انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة التوبة

تفسير البغويالآيات 75–107

تفسير سورة التوبة آية آية، من تفسير البغوي.

وَمِنْهُم مَّنْ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءَاتَىٰنَا مِن فَضْلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝٧٥

قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءَاتَـٰنَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} الآية. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، حدثنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبدالله بن حامد الأصفهاني، حدثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم السمرقندي، حدثنا محمد بن نصر، حدثني أبو الأزهر أحمد بن الأزهر، حدثنا مروان بن محمد بن شعيب حدثنا مُعَان بن رفاعة عن علي بن يزيد، عن القاسم بن عبدالرحمن عن أبي أُمامة الباهلي قال:

جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أدْعُ اللَّهَ أن يرزقني مالاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويحك ياثعلبة قليلٌ تُؤدي شُكْرَهُ خيرٌ من كثير لا تُطيقه"، ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله أدْعُ اللَّهَ أن يرزقني مالاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمَالَكَ في رسولِ الله أُسْوَةٌ حسنة؟ والذي نفسي بيده لو أردتُ أن تسَّير الجبال معي ذهباً وفضةً لسَارتْ"، ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله ادْعُ اللَّهَ أن يرزقني مالاً فوالذي بعثك بالحق لئن رزقني اللّهُ مالاً لأعطين كلَّ ذِي حقٍّ حقَّه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللّهمّ ارْزُقْ ثعلبةَ مالاً".

قال: فاتخذ غنماً فَنَمتْ كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها، فنزل وادياً من أوديتها وهي تنمو كالدود، فكان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر ويصلي في غنمه سائر الصلوات، ثم كثُرتْ ونَمتْ حتى تباعد بها عن المدينة، فصار لا يشهد إلا الجمعة، ثم كَثُرتْ فنَمتْ فتباعد أيضاً حتى كان لا يشهد جمعة ولا جماعة. فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقَّى الناسَ يسألهم عن الأخبار، فذكره صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: ما فعل ثعلبة؟ قالوا: يارسول الله اتخذ ثعلبة غنماً ما يسعها وادٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا وَيْحَ ثعلبةَ يا وَيحَ ثعلبة يا ويحَ ثعلبة". فأنزل الله آية الصدقات، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني سليم ورجلاً من جُهينة وكتب لهما أسنان الصدقة، كيف يأخذان، وقال لهما: "مُرّا بثعلبة بن حاطب، و [بفلان]، ورجلٍ من بني سليم فخذا صدقاتهما، فخرجا إلى ثعلبة حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذه إلا جزية ما هذ إلاّ أخت الجزية، انطلقا حتى تفرغا الصدقة ثمّ عُودا إليّ، فانطلقا وسمع بهما السلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بها فلما رأوها قالوا: ما هذه عليك. قال: خذاه فإن نفسي بذلك طيبة، فمرَّا على الناس فأخذا الصدقات، ثم رجعَا إلى ثعلبة، فقال: أروني كتابكما فقرأه، ثم قال: ما هذه إلا أخت الجزية، إذهبا حتى أرى رأيي.

قال: فأقبلا فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكلِّماه قال: يا وَيْحَ ثعلبة يا وَيْحَ ثعلبة، ثم دعا للسُّلمي بخير، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة، فأنزل الله تعالى فيه: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءَاتَـٰنَا مِن فَضْلِهِ} الآية، إلى قوله: {وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال ويحك يا ثعلبة لقد أنزل الله فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فسأله أن يقبل منه الصدقة، فقال: إن الله عزّ وجلّ منعني أن أقبل منك صدقتك، فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عملك وقد أمرتُك أن تطعني، فلما أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبض صدقته، رجع إلى منزله. وقُبض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتى أبا بكر فقال: اقبلْ صدقتي، فقال أبو بكر: لم يقبلها منك رسولُ الله ثم أنا أقبلها؟ فقُبضَ أبو بكر ولم يقبلها. فلّما وَلِيَ عمرُ أتاه: فقال: اقبلْ صدقتي، فقال: لم يقبلها منك رسولُ الله ولا أبو بكر، أنا أقبلها منك؟ فلم يقبلها فلّما وَلِيَ عثمان أتاه فلم يقبلها منه، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان

.

قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: أتى ثعلبة مجلساً من الأنصار فأشهدهم لئن آتاني الله من فضله آتيت منه كل ذي حقّ حقَّه، وتصدقت منه، ووصلت الرحم، وأحسنت إلى القرابة، فمات ابن عم له [فورَّثه] مالاً فلم يف بما قال، فأنزل الله تعالى هذه الآية

وقال الحسن ومجاهد: نزلت في ثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير، وهما من بني عمرو بن عوف، خَرجا على ملأ قعودٍ وقالا: والله لئن رزقنا اللَّهُ [مالاً] لنصدقنّ، فلما رزقهما الله عزّ وجلّ بَخِلاَ به فقوله عزّ وجلّ: {وَمِنْهُمْ}، يعني: المنافقين {مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءَاتَـٰنَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} ولنؤدينّ حقَّ الله منه. {وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ}، نعمل بعمل أهل الصلاح فيه؛ من صلة الرحم والنفقة في الخير.

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضْلِهِۦ بَخِلُوا۟ بِهِۦ وَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ۝٧٦ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُۥ بِمَآ أَخْلَفُوا۟ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ ۝٧٧ أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ ۝٧٨ ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِى ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٧٩

{فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ}.

{فَأَعْقَبَهُمْ}، فأخلفهم، {نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ}، أي: صيّر عاقبة أمرهم النفاق، يقال: أعقب فلاناً ندامةٌ إذا صيّر عاقبة أمره ذلك. وقيل: عاقبهم بنفاق قلوبهم. يُقال: عاقبتُه وأعقبته بمعنى واحد. {إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ}، يريد حرمهم التوبة إلى يوم القيامة، {بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ}.

أخبرنا أبو عبدالله محمد بن الفضل الخرقي، حدثنا أبو الحسن علي بن عبدالله الطيسفوني، حدثنا عبدالله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرنا أبو سهيل نافع بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

آيةُ المنافقِ ثلاث: إذا حدّثَ كذبَ، وإذا وَعَدَ أخلف، وإذا ائتُمِنَ خان».

قوله عز وجل: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ}، يعني: ما أضمروا في قلوبهم وما تناجوا به بينهم، {وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ}.

قوله عز وجل: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} الآية.

قال أهل التفسير:

حثّ رسولُ الله على الصدقة، فجاء عبدالرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، وقال: يارسول الله مالي ثمانية آلاف جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، وأمسكتُ أربعة آلاف لعيالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بارك الله لك فيما أعطيتَ وفيما أمسكتَ"، فبارك الله في ماله حتى أنه خلّف امرأتين يوم مات فبلغ ثُمُنُ ماله لهما مائة وستين ألف درهم. وتصدّق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وَسْقٍ من تمر. وجاء أبو عقيل الأنصاري واسمه الحبحاب بصاع من تمر، وقال: يا رسول الله بتُ ليلتي أجر بالجرير الماءَ حتى نِلتُ صاعين من تمرٍ فأمسكتُ أحدهما لأهلي وأتيتُك بالآخر فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره في الصدقة، فلمزهم المنافقون، وقالوا: ما أعطى عبدالرحمن وعاصم إلا رياءً، وإن الله ورسوله لغنيَّان عن صاع أبي عقيل، ولكنه أراد أن يُذكِّر بنفسه ليعطى من الصدقة"، فأنزل الله عزّ وجلّ:

{ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ} أي: يعيبون {ٱلْمُطَّوِّعِينَ} المتبرعين {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَـٰتِ} يعني: عبدالرحمن بن عوف وعاصماً. {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ}، أي: طاقتهم، يعني: أبا عقيل. والجُهد: الطاقة، بالضم لغة قريش وأهل الحجاز. وقرأ الأعرج بالفتح. وقال القتيبي: الجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة. {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ}، يستهزؤون بهم، {سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ}. أي: جازاهم الله على السخرية، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ ۝٨٠ فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓا۟ أَن يُجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُوا۟ لَا تَنفِرُوا۟ فِى ٱلْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا۟ يَفْقَهُونَ ۝٨١

{ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ}، لفظ أمر، ومعناه خبر، تقديره: أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفرَ الله لهم. {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ}، وذكر عدد السبعين للمبالغة في اليأس عن طمع المغفرة.

وقال الضحاك: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنّ الله قد رخص لي فلأزيدنَّ على السبعين لعلّ الله أن يغفر لهم، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم {سَوَآءٌ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ}.

{ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ}.

{فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ} عن غزوة تبوك. والمخلف: المتروك {بِمَقْعَدِهِمْ} أي بقعودهم {خِلَـٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ}، قال أبو عبيدة: أي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سار وأقاموا، {وَكَرِهُوۤاْ أَن يُجَـٰهِدُواْ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِى ٱلْحَرِّ}، وكانت غزوة تبوك في شدة الحرّ، {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ}، يعلمون وكذلك هو في مصحف عبدالله بن مسعود.

فَلْيَضْحَكُوا۟ قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا۟ كَثِيرًا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ۝٨٢ فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا۟ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تُقَٰتِلُوا۟ مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْخَٰلِفِينَ ۝٨٣ وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِۦٓ إِنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ فَٰسِقُونَ ۝٨٤

{فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً}، في الدنيا، {وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا}، في الآخرة. تقديره: فليضحكوا قليلاً فسيبكون كثيراً، {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}.

أخبرنا الإِمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنبأنا السيد أبو الحسن محمد بن [الحسين العلوي قال: أخبرنا عبدالله بن محمد بن الحسن الشرقي، حدثنا عبدالله بن هاشم، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا شعبة عن موسى بن أنس عن أنس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"ولو تعلمون ما أعلم لضحكتُم قليلاً ولبكيتُم كثيراً".

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة، حدثنا أبو طاهر محمد بن أحمد الحارثي، حدثنا أبو الحسن محمد بن] يعقوب الكسائي حدثنا عبدالله بن محمود، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبدالله الخلال، حدثنا عبدالله بن المبارك عن عمران بن زيد الثعلبي، حدثنا يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

ياأيّها الناس ابكوا، فإن لم تستطيعوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول، ثم تنقطع الدموع، فتسيل الدماء فتقرّح العيون، فلو أن سُفُناً أُجريتْ فيها لَجَرَتْ".

قوله تعالى: {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ} أي: ردّك يامحمد من غزوة تبوك، {إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ}، يعني: من المخلفين. وإنما قال: "طائفة منهم" لأنه ليس كل من تخلف من غزوة تبوك كان منافقاً، {فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ}، معك في غزوة أُخرى، {فَقُلْ}، لهم {لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا} في سفر، {وَلَن تُقَـٰتِلُواْ مَعِىَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}، في غزوة تبوك {فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَالِفِينَ} أي: مع النساء والصبيان، وقيل: مع الزّمْنَى والمرضَى.

وقال ابن عباس: مع الذين تخلّفوا بغير عذر.

وقيل: مع الخالفين. قال الفراء: يقال صاحب خالف إذا كان مخالفاً.

{وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} الآية. قال أهل التفسير:

بعث عبدالله بن أُبيّ ابن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض، فلما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أهلكك حبُّ يهود؟ فقال: يارسول الله إني لم أبعث إليك لتؤنبني، إنما بعثت إليك لتستغفر لي، وسأله أن يكفنه في قميصه ويصلي عليه.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، حدثنا أحمد بن عبدالله النعيمي، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن بكير، حدثني الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبدالله بن عباس، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أنه قال:

لما مات عبدالله بن أُبيّ ابن سلول دُعِىَ له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وَثَبْتُ إليه، فقلت: يارسول الله أتصلي على ابن أُبيٍّ بن سلول وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ أعدِّ عليه قوله، فتبسّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقال: »أخّرْ عني ياعمر» فلما أكثرتُ عليه قال: إني خُيّرتُ فاخترتُ، لو أعلم أني إنْ زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها، قال: فصلَّى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ}، إلى قوله: {وَهُمْ فَـٰسِقُونَ}. قال: فعجبتُ بعدُ من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، والله ورسوله أعلم.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، حدثنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد ابن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبدالله، حدثنا سفيان قال عمرو: سمعتُ جابر بن عبدالله قال: أُتَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عبدَ الله بنَ أُبيّ بعدما أُدخل حفرته فأُمر به فأخرج فوضعه على ركبتيه ونفث في فيه من ريقه وألبسه قميصه، فالله أعلم وكان كَسَا عبّاساً قَمِيصاً.

قال سفيان: وقال هارون: وكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصان فقال ابن عبدالله: يارسول الله [ألبسْ أبي] قميصك الذي يلي جلدك.

ورُوي عن جابر قال: لما كان يوم بدر أُتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب فوجدوا قميص عبدالله بن أُبيّ يقدر عليه، فكساه النبي صلى الله عليه وسلم إياه، فلذلك نزع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه عبدالله. وقال ابن عيينة: كانت له عند النبي صلى الله عليه وسلم يَدٌ فأحبَّ أن يُكافئه.

ورُوي

أن النبي صلى الله عليه وسلم كُلّم فيما فعل بعبدِ الله بنِ أُبيّ، فقال صلى الله عليه وسلم: »وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله شيئاً والله إنى كنتُ أرجو أنْ يُسلم به ألف من قومه"، ورُوى أنه أسلم به ألفٌ من قومه لمّا رأوه يتبرك بقميص النبي صلى الله عليه وسلم.

قوله: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} ولا تَقِفْ عليه، ولا تَتَوَلَّ دَفْنَه، من قولهم: قام فلان بأمر فلان: إذا كفاه أمره. {إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَـٰسِقُونَ}، فما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بعدها على منافق ولا قام على قبره حتى قُبِضَ.

وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ ۝٨٥ وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُوا۟ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَـْٔذَنَكَ أُو۟لُوا۟ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا۟ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ ٱلْقَٰعِدِينَ ۝٨٦ رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ۝٨٧

قوله تعالى: {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِى ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ}.

{وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ}، ذوو الغنى والسَّعة منهم في القعود، {وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَاعِدِينَ}، في رحالهم.

{رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَٰلِفِ}، يعني: النساء. وقيل: مع أدنياء الناس وسفلتهم. يقال: فلانٌ خَالِفَةُ قومه إذا كان دونهم، {وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ}.

لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ جَٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَٰتُ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝٨٨ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ۝٨٩ وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٩٠

{لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ جَـٰهَدُواْ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ}، يعني: الحسنات، وقيل: الجواري الحسان في الجنة، قال الله تعالى: (فيهنَّ خيراتٌ حِسَان)، جمع خَيْرَة، وحكي عن ابن عباس: أَنَّ الخير لا يعلم معناه إلا الله كما قال جلّ ذكرهُ:

{ { فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } } [السجدة:17]. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}.

{أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}.

قوله تعالى: {وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ} الآية، قرأ يعقوب ومجاهد: {المُعْذِرُونَ} بالتخفيف وهم المبالغون في العذر، يقال في المَثَل: «لقد أُعذر من أنذر» أي: بالغ في العذر من قدم النذارة، وقرأ الآخرون: {المعذِّرون} بالتشديد، أي: المقصرون، يقال: عَذَّرَ أي: قصر، وقال الفراء: المعذرون المعتذرون أدغمت التاء في الذال ونُقلت حركة التاء إلى العين.

وقال الضحاك:

المعذرون هم رهط عامر بن الطفيل جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم دفاعاً عن أنفسهم فقالوا: يانبي الله إنْ نحنُ غزونا معك تغير أعراب طيء على حلائلنا وأولادنا ومواشينا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد أنبأني الله من أخباركم وسيغني الله عنكم».

وقال ابن عباس: هم الذين تخلّفوا بعذر بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

{وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}، يعني: المنافقين.

قال أبو عمرو بن العلاء: كلا الفريقين كان مسيئاً قوم تكلفوا عذراً بالباطل، وهم الذين عناهم تعالى بقوله: {وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ}، وقوم تخلّفوا عن غير تكلّف عذر فقعدوا جرأةً على الله تعالى، وهم المنافقون فأوعدهم الله بقوله: {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا۟ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٩١ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا۟ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا۟ مَا يُنفِقُونَ ۝٩٢

ثم ذكر أهل العذر. فقال جلَّ ذكره:

{لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ}، قال ابن عباس: يعني الزَّمْنَى والمشايخ والعجزة. وقيل: هم الصبيان وقيل: النسوان، {وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ}، يعني: الفقراء {حَرَجٌ}، مأثم. وقيل: ضيق في القعود عن الغزو، {إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ}، في مغيبهم وأخلصُوا الإِيمان والعمل لله وبايعُوا الرسول. {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ}، أي: من طريق بالعقوبة، {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. قال قتادة: نزلت في عائذ بن عمرو وأصحابه.

وقال الضحاك: نزلت في عبد الله ابن أم مكتوم وكان ضرير البصر.

قوله تعالى: {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ}، معناه: أنه لا سبيل على الأولين ولا على هؤلاء الذين أتوك وهم سبعة نفر سُمّوا البكّائين: مَعْقِل بن يَسَار، وصَخْر ابن خنساء، وعبدالله بن كعب الأنصاري، وعُلْبة بن زيد الأنصاري، وسالم بن عمير، وثعلبة بن غنمة، وعبدالله بن مُغَفَّل المزني، أَتَوْا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يارسول الله إنّ الله قد ندبنا إلى الخروج معك فاحملنا.

واختلفوا في قوله: {لِتَحْمِلَهُمْ}، قال ابن عباس: سألوه أن يحملهم على الدواب.

وقيل:

سألوه أن يحملهم على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة، ليغزوا معهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم «لا أجدُ ما أحْمِلُكُم عليه» تولَّوا، وهم يبكون، فذلك قوله تعالى: {تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ}.

إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَـْٔذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٩٣ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٩٤ سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ۝٩٥ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ ۝٩٦

{إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ}، بالعقوبة، {عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ}، في التخلّف {وَهُمْ أَغْنِيَآءُ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ} مع النساء والصبيان، {وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}.

{يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ}، يُروى أن المنافقين الذين تخلّفوا عن غزوة تبوك كانوا بضعةً وثمانين نفراً، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم جاؤوا يعتذرون بالباطل. قال الله تعالى: {قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ}، لن نصدقكم، {قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ}، فيما سلف، {وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ}، في المستأنف أتتُوبُون من نفاقكم أم تقيمون عليه؟ {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.

{سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ}، إذا انصرفتم إليهم من غزوكم، {لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ}، لتصفحوا عنهم ولا تؤنبوهم، {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ}، فدعوهم وما اختاروا لأنفسهم من النفاق، {إِنَّهُمْ رِجْسٌ} نجس أي: إن عملَهم قبيح، {وَمَأْوَاهُمْ}، في الآخرة، {جَهَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}.

قال ابن عباس:

نزلت في جد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما وكانوا ثمانين رجلاً من المنافقين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة: "لا تُجالِسُوهم ولا تُكلموهم".

وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن أُبيّ حَلَفَ للنبي صلى الله عليه وسلم بالله الذي لا إله إلا هو لا يتخلف عنه بعدها، وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يرضى عنه، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية: ونزل: {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ}.

ٱلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا۟ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ۝٩٧ وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝٩٨ وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِ أَلَآ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٩٩

{ٱلأَعْرَابِ}، أي: أهل البدو، {أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا}، من أهل الحضر، {وَأَجْدَرُ}، أخلق وأحرى، {أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ}، وذلك لبعدهم عن سماع القرآن ومعرفة السُّنن، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بما في قلوب خلقه، {حَكِيمٌ}، فيما فرض من فرائضه.

{وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا}. قال عطاء: لا يرجو على إعطائه ثواباً، ولا يخاف على إمساكه عقاباً، إنما ينفق خوفاً أو رياءً. والمغرم التزام مالا يلزم. {وَيَتَرَبَّصُ}، وينتظر، {بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ} يعني: صروف الزمان التي تأتي مرة بالخير ومرة بالشر. وقال يمان بن رباب: يعني ينقلب الزمان عليكم فيموت الرسول ويظهر المشركون، {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} عليهم يدور البلاء والحزن، ولا يرون في محمد ودينه إلاّ ما يسوءهم.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: {دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} هاهنا وفي سورة الفتح، بضم السين، معناه: الضر والبلاء والمكروه. وقرأ الآخرون بفتح السين على المصدر. وقيل: بالفتح الردة والفساد، وبالضم الضر والمكروه.

{وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. نزلت في أعراب أسد وغطفان وتميم. ثم استثنى فقال:

{وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}، وقال مجاهد: هم بنو مُقَرِّن من مُزينة. وقال الكلبي: أسلم وغفار وجُهينة.

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن عبدالله الطَّاهريُّ، أنبأنا جدي عبدالصمد بن عبدالرحمن البزاز، أنبأنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري، أنبأنا إسحاق بن إبراهيم الدَّبَريُّ، أنبأنا عبدالرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أسلمُ وغفارٌ وشيءٌ من جُهينة ومُزينة خيرٌ عندَ اللَّهِ يومَ القيامة مِن تميمٍ وأسدِ بن خُزيْمَةَ وهوازنَ وغطفانَ".

{وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَـٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ}، القربات جمع القربة، أي: يطلب القربة إلى الله تعالى، {وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِ}، أي: دعاءه واستغفاره، قال عطاء: يرغبون في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. {أَلاۤ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ}. قرأ نافع برواية ورش "قُرُبة" بضم الراء، والباقون بسكونها. {سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ}، في جنته، {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَٰنٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ۝١٠٠

{وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلأَنْصَـٰرِ} الآية. قرأ يعقوب بالرفع عطفاً على قوله: «والسابقون».

واختلفوا في السابقين الأولين، قال سعيد بن المسيب، وقتادة، وابن سيرين وجماعة: هم الذين صلّوا إلى القبلتين.

وقال عطاء بن أبي رباح: هم أهل بدر.

وقال الشعبي: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان، وكانت بيعة الرضوان بالحديبية.

واختلفوا في أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد امرأته خديجة، مع اتفاقهم على أنّها أولُ من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال بعضهم: أول من آمن وصلّى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو قول جابر، وبه قال مجاهد وابن إسحاق، أسلم وهو ابن عشر سنين.

وقال بعضهم: أول من آمن بعد خديجة أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو قول ابن عباس وإبراهيم النخعي والشعبي.

وقال بعضهم: أول من أسلم زيد بن حارثة، وهو قول الزهري وعروة بن الزبير.

وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يجمع بين هذه الأقوال فيقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر رضي الله عنه، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن العبيد زيد بن حارثة.

قال ابن إسحاق: فلما أسلم أبو بكر رضي الله عنه أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله، وكان رجلاً محبباً سهلاً وكان أنسب قريش وأعلمها بما كان فيها، وكان تاجراً ذَا خُلقٍ ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر؛ لعلمه وحُسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإِسلام من وثق به من قومه، فأسلم على يديه - فيما بلغني -: عثمان بن عفان، والزبير بن العوَّام، وعبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيدالله، فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له فأسلموا وصلّوا، فكان هؤلاء الثمانية النفر الذين سبقوا إلى الإِسلام. ثم تتابع الناس في الدخول إلى الإِسلام، أما السّابقون من الأنصار: فهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، وكانوا ستة في العقبة الأولى، وسبعين في الثانية، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زُرارة مُصعب بن عُمير يعلمهم القرآن، فأسلم معهم خلق كثير وجماعة من النساء والصبيان.

قوله عزّ وجلّ: {وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ} الذينَ هاجروا قومَهم وعشيرتَهم وفارقوا أوطانهم. {وَٱلأَنْصَـٰرِ} أي: ومن الأنصار، وهم الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه من أهل المدينة وآووا أصحابه، {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ}. قيل: بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأوّلين.

وقيل: هم الذين سلكوا سبيلهم في الإِيمان والهجرة أو النصرة إلى يوم القيامة.

وقال عطاء: هم الذين يذكرون المهاجرين والأنصار بالترحم والدعاء.

وقال أبو صخر حميد بن زياد: أتيتُ محمد بن كعب القرظي فقلت له: ما قولك في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة محسنهم ومسيئهم، فقلت: من أين تقول هذا؟ فقال: ياهذا اقْرَأْ قولَ اللَّهِ تعالى: {وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلأَنْصَـٰرِ} إلى أن قال: {رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}، وقال: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ}، شرط في التابعين شريطة وهي أن يتبعوهم في أفعالهم الحسنة دون السيّئة.

قال أبو صخر: فكأني لم أقرأْ هذه الآية قط.

روِّينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

لا تَسُبُّوا أصحابي فوالذي نفسي بيدِهِ لو أنّ أحدكم أنفقَ مثلَ أُحدٍ ذهباً ما أدْركَ مُدَّ أحَدِهم ولا نَصِيفه».

ثم جمعهم الله عزّ وجلّ في الثواب فقال: {رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَـٰرُ}، قرأ ابن كثير: (من تحتها الأنهار)، وكذلك هو في مصاحف أهل مكة،{خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}.

وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ۝١٠١

قوله تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَـٰفِقُونَ}، وهم من مُزينة وجُهينة وأشجع وأسلم وغفار، كانت منازلهم حول المدينة، يقول: من هؤلاء الأعراب منافقون، {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ}، أي: ومن أهل المدينة من الأَوس والخزرج قوم منافقون، {مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ}، أي: مرنوا على النفاق، يقال: تمرد فلان على ربِّه أي: عتا ومرد على معصيته. أي: مرن وثبت عليها واعتادها. ومنه: المريد والمارد. وقال ابن إسحاق: لجوا فيه وأبوا غيرَه.

وقال ابن زيد: أقاموا عليه ولم يتوبوا.

{لاَ تَعْلَمُهُمْ}، أنتَ يا محمد، {نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ}، اختلفوا في هذين العذابين.

قال الكلبي والسدي:

قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً يوم الجمعة فقال: «اخْرُجْ يا فلان فإنّك منافق اخرج يا فلان. أخرجَ ناساً من المسجد وفضحهم، فهذا هو العذاب الأول. والثاني: عذاب القبر».

وقال مجاهد: الأول: القتل والسبي، والثاني: عذاب القبر. عنه رواية أخرى: عُذِّبُوا بالجوع مرتين.

وقال قتادة: الدُّبَيْلة في الدنيا وعذاب القبر.

وقال ابن زيد: الأولى المصائب في الأموال والأولاد في الدنيا، والأُخرى عذاب الآخرة.

وعن ابن عباس: الأولى إقامة الحدود عليهم، والأُخرى عذاب القبر.

وقال ابن إسحاق: هو ما يدخل عليهم من غيظ الإِسلام ودخولهم فيه من غير حسبة ثم عذاب القبر.

وقيل: إحداهما ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، والأخرى عذاب القبر.

وقيل: الأولى إحراق مسجدهم، مسجد الضرار، والأخرى إحراقهم بنار جهنم. {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ}، أي: إلى عذاب جهنم يخلدون فيه.

وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا۟ عَمَلًا صَٰلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝١٠٢

قوله تعالى: {وَآخَرُونَ}، أي: ومن أهل المدينة، أو: من الأعراب آخرون، ولا يرجع هذا إلى المنافقين، {ٱعْتَرَفُواْ}، أقرَّوا، {بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَـٰلِحاً}، وهو إقرارُهم بذنوبهم وتوبتُهم، {وَآخَرَ سَيِّئاً}، أي: بعمل آخر سيء، وضع الواو موضع الباء، كما يُقال: خلطتُ الماءَ واللبن، أي: باللبن.

والعمل السيء هو تخلّفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والعمل الصالح: هو ندامتهم وربطهم أنفسهم بالسواري وقيل: غزواتُهم مع النبي صلى الله عليه وسلم.

{عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}،

نزلت هذه الآية في قوم تخلّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، ثم ندِمُوا على ذلك، وقالوا: نكون في الظِّلال مع النساء، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الجهاد والَّلأواء! فلما قرب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة قالوا والله لَنُوثِقَنّ أنفسَنَا بالسواري فلا نُطلقها حتى يكونَ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقنا، بعذْرُنا، فأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بهم فرآهم، فقال: مَنْ هؤلاء؟ فقالوا هؤلاء الذين تخلفوا عنك فعاهدُوا اللَّهَ عزّ وجلّ أن لا يُطلقوا أنفسَهم حتى تكون أنت تطلقهم وترضى عنهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا أقسم بالله لا أُطْلِقهم ولا أَعذرهم حتى أومر بإطلاقهم، رغبوا عني وتخلّفوا عن الغزو مع المسلمين! فأنزل الله هذه الآية فأرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم، فلما أطلقوا قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خلّفتْنَا عنك فتصدقْ بها وطهرْنَا واستغفرْ لنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أُمرتُ من آخذ من أموالكم شيئاً»، فأنزل الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً} الآية.

واختلفوا في أعداد هؤلاء التائبين، فرُوي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كانوا عشرة منهم أبو لبابة. ورَوَى عطية عنه: أنهم كانوا خمسة أحدهم أبو لبابة. وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم: كانوا ثمانية. وقال الضحاك وقتادة: كانوا سبعة. وقالوا جميعاً: أحدهم أبو لبابة. وقال قوم: نزلت في أبي لبابة خاصة. واختلفوا في ذنبه، قال مجاهد: نزلت في أبي لبابة حين قال لقريظة: إن نزلتم على حكمه فهو الذبح وأشار إلى حلقه.

وقال الزهري: نزلت في تخلّفه عن غزوة تبوك فربط نفسه بسارية، وقال والله لا أحلّ نفسي ولا أذوق طعاماً ولا شراباً، حتى أموتَ أو يتوبَ الله عليَّ! فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى خرّ مغشَّياً عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقيل له: قد تِيْبَ عليك!، فقال: والله لا أحلّ نفسي حتى يكون رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فحلَّه بيده، ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال: يُجزيك يا أبا لبابة الثلث.

قالوا جميعاً: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث أموالهم، وترك الثلثين، لأن الله تعالى قال: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}.

خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝١٠٣

{خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ}، ولم يقل: خذ أموالهم. قال الحسن وقتادة: هؤلاء سوى الثلاثة الذين خُلّفوا.

قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ}، بها من ذنوبهم، {وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}، أي: ترفعهم من منازل المنافقين إلى منازل المخلصين. وقيل: تنمِّي أموالهم، {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ}، أي: ادْعُ لهم واستغفرْ لهم. وقيل: هو قول الساعي [للمصدّق] إذا أخذ الصدقة منه: آجَرَكَ اللَّهُ فيما أعطيتَ وبارَكَ لكَ فيما أبقيت. والصلاةُ في اللغة: الدعاء. {إِنَّ صَلَوَٰتَكَ} قرأ حمزة والكسائي: «صلاتَك» على التوحيد ونصب التاء هاهنا، وفي سورة هود: «أصلاتك» وفي سورة المؤمنين: «على صلاتهم» [كلهن على التوحيد]، وَافَقَهُما حفصٌ هاهنا وفي سورة هود. وقرأ الآخرون بالجمع فيهن ويكسرون التاء هاهنا.

{سَكَنٌ لَّهُمْ}، أي: إن دعاءك رحمة لهم، قاله ابن عباس. وقيل: طمأنينة لهم، وسكون لهم، أن الله عزّ وجلّ قد قَبِلَ منهم. وقال أبو عبيدة: تثبيتٌ لقلوبهم. {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

واختلفوا في وجوب الدعاء على الإِمام عند أخذ الصدقة: فقال بعضهم: يجب. وقال بعضهم: يُستحب. وقال بعضهم: يجب في صدقة الفرض ويستحب في صدقة التطوع. وقيل: يجب على الإِمام ويستحب للفقير أن يدعو للمعطي.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبدالله بن أبي أوْفَى - وكان من أصحاب الشجرة ـ قال:

كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قومُه بصدقةٍ قال: «اللّهمَّ صلِّ عليهم»، فأتاه أبي بصدقته فقال: «اللهمّ صلِّ على آل أبي أَوْفى».

وقال ابن كيسان: ليس هذا في صدقة الفرض إنما هو صدقة كفارة اليمين.

وقال عكرمة: هي صدقة الفرض، فلما نزلت توبة هؤلاء قال الذين لم يتوبوا من المتخلّفين: هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يُكَلَّمُونَ ولا يُجَالَسُون، فما لهم؟ فقال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ}.

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ۝١٠٤ وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝١٠٥ وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ۝١٠٦

{أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ}، أي: يقبلها، {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ}.

أخبرنا عبدالوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبدالعزيز بن أحمد الخلال، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، أنبأنا الربيع بن سليمان، أنبأنا الشافعي، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان، عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال:

سمعتُ أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدّق بصدقةٍ من كسب طيّبٍ، ولا يقبلُ اللَّهُ إلا طيباً ولا يَصْعُدُ إلى السماءِ إلا طيّبٌ إلاّ كأنما يضعها في يد الرحمن عزّ وجلّ فيُربيها له كما يُربي أحدكم فَلُوَّه، حتى أنّ اللّقمةَ لتأتي يومَ القيامة وإنّها لمثلِ الجبلِ العظيمِ، ثم قرأ: {أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ويأخُذُ الصّدقاتِ}.

قوله تعالى: {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، قال مجاهد: هذا وعيد لهم. قيل: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم بإعلام الله تعالى إيّاه، ورؤية المؤمنين بإيقاع المحبة في قلوبهم لأهل الصلاح، والبغضة لأهل الفساد.

قوله تعالى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. قرأ أهل المدينة والكوفة غير أبي بكر: «مرجون» بغير همز، والآخرون: بالهمز، والإِرجاء: التأخير، مرجون: مؤخرون. لأمر الله: لحكم الله عزّ وجلّ فيهم، وهم الثلاثة الذين تأتي قصتهم من بعدُ: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، لم يبالغوا في التوبة والاعتذار كما فعل أبو لبابة، وأصحابه، فوقفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين ليلة ونهى الناس عن مكالمتهم ومخالطتهم، حتى شقهم القلق وضاقت عليهم الأرض بما رَحُبَتْ، وكانوا من أهل بدر فجعل أناسٌ يقولون: هلكوا، وآخرون يقولون: عسى الله أن يغفر لهم، فصاروا مُرْجَئِيْنَ لأمر الله لا يدرون أيعذبهم أم يرحمهم، حتى نزلت توبتهم بعد خمسين ليلة.

وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا ٱلْحُسْنَىٰ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ ۝١٠٧

قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ}، قرأ: أهل المدينة والشام «الذين» بلا واو، وكذلك هو في مصاحفهم، وقرأ الآخرون «والذين» بالواو. {مَسْجِداً ضِرَاراً}، نزلت هذه الآية في جماعة من المنافقين، بنو مسجداً يضارّون به مسجدَ قباء، وكانوا اثني عشر رجلاً من أهل النفاق: وديعة بن ثابت، وجِذام بن خالد، ومن داره أُخْرِجَ هذا المسجد، وثعلبة بن حاطب، وجارية بن عامر، وابناه مجمع وزيد، ومعتب بن قشير، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، وأبو حبيبة بن الأزعر، ونبتل بن الحارث، وبجاد بن عثمان، ورجل يقال له: بَحْزَج، بنوا هذا المسجد ضراراً، يعني: مضارةً للمؤمنين، {وَكُفْراً}، بالله ورسوله، {وَتَفْرِيقًا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}؛ لأنهم كانوا جميعاً يصلُّون في مسجد قباء، فبنوا مسجد الضِّرار، ليصلي فيه بعضهم، فيؤدي ذلك إلى الإِختلاف وافتراق الكلمة، وكان يصلي بهم مجمع بن جارية. فلما فرغوا من بنائه أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجداً لذي العلّة والحاجة، والليلة المَطِيْرة والليلة الشاتية، إنا نحب أن تأتيا وتصلي بنا فيه وتدعو لنا بالبركة، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني على جناح سفرٍ، ولو قَدِمْنَا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه».

{وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ}، أي: انتظاراً وإعداداً لمن حارب الله ورسوله. يقال: أرصد له: إذا أعددت له. وهو أبو عامر الراهب وكان أبو عامر هذا رجلاً منهم، وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة، وكان قد ترهًّب في الجاهلية تنصَّر ولبس المُسُوح، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال له أبو عامر: ما هذا الذي جئتَ به؟ قال: جئت بالحنيفية دين إبراهيم، قال أبو عامر: فإنّا عليها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

«إنك لستَ عليها»، قال: بلى، ولكنّك أدخلت في الحنيفية ما ليس منها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما فعلتُ ولكني جئتُ بها بيضاءَ ناقية»، فقال أبو عامر: أمات الله الكاذبَ منّا طريداً وحيداً غريباً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «آمين»وسماه أبا عامر الفاسق.

فلما كان يوم أُحد قال أبو عامر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أجد قوماً يقاتلونك إلاّ قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حُنين، فلما انهزمت هوازن يئس وخرج هارباً إلى الشام فأرسل إلى المنافقين أنِ استعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، وابْنُوا لي مسجداً فأنا ذاهبٌ إلى قيصر ملك الروم فآتِ بجندٍ من الروم، فأخْرِج محمداً وأصحابه، فبنوا مسجدَ الضرار إلى جنب مسجد قباء، فذلك قوله تعالى: {وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}، وهو أبو عامر الفاسق، ليصلي فيه إذا رجع من الشام.

قوله: {مِن قَبْلُ} يرجع إلى أبي عامر يعني حارب الله ورسوله من قبل أي: من قبل بناء مسجد الضرار.

{وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا}، ما أردنا ببنائه، {إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ}، إلا الفعلة الحسنى وهو الرفق بالمسلمين والتوسعة على أهل الضعف والعجز عن المسير إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

{وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ}، في قولهم وحلفهم. رُوي أنه

لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك ونزل بذي أوَان موضع قريب من المدينة أتوه فسألوه إتيان مسجدهم فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم، فنزل عليه القرآن وأخبره الله تعالى خبر مسجد الضرار وما همّوا به، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدُّخْشُم، ومعن بن عدي، وعامر بن السكن، ووحشياً قاتل حمزة، وقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهلُه، فاهدمُوه واحرقوه، فخرجوا سريعاً حتى أتوا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدُّخْشُم، فقال مالك: أَنْظِرُونِي حتى أخرج إليكم بنار من أهلي، فدخل أهله فأخذ سَعَفاً من النخل وأشعل فيه ناراً، ثم خرجوا يشتدّون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله فحرقوه وهدموه وتفرّق عنه أهله، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتّخذ ذلك كناسة تلقى فيه الجيف والنتن والقمامة. ومات أبو عامر الراهب بالشام وحيداً فريداً غريباً.

ورُوي أن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء، أتوا عمر بن الخطاب في خلافته ليأذن لمجمع ابن حارثة فيؤمهم في مسجدهم، فقال: لا، ولا نعمت عين، أليس بإمام مسجد الضرار؟ فقال له مجمع: يا أمير المؤمنين: لا تعجل عليّ، فواللّهِ لقد صليت فيه وأني لا أعلم ما أضمروا عليه، ولو علمتُ ما صليتُ معهم فيه، كنتُ غلاماً قارئاً للقرآن، وكانوا شيوخاً لا يقرؤون القرآنَ فصليت ولا أحسب إلا أنهم يتقربون إلى الله تعالى، ولم أعلم ما في أنفسهم فعذره عمر وصدقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء. وقال عطاء: لما فتح الله على عمر الأمصار أمر المسلمين أن يبنوا المساجد، وأمرهم أنْ لا يبنوا في مدينتهم مسجدين يضار أحدُهما صاحبَه.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ