انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة هود

تفسير القرطبيالآيات 73–95

تفسير سورة هود آية آية، من تفسير القرطبي.

قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ إِنَّهُۥ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ۝٧٣

فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} لما قالت: «وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً» وتعجبت، أنكرت الملائكة عليها تعجّبها من أمر الله، أي من قضائه وقدره، أي لا عجب من أن يرزقكما الله الولد، وهو إسحٰق. وبهذه الآية ٱستدلّ كثير من العلماء على أن الذَّبيح إسمٰعيل، وأنه أسنّ من إسحٰق؛ لأنها بشّرت بأن إسحٰق يعيش حتى يولد له يعقوب. وسيأتي الكلام في هذا؛ وبيانه في «الصافات» إن شاء الله تعالى

الثانية: قوله تعالى: {رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ} مبتدأ، والخبر {عَلَيْكُمْ}. وحكى سيبويه «عليكِم» بكسر الكاف لمجاورتها الياء. وهل هو خبر أو دعاء؟ وكونه إخباراً أشرف؛ لأن ذلك يقتضي حصول الرحمة والبركة لهم، المعنى: أوصل الله لكم رحمته وبركاته أهل البيت. وكونه دعاء إنما يقتضي أنه أمر يُترجّى ولم يتحصّل بعد. ونصب {أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} على الاختصاص؛ وهذا مذهب سيبويه. وقيل: على النداء.

الثالثة: هذه الآية تعطي أن زوجة الرجل من أهل البيت؛ فدلّ هذا على أن أزواج الأنبياء من أهل البيت؛ فعائشة رضي الله عنها وغيرها من جملة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؛ ممن قال الله فيهم: {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيــراً} وسيأتي.

الرابعة: ودلّت الآية أيضاً على أنّ منتهى السلام «وَبَرَكَاتُهُ» كما أخبر الله عن صالحي عباده «رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ». والبركة النموّ والزيادة؛ ومن تلك البركات أن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا في ولد إبراهيم وسارّة. وروى مالك عن وهب بن كَيْسَان أبي نعيم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: كنت جالساً عند عبد الله بن عباس فدخل عليه رجل من أهل اليمن فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته؛ ثم زاد شيئاً مع ذلك؛ فقال ٱبن عباس ـ وهو يومئذ قد ذهب بصره ـ مَن هذا؟ فقالوا اليمانيّ الذي يغشاك، فعرّفوه إياه، فقال: إن السلام ٱنتهى إلى البركة. ورُوي عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: دخلت المسجد فإذا أنا بالنبي صلى الله عليه وسلم في عصبة من أصحابه، فقلت: السلام عليكم؛ فقال:

وعليك السلام ورحمة الله عشرون لي وعشرة لك. قال: ودخلت الثانية؛ فقلت: السلام عليكم ورحمة الله فقال:وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وعشرون لك. فدخلت الثالثة فقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: فقال:وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وثلاثون لك أنا وأنت في السلام سواء«. {إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} أي محمود ماجد. وقد بيناهما في «الأسماء الحسنى.

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ ۝٧٤ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌ مُّنِيبٌ ۝٧٥ يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَآ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ۝٧٦

قوله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ} أي الخوف؛ يقال: ارتاع من كذا إذا خاف؛ قال النابغة:

فارتاعَ من صَوْتِ كَلاَّب فبات لهُطوعَ الشَّوامِتِ من خوفٍ ومن صَرَدِ

{وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ} أي بإسحق ويعقوب. وقال قَتَادة: بشروه بأنهم إنما أتوا بالعذاب إلى قوم لوط، وأنه لا يخاف. {يُجَادِلُنَا} أي يجادل رسلنا، وأضافه إلى نفسه، لأنهم نزلوا بأمره. وهذه المجادلة رواها حُميد بن هلال عن جُنْدب عن حُذَيفة؛ وذلك أنهم لما قالوا: {إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ} [العنكبوت: 31] قال لهم: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا. قال: فأربعون؟ قالوا: لا. قال: فثلاثون؟ قالوا: لا قال: فعشرون؟ قالوا: لا. قال: فإن كان فيها عشرة ـ أو خمسة شك حميد ـ قالوا: لا. قال قَتَادة: نحواً منه؛ قال فقال يعني إبراهيم: قوم ليس فيهم عشرة من المسلمين لا خير فيهم. وقيل إن إبراهيم قال: أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. فقال إبراهيم عند ذلك: { إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ }[العنكبوت: 32]. وقال عبد الرحمن بن سَمُرة: كانوا أربعمائة ألف. ٱبن جُريج. وكان في قرى قوم لوط أربعة آلاف ألف. ومذهب الأخفش والكسائيّ أنّ «يجادلنا» في موضع «جادلنا». قال النحاس: لما كان جواب «لمّا» يجب أن يكون بالماضي جعل المستقبل مكانه؛ كما أن الشرط يجب أن يكون بالمستقبل فجعل الماضي مكانه. وفيه جواب آخر ـ أن يكون «يجادلنا» في موضع الحال؛ أي أقبل يجادلنا؛ وهذا قول الفرّاء. {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} تقدّم في «براءة» معنى «لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ». والمنيب الراجع؛ يقال: أناب إذا رجع. وإبراهيم صلى الله عليه وسلم كان راجعاً إلى الله تعالى في أموره كلها. وقيل: الأوّاه المتأوّه أسفاً على ما قد فات قوم لوط من الإيمان.

قوله تعالى: {يإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ} أي دع عنك الجدال في قوم لوط. {إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ} أي عذابه لهم. {وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ} أي نازل بهم. {عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} أي غير مصروف عنهم ولا مدفوع.

وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ۝٧٧ وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ قَالَ يَٰقَوْمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ۝٧٨ قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ۝٧٩ قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ ۝٨٠ قَالُوا۟ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ۝٨١ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ ۝٨٢ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ ۝٨٣

قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ} لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم، وكان بين إبراهيم وقرية لوط أربعة فراسخ بصرت بنتا لوط ـ وهما تستقيان ـ بالملائكة ورأتا هيئة حسنة؛ فقالتا: ما شأنكم؟ ومن أين أقبلتم؟ قالوا: من موضع كذا نريد هذه القرية قالتا: فإن أهلها أصحاب الفواحش؛ فقالوا: أَبِها من يضيفنا؟ قالتا: نعم هذا الشيخ وأشارتا إلى لوط؛ فلما رأى لوط هيئتهم خاف قومه عليهم. {سِيۤءَ بِهِمْ} أي ساءه مجيئهم؛ يقال: ساء يسوء فهو لازم، وساءه يسوءه فهو متعدّ أيضاً، وإن شئت ضممت السين؛ لأن أصلها الضمّ، والأصل سُوِىء بهم من السوء؛ قلبت حركة الواو على السين فانقلبت ياء، وإن خففت الهمزة ألقيت حركتها على الياء فقلت: «سِيَ بِهِم» مخففاً، ولغة شاذة بالتشديد. {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} أي ضاق صدره بمجيئهم وكرهه. وقيل: ضاق وسعه وطاقته. وأصله أن يَذْرَعَ البعير بيديه في سيره ذَرْعاً على قدر سعة خَطْوِه؛ فإذا حُمِل على أكثر من طَوْقه ضاق عن ذلك، وضعف ومدّ عنقه؛ فضيق الذّرع عبارة عن ضيق الوُسع. وقيل: هو من ذَرَعه القيء أي غلبه؛ أي ضاق عن حبسه المكروه في نفسه، وإنما ضاق ذرعه بهم لما رأى من جمالهم، وما يعلم من فسق قومه. {وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} أي شديد في الشر. وقال الشاعر:

وإنَّكَ إِلاَّ تُرض بكرَ بن وائلٍيكنْ لكَ يومٌ بالعراقِ عصِيبُ

وقال آخر:

يومٌ عصِيبٌ يَعصِبُ الأبطالاَعَصْبَ القَوِيّ السَّلَمَ الطِّوالاَ

ويقال: عصِيبٌ وَعَصَبْصَبٌ على التكثير؛ أي مكروه مجتمع الشر وقد عصب؛ أي عصب بالشر عِصابة؛ ومنه قيل: عُصبة وعِصابة أي مجتمعو الكلمة؛ أي مجتمعون في أنفسهم. وعَصَبة الرجل المجتمعون معه في النسب؛ وتعصّبت لفلان صرت كعصبته، ورجل معصوب، أي مجتمع الخَلْق.

قوله تعالى: {وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} في موضع الحال. «يَهْرَعُونَ» أي يسرعون. قال الكسائي والفراء وغيرهما من أهل اللغة: لا يكون الإهراع إلا إسراعاً مع رِعدة؛ يقال: أُهْرِع الرجل إهراعاً أي أسرع في رِعدة من بَرْد أو غضب أو حُمَّى، وهو مُهرَع؛ قال مُهلهِل:

فجاؤوا يُهرَعون وهُمْ أسارَىنَقودُهُمُ على رَغْمِ الأُنوفِ

وقال آخر:

بمعجَـلاتٍ نحوه مهَـارِعِ

وهذا مثل: أُولِع فلان بالأمر، وأرعِد زيد، وزُهِي فلان. وتجيء ولا تستعمل إلا على هذا الوجه. وقيل: أهرِع أي أهرعه حِرصُه؛ وعلى هذا «يُهْرَعُونَ» أي يُستحثّون عليه. ومن قال بالأول قال: لم يسمع إلا أُهْرِع الرجلُ أي أسرع؛ على لفظ ما لم يسمّ فاعله. قال ابن القوطيّة: هُرِع الإنسان هَرَعا، وأُهرِع: سِيق واستعجِل. وقال الهروي: يقال: هُرِع الرجلُ وأُهْرِع أي ٱستُحِثّ. قال ابن عباس وقتادة والسّديّ: «يُهرعون» يهرولون. الضحاك: يَسعون. ابن عُيينة: كأنهم يدفعون. وقال شِمر بن عطية: هو مشي بين الهرولة والجَمزَى. وقال الحسن: مشيٌ بين مشيين؛ والمعنى متقارب. وكان سبب إسراعهم ما روي أن ٱمرأة لوط الكافرة، لما رأت الأضياف وجمالهم وهيئتهم، خرجت حتى أتت مجالس قومها، فقالت لهم: إن لوطاً قد أضاف الليلة فِتية ما رؤي مثلهم جمالاً؛ وكذا وكذا؛ فحينئذ جاؤوا يُهرعون إليه. ويذكر أن الرسل لما وصلوا إلى بلد لوط وجدوا لوطاً في حرث له. وقيل: وجدوا ابنته تستقي ماء من نهر سَدوم؛ فسألوها الدلالة على من يضيفهم ورأت هيئتهم فخافت عليهم من قوم لوط، وقالت لهم: مكانكم وذهبت إلى أبيها فأخبرته؛ فخرج إليهم؛ فقالوا: نريد أن تضيفنا الليلة؛ فقال لهم: أو ما سمعتم بعمل هؤلاء القوم؟ فقالوا: وما عملهم؟ فقال أشهد بالله إنهم لشر قوم في الأرض ـ وقد كان الله عزّ وجل قال لملائكته لا تعذبوهم حتى يشهد لوط عليهم أربع شهادات ـ فلما قال لوط هذه المقالة، قال جبريل لأصحابه: هذه واحدة، وتردّد القول بينهم حتى كرر لوط الشهادة أربع مرات، ثم دخل بهم المدينة.

قوله تعالى: {وَمِن قَبْلُ} أي ومن قبل مجيء الرسل. وقيل: من قبل لوط. {كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي كانت عادتهم إتيان الرجال. فلما جاؤوا إلى لوط وقصدوا أضيافه قام إليهم لوط مدافعاً، وقال: {هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي} ابتداء وخبر. وقد اختلف في قوله: «هَؤُلاءِ بَنَاتِي» فقيل: كان له ثلاث بنات من صُلبه. وقيل: بنتان؛ زيتا وزعوراء؛ فقيل: كان لهم سيّدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ٱبنتيه. وقيل: ندبهم في هذه الحالة إلى النكاح، وكانت سنتهم جواز نكاح الكافر المؤمنة؛ وقد كان هذا في أول الإسلام جائزاً ثم نسخ؛ فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنتاً له من عُتْبَة بن أبي لهب، والأخرى من أبي العاص بن الربيع قبل الوحي، وكانا كافرين. وقالت فرقة ـ منهم مجاهد وسعيد بن جُبير ـ أشار بقوله: «بَنَاتِي» إلى النساء جملة؛ إذ نبيّ القوم أب لهم؛ ويقوّي هذا أن في قراءة ابن مسعود: «ٱلنَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنينَ مِنْ أنفسهم وًّأَزواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وهو أبٌ لهم». وقالت طائفة: إنما كان الكلام مدافعة ولم يرد إمضاءه؛ روي هذا القول عن أبي عبيدة؛ كما يقال لمن يُنهى عن أكل مال الغير: الخنزير أحل لك من هذا. وقال عِكرمة: لم يعرض عليهم بناته ولا بنات أمته، وإنما قال لهم هذا لينصرفوا.

قوله تعالى: {هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} ٱبتداء وخبر؛ أي أزوّجكموهنّ؛ فهو أطهر لكم مما تريدون، أي أحلّ. والتطهر التنزّه عما لا يحل. وقال ٱبن عباس: كان رؤساؤهم خطبوا بناته فلم يجبهم، وأراد ذلك اليوم أن يفدي أضيافه ببناته. وليس ألِف «أطهر» للتفضيل حتى يتوهم أن في نكاح (الرجال) طهارة، بل هو كقولك: الله أكبر وأعلى وأجلّ، وإن لم يكن تفضيلاً؛ وهذا جائز شائع في كلام العرب، ولم يكابر الله تعالى أحدٌ حتى يكون الله تعالى أكبر منه. وقد قال أبو سفيان بن حرب يوم أُحد: ٱعْل هُبَلُ ٱعْلُ هُبَلُ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «قل الله أعلى وأجلّ». وهبل لم يكن قط عالياً ولا جليلاً. وقرأ العامة برفع الراء. وقرأ الحسن وعيسى بن عمرو «هُنَّ أطهرَ» بالنصب على الحال. و«هُنّ» عِماد. ولا يجيز الخليل وسيبويه والأخفش أن يكون «هُنّ» هاهنا عماداً، وإنما يكون عماداً فيما لا يتم الكلام إلا بما بعدها، نحو كان زيد هو أخاك، لتدلّ بها على أن الأخ ليس بنعت. قال الزجاج: ويدلّ بها على أَنّ كان تحتاج إلى خبر. وقال غيره: يدلّ بها على أن الخبر معرفة أو ما قارنها.

قوله تعالى: {فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي} أي لا تهينوني ولا تذلّوني. ومنه قول حسان:

فأخزاك ربي يا عُتيبَ بن مالِكولقاكَ قبل الموت إحدى الصَّواعِقمددتَ يميناً للنبي تَعمُّداًودَمَّيْتَ فاهُ قُطِّعتْ بالبَوَارق

ويجوز أن يكون من الخَزَاية، وهو الحياء، والخجل؛ قال ذو الرُّمة:

خزاية أدركته بعد جولتِهِمن جانبِ الحبلِ مخلوطاً بها الغضب

وقال آخر:

من البيضِ لا تَخزَى إذا الريحُ ألصقتْبها مِرْطهَا أو زايلَ الحَلْيُ جِيدَهَا

وضيف يقع للاثنين والجميع على لفظ الواحد؛ لأنه في الأصل مصدر؛ قال الشاعر:

لا تَعدمي الدهرَ شِفار الجازِرلِلضّيفِ والضيفُ أحقّ زائر

ويجوز فيه التثنية والجمع؛ والأوّل أكثر كقولك: رجالُ صَوْمٍ وفِطر وزَوْرٍ. وخزي الرجلُ خَزَايَةً؛ أي ٱستحيا مثل ذَلّ وهان. وخَزِي خِزياً إذا افتضح؛ يَخْزَى فيهما جميعاً. ثم وبخهم بقوله: {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ} أي شديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وقيل: «رشيد» أي ذو رَشَد. أو بمعنى راشد أو مرشِد، أي صالح أو مصلِح. ٱبن عباس: مؤمن. أبو مالك: ناه عن المنكر. وقيل: الرشيد بمعنى الرّشَد؛ والرَّشَد والرّشاد الهدى والاستقامة. ويجوز أن يكون بمعنى المرشد؛ كالحكيم بمعنى المحكِم.

قوله تعالى: {قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ} روي أن قوم لوط خطبوا بناته فردّهم، وكانت سنتهم أن من ردّ في خِطبة ٱمرأة لم تحل له أبداً؛ فذلك قوله تعالى: {قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ} وبعد ألاّ تكون هذه الخاصيّة. فوجه الكلام أنه ليس لنا إلى بناتك تعلق، ولا هنّ قصدنا، ولا لنا عادة نطلب ذلك. {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} إشارة إلى الأضياف.

قوله تعالى: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} لما رأى استمرارهم في غيهم، وضعف عنهم، ولم يقدر على دفعهم، تمنى لو وجد عوناً على ردهم؛ فقال على جهة التفجع والاستكانة: «لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً» أي أنصاراً وأعواناً. وقال ٱبن عباس: أراد الولد. و«أنّ» في موضع رفع بفعل مضمر، تقديره: لو ٱتفق أو وقع. وهذا يطرد في «أن» التابعة لِـ«ـلو». وجواب «لو» محذوف؛ أي لرددت أهل الفساد، وحلت بينهم وبين ما يريدون. {أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ} أي ألجأ وأنضوي. وقرىء «أو آوِيَ» بالنصب عطفاً على «قوّة» كأنه قال: «لو أن لي بكم قوّة» أو إيواء إلى ركن شديد؛ أي وأن آوى، فهو منصوب بإضمار «أن». ومراد لوط بالركن العشيرة، والمنعة بالكثرة. وبلغ بهم قبيح فعلهم إلى قوله هذا مع علمه بما عند الله تعالى؛ فيروى أن الملائكة وَجَدت عليه حين قال هذه الكلمات، وقالوا: إن ركنك لشديد. وفي البخاري عن أبي هُريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديدالحديث؛ وقد تقدّم في «البقرة». وخرجه الترمذيّ وزاد «ما بعث الله بعده نبياً إلا في ثروة من قومه». قال محمد بن عمرو: والثروة الكثرة والمنعة؛ حديث حسن. ويروى أن لوطاً عليه السلام لما غلبه قومه، وهمّوا بكسر الباب وهو يمسكه، قالت له الرسل: تنحّ عن الباب؛ فتنحّى وانفتح الباب؛ فضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم، وعَمُوا وانصرفوا على أعقابهم يقولون: النجاء؛ قال الله تعالى: { وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ }[القمر: 37]. وقال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظر قومه ويناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسوّر الجدار؛ فلما رأت الملائكة ما لقي من الجهد والكرب والنّصب بسببهم، قالوا: يا لوط إن ركنك لشديد، وأنهم آتيهم عذاب غير مردود، وإنا رسل ربك؛ فافتح الباب ودعنا وإياهم؛ ففتح الباب فضربهم جبريل بجناحه على ما تقدّم. وقيل: أخذ جبريل قبضة من تراب فأذراها في وجوههم، فأوصل الله إلى عين مَن بَعُد ومَن قَرُب من ذلك التراب فطمس أعينهم، فلم يعرفوا طريقاً، ولا ٱهتدوا إلى بيوتهم، وجعلوا يقولون: النجاء النجاء فإن في بيت لوط قوماً هم أسحر من على وجه الأرض، وقد سحرونا فأعموا أبصارنا. وجعلوا يقولون: يا لوط كما أنت حتى نصبح فسترى؛ يتوعدونه.

قوله تعالى: {قَالُواْ يٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ} لما رأت الملائكة حزنه وٱضطرابه ومدافعته عرّفوه بأنفسهم، فلما علم أنهم رسلٌ مكّن قومه من الدخول، فأمرّ جبريل عليه السلام يده على أعينهم فعموا، وعلى أيديهم فجفّت. {لَن يَصِلُوۤاْ إِلَيْكَ} أي بمكروه {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} قرىء «فٱسرِ» بوصل الألف وقطعها؛ لغتان فصيحتان. قال الله تعالى:

{ وَٱللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ }[الفجر: 4] وقال: { سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ }[الإسراء: 1] وقال النابغة: فجمع بين اللغتين:

أَسْرتْ عليه من الجوزاء ساريةٌتُزجِي الشمالُ عليهِ جامِدَ البَرَدِ

وقال آخر:

حَيِّ النَّضيرةَ ربَّةَ الخِدْرِأَسْرتْ إليكَ ولم تَكنْ تَسْرِي

وقد قيل: «فَأَسْرِ» بالقطع إذا سار من أوّل الليل، وسرى إذا سار من آخره؛ ولا يقال في النهار إلا سار. وقال لبيد:

إذا المرءُ أَسْرَى ليلةً ظَنَّ أنَّهُقَضَى عملاً والمرءُ ما عاش عامِلُ

وقال عبد الله بن رَوَاحَةَ:

عند الصّباحِ يَحْمَدُ القومُ السُّرَىوتَنْجَلِي عنهم غَيَاباتُ الكَرَى

قوله تعالى: {بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْلِ} قال ٱبن عباس: بطائفة من الليل. الضحّاك: ببقية من الليل. قَتَادة: بعد مضي صدر من الليل. الأخفش: بعد جنح من الليل. ٱبن الأعرابي: بساعة من الليل. وقيل: بظلمة من الليل. وقيل: بعد هدءٍ من الليل. وقيل: هزيع من الليل. وكلها متقاربة؛ وقيل: إنه نصف الليل؛ مأخوذ من قطعه نصفين؛ ومنه قول الشاعر:

ونائحةٍ تَنُوحُ بِقطعِ ليلٍعلى رجلٍ بقارعةِ الصّعيدِ

فإن قيل: السُّرى لا يكون إلا بالليل، فما معنى «بقطع من الليل»؟ فالجواب: أنه لو لم يقل: «بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ» جاز أن يكون أوّله. {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ} أي لا ينظر وراءه منكم أحد؛ قاله مجاهد. ٱبن عباس: لا يتخلف منكم أحد. عليّ بن عيسى: لا يشتغل منكم أحد بما يخلفه من مال أو متاع. {إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ} بالنصب؛ وهي القراءة الواضحة البيّنة المعنى؛ أي فأسر بِأهلِك إلا ٱمرأتك. وكذا في قراءة ٱبن مسعود «فأسرِ بِأهلِك إِلا ٱمرأتك» فهو ٱستثناء من الأهل. وعلى هذا لم يخرج بها معه. وقد قال الله عز وجل: { كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ }[الأعراف: 83] أي من الباقين. وقرأ أبو عمرو وٱبن كثير: «إِلا ٱمرأتُك» بالرفع على البدل من «أحد». وأنكر هذه القراءة جماعة منهم أبو عبيد؛ وقال: لا يصح ذلك إلا برفع «يلتفت» ويكون نعتاً؛ لأن المعنى يصير ـ إذا أبدلت وجزمت ـ أن المرأة أبيح لها الالتفات، وليس المعنى كذلك. قال النحاس: وهذا الحمل من أبي عبيد وغيره على مثل أبي عمرو مع جلالته ومحله من العربية لا يجب أن يكون؛ والرفع على البدل له معنى صحيح، والتأويل له على ما حكى محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد أن يقول الرجل لحاجبه: لا يخرج فلان؛ فلفظ النهي لفلان ومعناه للمخاطب؛ أي لا تدعه يخرج؛ ومثله قولك: لا يقم أحد إلا زيد؛ يكون معناه: ٱنههم عن القيام إلا زيداً؛ وكذلك النهي للوط ولفظه لغيره؛ كأنه قال: ٱنههم لا يلتفت منهم أحد إلا ٱمرأتك. ويجوز أن يكون استثناء من النهي عن الالتفات لأنه كلام تام؛ أي لا يلتفت منكم أحد إلا ٱمرأتك فإنها تلتفت وتهلك، وأن لوطاً خرج بها، ونهى من معه ممن أسرى بهم ألا يلتفت، فلم يلتفت منهم أحد سوى زوجته؛ فإنها لما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها. {إِنَّهُ مُصِيبُهَا} أي من العذاب. والكناية في «إنه» ترجع إلى الأمر والشأن؛ أي فإن الأمر والشأن والقصة. {مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ} لما قالت الملائكة: { إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ }[العنكبوت: 31] قال لوط: الآن الآن. ٱستعجلهم بالعذاب لغيظه على قومه؛ فقالوا: {أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} وقرأ عيسى بن عمر «أليس الصُّبُحُ» بضم الباء وهي لغة. ويحتمل أن يكون جعل الصبح ميقاتاً لهلاكهم؛ لأن النفوس فيه أودع، والناس فيه أجمع. وقال بعض أهل التفسير: إن لوطاً خرج بابنتيهِ ليس معه غيرهما عند طلوع الفجر، وأن الملائكة قالت له: إن الله قد وكّل بهذه القرية ملائكة معهم صوت رعد، وخطف برق، وصواعق عظيمة، وقد ذكرنا لهم أن لوطاً سيخرج فلا تؤذوه؛ وأمارته أنه لا يلتفت، ولا تلتفت ٱبنتاه فلا يهولنّك ما ترى. فخرج لوط وطوى الله له الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم.

قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} أي عذابنا. {جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} وذلك أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط، وهي خمس سدوم ـ وهي القرية العظمى ـ وعامورا، ودادوما، وضعوه، وقتم، فرفعها من تخوم الأرض حتى أدناها من السماء بما فيها؛ حتى سمع أهل السماء نهيق حمرهم وصياح ديكتهم، لم تنكفىء لهم جرّة، ولم ينكسر لهم إناء، ثم نكسوا على رؤوسهم، وأتبعهم الله بالحجارة. مقاتل: أهلكت أربعة، ونجت ضعوه. وقيل غير هذا؛ والله أعلم.

قوله تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} دليل على أن من فعل فعلهم حكمه الرجم؛ وقد تقدّم في «الأعراف». وفي التفسير: أمطرنا في العذاب، ومطرنا في الرحمة. وأما كلام العرب فيقال: مطرت السماء وأمطرت: حكاه الهرويّ. واختلف في «السِّجِّيل» فقال النحاس: السجيل الشديد الكثير؛ وسجيل وسِجِّين اللام والنون أختان. وقال أبو عبيدة: السجيل الشديد؛ وأنشد:

ضَرْبـاً تَوَاصَـى به الأبطالُ سِجِّينَـا

_@_ قال النحاس: وردّ عليه هذا القول عبد الله بن مسلم وقال: هذا سجين وذلك سجيل فكيف يستشهد به؟ٰ قال النحاس: وهذا الرد لا يلزم، لأن أبا عبيدة ذهب إلى أن اللام تبدل من النون لقرب إحداهما من الأخرى؛ وقول أبي عبيدة يردّ من جهة أخرى؛ وهي أنه لو كان على قوله لكان حجارة سجيلاً؛ لأنه لا يقال: حجارة من شديد؛ لأن شديداً نعت. وحكى أبو عبيدة عن الفراء أنه قد يقال لحجارة الأرحاء سجيل. وحكى عنه محمد بن الجهم أن سجيلاً طين يطبخ حتى يصير بمنزلة الأرحاء. وقالت طائفة منهم ٱبن عباس وسعيد بن جبير وابن إسحق: إن سجيلاً لفظة غير عربية عُرِّبت، أصلها سَنْج وجِيلْ. ويقال: سَنْك وكِيلْ؛ بالكاف موضع الجيم، وهما بالفارسية حجر وطين عربتهما العرب فجعلتهما اسماً واحداً. وقيل: هو من لغة العرب. وقال قتادة وعِكرمة: السجيل الطين بدليل قوله: { لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ }[الذاريات: 33]. وقال الحسن: كان أصل الحجارة طيناً فشدّدت. والسجيل عند العرب كل شديد صُلْب. وقال الضحاك: يعني الآجر. وقال ٱبن زيد: طين طبخ حتى كان كالآجر؛ وعنه أن سجيلاً ٱسم السماء الدنيا؛ ذكره المهدويّ؛ وحكاه الثعلبيّ عن أبي العالية؛ وقال ٱبن عطية: وهذا ضعيف يرده وصفه بـ«منضود». وعن عكرمة: أنه بحر معلق في الهواء بين السماء والأرض منه نزلت الحجارة. وقيل: هي جبال في السماء، وهي التي أشار الله تعالى إليها بقوله: { وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ }[النور: 43]. وقيل: هو مما سجّل لهم أي كتب لهم أن يصيبهم؛ فهو في معنى سِجين؛ قال الله تعالى: { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ } [المطففين: 8 ـ 9] قاله الزجاج وٱختاره. وقيل: هو فِعِّيل من أسجلته أي أرسلته؛ فكأنها مرسَلة عليهم. وقيل: هو من أسجلته إذا أعطيتَه؛ فكأنه عذاب أُعطوه؛ قال:

مَنْ يُساجِلْني يُساجِلْ ماجِداًيَمْلأ الدَّلْو إلى عَقْدِ الكَرَب

وقال أهل المعاني: السجّيل والسجّين الشديد من الحَجَر والضَّرب؛ قال ٱبن مُقْبل:

ورَجْلةٍ يضرِبون البَيْضَ ضَاحِيَةضَرْباً تَواصَى بهِ الأبطالُ سِجِّينَا

{مَّنْضُودٍ} قال ٱبن عباس: متتابع. وقال قتادة: نُضد بعضها فوق بعض. وقال الرّبيع: نُضد بعضه على بعض حتى صار جسداً واحداً. وقال عِكرمة: مصفوف. وقال بعضهم مرصوص؛ والمعنى متقارب. يقال: نَضَدت المتاع واللّبِن إذا جعلت بعضه على بعض، فهو منضود ونَضِيد ونَضَدٌ؛ قال:

ورفَّعَتْـه إلى السِّجْفَيـن فالنَّضَدِ

وقال أبو بكر الهُذَليّ: مُعدّ؛ أي هو مما أعدّه الله لأعدائه الظّلمة. {مُّسَوَّمَةً} أي معلمَة، من السِّيما وهي العلامة؛ أي كان عليها أمثال الخواتيم. وقيل: مكتوب على كل حجر ٱسم من رُمي به، وكانت لا تشاكل حجارة الأرض. وقال الفرّاء: زعموا أنها كانت مخططة بحمرة وسواد في بياض، فذلك تسويمها. وقال كعب: كانت معلمة ببياض وحمرة، وقال الشاعر:

غلامٌ رماه اللَّهُ بالحسنِ يافِعاًله سِيمياء لا تَشقُّ على البَصَرْ

و«مُسَوَّمَةً» من نعت حجارة. و«منضودٍ» من نعت «سِجّيل». وفي قوله: {عِندَ رَبِّكَ} دليل على أنها ليست من حجارة الأرض؛ قاله الحسن. {وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} يعني قوم لوط؛ أي لم تكن تخطئهم. وقال مجاهد: يُرهِب قريشاً؛ المعنى: ما الحجارة من ظالمي قومك يا محمد ببعيد. وقال قتادة وعِكرمة: يعني ظالمي هذه الأمة؛ والله ما أجار الله منها ظالماً بعد. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:سيكون في آخر أمّتي قوم يكتفي رجالهم بالرجال ونساؤهم بالنساء فإذا كان ذلك فارتقبوا عذاب قومِ لوط أن يرسل الله عليهم حجارة من سجيل ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ}. وفي رواية عنه عليه السلام:لا تذهب الليالي والأيام حتى تستحلّ هذه الأمة أدبار الرجال كما ٱستحلوا أدبار النساء فتصيب طوائف من هذه الأمة حجارة من ربك». وقيل: المعنى ما هذه القرى من الظالمين ببعيد؛ وهي بين الشام والمدينة. وجاء «بِبَعِيدٍ» مذكراً على معنى بمكان بعيد. وفي الحجارة التي أمطرت قولان: أحدهما: أنها أمطرت على المدن حين رفعها جبريل. الثاني: أنها أمطرت على من لم يكن في المدن من أهلها وكان خارجاً عنها.

وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ ۝٨٤ وَيَٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ۝٨٥ بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ ۝٨٦ قَالُوا۟ يَٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُا۟ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ۝٨٧ قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ۝٨٨ وَيَٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَٰلِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ ۝٨٩ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌ وَدُودٌ ۝٩٠ قَالُوا۟ يَٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَٰكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ۝٩١ قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَهْطِىٓ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ۝٩٢ وَيَٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَٰمِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَٰذِبٌ وَٱرْتَقِبُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ ۝٩٣ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَٰرِهِمْ جَٰثِمِينَ ۝٩٤ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ۝٩٥

قوله تعالى: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} أي وأرسلنا إلى مدين، ومدين هم قوم شعيب. وفي تسميتهم بذلك قولان: أحدهما ـ أنهم بنو مدين بن إبراهيم؛ فقيل: مدين والمراد بنو مدين. كما يقال مُضَر والمراد بنو مُضَر. الثاني ـ أنه ٱسم مدينتهم، فنسبوا إليها. قال النحاس: لا ينصرف مدين لأنه ٱسم مدينة؛ وقد تقدّم في «الأعراف» هذا المعنى وزيادة. {قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} تقدّم. {وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} كانوا مع كفرهم أهل بخس وتطفيف؛ كانوا إذا جاءهم البائع بالطعام أخذوا بكيل زائد، وٱستوفوا بغاية ما يَقدِرون (عليه) وظلموا؛ وإن جاءهم مشتَرٍ للطعام باعوه بكيل ناقص، وشحّحوا له بغاية ما يقدِرون؛ فأمروا بالإيمان إقلاعاً عن الشرك، وبالوفاء نهياً عن التطفيف. {إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} أي في سَعة من الرزق، وكثرة من النِّعم. وقال الحسن: كان سعرهم رخيصاً. {وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} وصف اليوم بالإحاطة، وأراد وصف ذلك اليوم بالإحاطة بهم؛ فإن يوم العذاب إذا أحاط بهم فقد أحاط العذاب بهم، وهو كقولك: يوم شديد؛ أي شديد حرّه. وٱختلف في ذلك العذاب؛ فقيل: هو عذاب النار في الآخرة. وقيل: عذاب الاستئصال في الدنيا. وقيل: غلاء السعر؛ روي معناه عن ٱبن عباس. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:

ما أظهر قوم البخس في المكيال والميزان إلا ٱبتلاهم الله بالقحط والغلاء. وقد تقدّم.

قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن التطفيف تأكيداً. والإيفاء الإتمام. «بالقسطِ» أي بالعدل والحق، والمقصود أن يصل كل ذي نصيب إلى نصيبه؛ وليس يريد إيفاء المكيل والموزون لأنه لم يقل: أوفوا بالمكيال وبالميزان؛ بل أراد ألا تنقصوا حجم المكيال عن المعهود، وكذا الصنجات. {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ} أي لا تنقصوهم مما ٱستحقوه شيئاً. {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} بيّن أن الخيانة في المكيال والميزان مبالغة في الفساد في الأرض، وقد مضى في «الأعراف» زيادة لهذا، والحمد لله.

قوله تعالى: {بَقِيَّةُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي ما يبقيه الله لكم بعد إيفاء الحقوق بالقسط أكثر بركة، وأحمد عاقبة مما تبقونه أنتم لأنفسكم من فضل التطفيف بالتجبّر والظلم؛ قال معناه الطبريّ وغيره. وقال مجاهد: {بَقِيَّةُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ} يريد طاعته. وقال الرّبيع: وصية الله. وقال الفرّاء: مراقبة الله. ابن زيد: رحمة الله. قتادة والحسن: حظكم من ربكم خير لكم. وقال ابن عباس: رزق الله خير لكم. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} شرط هذا لأنهم إنما يعرفون صحة هذا إن كانوا مؤمنين. وقيل: يحتمل أنهم كانوا يعترفون بأن الله خالقهم فخاطبهم بهذا. {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} أي رقيب أرقبكم عند كيلكم ووزنكم؛ أي لا يمكنني شهود كل معاملة تصدر منكم حتى أؤاخذكم بإيفاء الحق. وقيل: أي لا يتهيأ لي أن أحفظكم من إزالة نعم الله عليكم بمعاصيكم.

قوله تعالى: {قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَوَاتُكَ} وقرىء «أَصَلاَتُكَ» من غير جمع. {تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ} «أن» في موضع نصب؛ قال الكسائي: موضعها خفض على إضمار الباء. وروي أن شعيباً عليه السلام كان كثير الصلاة، مواظباً على العبادة فرضها ونفلها ويقول: الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ فلما أمرهم ونهاهم عيّروه بما رأوه يستمرّ عليه من كثرة الصلاة، واستهزؤوا به فقالوا ما أخبر الله عنهم. وقيل: إن الصلاة هنا بمعنى القراءة؛ قاله سفيان عن الأعمش، أي قراءتك تأمرك؛ ودلّ بهذا على أنهم كانوا كفاراً. وقال الحسن: لم يبعث الله نبيّاً إلا فرض عليه الصلاة والزكاة. {أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} زعم الفراء أن التقدير: أو تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء. وقرأ السُّلَميّ والضّحاك بن قيس «أو أن تفعل في أموالِنا ما تشاء» بالتاء في الفعلين، والمعنى: ما تشاء أنت يا شعيب. وقال النحاس: «أو أن» على هذه القراءة معطوفة على «أن» الأولى. ورُوي عن زيد بن أسلم أنه قال: كان مما نهاهم عنه حَذْف الدراهم. وقيل: معنى. «أَوْ أَنْ نَفْعَل في أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ» إذا تراضينا فيما بيننا بالبخس فَلِم تمنعنا منه؟ٰ. {إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ} يعنون عند نفسك بزعمك؛ ومثله في صفة أبي جهل:

{ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ }[الدخان: 49] أي عند نفسك بزعمك. وقيل: قالوه على وجه الاستهزاء والسخرية، قاله قتادة. ومنه قولهم للحبشي: أبو البيضاء، وللأبيض أبو الْجَون؛ ومنه قول خزنة جهنم لأبي جهل. «ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ». وقال سفيان بن عُيَينة: العرب تصف الشيء بضدّه للتطيّر والتفاؤل، كما قيل لِلَّدِيغ سَلِيم، وللفلاة مَفازة. وقيل: هو تعريض أرادوا به السبّ؛ وأحسن من هذا كله، ويدلّ ما قبله على صحته، أي إنك أنت الحليم الرشيد حقاً، فكيف تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤناٰ ويدلّ عليه. {أَصَلَوَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ} أنكروا لما رأوا من كثرة صلاته وعبادته، وأنه حليم رشيد بأن يكون يأمرهم بترك ما كان يعبد آباؤهم، وبعده أيضاً ما يدلّ عليه. {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً} أي أفلا أنهاكم عن الضلال؟ٰ وهذا كله يدلّ على أنهم قالوه على وجه الحقيقة، وأنه اعتقادهم فيه. ويشبه هذا المعنى قول اليهود من بني قريظة للنبي صلى الله عليه وسلم حين قال لهم: «يا إخوة القردة» فقالوا: يا محمد ما علمناك جهولا!.

مسألة: قال أهل التفسير: كان مما ينهاهم عنه، وعُذبوا لأجله قطع الدنانير والدراهم؛ كانوا يقرضون من أطراف الصحاح لتفضل لهم القُراضة، وكانوا يتعاملون على الصحاح عدّاً، وعلى المقروضة وزنا، وكانوا يبخسون في الوزن. وقال ابن وهب قال مالك: كانوا يكسرون الدنانير والدراهم، وكذلك قال جماعة من المفسرين المتقدّمين كسعيد بن المسيّب، وزيد بن أسلم وغيرهما؛ وكسرهما ذنب عظيم. وفي كتاب أبي داود عن علقمة بن عبد الله عن أبيه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكسر سَكَّة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس؛ فإنها إذا كانت صحاحاً قام معناها، وظهرت فائدتها، وإذا كسرت صارت سِلعة، وبطلت منها الفائدة؛ فأضر ذلك بالناس؛ ولذلك حرم. وقد قيل في تأويل قوله تعالى:

{ وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ }[النمل: 48] أنهم كانوا يكسرون الدراهم؛ قاله زيد بن أسلم. قال أبو عمر بن عبد البر: زعموا أنه لم يكن بالمدينة أعلم بتأويل القرآن من زيد بن أسلم بعد محمد بن كعب القُرَظيّ.

مسألة: قال أصْبغ قال عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جُنادة مولى زيد بن الحارث العُتَقيّ: من كسرها لم تقبل شهادته، وإن اعتذر بالجهالة لم يعذر، وليس هذا بموضع عذر؛ قال ٱبن العربي: أما قوله: لم تقبل شهادته فلأنه أتى كبِيرةً، والكبائر تسقط العدالة دون الصغائر؛ وأما قوله: لا يقبل عذره بالجهالة في هذا فلأنه أمرٌ بيّنٌ لا يخفى على أحد، وإنما يقبل العذر إذا ظهر الصدق فيه، أو خفِي وجه الصدق فيه، وكان الله أعلم به من العبد كما قال مالك.

مسألة: إذا كان هذا معصية وفساداً تردّ به الشهادة فإنه يعاقب من فعل ذلك. ومرّ ابن المسيّب برجل قد جُلد فقال: ما هذا؟ قال رجل: يقطع الدنانير والدراهم؛ قال ٱبن المسيّب: هذا من الفساد في الأرض؛ ولم ينكر جلده؛ ونحوه عن سفيان. وقال أبو عبد الرحمن النَّجِيبي: كنت قاعداً عند عمر بن عبد العزيز وهو إذ ذاك أمير المدينة فأتى برجل (يقطع الدراهم) وقد شُهِد عليه فضربه وحَلَقه، وأمر فطِيف به، وأمره أن يقول: هذا جزاء من يقطع الدراهم؛ ثم أمر أن يُرَدّ إليه؛ فقال: إنه لم يمنعني أن أقطع يدك إلا أني لم أكن تقدّمت في ذلك قبل اليوم، وقد تقدّمت في ذلك فمن شاء فليقطع. قال القاضي أبو بكر بن العربيّ: أما أدبه بالسوط فلا كلام فيه، وأما حلقه فقد فعله عمر؛ وقد كنت أيام الحكم (بين الناس) أضرب وأحلق، وإنما كنت أفعل ذلك بمن يرى شعره عوناً له على المعصية، وطريقاً إلى التجمل به في الفساد، وهذا هو الواجب في كل طريق للمعصية، أن يقطع إذا كان غير مؤثر في البدن، وأما قطع يده فإنما أخذ ذلك عمر من فصل السرقة؛ وذلك أن قرض الدراهم غير كسرها، فإن الكسر إفساد الوصف، والقرض تنقيص للقدر، فهو أخْذُ مالٍ على جهة الاختفاء؛ فإن قيل: أليس الحِرز أصلاً في القطع؟ قلنا: يحتمل أن يكون عمرُ يرى أن تهيئها للفصل بين الخلق ديناراً أو درهماً حِرز لها، وحِرز كل شيء على قدر حاله؛ وقد أنفذ ذلك ابن الزبير، وقطع يد رجل في قطع الدنانير والدراهم. وقد قال علماؤنا المالكية: إن الدنانير والدراهم خواتيم الله عليها اسمه؛ ولو قطع على قول أهل التأويل من كسر خاتماً لله كان أهلاً لذلك، أو من كسر خاتم سلطان عليه ٱسمه أدّب، وخاتم الله تقضى به الحوائج فلا يستويان في العقوبة. قال ابن العربيّ: وأرى أن يقطع في قرضها دون كسرها، وقد كنت أفعل ذلك أيام توليتي الحكم، إلا أني كنت محفوفاً بالجهال، فلم أجبن بسبب المقال للحسدة الضلال فمن قدر عليه يوماً من أهل الحق فليفعله احتساباً لله تعالى

قوله تعالى: {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} تقدم. {وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً} أي واسعاً حلالاً، وكان شعيب عليه السلام كثير المال، قاله ابن عباس وغيره. وقيل: أراد به الهدى والتوفيق، والعلم والمعرفة، وفي الكلام حذف، وهو ما ذكرناه، أي أفلا أنهاكم عن الضلالٰ وقيل: المعنى «أرأيتم إن كنت على بينة من ربي» أتبع الضلال؟ وقيل: المعنى «أرأيتم إن كنت على بينة من ربي» أتأمرونني بالعصيان في البخس والتطفيف، وقد أغناني الله (عنه). {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ} في موضع نصب بـ «ـأُريدُ». {إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} أي ليس أنهاكم عن شيء وأرتكبه، كما لا أترك ما أمرتكم به. {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ} أي ما أريد إلا فعل الصلاح؛ أي أن تصلحوا دنياكم بالعدل، وآخرتكم بالعبادة، وقال: «مَا اسْتَطَعْتُ» لأن الاستطاعة من شروط الفعل دون الإرادة. و «ما» مصدرية، أي إن أريد إلا الإِصلاح جهدي واستطاعتي. {وَمَا تَوْفِيقِيۤ} أي رشدي، والتوفيق الرشد. {إِلاَّ بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} أي اعتمدت. {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} أي أرجع فيما ينزل بي من جميع النوائب. وقيل: إليه أرجع في الآخرة. وقيل: إن الإنابة الدعاء، ومعناه وله أدعو.

قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} وقرأ يحيـى بن وثاب «يُجْرِمَنَّكُمْ». {شِقَاقِيۤ} في موضع رفع. {أَن يُصِيبَكُم} في موضع نصب، أي لا يحملنكم معاداتي على ترك الإيمان فيصيبكم ما أصاب الكفار (قبلكم)، قاله الحسن وقتادة. وقيل: لا يكسبنكم شقاقي إصابتكم العذاب، كما أصاب من كان قبلكم، قاله الزجاج. وقد تقدّم معنى «يجرمنكم» في «المائدة» و «الشقاق» في «البقرة» وهو هنا بمعنى العداوة، قاله السدّي، ومنه قول الأخطل:

ألاَ مَنْ مُبلغٌ عنّي رسولاًفكيف وجَدتُمُ طَعْمَ الشِّقاق

وقال الحسن (البصري): إضراري. وقال قتادة: فِراقي. {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} وذلك أنهم كانوا حديثي عهد بهلاك قوم لوط. وقيل: وما ديار قوم لوط منكم ببعيد، أي بمكان بعيد، فلذلك وحد البعيد. قال الكسائيّ: أي دورهم في دوركم.

قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} تقدم. {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} اسمان من أسمائه سبحانه، وقد بيناهما في كتاب «الأسنى في شرح الأسماء الحسنى». قال الجوهريّ: وَدِدت الرجل أوده وداً إذا أحببته، والودود المحب، والوَد والوِد والوُد والمودة المحبة. وروي

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ذكر شعيباً قال: «ذاك خطيب الأنبياء».

قوله تعالى: {قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ} أي ما نفهم؛ لأنك تحملنا على أمور غائبة من البعث والنشور، وتعظنا بما لا عهد لنا بمثله. وقيل: قالوا ذلك إعراضاً عن سماعه، واحتقاراً لكلامه؛ يقال: فقِه يفقَه إذا فهم فِقْهاً؛ وحكى الكسائي: فَقُه فَقَهاً وفِقْهاً إذا صار فقيهاً. {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً} قيل: إنه كان مصاباً ببصره؛ قاله سعيد بن جبير وقتادة. وقيل: كان ضعيف البصر؛ قاله الثوري وحكى عنه النحاس مثل قول سعيد بن جبير وقتادة. قال النحاس: وحكى أهل اللغة أن حِمْيَر تقول للأعمى ضعيفاً؛ أي قد ضعف بذهاب بصره؛ كما يقال له ضرير؛ أي قد ضرّ بذهاب بصره؛ كما يقال له: مكفوف؛ أي قد كف عن النظر بذهاب بصره. قال الحسن: معناه مهين. وقيل: المعنى ضعيف البدن؛ حكاه عليّ بن عيسى. وقال السدي: وحيداً ليس لك جند وأعوان تقدر بها على مخالفتنا. وقيل: قليل المعرفة بمصالح الدنيا وسياسة أهلها. و «ضعيفاً» نصب على الحال. {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ} رفع بالابتداء، ورهط الرجل عشيرته الذي يستند إليهم ويتقوّى بهم؛ ومنه الرّاهِطَاء لجُحر الَيْربُوع؛ لأنه يَتوثّق به ويخبِّىء فيه ولده. ومعنى {لَرَجَمْنَاكَ} لقتلناك بالرّجم، وكانوا إذا قتلوا إنساناً رجموه بالحجارة، وكان رهطه من أهل ملتهم. وقيل: معنى «لَرَجَمْنَاكَ» لشتمناك؛ ومنه قول الجعدي:

تَراجَمْنا بمُرّ القولِ حتىنصير كأننّا فَرسَا رِهانِ

والرجم أيضاً اللعن؛ ومنه الشيطان الرجيم. {وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} أي ما أنت علينا بغالب ولا قاهر ولا ممتنع.

قوله تعالى: {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ} «أرَهْطِيَ» رفع بالابتداء؛ والمعنى أرهطي في قلوبكم {أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ} وأعظم وأجل وهو يملككم. {وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} أي ٱتخذتم ما جئتكم به من أمر الله ظهرياً؛ أي جعلتموه وراء ظهوركم، وامتنعتم من قتلي مخافة قومي؛ يقال: جعلت أمره بِظهرٍ إذا قصرت فيه، وقد مضى في «البقرة»، {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ} أي من الكفر والمعصية. {مُحِيطٌ} أي عليم. وقيل: حفيظ.

قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} تهديد ووعيد؛ وقد تقدّم في «الأنعام». {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} أي يهلكه. و «من» في موضع نصب، مثل

{ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ }}.[البقرة: 220] {وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ} عطف عليها. وقيل: أي وسوف تعلمون من هو كاذب منا. وقيل في محل رفع؛ تقديره: ويخزي من هو كاذب. وقيل: تقديره ومن هو كاذب فسيعلم كذبه، ويذوق وبال أمره. وزعم الفرّاء أنهم إنما جاؤوا بـ«هو» في «وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ» لأنهم لا يقولون مَن قائم؛ إنما يقولون: مَن قام، ومَن يقوم، ومَن القائم؛ فزادوا «هو» ليكون جملة تقوم مقام فعل ويفعل. قال النحاس: ويدل على خلاف هذا قوله:

مَنْ رَسُولِي إلى الثُّرَيّا بِأَنِّيضِقْتُ ذَرْعاً بِهَجْرِهَا والكتابِ

{وَٱرْتَقِبُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} أي ٱنتظروا العذاب والسخطة، فإني منتظر النصر والرحمة.

قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} قيل: صاح بهم جبريل صيحة فخرجت أرواحهم من أجسادهم {نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ} أي صيحة جبريل. وأنث الفعل على لفظ الصيحة، وقال في قصة صالح:

{ وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَة }ُ} [هود: 67] فذكّر على معنى الصياح. قال ٱبن عباس: ما أهلك الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم صالح وقوم شعيب، أهلكهم الله بالصيحة؛ غير أن قوم صالح أخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم الصيحة من فوقهم. {فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ } تقدّم معناه. وحكى الكسائيّ أن أبا عبد الرحمن السلميّ قرأ "كَمَا بَعُدَتْ ثَمُودُ" بضم العين. قال النحاس: المعروف في اللغة إنما يقال بعِد يَبْعَدُ بَعَداً وبُعْداً إذا هلك. وقال المهدوي: من ضم العين من «بعدت» فهي لغة تستعمل في الخير والشر، ومصدرها البعد؛ وبعِدت تستعمل في الشر خاصة؛ يقال: بَعِدَ يَبعَد بَعَداً؛ فالبعد على قراءة الجماعة بمعنى اللَّعنة؛ وقد يجتمع معنى اللغتين لتقاربهما في المعنى؛ فيكون مما جاء مصدره على غير لفظه لتقارب المعاني.
الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ