

قوله تعالى: {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ}، والصنف الثامن: هم أبناء السبيل، فكل من يريد سفراً مباحاً ولم يكن له ما يقطع به المسافة يُعطى من الصدقة بقدر ما يقطع به تلك المسافة، سواء كان له في البلد المنتقل إليه مالٌ أو لم يكن.

وقال قتادة: ابن السبيل هو الضيف.

وقال فقهاء العراق: ابن السبيل الحاج المنقطع.

قوله تعالى: {فَرِيضَةً} أي: واجبةً {مِّنَ ٱللَّهِ}، وهو نصب على القطع، وقيل: على المصدر، أي: فرض الله هذه الأشياء فريضةً.

{وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. اختلف الفقهاء في كيفية قسم الصدقات، وفي جواز صرفها إلى بعض الأصناف:

فذهب جماعة إلى أنه لا يجوز صرف كلها إلى بعضهم مع وجود سائر الأصناف، وهو قول عكرمة، وبه قال الشافعي، قال: يجب أن تقسم زكاة كل صنف من ماله على الموجودين من الأصناف الستة، الذين سُهْمَانهم ثابتة قسمةً على السواء، لأن سهم المؤلفة ساقط، وسهم العامل إذا قسمه بنفسه، ثم حصة كل صنف منهم لا يجوز أن تصرف إلى أقل من ثلاثة منهم إن وجد منهم ثلاثة أو أكثر، فلو فاوت بين أولئك الثلاث يجوز، فإن لم يوجد من بعض الأصناف إلا واحد صرف حصة ذلك الصنف إليه ما لم يخرج عن حدّ الاستحقاق، فإن انتهتْ حاجتُه وفضل شيء رَدّه إلى الباقين.

وذهب جماعة إلى أنه لو صرف الكل إلى صنف واحد من هذه الأصناف، أو إلى شخص واحد منهم يجوز، وإنّما سمّى الله تعالى هذه الأصناف الثمانية إعلاماً منه أن الصدقة لا تخرج عن هذه الأصناف، لا إيجاباً لقسمها بينهم جميعاً. وهو قول عمر، وابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير وعطاء، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي، وبه قال أحمد، قال: يجوز أن يضعها في صنف واحد وتفريقها أولى.

وقال إبراهيم: إن كان المال كثيراً يحتمل الإِجزاء قسّمه على الأصناف، وإن كان قليلاً جاز وضعه في صنف واحد.

وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم ويُقّدم الأوْلَى فالأوْلَى من أهل الخُلَّة والحاجة، فإن رأى الخلة في الفقراء في عام أكثر قدّمَهم، وإن رآها في عام في صنف آخر حوّلها إليهم.

وكلُّ من دُفعَ إليه شيءٌ من الصدقة لا يزيد على قدر الاستحقاق، فلا يزيد الفقير على قدر غناه، فإذا حصل أدنى اسم الغنى لا يُعطى بعده، فإن كان محترفاً لكنه لا يجد آلة حرفته: فيعطى قدر ما يحصل به آلة حرفته، ولا يزاد على العامل على أجر عمله، والمُكاتبَ على قدر ما يُعتق به، وللغريم على قدر دينه، والغازي على قدر نفقته للذهاب والرجوع والمقام في مغزاه وما يحتاج إليه من الفرس والسلاح، ولابن السبيل على قدر إتيانه مقصده أو مآله.

واختلفوا في نقل الصدقة عن بلد المال إلى موضع آخر، مع وجود المستحقين فيه، فكرهه أكثر أهل العلم. لما أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أنبأنا أبو محمد عبدالجبار بن محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، حدثنا زكريا بن إسحاق المكي، حدثنا يحيى بن عبدالله بن الصيفي عن أبي معبد عن ابن عباس

أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن فقال: "إنّك تأتي قوماً أهل كتاب فادْعُهمْ إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلِمْهُمْ أنّ الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعْلِمْهم أنّ الله فرض عليهم صدقة تُؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتّقِ دعوةَ المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب».

فهذا يدل على أن صدقة أغنياء كل قوم تُردّ على فقراء ذلك القوم.

واتفقوا على أنه إذا نقل من بلد إلى بلد آخر أُدِّي مع الكراهة، وسقط الفرض عن ذمته، إلا ما حُكي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنّه ردّ صدقة حملت من خراسان إلى الشام إلى مكانها من خراسان.

وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٦١

{وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ}، نزلت في جماعة من المنافقين كانوا يُؤذون النبي صلى الله عليه وسلم، ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضهم: لا تفعلوا، فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا. فقال الجُلاَس بن سُوَيْد منهم: بل نقول ما شئنا، ثم نأتيه فننكر ما قلنا، ونحلف فيصدقنا بما نقول، فإنّما محمدٌ أذُنٌ، أي: أذنٌ سامعة، يقال: فلانٌ أُذُنٌ وأَذُنَةٌ على وزن فَعُلَة إذا كان يسمع ما قيل له ويقبله. وأصله من أذن يأذن أذناً أي: استمع. وقيل: هو أذن أي: ذو أذن وأذن سامعة.

وقال محمد بن إسحاق ابن يسار: نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحارث، وكان رجلاً أذلم، ثائر شعر الرأس، أحمر العينين أسفع الخدين، مشوّه الخلقة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث، وكان ينم حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين، فقيل له: لا تفعل، فقال: إنما محمد أذن فمن حدثه شيئاً صدقه، فنقول ما شئنا، ثم نأتيه ونحلف بالله فيصدقنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

قوله تعالى: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ}، قرأ العامة بالإِضافة، أي: مستمعُ خير وصلاح لكم، لا مستمع شر وفساد. وقرأ الأعشى والبُرْجُمِيّ عن أبي بكر: {أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ}، مرفوعين منونين، يعني: أن يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل قولكم، ثم كذّبهم فقال: {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ}، أي: لا، بل يؤمن بالله، {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ}، أي: يصدِّق المؤمنين ويقبل منهم لا من المنافقين، يقال: أمنته وأمنت له بمعنى صدقته. {ورحمةٌ}، قرأ حمزة: "ورحمةٍ" بالخفض على معنى إذن خير لكم، وأذن رحمة، وقرأ الآخرون: "ورحمةٌ" بالرفع، أي: هو أذن خير، وهو رحمة {لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ}، لأنه كان سبب إيمان المؤمنين. {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ ۝٦٢ أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدًا فِيهَا ذَٰلِكَ ٱلْخِزْىُ ٱلْعَظِيمُ ۝٦٣ يَحْذَرُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ قُلِ ٱسْتَهْزِءُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ۝٦٤

{يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ}، قال قتادة والسُّدِّي: اجتمع ناس من المنافقين فيهم الجُلاس بن سُوَيْد ووديعة بن ثابت، فوقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إن كان ما يقول محمد حقاً فنحن شرٌّ من الحمير، وكان عندهم غلام من الأنصار يقال له عامر بن قيس، فحقروه وقالوا هذه المقالة، فغضب الغلام وقال: والله إن ما يقول محمد حقٌّ وأنتم شرٌّ من الحمير، ثم أتى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فأخبره، فدعاهم وسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحلفوا أنّ عامراً كذاب. وحلف عامر أنهم كذبة فصدقهم النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل عامر يدعو ويقول: اللهم صدِّق الصادقَ وكذِّب الكاذبَ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مقاتل والكلبي: نزلت في رهط من المنافقين تخلّفوا عن غزوة تبوك، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوه يعتذرون إليه ويحلفون، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ}.

{أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}، يخالف الله ورسوله أي: يكون في جانب واحد من الله ورسوله، {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَٰلِكَ ٱلْخِزْىُ ٱلْعَظِيمُ}، أي: الفضيحة العظيمة.

{يَحْذَرُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ}، أي: يخشى المنافقون، {أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ}، أي: تنزل على المؤمنين، {سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم}، أي: بما في قلوب المنافقين من الحسد والعداوة للمؤمنين، كانوا يقولون فيما بينهم ويُسرون ويخافون الفضيحة بنزول القرآن في شأنهم.

قال قتادة: هذه السورة كانت تُسمى الفاضحة والمبعثرة والمثيرة، أثارت مخازيهم ومثالبهم.

قال عبدالله ابن عباس رضي الله عنهما: أنزل الله تعالى ذكر سبعين رجلاً من المنافقين بأسمائهم وأسماء آبائهم ثم نسخ ذكر الأسماء رحمة للمؤمنين، لئلا يعير بعضهم بعضاً، لأنّ أولادهم كانوا مؤمنين.

{قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ}، مظهر {مَّا تَحْذَرُونَ}.

قال ابن كيسان:

نزلت هذه الآية في اثني عشر رجلاً من المنافقين، وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على العقبة لمّا رجع من غزوة تبوك ليفتكوا به إذا علاها، ومعهم رجل مسلم يخفيهم شأنه، وتنكروا له في ليلة مظلمة، فأخبر جبريلُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بما قدّروا، وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم، وعمار بن ياسر يقود برسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته، وحذيفة يسوق به، فقال لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم فضربها حتى نحاها، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحذيفة: من عرفت من القوم؟ قال: لم أعرف منهم أحداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإنهم فلان وفلان حتى عدَّهم كلهم، فقال حذيفة: ألاَ تبعثُ إليهم فتقتلهم؟ فقال: أكره أن تقول العرب. لما ظفر محمد بأصحابه أقبل يقتلهم، بل يكفيناهم الله بالدُّبَيْلَة».

أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أنبأنا عبدالغافر بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن قيس بن عبادة قال:

قلنا لعمَّار أرأيتكم قتالكم أرأياً رأيتموه؟ فإن الرأي يُخطىء ويصيب، أو عهد عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما عَهِدَ إلينا رسولُ الله شيئاً لم يعهده إلى الناس كافة، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ في أمتي ــ قال شعبة وأحسبه قال: حدثني حذيفة قال: قال في أمتي ــ إثني عشر منافقاً لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها، حتى يَلِجَ الجمل في سَمِّ الخياط، ثمانية منهم تكفيهم الدُّبَيْلة، سراجٌ من النار يظهر في أكتافهم، حتى ينجم من صدورهم».

وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ۝٦٥

قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} الآية، وسبب نزول هذه الآية على ما قال الكلبي ومقاتل وقتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسير في غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة نفر من المنافقين، اثنان يستهزئان بالقرآن والرسول، والثالث يضحك.

قيل: كانوا يقولون: إن محمداً يزعم أنه يغلب الروم ويفتح مدائنهم ما أبعده من ذلك!

وقيل: كانوا يقولون: إن محمداً يزعم أنه نزل في أصحابنا المقيمين بالمدينة قرآن، وإنما هو قوله وكلامه، فأَطلعَ الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك؛ فقال: احبسوا عليَّ الركب، فدعاهم وقال لهم: قلتم كذا وكذا، فقالوا: إنما كنا نخوض ونلعب، أي كنا نتحدث ونخوض في الكلام كما يفعل الركب لقطع الطريق بالحديث واللعب.

قال عمر: فلقد رأيت عبدالله بن أُبي يشتد قدام رسول الله صلى الله عليه وسلم والحجارة تنكبه وهو يقول إنّما كنّا نخوض ونلعب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: أبا للّهِ وآياته ورسولهِ كنتم تستهزؤون، ما يلتفت إليه ولا يزيد عليه".

قوله تعالى: {قُلْ}، أي: قل يامحمد للمنافقين، {أَبِٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِ}، كتابه، {وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ}.

لَا تَعْتَذِرُوا۟ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةًۢ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ مُجْرِمِينَ ۝٦٦

{لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ}، فإن قيل كيف قال: كفرتم بعد إيمانكم، وهم لم يكونوا مؤمنين؟.

قيل: معناه: أظهرتم الكفر بعدما أظهرتم الإِيمان.

{إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ}، أي: نتب على طائفة منكم، وأراد بالطائفة واحداً، {نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ}، بالاستهزاء، وقرأ عاصم: "نَعْفُ" بالنون وفتحها وضم الفاء، "نُعذِّب" بالنون وكسر الذال، {طآئفةً} نصبٌ. وقرأ الآخرون: "يُعْفَ" بالياء وضمها وفتح الفاء، {تُعَذَّبْ} بالتاء وفتح الدال، "طآئفٌ" رفعٌ على غير تسمية الفاعل.

وقال محمد بن إسحاق: الذي عفا عنه رجل واحد، وهو مَخْشِيّ بن حَمَيِّر الأشجعي، يقال هو الذي كان يضحك ولا يخوض، وكان يمشي مجانباً لهم وينكر بعض ما يسمع، فلما نزلت هذه الآية تاب من نفاقه، وقال: اللّهم إني لا أزل أسمع آيةً تقرأ أُعْنَى بها تقشعرُّ الجلود منها، وتجب منها القلوب، اللّهم اجعلْ وفاتي قتلاً في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت، فأُصيب يومَ اليمامة، فما أحد من المسلمين إلا عُرِفَ مصرعُه غيره.

ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتُ بَعْضُهُم مِّنۢ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ ۝٦٧ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا هِىَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ۝٦٨ كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَٰلًا وَأَوْلَٰدًا فَٱسْتَمْتَعُوا۟ بِخَلَٰقِهِمْ فَٱسْتَمْتَعْتُم بِخَلَٰقِكُمْ كَمَا ٱسْتَمْتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَٰقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِى خَاضُوٓا۟ أُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ۝٦٩

قوله تعالى: {ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ}، أي: هم على دين واحد. وقيل: أمرهم واحد بالاجتماع على النفاق. {يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ}، بالشرك والمعصية، {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ}، أي: عن الإِيمان والطاعة، {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} أي: يمسكونَها عن الصدقة والإِنفاق في سبيل الله ولا يبسطونها بخير، {نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}، تركوا طاعةَ الله، فتركهم من توفيقه وهدايته في الدنيا، ومن رحمته في الآخرة، وتركهم في عذابه، {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ هُمُ الْفَـٰسِقُونَ}.

{وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ}، كافيتهم جزاءً على كفرهم، {وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ}، أبعدهم الله من رحمته، {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ}، دائم.

{كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}، أي: فعلتم كفعل الذين من قبلكم بالعُدول عن أمر الله، فَلُعِنْتُم كما لُعِنُوا {كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً}، بْطشاً ومنعةً، {وَأَكْثَرَ أَمْوَٰلاً وَأَوْلَـٰدًا فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلَـٰقِهِمْ} فتمتعوا وانتفعوا بخلاقهم؛ بنصيبهم من الدنيا باتباع الشهوات ورضوا به عوضاً عن الآخرة، {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلـٰقِكُمْ}، أيّها الكفار والمنافقون، {كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلَـٰقِهِمْ}، وسلكتُم سبيلهم، {وَخُضْتُمْ} في الباطل والكذب على الله تعالى، وتكذيب رُسله، وبالاستهزاء بالمؤمنين، {كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ}، أي: كما خاضوا. وقيل: كالذي بمعنى كالذين خاضُوا، وذلك أن "الذي" اسم ناقص، مثل "مَا" و "من" يُعبّر به عن الواحد والجميع، نظيره قوله تعالى:

{ { كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً } } [البقرة: 17]. ثم قال: { { ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ } } [البقرة: 17].

{أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِي ٱلدنْيَا وَٱلأَخِرَةِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ}، أي: كما حبطت أعمالهم وخسروا كذلك حبطتْ أعمالُكم وخسرتُم.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن عبدالعزيز، حدثنا أبو عمر الصنعاني من اليمن، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُم شِبْراً بشبرٍ وذِرَاعاً بِذِرَاعٍ حتى لو دخلوا جُحْرَ ضبٍ لا تّبعتُموهُم"، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن" وفي رواية أبي هريرة:فهلِ الناسُ إلاّ هُمْ. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سَمْتاً وهَدْياً تتبعون عملهم حِذْوَ القَذَّةِ بالقُّذةِ غيرَ أني لا أدْري أتعبدُونَ العِجْلَ أمْ لا.

أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَٰهِيمَ وَأَصْحَٰبِ مَدْيَنَ وَٱلْمُؤْتَفِكَٰتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝٧٠

قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ}، يعني المنافقين، {نَبَأُ}، خبر، {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}، حين عصوا رُسلنا، وخالفوا أمرنا كيف عذبناهم وأهلكناهم. ثم ذكرهم، فقال: {قَوْمِ نُوحٍ}، أُهلكوا بالطّوفان، {وَعَادٍ}، أُهْلِكُوا بالريح {وَثَمُودَ}، بالرجفة، {وَقَوْمِ إِبْرَٰهِيمَ}، بسلب النعمة وهلاك نمرود، {وَأَصْحَـٰبِ مَدْيَنَ}، يعني قوم شعيب أهلكوا بعذاب يوم الظُلَّة، {وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ} المنقلبات التي جعلنا عاليها سافلها وهم قوم لوط، {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ}، فكذّبوهم وعصَوْهم كما فعلتم يامعشر الكفار، فاحذرُوا تعجيلَ النِّقْمة، {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.

وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُو۟لَٰٓئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۝٧١ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّٰتِ عَدْنٍ وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ۝٧٢

قوله تعالى: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} في الدِّين واتفاق الكلمة والعون والنصرة. {يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ}، بالإِيمان والطاعة والخير، {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ}، عن الشرك والمعصية وما لا يُعرف في الشرع، {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ}، المفروضة، {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.

{وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَـٰكِنَ طَيِّبَةً}، منازل طيبة، {فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ} أي: بساتين خلد وإقامة، يُقال: عدن بالمكان إذا أقام به.

قال ابن مسعود: هي بُطْنَان الجنة، أي: وسطها.

قال عبدالله بن عمرو بن العاص: إن في الجنة قصراً يقال له: "عَدْنٌ" حوله البروج والمروج، له خمسة آلاف باب لا يدخله إلاّ نبيٌّ أو صديق أو شهيدٌ.

وقال الحسن: قصرٌ من ذهب لا يدخله إلا نبيٌّ أو صديقٌ أو شهيدٌ أو حَكَمٌ عدلٌ.

وقال عطاء بن السائب: "عدن" نهر في الجنة [جنانه] على حافتيه.

وقال مقاتل والكلبي: "عدن" أعلى درجة في الجنة، وفيها عين التنسيم، والجنان حولها، محدقة بها، وهي مغطَّاة من حين خلقها الله تعالى حتى ينزلها أهلها: الأنبياءُ والصِّدِّيقُون والشهداءُ والصالحون، ومن شاء الله، وفيها قصورُ الدُّرِّ واليواقيت والذهب، فتهب ريح طيبة من تحت العرش فتدخل عليهم كُثْبَانُ المِسْكِ الأذْفَر الأبيض.

{وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}. أي: رضا الله عنهم أكبر من ذلك، {ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}. روينا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:

يقول الله عزّ وجلّ لأهلِ الجنّةِ: يا أهلَ الجنّة هلْ رضيتُم؟ فيقولون: ربَّنا ما لنا لا نرضى وقد أعطيتَنا ما لم تُعْطِهِ أحداً من خلقك، فيقول: أفلا أعطيكم أفضلَ من ذلك؟ فيقولُونَ: ربنا وأيُّ شيء أفضلُ من ذلك؟ فيقول: أحِلُّ عليكم رِضْوَاني فلا أسخط عليكم بعده أبداً».

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ۝٧٣ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا۟ وَلَقَدْ قَالُوا۟ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُوا۟ بَعْدَ إِسْلَٰمِهِمْ وَهَمُّوا۟ بِمَا لَمْ يَنَالُوا۟ وَمَا نَقَمُوٓا۟ إِلَّآ أَنْ أَغْنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضْلِهِۦ فَإِن يَتُوبُوا۟ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا۟ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ ۝٧٤

قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ}: بالسيف والقتال، {وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ}، واختلفوا في صفة جهاد المنافقين، فقال ابن مسعود: بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وقال: لا تَلْقَ المنافقين إلاّ بوجه مكفهِرّ. وقال ابن عباس: باللسان وترك الرفق. وقال الضحاك: بتغليظ الكلام. وقال الحسن وقتادة: بإقامة الحدود عليهم. {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ} في الآخرة، {جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}. وقال عطاء: نسخت هذه الآية كلَّ شيء من العفو والصفح.

قوله تعالى: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ}، قال ابن عباس:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في ظل حجرة فقال: "إنه سيأتيكم إنسانٌ فينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاء فلا تكلموه"، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "عَلاَمَ تشتمني أنتَ وأصحابُك"؟ فانطلق الرجل، فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله، ما قالوا، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية.

وقال الكلبي:

نزلت في الجُلاَس بن سُوَيد، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم بتبوك، فذكر المنافقين وسمّاهم رجساً وعابهم، فقال جُلاَس: لئن كان محمد صادقاً لنحن شرٌّ من الحمير. فسمعه عامر بن قيس، فقال: أجل إنّ محمداً لصادقٌ وأنتم شرٌّ من الحمير، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المديتة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قال الجلاس: فقال الجلاس: كذب عليّ يا رسول الله، وأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلفا عند المنبر، فقام الجلاس عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما قاله، ولقد كذَبَ عليّ عامر، ثم قام عامر فحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد قاله وما كذَبْتُ عليه، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم أنزل على نبيّك تصديق الصادقِ منّا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون: آمين. فنزل جبريل عليه السلام قبل أن يتفرقا بهذه الآية، حتى بلغ: {فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ}، فقام الجلاس فقال: يارسول الله أسمعُ [اللّهَ عزّ وجلّ] قد عرضَ عليّ التوبة، صدقَ عامرُ بن قيس فيما قاله، لقد قلتُه وأنا أستغفر الله وأتوب إليه، فقَبِلَ رسول الله ذلك منه وحَسُنَتُ توبته.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَـٰمِهِمْ}، أي: أظهروا الكفر بعد إظهار الإِيمان والإِسلام. وقيل: هي سبُّ النّبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: كلمة الكفر قول الجلاس: لئن كان محمد صادقاً لنحن شرٌّ من الحمير. وقيل: كلمة الكفر قولهم:

{ { لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ } } [المنافقون: 8]، وستأتي تلك القصة [في موضعها في سورة المنافقين]، {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ}، قال مجاهد: هَمّ المنافقون بقتل المسلم الذي سمع قولهم: لنحن شر من الحمير، لكي لا يفشيه.

وقيل: هَمّ اثنا عشر رجلاً من المنافقين وقفوا على العقبة في طريق تبوك ليفتِكُوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء جبريل عليه السلام وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وُجُوهَ رَوَاحِلِهم، فأرسل حذيفة لذلك.

وقال السدي: قالوا إذا قدمنا المدينة عقدنا على رأس عبدالله بن أُبي تاجاً، فلم يصلوا إليه.

{وَمَا نَقَمُوۤاْ}، وما كرهوا وما أنكروا منهم، {إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ}. وذلك أن مولى الجُلاَس قُتل، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني عشر ألف درهم فاستغنى. وقال الكلبي: كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم في ضَنَكٍ من العيش، فلما قَدِمَ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم استغنوا بالغنائم.

{فَإِن يَتُوبُواْ} من نفاقهم وكفرهم {يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا}، يعرضوا عن الإِيمان، {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى ٱلدُّنْيَا}، بالخزي، {وَٱلأَخِرَةِ}، أي: وفي الآخرة بالنار، {وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}.

السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ