انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة هود

تفسير القرطبيالآيات 28–47

تفسير سورة هود آية آية، من تفسير القرطبي.

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَٰرِهُونَ ۝٢٨ وَيَٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ۝٢٩ وَيَٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ۝٣٠ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ إِنِّىٓ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٣١

قوله تعالى: {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ} أي على يقين؛ قاله أبو عِمران الجُونيّ. وقيل: على معجزة؛ وقد تقدّم في «الأنعام» هذا المعنى. {وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ} أي نبوّة ورسالة؛ عن ٱبن عباس؛ وهي رحمة على الخلق. وقيل: الهداية إلى الله بالبراهين. وقيل: بالإيمان والإسلام. «فَعَمِيَتْ عَلَيْكُمْ» أي عمِيت عليكم الرسالة والهداية فلم تفهموها. يقال: عَمِيتُ عن كذا، وعَمِي عليّ كذا أي لم أفهمه. والمعنى: فَعمِيت الرحمةُ؛ فقيل: هو مقلوب؛ لأن الرحمة لا تَعمَى إنما يُعمَى عنها؛ فهو كقولك: أدخلت في القَلَنْسُوة رأسي، ودخل الخفُّ في رجلي. وقرأها الأعمش وحمزة والكسائي {فَعُمِّيَتْ} بضم العين وتشديد الميم على ما لم يُسمَّ فاعله؛ أي فعمّاها الله عليكم؛ وكذا في قراءة أُبيّ «فعَمَّاها» ذكرها الماورديّ. {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} قيل: شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: الهاء ترجع إلى الرحمة. وقيل: إلى البينة؛ أي أنلزمكم قبولها، وأُوجبها عليكم؟ٰ وهو استفهام بمعنى الإنكار؛ أي لا يمكنني أن أضطركم إلى المعرفة بها؛ وإنما قصد نوح عليه السلام بهذا القول أن يردّ عليهم. وحكى الكسائيّ والفرّاء «أَنُلْزِمْكُمُوهَا» بإسكان الميم الأولى تخفيفاً؛ وقد أجاز مثل هذا سيبويه، وأنشد:

فاليومَ أَشربْ غيرَ مُستَحْقِبٍإِثْماً مِنَ اللَّهِ وَلاَ وَاغِلِ

وقال النحاس: ويجوز على قول يونس في غير القرآن أنلزمكمها يجري المضمر مجرى المظهر؛ كما تقول: أنلزمكم ذلك. {وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} أي لا يصح قبولكم لها مع الكراهة عليها. قال قتادة: والله لو ٱستطاع نبي الله نوح عليه السلام لألزمها قومه ولكنه لم يملك ذلك.

قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي على التبليغ، والدعاء إلى الله، والإيمان به أجراً أي {مَالاً} فيثقل عليكم. {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} أي ثوابي في تبليغ الرسالة. {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} سألوه أن يطرد الأراذل الذين آمنوا به، كما سألت قريش النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يطرد الموالي والفقراء، حسب ما تقدّم في «الأنعام» بيانه؛ فأجابهم بقوله: {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّلاَقُو رَبِّهِمْ} يحتمل أن يكون قال هذا على وجه الإِعظام لهم بلقاء الله عزّ وجلّ، ويحتمل أن يكون قاله على وجه الاختصام؛ أي لو فعلت ذلك لخاصموني عند الله، فيجازيهم على إيمانهم، ويجازي من طردهم. {وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ} في ٱسترذالكم لهم، وسؤالكم طردهم.

قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ} قال الفرّاء: أي يمنعني من عذابه. {إِن طَرَدتُّهُمْ} أي لأجل إيمانهم. {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أدغمت التاء في الذال. ويجوز حذفها فتقول: تَذَكَّرون.

قوله تعالى: {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} أخبر بتذلّله وتواضعه لله عزّ وجلّ، وأنه لا يدّعي ما ليس له من خزائن الله؛ وهي إنعامه على من يشاء من عباده؛ وأنه لا يعلم الغيب؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله عزّ وجلّ. {وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} أي لا أقول إن منزلتي عند الناس منزلة الملائكة. وقد قالت العلماء: الفائدة في الكلام الدلالة على أن الملائكة أفضل من الأنبياء؛ لدوامهم على الطاعة، وٱتصال عباداتهم إلى يوم القيامة، صلوات الله عليهم أجمعين. وقد تقدّم هذا المعنى في «البقرة». {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ} أي تستثقل وتحتقر أعينكم؛ والأصل تزدريهم حذفت الهاء والميم لطول الاسم. والدّال مبدلة من تاء؛ لأن الأصل في تزدري تَزْتَرِي، ولكن التّاء تبدل بعد الزاي دالا؛ لأن الزّاي مجهورة والتّاء مهموسة، فأبدل من التاء حرف مجهور من مخرجها. ويقال: أَزْرَيتُ عليه إذا عِبتَه. وزرَيتُ عليه إذا حقَّرته. وأنشد الفرّاء:

يُباعدهُ الصديقُ وتَزْدَريهِحَلِيلتُهُ ويَنْهَرُه الصَّغيرُ

{لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً} أي ليس لاحتقاركم لهم تبطل أجورهم، أو ينقص ثوابهم. {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ} فيجازيهم عليه ويؤاخذهم به. {إِنِّيۤ إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} أي إن قلت هذا الذي تقدّم ذكره. و «إِذًا» ملغاة؛ لأنها متوسطة.

قَالُوا۟ يَٰنُوحُ قَدْ جَٰدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَٰلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝٣٢ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ۝٣٣ وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۝٣٤ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ ۝٣٥

قوله تعالى: {قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} أي خاصمتنا فأكثرت خصومتنا وبالغت فيها. والجَدَل في كلام العرب المبالغة في الخصومة؛ مشتق من الجَدْل وهو شدّة الفَتْل؛ ويقال للصقر أيضاً أَجْدَل لشدّته في الطّير؛ وقد مضى هذا المعنى في «الأنعام» بأشبع من هذا. وقرأ ٱبن عباس «فَأَكْثَرْتَ جَدَلَنَا» ذكره النحاس. والجَدَل في الدين محمود؛ ولهذا جادل نوح والأنبياء قومهم حتى يظهر الحق، فمن قَبِله أنجح وأفلح، ومن ردّه خاب وخَسِر. وأما الجِدال لغير الحقّ حتى يظهر الباطل في صورة الحقّ فمذموم، وصاحبه في الدّارين ملوم. {فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَآ} أي من العذاب. {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} في قولك.

قوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ} أي إن أراد إهلاككم عذّبكم. {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} أي بفائتين. وقيل: بغالبين بكثرتكم، لأنهم أعجبوا بذلك؛ كانوا مَلَؤوا الأرض سهلاً وجبلاً على ما يأتي.

قوله تعالى: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ} إي إبلاغي واجتهادي في إيمانكم. {إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ} أي لأنكم لا تقبلون نصحاً؛ وقد تقدّم في «براءة» معنى النصح لغة. {إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} أي يضلّكم. وهذا مما يدلّ على بطلان مذهب المعتزلة والقَدَرية ومن وافقهما؛ إذ زعموا أن الله تعالى لا يريد أن يَعصي العاصي، ولا يَكفر الكافر، ولا يَغوي الغاوي؛ وأنه يفعل ذلك، والله لا يريد ذلك؛ فردّ الله عليهم بقوله: {إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ}. وقد مضى هذا المعنى في «الفاتحة» وغيرها. وقد أكذبوا شيخهم اللعين إبليس على ما بيّنّاه في «الأعراف» في إغواء الله تعالى إيّاه حيث قال:

{ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي }[الأعراف: 16] ولا محيص لهم عن قول نوح عليه السلام: {إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} فأضاف إغواءهم إلى الله سبحانه وتعالى؛ إذ هو الهادي والمضل؛ سبحانه عما يقول الجاحدون والظالمون عُلُوًّا كبيراً. وقيل: {أَنْ يُغْوِيَكُمْ} يهلككم؛ لأن الإضلال يُفضي إلى الهلاك. الطَّبريّ: {يُغْوِيَكُمْ} يهلككم بعذابه؛ حكي عن طيء: أصبح فلان غاوياً أي مريضاً، وأغويته أهلكته؛ ومنه « { فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا }». {هُوَ رَبُّكُمْ} فإليه الإغواء، وإليه الهداية. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تهديد ووعيد.

قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} يعنون النبي صلى الله عليه وسلم. ٱفترى ٱفتعل؛ أي اختلق القرآن من قِبل نفسه، وما أخبر به عن نوح وقومه؛ قاله مقاتل. وقال ابن عباس: هو من محاورة نوح لقومه وهو أظهر؛ لأنه ليس قبله ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه؛ فالخطاب منهم ولهم. {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ} أي اختلقته وافتعلته، يعني الوحي والرسالة. {فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} أي عقاب إجرامي، وإن كنت مُحقاً فيما أقوله فعليكم عقاب تكذيبي. والإجرام مصدر أجرم؛ وهو اقتراف السَّيئة. وقيل (المعنى): أي جزاء جُرْمي وكَسْبي. وجَرَم وأَجْرَم بمعنى؛ عن النحاس وغيره. قال:

طَريدُ عَشيرةٍ ورَهينُ جُرْمٍبما جَرَمَتْ يَدِي وجَنَى لِسَانِي

ومن قرأ «أَجْرَامِي» بفتح الهمزة ذهب إلى أنه جمع جُرْم؛ وذكره النحاس أيضاً. {وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ} أي من الكفر والتكذيب.

وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ۝٣٦ وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ۝٣٧

قوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} «أنه» في موضع رفع على أنه اسم ما لم يُسمَّ فاعله. ويجوز أن يكون في موضع نصب، ويكون التقدير بـ «ـأنه». و {آمَنَ} في موضع نصب بـ {ـيؤمن} ومعنى الكلام الإياس من إيمانهم، واستدامة كفرهم، تحقيقاً لنزول الوعيد بهم. قال الضحاك: فدعا عليهم لما أخبر بهذا فقال:

{ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً }[نوح: 26] الآيتين. وقيل: إن رجلاً من قوم نوح حمل ابنه على كتفه، فلما رأى الصبي نوحاً قال لأبيه: أعطني حجراً؛ فأعطاه حجراً، ورمى به نوحاً عليه السلام فأدماه؛ فأوحى الله تعالى إليه {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ}. {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} أي فلا تغتَمّ بهلاكهم حتى تكون بائساً؛ أي حزيناً. والبؤس الحزن؛ ومنه قول الشاعر:

وكم مِن خليلٍ أو حميم رُزِئتهفلم أبتئسْ والرُّزءُ فيه جَلِيلُ

يقال: ابتأس الرجل إذا بلغه شيء يكرهه. والابتئاس حزن في استكانة.

قوله تعالى: {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} أي اعمل السفينة لتركبها أنت ومن آمن معك. {بِأَعْيُنِنَا} أي بمرأى منا وحيث نراك. وقال الرّبيع بن أنس: بحفظنا إياك حفظ من يَراك. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بحراستنا؛ والمعنى واحد؛ فعبّر عن الرؤية بالأعين؛ لأن الرؤية تكون بها. ويكون جمع الأعين للعظمة لا للتكثير؛ كما قال تعالى:

{ فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ }[المرسلات: 23] «فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ» { وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ }[الذاريات: 47]. وقد يرجع معنى الأعين في هذه الآية وغيرها إلى معنى عين؛ كما قال: { وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ }[طه: 39] وذلك كله عبارة عن الإدراك والإحاطة، وهو سبحانه منّزه عن الحواسّ والتشبيه والتكييف؛ لا ربّ غيره. وقيل: المعنى «بِأَعْيُنِنَا» أي بأعين ملائكتنا الذين جعلناهم عيوناً على حِفظك ومعونتك؛ فيكون الجمع على هذا التكثير على بابه. وقيل: {بِأَعْيُنِنَا} أي بعلمنا؛ قاله مقاتل: وقال الضّحاك وسفيان: {بِأَعْيُنِنَا} بأمرنا. وقيل: بوحينا. وقيل: بمعونتنا لك على صنعها. {وَوَحْيِنَا} أي على ما أوحينا إليك من صنعتها. {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} أي لا تطلب إمهالهم فإني مغرقهم.

وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ۝٣٨ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ۝٣٩ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌ ۝٤٠

قوله تعالى: {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ} أي وطفق يصنع. قال زيد بن أسلم: مكث نوح صلى الله عليه وسلم مائة سنة يَغرس الشّجر ويقطعها وييبسها، ومائة سنة يعملها. وروى ابن القاسم عن ابن أشرس عن مالك قال: بلغني أن قوم نوح مَلَؤوا الأرض، حتى مَلَؤوا السّهل والجبل، فما يستطيع هؤلاء أن ينزلوا إلى هؤلاء، ولا هؤلاء أن يصعدوا إلى هؤلاء؛ فمكث نوح يَغرس الشجر مائة عام لعمل السّفينة، ثم جمعها ييبسها مائة عام، وقومه يسخرون؛ وذلك لما رأوه يصنع من ذلك؛ حتى كان من قضاء الله فيهم ما كان. وروي عن عمرو بن الحارث قال: عمل نوح سفينته ببقاع دمشق، وقطع خشبها من جبل لبنان. وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ: لما استنقذ الله سبحانه وتعالى مَن في الأصلاب والأرحام من المؤمنين أوحى الله إليه. {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فٱصنع الفلك} قال: يا رب ما أنا بنجّار، قال: «بلى فإن ذلك بعيني» فأخذ القدوم فجعله بيده، وجعلت يده لا تُخطىء، فجعلوا يمرّون به ويقولون: هذا الذي يزعم أنه نبيّ صار نجّاراً؛ فعملها في أربعين سنة.

وحكى الثّعلبيّ وأبو نصر القُشَيريّ عن ابن عباس قال: ٱتخذ نوح السفينة في سنتين. زاد الثّعلبيّ: وذلك لأنه لم يعلم كيف صنعة الفلك، فأوحى الله إليه أن ٱصنعها كجُؤْجُؤ الطائر. وقال كعب: بناها في ثلاثين سنة، والله أعلم. المهدويّ: وجاء في الخبر أن الملائكة كانت تعلّمه كيف يصنعها. وٱختلفوا في طولها وعرضها؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما كان طولها ثلثمائة ذراع، وعرضها خمسون، وسمكها ثلاثون ذراعاً؛ وكانت من خشب السّاج، وكذا قال الكَلْبيّ وقَتَادة وعِكْرمة كان طولها ثلثمائة ذراع، والذّراع إلى المَنْكِب. قاله سلمان الفارسيّ. وقال الحسن البصريّ: إن طول السّفينة ألف ذراع ومائتا ذراع، وعرضها ستمائة ذراع. وحكاه الثّعلبيّ في كتاب العرائس. وروى عليّ بن زيد عن يوسف بن مِهران عن ابن عباس قال قال الحواريون لعيسى عليه السلام: لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة يحدّثنا عنها، فٱنطلق بهم حتى انتهى إلى كَثِيب من تراب فأخذ كفًّا من ذلك التراب، قال أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (هذا كعب حام بن نوح) قال فضرب الكثيب بعصاه وقال: قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب من رأسه، وقد شاب؛ فقال له عيسى: أهكذا هلكت؟ قال: لا بل متُّ وأنا شابّ، ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثَمَّ شِبت. قال: أخبرنا عن سفينة نوح؟ قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، طبقة فيها الدوابّ والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطّير. وذكر باقي الخبر على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. وقال الكَلْبيّ فيما حكاه النقاش: ودخل الماء فيها أربعة أذرع، وكان لها ثلاثة أبواب؛ باب فيه السبّاع والطير، وباب فيه الوحش، وباب فيه الرجال والنساء. ٱبن عباس جعلها ثلاث بطون؛ البطن الأسفل للوحوش والسباع والدواب، والأوسط للطعام والشراب، وركب هو في البطن الأعلى، وحمل معه جسد آدم عليه السلام معترضاً بين الرجال والنساء، ثم دفنه بعدُ ببيت المقدس؛ وكان إبليس معهم في الكَوْثَل. وقيل: جاءت الحيّة والعقرب لدخول السفينة فقال نوح: لا أحملكما؛ لأنكما سبب الضرر والبلاء، فقالتا: احملنا فنحن نضمن لك ألا نضرّ أحداً ذَكَرك؛ فمن قرأ حين يخاف مَضَرَّتهما

{ سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ }[الصافات: 79] لم تضرّاه؛ ذكره القشيريّ وغيره. وذكر الحافظ ابن عساكر في التاريخ له مرفوعاً من حديث أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال حين يمسي صلى الله على نوح وعلى نوح السلام لم تلدغه عقرب تلك الليلة" قوله تعالى: {وَكُلَّمَا} ظرف. {مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ}. قال الأخفش والكِسائي يقال: سَخرتُ به ومنه. وفي سخريتهم منه قولان: أحدهما ـ أنهم كانوا يرونه يبني سفينته في البر، فيسخرون به ويستهزئون ويقولون: يا نوح صرت بعد النبوّة نجاراً. الثاني ـ لما رأوه يبني السفينة ولم يشاهدوا قبلها سفينة بنيت قالوا: يا نوح ما تصنع؟ قال: أبني بيتاً يمشي على الماء؛ فعجبوا من قوله وسخروا منه. قال ٱبن عباس: ولم يكن في الأرض قبل الطوفان نهر ولا بحر؛ فلذلك سخروا منه؛ ومياه البحار هي بقية الطوفان. {قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا} أي من فعلنا اليوم عند بناء السفينة. {فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ} غداً عند الغرق. والمراد بالسخرية هنا الاستجهال؛ ومعناه إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلونا.

قوله تعالى: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ}

تهديد، و {مَنْ} متصلة بـ {ـسَوْفَ تَعْلَمُونَ} و {تعلمون} هنا من باب التعدية إِلى مفعول؛ أي فسوف تعلمون الذي يأتيه العذاب. ويجوز أن تكون {مَن} استفهامية؛ أي أيّنا يأتيه العذاب؟. وقيل: {مَن} في موضع رفع بالابتداء و {يَأْتِيهِ} الخبر، و {يُخْزِيهِ} صفة لـ {ـعذاب}. وحكى الكسائي: أن أناساً من أهل الحجاز يقولون: سو تعلمون؛ وقال من قال: «ستعلمون» أسقط الواو والفاء جميعاً. وحكى الكوفيون: سفْ تعلمون؛ ولا يعرف البصريون إلا سوف تفعل، وستفعل لغتان ليست إحداهما من الأخرى {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ} أي يجب عليه وينزل به. {عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أي دائم، يريد عذاب الآخرة.

قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} اختلف في التنور على أقوال سبعة: الأول ـ أنه وجه الأرض، والعرب تسمي وجه الأرض تنوراً؛ قاله ابن عباس وعِكرمة والزّهري وابن عيينة؛ وذلك أنه قيل له: إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك. الثاني ـ أنه تنور الخبز الذي يخبز فيه؛ وكان تنوراً من حجارة؛ وكان لحوّاء حتى صار لنوح؛ فقيل له: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك. وأنبع الله الماء من التنور، فعلمت به ٱمرأته فقالت: يا نوح فار الماء من التنور؛ فقال: جاء وعد ربي حقاً. هذا قول الحسن؛ وقاله مجاهد وعطية عن ابن عباس. الثالث ـ أنه موضع اجتماع الماء في السفينة؛ عن الحسن أيضاً. الرابع ـ أنه طلوع الفجر، ونور الصبح؛ من قولهم: نوّر الفجر تنويراً؛ قاله عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. الخامس ـ أنه مسجد الكوفة؛ قاله عليّ بن أبي طالب أيضاً؛ وقاله مجاهد. قال مجاهد: كان ناحية التنور بالكوفة. وقال: اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة، وكان التنور على يمين الدّاخل مما يلي كندة. وكان فوران الماء منه علماً لنوح، ودليلاً على هلاك قومه. قال الشاعر وهو أمية:

فار تنّورُهم وجاشَ بماءٍصار فوق الجبالِ حتّى عَلاها

السادس: أنه أعالي الأرض، والمواضع المرتفعة منها؛ قاله قتادة.

السابع: أنه العين التي بالجزيرة «عين الوردة» رواه عِكرمة. وقال مقاتل: كان ذلك تنور آدم، وإنما كان بالشام بموضع يقال له: «عين وَرْدَة» وقال ابن عباس أيضاً: فار تنور آدم بالهند. قال النحاس: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة؛ لأن الله عز وجل أخبرنا أن الماء جاء من السماء والأرض؛ قال:

{ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً }[القمر: 11]. فهذه الأقوال تجتمع في أن ذلك كان علامة. والفَوَران الغَلَيان. والتنور ٱسم أعجميّ عربته العرب، وهو على بناء فَعّل؛ لأنّ أصل بنائه تَنّر، وليس في كلام العرب نون قبل راء. وقيل: معنى «فَارَ التَّنُّورُ» التمثيل لحضور العذاب؛ كقولهم: حمِي الوطيس إذا ٱشتدت الحرب. والوطيس التنور. ويقال: فارت قِدر القوم إذا اشتد حربهم؛ قال شاعرهم:

تركتم قِدْرَكم لا شيء فيهاوقِدْرُ القوم حاميةٌ تَفُورُ

قوله تعالى: {قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} يعني ذكراً وأنثى؛ لبقاء أصل النسل بعد الطوفان. وقرأ حفص: «مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ» بتنوين «كل» أي من كل شيء زوجين. والقراءتان ترجعان إلى معنًى واحدٍ: (شيء) معه آخر لا يستغنى عنه. ويقال للاثنين: هما زوجان، في كل ٱثنين لا يَستغني أحدهما عن صاحبه؛ فإن العرب تسمي كل واحد منهما زوجاً. يقال: له زوجا نعلٍ إذا كان له نعلان. وكذلك عنده زوجا حمامٍ، وعليه زوجا قيود؛ قال الله تعالى: { وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ }[النجم: 45]. ويقال للمرأة هي زوج الرجل، وللرجل هو زوجها. وقد يقال للاثنين هما زوج، وقد يكون الزوجان بمعنى الضربين، والصنفين، وكل ضرب يدعى زوجاً؛ قال الله تعالى: { { وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ }[الحج: 5] أي من كلِّ لون وصنف. وقال الأعشى:

وكل زوجٍ من الدّيباجِ يَلبَسهأبو قُدامة محبوٌّ بذاك مَعَا

أراد كل ضرب ولون. و {مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ} في موضع نصب بـ {ٱحمل}. {ٱثنين} تأكيد. {وَأَهْلَكَ} أي وٱحمل أهلك. {إِلاَّ مَن سَبَقَ}. «مَن» في موضع نصب بالاستثناء. {عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} منهم أي بالهلاك؛ وهو ٱبنه كنعان وٱمرأته وَاعِلَة كانا كافرين. {وَمَنْ آمَنَ} قال الضحاك وٱبن جريج: أي ٱحمل من آمن بي، أي من صدّقك؛ فـ «من» في موضع نصب بـ {ـاحمل}. {وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} قال ٱبن عباس رضي الله عنهما: آمن مِن قومه ثمانون إنساناً، منهم ثلاثة من بنيه؛ سام وحام ويافث، وثلاث كنائِن له. ولما خرجوا من السفينة بنوا قرية وهي اليوم تدعى قرية الثمانين بناحية الموصل. وورد في الخبر أنه كان في السفينة ثمانية أنفس؛ نوح وزوجته غير التي عوقبت، وبنوه الثلاثة وزوجاتهم؛ وهو قول قتادة والحكم بن عتيبة وابن جريج ومحمد بن كعب؛ فأصاب حام ٱمرأته في السفينة، فدعا نوح الله أن يغير نطفته فجاء بالسودان. قال عطاء: ودعا نوح على حام ألا يعدو شعر أولاده آذانهم، وأنهم حيثما كان ولده يكونون عبيداً لولد سام ويافث. وقال الأعمش: كانوا سبعة؛ نوح وثلاث كنائن وثلاثة بنين؛ وأسقط امرأة نوح. وقال ٱبن إسحق: كانوا عشرة سوى نسائهم؛ نوح وبنوه سام وحام ويافث، وستة أناس ممن كان آمن به، وأزواجهم جميعاً. و {قَلِيلٌ} رفع بآمن، ولا يجوز نصبه على الاستثناء؛ لأن الكلام قبله لم يتم، إلا أن الفائدة في دخول «إلا» و «ما» لأنك لو قلت: آمن معه فلان وفلان جاز أن يكون غيرهم قد آمن؛ فإذا جئت بما وإلا، أوجبت لما بعد إلا ونفيت عن غيرهم.

وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٤١ وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ يَٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٤٢ قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ ۝٤٣ وَقِيلَ يَٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٤٤

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا} أمر بالركوب؛ ويحتمل أن يكون من الله تعالى، ويحتمل أن يكون من نوح لقومه. والركوب العلوّ على ظهر الشيء. ويقال: ركبه الدّيْن. وفي الكلام حذف؛ أي ٱركبوا الماء في السفينة. وقيل: المعنى ٱركبوها. و «في» للتأكيد كقوله تعالى:

{ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ }[يوسف: 43] وفائدة «في» أنهم أمروا أن يكونوا في جوفها لا على ظهرها. قال عِكرمة: ركب نوح عليه السلام في الفلك لعشر خلون من رجب، وٱستوت على الجُوديّ لعشر خلون من المحرم؛ فذلك ستة أشهر؛ وقاله قَتَادة وزاد؛ وهو يوم عاشوراء؛ فقال لمن كان معه: من كان صائماً فليتم صومه، ومن لم يكن صائماً فليصمه. وذكر الطبريّ في هذا حديثاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أن نوحاً ركب في السفينة أوّل يوم من رجب، وصام الشهر أجمع، وجرت بهم السفينة إلى يوم عاشوراء، ففيه أرست على الجوديّ، فصامه نوح ومن معه. وذكر الطبريّ عن ابن إسحق ما يقتضي أنه أقام على الماء نحو السنة، ومرت بالبيت فطافت به سبعاً، وقد رفعه الله عن الغرق فلم ينله غرق، ثم مضت إلى اليمن ورجعت إلى الجوديّ فاستوت عليه.

قوله تعالى: {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا} قراءة أهل الحرمين وأهل البصرة بضم الميم فيهما إلا من شذ، على معنى بسم الله إجراؤها وإرساؤها؛ فمجراها ومرساها في موضع رفع بالابتداء؛ ويجوز أن تكون في موضع نصب، ويكون التقدير: بسم الله وقت إجرائها ثم حذف وقت، وأقيم «مجراها» مقامه. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي: «بِسمِ ٱللَّهِ مَجْرِيهَا» بفتح الميم و «مُرْسَاهَا» بضم الميم. وروى يحيـى بن عيسى عن الأعمش عن يحيـى بن وثّاب «بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمَرْسَاهَا» بفتح الميم فيهما؛ على المصدر من جَرت تَجري جرياً ومجَرًى، ورَست رُسوًّا ومَرْسىً إذا ثبتت. وقرأ مجاهد وسليمان بن جُنْدُب وعاصم الجَحْدَريّ وأبو رَجاء العُطَارِدِيّ: «بِسْمِ ٱللَّهِ مُجْرِيهَا وَمُرْسِيَها» نعت لله عز وجل في موضع جر. ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ؛ أي هو مُجريها ومُرسيها. ويجوز النصب على الحال. وقال الضحّاك: كان نوح عليه السلام إذا قال بسم الله مَجراها جرت، وإذا قال بسم ٱلله مَرساها رست. وروى مروان بن سالم عن طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز عن الحسين بن عليّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

أمَانٌ لأمتي من الغرق إذا ركبوا في الفلك بسم الله الرحمن الرحيم" { { وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ }[الزمر:67] {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وفي هذه الآية دليل على ذكر البسملة عند ٱبتداء كل فعل؛ كما بيّناه في البسملة، وٱلحمد لله. {إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي لأهل السفينة. وروي عن ابن عباس قال: لما كثرت الأرواث والأقذار أوحى الله إلى نوح ٱغمز ذنب الفيل، فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث؛ فقال نوح: لو غمزت ذنب هذا الخنزير ففعل، فخرج منه فأر وفأرة فلما وقعا أقبلا على السفينة وحبالها تقرضها، وتقرض الأمتعة والأزواد حتى خافوا على حبال السفينة؛ فأوحى الله إلى نوح أن ٱمسح جبهة الأسد فمسحها، فخرج منها سِنّوران فأكلا الفئرة. ولما حمل الأسد في السفينة قال: يا رب من أين أطعمه؟ قال: سوف أشغله، فأخذته ٱلحُمَّى؛ فهو الدهرَ محموم. قال ابن عباس: وأوّل ما حمل نوح من البهائم في الفلك حمل الإوزّة، وآخر ما حمل حمل الحمار؛ قال: وتعلق إبليس بذنبه، ويداه قد دخلتا في السفينة، ورجلاه خارجة بعد، فجعل الحمار يضطرب ولا يستطيع أن يدخل، فصاح به نوح: ٱدخل ويلك فجعل يضطرب؛ فقال: ٱدخل ويلك وإن كان معك الشيطان؛ كلمة زلّت على لسانه، فدخل ووثب الشيطان فدخل. ثم إن نوحاً رآه يغنِّي في السفينة، فقال له: يا لعين ما أدخلك بيتي؟ٰ قال: أنت أذنت لي؛ فذكر له؛ فقال له: قم فاخرج. قال: ما لك بدّ في أن تحملني معك؛ فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك. وكان مع نوح عليه السلام خرزتان مضيئتان، واحدة مكان الشمس، والأخرى مكان القمر. ابن عباس: إحداهما بيضاء كبياض النهار، والأخرى سوداء كسواد الليل؛ فكان يعرف بهما مواقيت الصلاة؛ فإذا أمسوا غلب سواد هذه بياض هذه، وإذا أصبحوا غلب بياض هذه سواد هذه؛ على قدر الساعات.

قوله تعالى: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ} الموج جمع موجة؛ وهي ما ارتفع من جملة الماء الكثير عند اشتداد الريح. والكاف للتشبيه، وهي في موضع خفض نعت للموج. وجاء في التفسير أن الماء جاوز كل شيء بخمسة عشر ذراعاً. {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ} قيل: كان كافراً واسمه كنعان. وقيل: يام. ويجوز على قول سيبويه: {ونادى نوح ٱبنه} بحذف الواو من {ابنه} في اللفظ، وأنشد:

لَـهُ زَجَـلٌ كَأَنَّـهُ صـوتُ حـادٍ

فأما {ونَادَى نُوحٌ ٱبْنَهَ وَكَانَ} فقراءة شاذّة، وهي مروية عن عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، وعروة بن الزبير. وزعم أبو حاتم أنها تجوز على أنه يريد «ابنها» فحذف الألف كما تقول: {ٱبنه}؛ فتحذف الواو. وقال النحاس: وهذا الذي قاله أبو حاتم لا يجوز على مذهب سيبويه؛ لأن الألف خفيفة فلا يجوز حذفها، والواو ثقيلة يجوز حذفها. {وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ} أي من دين أبيه. وقيل: عن السفينة. وقيل: إن نوحاً لم يعلم أن ٱبنه كان كافراً، وأنه ظن أنه مؤمن؛ ولذلك قال له: {وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ} وسيأتي. وكان هذا النداء من قبل أن يستيقن القوم الغرق؛ وقبل رؤية اليأس، بل كان في أوّل ما فار التنور، وظهرت العلامة لنوح. وقرأ عاصم: «يَابُنيَّ ٱرْكَبْ مَعَنَا» بفتح الياء، والباقون بكسرها. وأصل «يا بنيّ» أن تكون بثلاث ياءات؛ ياء التصغير، وياء الفعل، وياء الإضافة؛ فأدغمت ياء التصغير في لام الفعل، وكسرت لام الفعل من أجل ياء الإضافة، وحذفت ياء الإِضافة لوقوعها موقع التنوين، أو لسكونها وسكون الراء في هذا الموضع؛ هذا أصل قراءة من كسر الياء، وهو أيضاً أصل قراءة من فتح؛ لأنه قلب ياء الإضافة ألفاً لخفة الألف، ثم حذف الألف لكونها عوضاً من حرف يحذف، أو لسكونها وسكون الراء. قال النحاس: أما قراءة عاصم فمشكلة؛ قال أبو حاتم: يريد يا بُنَيَّاه ثم يحذف؛ قال النحاس: رأيت عليّ بن سليمان يذهب إلى أن هذا لا يجوز؛ لأن الألف خفيفة. قال أبو جعفر النحاس: ما علمت أن أحداً من النحويين جوز الكلام في هذا إلا أبا إسحق؛ فإنه زعم أن الفتح من جهتين، والكسر من جهتين؛ فالفتح على أنه يبدل من الياء ألفاً؛ قال الله عز وجل إخباراً: { يَا وَيْلَتَا }[الفرقان:28] وكما قال الشاعر:

فيـا عجبَـا مِـن رَحْلهـا المتحمَّـلِ

فيريد يا بنيّا، ثم حذف الألف لالتقاء الساكنين، كما تقول: جاءني عبدا الله في التثنية. والجهة الأخرى أن تحذف الألف؛ لأن النداء موضع حذف. والكسر على أن تحذف الياء للنداء. والجهة الأخرى على أن تحذفها لالتقاء الساكنين.

قوله تعالى: {قَالَ سَآوِيۤ} أي أرجع وأنضم. {إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي} أي يمنعني {مِنَ ٱلْمَآءِ} فلا أغرق. {قَالَ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} أي لا مانع؛ فإنه يوم حقّ فيه العذاب على الكفار. وٱنتصب «عاصم» على التبرئة. ويجوز «لا عاصم اليوم» تكون لا بمعنى ليس. {إِلاَّ مَن رَّحِمَ} في موضع نصب استثناء ليس من الأوّل؛ أي لكن من رحمه الله فهو يعصمه؛ قاله الزجاج. ويجوز أن يكون في موضع رفع، على أن عاصماً بمعنى معصوم؛ مثل:

{ مَاءٍ دَافِقٍ }[الطارق:6] أي مدفوق؛ فالاستثناء على هذا متصل؛ قال الشاعر:

بطيءُ القيامِ رخيمُ الكلامِ أَمْسَى فؤادِي بهِ فَاتِنَا

أي مفتوناً. وقال آخر:

دَعِ المكارِمَ لا تَنهضْ لبغيتهاوٱقعدْ فإنَّك أنتَ الطاعمُ الكَاسِي

أي المطعوم المكسوّ. قال النحاس: ومن أحسن ما قيل فيه أن تكون «مَن» في موضع رفع؛ بمعنى لا يعصم اليوم من أمر الله إلا الراحم؛ أي إلا الله. وهذا اختيار الطَّبَريّ. ويُحسّن هذا أنك لم تجعل عاصماً بمعنى معصوم فتخرجه من بابه، ولا «إلاَّ» بمعنى «لكن». {وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ} يعني بين نوح وٱبنه. {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ} قيل: إنه كان راكباً على فرس قد بطر بنفسه، وأعجب بها؛ فلما رأى الماء جاء قال: يا أبت فار التنور، فقال له أبوه: {يٰبُنَيَّ ٱرْكَب مَّعَنَا} فما ٱستتمّ المراجعة حتى جاءت مَوْجة عظيمة فالتقمته هو وفرسه، وحيل بينه وبين نوح فغرق. وقيل: إنه اتخذ لنفسه بيتاً من زجاج يتحصّن فيه من الماء، فلما فار التّنور دخل فيه وأقفله عليه من داخل، فلم يزل يتغوّط فيه ويبول حتى غرق بذلك. وقيل: إن الجبل الذي آوى إليه «طورسيناء».

قوله تعالى: {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي} هذا مجاز لأنها موات. وقيل: جعل فيها ما تُميّز به. والذي قال إنه مجاز قال: لو فُتِّش كلام العرب والعجم ما وجد فيه مثل هذه الآية على حسن نظمها، وبلاغة رصفِها، واشتمال المعاني فيها. وفي الأثر: إن الله تعالى لا يخلي الأرض من مطر في عام أو عامين، وأنه ما نزل من السماء ماء قطّ إلا بحفظ مَلك موكّل به إلا ما كان من ماء الطوفان؛ فإنه خرج منه ما لا يحفظه الملَك. وذلك قوله تعالى:

{ إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ }[الحاقة: 11] فجرت بهم السفينة إلى أن تناهي الأمر؛ فأمر الله الماء المنهمر من السماء بالإمساك، وأمر الله الأرض بالابتلاع. يقال: بلَع الماء يبلَعه مثل منع يمنع وبَلِع يبلَع مثل حمِد يحمَد؛ لغتان حكاهما الكسائيّ والفرّاء. والبالُوعة الموضع الذي يشرب الماء. قال ابن العربي: التقى الماءان على أمر قد قدر، ما كان في الأرض وما نزل من السماء؛ فأمر الله ما نزل من السماء بالإقلاع، فلم تمتصّ الأرض منه قطرة، وأمر الأرض بابتلاع ما خرج منها فقط. وذلك قوله تعالى: {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ ٱلْمَآءُ} وقيل: ميّز الله بين الماءين، فما كان من ماء الأرض أمرها فبلعته، وصار ماء السماء بحاراً.

قوله تعالى: {وَغِيضَ ٱلْمَآءُ} أي نقص؛ يقال: غاض الشيءُ وغِضته أنا؛ كما يقال: نَقَص بنفسه ونَقَصه غيره، ويجوز «غيض» بضم الغين. {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي أحكم وفرغ منه؛ يعني أهلك قوم نوح على تمام وإحكام. ويقال: إن الله تعالى أعقم أرحامهم أي أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة، فلم يكن فيمن هلك صغير. والصحيح أنه أهلك الوِلدان بِالطّوفان، كما هلكت الطير والسباع، ولم يكن الغرق عقوبة للصبيان والبهائم والطير، بل ماتوا بآجالهم. وحكي أنه لما كثر الماء في السّكك خشيت أمّ صبيّ عليه؛ وكانت تحبه حباً شديداً، فخرجت به إلى الجبل، حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثيه، فلما بلغها الماء ٱستوت على الجبل؛ فلما بلغ الماء رقبتها رفعت يديها بابنها حتى ذهب بها الماء؛ فلو رحم الله منهم أحداً لرحم أمّ الصبي.

قوله تعالى: {وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي هلاكاً لهم. الجُوديّ جبل بقرب الْمَوْصل؛ استوت عليه في العاشر من المحرّم يوم عاشوراء؛ فصامه نوح وأمر جميع من معه من الناس والوحش والطير والدواب وغيرها فصاموه، شكراً لله تعالى؛ وقد تقدّم هذا المعنى. وقيل: كان ذلك يوم الجمعة. وروي أن الله تعالى أوحى إلى الجبال أن السفينة ترسي على واحد منها فتطاولت، وبقي الجُوديّ لم يتطاول تواضعاً لله، فاستوت السّفينة عليه: وبقيت عليه أعوادها. وفي الحديث أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

لقد بقي منها شيء أدركه أوائل هذه الأمة». وقال مجاهد: تشامخت الجبال وتطاولت لئلا ينالها الغرق؛ فعلا الماء فوقها خمسة عشر ذراعاً، وتطامن الجوديّ، وتواضع لأمر الله تعالى فلم يغرق، ورست السفينة عليه. وقد قيل: إن الجوديّ ٱسم لكل جبل؛ ومنه قول زيد بن عمرو بن نُفَيل:

سُبحانه ثُمّ سُبحاناً يَعودُ لَهوقَبْلَنا سَبَّحَ الجُوديُّ والجَمَدُ

ويقال: إن الجُوديّ من جبال الجنة؛ فلهذا ٱستوت عليه. ويقال: أكرم الله ثلاثة جبال بثلاثة نفر: الجوديّ بنوح، وطورسيناء بموسى، وحِراء بمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

مسألة: لما تواضع الجوديّ وخضع عزَّ، ولما ٱرتفع غيره واستعلى ذَلّ، وهذه سُنّة الله في خلقه، يرفع من تخشّع، ويضع من ترفّع؛ ولقد أحسن القائل:

وإذا تذلّلتِ الرّقابُ تَخشُّعاًمِنّا إليكَ فعِزُّها في ذُلِّها

وفي صحيح البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال: كانت ناقة للنبي صلى الله عليه وسلم تُسمَّى العَضْباء؛ وكانت لا تُسبق؛ فجاء أعرابيّ على قعودٍ له فسبقها، فاشتدّ ذلك على المسلمين؛ وقالوا: سُبِقت العضباء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إن حقّا على الله ألا يَرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه». وخرج مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما نَقَصت صدقةٌ من مالٍ وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزًّا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله». وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يَبغِي أحد على أحد ولا يَفخر أحد على أحد». خرجه البخاريّ.

مسألة: نذكر فيها من قصة نوح مع قومه وبعض ذكر السفينة. ذكر الحافظ ابن عساكر في التاريخ له عن الحسن: أن نوحاً أوّل رسول بعثه الله إلى (أهل) الأرض؛ فذلك قوله تعالى:

{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً }[العنكبوت: 14]. وكان قد: كثرت فيهم المعاصي، وكثرت الجبابرة وعَتَوْا عُتُوًّا كبيراً، وكان نوح يدعوهم ليلاً ونهاراً، سرّاً وعلانية، وكان صبوراً حليماً، ولم يلق أحد من الأنبياء أشدّ مما لقي نوح؛ فكانوا يدخلون عليه فيخنقونه حتى يترك وقيدا، ويضربونه في المجالس ويطرد؛ وكان لا يدعو على من يصنع به بل يدعوهم ويقول: «رَبِّ ٱغْفِرْ لِقَوْميِ فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» فكان لا يزيدهم ذلك إلا فراراً منه، حتى أنه ليكلم الرجل منهم فيلفّ رأسه بثوبه، ويجعل أصبعيه في أذنيه لكيلا يسمع شيئاً من كلامه، فذلك قوله تعالى: { وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ }[نوح: 7]. وقال مجاهد وعُبيد بن عمير: كانوا يضربونه حتى يغشى عليه فإذا أفَاق قال: «رَبِّ ٱغْفِرْ لِقَوْميِ فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ». وقال ٱبن عباس: إن نوحاً كان يضرب ثم يُلفّ في لِبد فيلقى في بيته يرون أنه قد مات، ثم يخرج فيدعوهم؛ حتى إذا يئس من إيمان قومه جاءه رجل ومعه ٱبنه وهو يتوكأ على عصا؛ فقال: يا بُنيّ ٱنظر هذا الشيخ لا يغرّنك، قال: يا أبت أمكنّي من العصا، (فأمكنه) فأخذ العصا ثم قال: ضعني في الأرض فوضعه، فمشى إليه بالعصا فضربه فشجه شجة مُوضِحة في رأسه، وسالت الدماء؛ فقال نوح: «ربّ قد ترى ما يفعل بي عبادك فإن يك لك في عبادك خيرية فاهدهم وإن يك غير ذلك فصبّرني إلى أن تحكم وأنت خير الحاكمين» فأوحى الله إليه وآيسه من إيمان قومه، وأخبره أنه لم يبق في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمن؛ قال: {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}؛ أي لا تحزن عليهم. { وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا }[هود: 37] قال: يا رب وأين الخشب؟ قال: ٱغرس الشجر. قال: فَغرس السّاج عشرين سنة، وكفّ عن الدعاء، وكفّوا عن الاستهزاء، وكانوا يسخرون منه؛ فلما أدرك الشجرُ أمره ربه فقطعها وجفّفها: فقال: يا رب كيف أتخذ هذا البيت؟ قال: ٱجعله على ثلاثة صور؛ رأسه كرأس الدّيك، وجؤجؤه كجؤجؤ الطير، وذنَبه كذنَب الديك؛ وٱجعلها مطبقة وٱجعل لها أبواباً في جنبها، وشدّها بدُسُرٍ، يعني مسامير الحديد. وبعث الله جبريل فعلمه صنعة السفينة، وجعلت يده لا تخطىء. قال ابن عباس: كانت دار نوح عليه السلام دمشق، وأنشأ سفينته من خشب لبنان بين زمزم وبين الركن والمقام، فلما كملت حمل فيها السباع والدواب في الباب الأوّل، وجعل الوحش والطير في الباب الثاني، وأطبق عليهما، وجعل أولاد آدم أربعين رجلاً وأربعين ٱمرأة في الباب الأعلى وأطبق عليهم، وجعل الذّر معه في الباب الأعلى لضعفها ألا تطأها الدوابّ.

قال الزُّهريّ: إن الله عز وجل بعث ريحاً فحمل إليه من كل زوجين ٱثنين؛ من السباع والطير والوحش والبهائم. وقال جعفر بن محمد: بعث الله جبريل فحشرهم، فجعل يضرب بيديه على الزوجين فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى، فيدخله السفينة. وقال زيد بن ثابت: استصعبت على نوح الماعزة أن تدخل السفينة، فدفعها بيده في ذنبها؛ فمن ثَم انكسر ذنبها فصار مَعْقوفاً وبدا حَياؤها. ومضت النعجة حتى دخلت فمسح على ذنبها فستر حياؤها؛ قال إسحق: أخبرنا رجل من أهل العلم أن نوحاً حمل أهل السفينة، وجعل فيها من كل زوجين ٱثنين، وحمل من الهدهد زوجين، فماتت الهدهدة في السفينة قبل أن تظهر الأرض، فحملها الهدهد فطاف بها الدنيا ليصيب لها مكاناً، فلم يجد طيناً ولا تراباً، فرحمه ربه فحفر لها في قفاه قبراً فدفنها فيه، فذلك الريش الناتىء في قفا الهدهد موضع القبر؛ فلذلك نتأت أقفية الهداهد. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كان حمل نوح معه في السفينة من جميع الشجر وكانت العجوة من الجنة مع نوح في السفينة». وذكر صاحب كتاب «العروس» وغيره: أن نوحاً عليه السلام لما أراد أن يبعث من يأتيه بخبر الأرض قال الزّجاج: أنا؛ فأخذها وختم على جناحها وقال لها: أنت مختومة بخاتمي لا تطيري أبداً، أنت ينتفع بك أمتي؛ فبعث الغراب فأصاب جيفة فوقع عليها فاحتبس فلعنه، ولذلك يقتل في (الحل) والحَرَم ودعا عليه بالخوف؛ فلذلك لا يألف البيوت. وبعث الحمامة فلم تجد قراراً فوقعت على شجرة بأرض سيناء فحملت ورقة زيتونة، ورجعت إلى نوح فعلم أنها لم تستمكن من الأرض، ثم بعثها بعد ذلك فطارت حتى وقعت بوادي الحرم، فإذا الماء قد نضب من مواضع الكعبة، وكانت طينتها حمراء، فاختضبت رجلاها، ثم جاءت إلى نوح عليه السلام فقالت: بشراي منكَ أن تهب لي الطوق في عنقي، والخِضاب في رجلي، وأسكنُ الحرَمَ؛ فمسح يده على عنقها وطوقها، ووهب لها الحمرة في رجليها، ودعا لها ولذريتها بالبركة. وذكر الثعلبيّ أنه بعث بعد الغراب التُّدْرُج وكان من جنس الدّجاج؛ وقال: إياك أن تعتذر، فأصاب الخضرة والفرجة فلم يرجع، وأخذ أولاده عنده رهناً إلى يوم القيامة.

وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَٰكِمِينَ ۝٤٥ قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَٰلِحٍ فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ ۝٤٦ قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٤٧

فيه خمس مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ} أي دعاه. {فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبُنِي مِنْ أَهْلِي} أي من أهلي الذين وعدتهم أن تنجيهم من الغرق؛ ففي الكلام حذف. {وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ} يعني الصدق. وقال علماؤنا: وإنما سأل نوح ربه ٱبنه لقوله: «وَأَهْلَكَ» وترك قوله: {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} فلما كان عنده من أهله قال: {رَبِّ إِنَّ ٱبُنِي مِنْ أَهْلِي} يدلّ على ذلك قوله: {وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ} أي لا تكن ممن لست منهم؛ لأنه كان عنده مؤمناً في ظنه، ولم يك نوح يقول لربه: «إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي» إلا وذلك عنده كذلك؛ إذا محال أن يسأل هلاك الكفار، ثم يسأل في إنجاء بعضهم؛ وكان ٱبنه يُسِرّ الكفر ويظهر الإيمان؛ فأخبر الله تعالى نوحاً بما هو منفرد به من علم الغيوب؛ أي علمت من حال ٱبنك ما لم تعلمه أنت. وقال الحسن: كان منافقاً؛ ولذلك ٱستحل نوح أن يناديه. وعنه أيضاً: كان ٱبن ٱمرأته؛ دليله قراءة عليّ «وَنَادَى نُوحٌ ٱبْنَهَا». {وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ} ابتداء وخبر. أي حكمت على قوم بالنجاة، وعلى قوم بالغرق.

الثانية: قوله تعالى: {قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} (أي ليس من أهلك) الذين وعدتهم أن أنجيهم؛ قاله سعيد بن جُبير. وقال الجمهور: ليس من أهل دينك ولا ولايتك؛ فهو على حذف مضاف؛ وهذا يدلّ على أن حكم الاتفاق في الدِّين أقوى من (حكم) النسب. {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} قرأ ٱبن عباس وعُروة وعِكرمة ويعقوب والكسائيّ «إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ» أي من الكفر والتكذيب؛ وٱختاره أبو عبيد. وقرأ الباقون «عَمَلٌ» أي ٱبنك ذو عمل غير صالح فحذف المضاف؛ قاله الزجاج وغيره. قال:

تَرْتَعُ ما رَتَعتْ حتَّى إذا ادَّكَرتْفَإنما هي إقبالٌ وإدبار

أي ذات إقبال وإدبار. وهذا القول والذي قبله يرجع إلى معنى واحد. ويجوز أن تكون الهاء للسؤال؛ أي إن سؤالك إياي أن أنجيه عمل غير صالح. قاله قتادة. وقال الحسن: معنى عمل غير صالح أنه ولد على فراشه ولم يكن ٱبنه. وكان لغير رِشْدَة، وقاله أيضاً مجاهد. قال قتادة سألت الحسن عنه فقال: والله ما كان ٱبنه؛ قلت إن الله أخبر عن نوح أنه قال: «إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْليِ» فقال: لم يقل مني، وهذه إشارة إلى أنه كان ٱبن ٱمرأته من زوج آخر؛ فقلت له: إن الله حكى عنه أنه قال: «إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي» «وَنَادَى نُوحٌ ٱبْنَهُ» ولا يختلف أهل الكتابين أنه ٱبنه؛ فقال الحسن: ومن يأخذ دينه عن أهل الكتاب إنهم يكذِبون. وقرأ: «فَخَانَتَاهُمَا». وقال ٱبن جريج: ناداه وهو يحسب أنه ٱبنه، وكان ولد على فراشه، وكانت ٱمرأته خانته فيه؛ ولهذا قال: { فَخَانَتَاهُمَا }[التحريم:10] وقال ٱبن عباس: ما بغت ٱمرأة نبيّ قطّ، وأنه كان ٱبنه لصُلْبه. وكذلك قال الضّحاك وعِكرمة وسعيد ابن جُبير وميمون بن مِهران وغيرهم، وأنه كان ٱبنه لصُلْبه. وقيل لسعيد بن جُبير يقول نوح: «إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي» أكان من أهله؟ أكان ٱبنه؟ فسبّح اللَّهَ طويلاً ثم قال: لا إله إلا الله يحدث الله محمداً صلى الله عليه وسلم أنه ٱبنه، وتقول إنه ليس ٱبنه نعم كان ٱبنه؛ ولكن كان مخالفاً في النية والعمل والدِّين، ولهذا قال الله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}؛ وهذا هو الصحيح في الباب إن شاء الله تعالى لجلالة من قال به، وإن قوله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} ليس مما ينفي عنه أنه ٱبنه. وقوله: {فَخَانَتَاهُمَا} يعني في الدِّين لا في الفِراش، وذلك أن هذه كانت تخبر الناس أنه مجنون، وذلك أنها قالت له: أما ينصرك ربك؟ فقال لها: نعم. قالت: فمتى؟ قال: إذا فار التّنور؛ فخرجت تقول لقومها: يا قوم والله إنه لمجنون، يزعم أنه لا ينصره ربه إلا أن يفور هذا التّنور، فهذه خيانتها. وخيانة الأخرى أنها كانت تدلّ على الأضياف على ما سيأتي إن شاء الله. والله أعلم. وقيل: الولد قد يسمى عملاً كما يسمى كَسْباً، كما في الخبر: أولادكم من كَسْبكم». ذكره القشيريّ.

الثالثة: في هذه الآية تسلية للخلق في فساد أبنائهم وإن كانوا صالحين. وروي أن ٱبن مالك بن أنس نزل من فوق ومعه حمام قد غطّاه، قال: فعلم مالك أنه قد فهمه الناس؛ فقال مالك: الأدب أدب الله لا أدب الآباء والأمهات، والخير خير الله لا خير الآباء والأمهات. وفيها أيضاً دليل على أن الابن من الأهل لغة وشرعاً، ومن أهل البيت؛ فمن وصّى لأهله دخل في ذلك ٱبنه، ومن تضمنه منزلُه، وهو في عياله. وقال تعالى في آية أخرى:

{ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ }[الصافات:75-76] فسمى جميع من ضمه منزله من أهله.

الرابعة: ودلّت الآية على قول الحسن ومجاهد وغيرهما: أن الولد للفراش؛ ولذلك قال نوح ما قال آخذاً بظاهر الفراش. وقد روى سفيان بن عُيينة عن عمرو بن دينار أنه سمع عبيد بن عمير يقول: نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قضى بالولد للفراش من أجل ٱبن نوح عليه السلام؛ ذكره أبو عمر في كتاب «التمهيد». وفي الحديث الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:

الولدُ للفراش وللعاهِر الحَجَريريد الخيبة. وقيل: الرّجم بالحجارة. وقرأ عُروة بن الزّبير. «ونَادَى نُوحٌ ٱبْنَهَا» يريد ٱبن ٱمرأته، وهي تفسير القراءة المتقدّمة عنه، وعن عليّ رضي الله عنه، وهي حجة للحسن ومجاهد؛ إلا أنها قراءة شاذة، فلا نترك المتفق عليها لها. والله أعلم.

الخامسة: قوله تعالى: {إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} [هود: 46] أي أنهاك عن هذا السؤال، وأحذرك لئلا تكون، أو كراهية أن تكون من الجاهلين؛ أي الآثمين. ومنه قوله تعالى:

{ يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً }[النور: 17] أي يحذركم الله وينهاكم. وقيل: المعنى أرفعك أن تكون من الجاهلين. قال ٱبن العربي: وهذه زيادة من الله وموعظة يرفع بها نوحاً عن مقام الجاهلين، ويعليه بها إلى مقام العلماء والعارفين؛ فـ {قَالَ} نوح {رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} الآية وهذه ذنوب الأنبياء عليهم السلام، فشكر الله تذلله وتواضعه. {وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي} ما فرط من السؤال.{وَتَرْحَمْنِيۤ} أي بالتوبة. {أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ} أي أعمالاً. فقال: { يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا }[هود: 48].
الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ