انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة هود

تفسير القرطبيالآيات 48–72

تفسير سورة هود آية آية، من تفسير القرطبي.

قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَٰمٍ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٤٨

قوله تعالى: {قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا} أي قالت (له) الملائكة، أو قال الله تعالى له: ٱهبط من السفينة إلى الأرض، أو من الجبل إلى الأرض؛ فقد ٱبتلعت الماء وجفّت. «بِسَلاَمٍ مِنَّا» أي بسلامة وأمن. وقيل: بتحية.{وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ} أي نعم ثابتة؛ مشتق من بروك الجمل وهو ثبوته وإقامته. ومنه البِركة لثبوت الماء فيها. وقال ٱبن عباس رضي الله عنهما: نوح آدم الأصغر، فجميع الخلائق الآن من نسله، ولم يكن معه في السفينة من الرجال والنساء إلا من كان من ذريته؛ على قول قَتَادة وغيره، حسب ما تقدّم؛ وفي التنزيل

{ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ } [الصافات: 77]. {وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} قيل: دخل في هذا كل مؤمن إلى يوم القيامة. ودخل في قوله:{وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} كل كافر إلى يوم القيامة؛ رُوي ذلك عن محمد بن كعب. والتقدير على هذا: وعلى ذرية أمم ممن معك، وذرية أمم سنمتعهم. وقيل: «مِن» للتبعيض، وتكون لبيان الجنس. «وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ» ارتفع «وَأُمَمٌ» على معنى وتكون أمم. قال الأخفش سعيد كما تقول: كلمت زيداً وعمرو جالس. وأجاز الفراء في غير القراءة وأمماً، وتقديره: ونمتّع أمماً. وأعيدت «على» مع «أُمَمٌ» لأنه معطوف على الكاف من «عَلَيْكَ» وهي ضمير المجرور، ولا يعطف على ضمير المجرور إلا بإعادة الجار على قول سيبويه وغيره. وقد تقدّم في «النساء» بيان هذا مستوفى في قوله تعالى: { وَٱتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ } [النساء:1] بالخفض. والباء في قوله: «بِسَلاَمٍ» متعلقة بمحذوف؛ لأنها في موضع الحال؛ أي ٱهبط مسلَّماً عليك. و«مِنَّا» في موضع جر متعلق بمحذوف؛ لأنه نعت للبركات. «وَعَلَى أُمَمٍ» متعلق بما تعلق به«عَلَيْكَ»؛ لأنه أعيد من أجل المعطوف على الكاف. و«من» في قوله: «مِمَّنْ مَعَكَ» متعلق بمحذوف؛ لأنه في موضع جر نعت للأمم. و«مَعَكَ» متعلق بفعل محذوف؛ لأنه صلة «لمن» أي ممن ٱستقر معك، أو آمن معك، أو ركب معك.

تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ۝٤٩

قوله تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ} أي تلك الأنباء، وفي موضع آخر «ذلك» أي ذلك النبأ والقصص من أنباء ما غاب عنك. {نُوحِيهَآ إِلَيْكَ} أي لتقف عليها. {مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ} أي كانوا غير عارفين بأمر الطوفان، والمجوس الآن ينكرونه. {مِن قَبْلِ هَـٰذَا} خبر أي مجهولة عندك وعند قومك. {فَٱصْبِرْ} على مشاق الرسالة وإذاية القوم كما صبر نوح. وقيل: أراد جهلهم بقصة ٱبن نوح وإن سمعوا أمر الطوفان (فإنه) على الجملة. «فَٱصْبِرْ» أي ٱصبر يا محمد على القيام بأمر الله وتبليغ رسالته، وما تلقى من أذى العرب الكفار، كما صبر نوح على (أذى) قومه. {إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ} في الدنيا بالظَّفر، وفي الآخرة بالفوز.{لِلْمُتَّقِينَ} عن الشرك والمعاصي.

وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ۝٥٠ يَٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝٥١ وَيَٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ ۝٥٢ قَالُوا۟ يَٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ۝٥٣ إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍ قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ۝٥٤ مِن دُونِهِۦ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ۝٥٥ إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝٥٦ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦٓ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيْـًٔا إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ ۝٥٧ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ۝٥٨ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا۟ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ۝٥٩ وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَلَآ إِنَّ عَادًا كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ۝٦٠

قوله تعالى:{وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} أي وأرسلنا، فهو معطوف على {أَرْسَلْنَا نُوحاً}. وقيل له أخوهم لأنه منهم، وكانت القبيلة تجمعهم؛ كما تقول: يا أخا تميم. وقيل: إنما قيل له أخوهم لأنه من بني آدم كما أنهم من بني آدم؛ وقد تقدّم هذا في «الأعراف» وكانوا عبدة الأوثان. وقيل: هم عادان، عاد الأولى وعاد الأخرى، فهؤلاء هم الأولى؛ وأما الأخرى فهو شدّاد ولقمان المذكوران في قوله تعالى:

{ إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ }[الفجر: 7]. وعاد ٱسم رجل ثم ٱستمرّ على قوم ٱنتسبو إليه.{قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} بالخفض على اللفظ، و«غيره» بالرفع على الموضع، و«غيرَه» بالنصب على الاستثناء. {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ} أي ما أنتم في اتخاذكم إلهاً غيره إلا كاذبون عليه جلّ وعزّ.

قوله تعالى:{يٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيۤ} تقدّم معناه. والفِطرة ٱبتداء الخلق. {أَفَلاَ تَعْقِلُون} ما جرى على قوم نوح لما كذبوا الرسل.

قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} تقدّم في أوّل السورة.{يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ} جزم لأنه جواب وفيه معنى المجازاة. {عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً} نصب على الحال، وفيه معنى التكثير؛ أي يرسل السماء بالمطر متتابعاً يتلو بعضه بعضاً؛ والعرب تحذف الهاء في مِفعال على النسب، وأكثر ما يأتي مِفعال من أفعل، وقد جاء هاهنا من فَعل؛ لأنه من درّت السماء تَدِر وتَدُر فهي مدرار. وكان قوم هود ـ أعني عاداً ـ أهل بساتين وزروع وعمارة، وكانت مساكنهم الرمال التي بين الشام واليمن كما تقدّم في «الأعراف».{وَيَزِدْكُمْ} عطف على يرسل. {قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} قال مجاهد: شدّة على شدّتكم. الضحاك: خصباً إلى خصبكم. علي بن عيسى: عزّاً على عزّكم. عِكرمة: ولداً إلى ولدكم. وقيل: إن الله حبس عنهم المطر (وأعقم الأرحام) ثلاث سنين فلم يولد لهم ولد؛ فقال لهم هود: إن آمنتم أحيـى الله بلادكم ورزقكم المال والولد؛ فتلك القوّة. وقال الزجاج: المعنى يزدكم قوّة في النِّعم. {وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ} أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه، وتقيموا على الكفر.

قوله تعالى: {قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} أي حجة واضحة. {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} إصراراً منهم على الكفر.

قوله تعالى: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ} أي أصابك. {بَعْضُ آلِهَتِنَا} أي أصنامنا. {بِسُوۤءٍ} أي بجنون لسبِّك إياها، عن ٱبن عباس وغيره. يقال: عراه الأمر وٱعتراه إذا أَلَمَّ به. ومنه

{ وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ } [الحج: 36]. {قَالَ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهِ} أي على نفسي. {وَٱشْهَدُوۤاْ} أي وأشهدكم؛ لا أنهم كانوا أهل شهادة، ولكنه نهاية للتقرير؛ أي لتعرفوا {أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} أي من عبادة الأصنام التي تعبدونها. {فَكِيدُونِي جَمِيعاً} أي أنتم وأوثانكم في عداوتي وضري. {ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ} أي لا تؤخرون. وهذا القول مع كثرة الأعداء يدلّ على كمال الثقة بنصر الله تعالى. وهو من أعلام النبوّة، أن يكون الرسول وحده يقول لقومه: «فَكِيدُونِي جَمِيعاً». وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لقريش. وقال نوح صلى الله عليه وسلم: { فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُم }ْ} [يونس: 71] الآية.

قوله تعالى: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ} أي رضيت بحكمه، ووثقت بنصره. {مَّا مِن دَآبَّةٍ} أي نفس تدب على الأرض؛ وهو في موضع رفع بالابتداء. {إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} أي يصرفها كيف يشاء، ويمنعها مما يشاء؛ أي فلا تصلون إلى ضري. وكل ما فيه رُوح يقال له دابّ ودابّة؛ والهاء للمبالغة. وقال الفراء: مالكها، والقادر عليها. وقال القتبيّ: قاهرها؛ لأن من أخذتَ بناصيته فقد قهرتَه. وقال الضحّاك: يحييها ثم يميتها؛ والمعنى متقارب. والناصية قُصاص الشّعر في مقدم الرأس. ونَصوتُ الرجل أَنصوه نَصْواً أي مددت ناصيته. قال ٱبن جريج: إنما خص الناصية؛ لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنساناً بالذلّة والخضوع؛ فيقولون: ما ناصية فلان إلا بيد فلان؛ أي إنه مطيع له يصرفه كيف يشاء. وكانوا إذا أسروا أسيراً وأرادوا إطلاقه والمنّ عليه جزوا ناصيته ليعرفوا بذلك فخراً عليه؛ فخاطبهم بما يعرفونه في كلامهم. وقال الترمذيّ الحكيم في «نوادر الأصول» قوله تعالى: {مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} وجهه عندنا أن الله تعالى قدّر مقادير أعمال العباد، ثم نظر إليها، ثم خلق خلقه، وقد نفذ بصره في جميع ما هم فيه عاملون من قبل أن يخلقهم، فلما خلقهم وضع نور تلك النظرة في نواصيهم فذلك النور آخذ بنواصيهم، يجريهم إلى أعمالهم المقدّرة عليهم يوم المقادير. وخلق الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

قّدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة». ولهذا قويت الرسل وصاروا من أولي العزم لأنهم لاحظوا نور النواصي، وأيقنوا أن جميع خلقه منقادون بتلك الأنوار إلى ما نفذ بصره فيهم من الأعمال، فأوفرهم حظاً من الملاحظة أقواهم في العزم، ولذلك ما قوِي هود النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال: {فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ}. {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ}. وإنما سمِّيت ناصية لأن الأعمال قد نصّت وبرزت من غيب الغيب فصارت منصوصة في المقادير، قد نفذ بصر الخالق في جميع حركات الخلق بقدرة، ثم وضعت حركات كل من دبّ على الأرض حياً في جبهته بين عينيه، فسُمّي ذلك الموضع منه ناصية؛ لأنها تنص حركات العباد بما قدّر؛ فالناصية مأخوذة بمنصوص الحركات التي نظر الله تعالى إليها قبل أن يخلقها. ووصف ناصية أبي جهل فقال: { نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ }[العلق: 16] يخبر أن النواصي فيها كاذبة خاطئة؛ فعلى سبيل ما تأوّلوه يستحيل أن تكون الناصية منسوبة إلى الكذب والخطأ. (والله أعلم). {إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} قال النحاس: الصّراط في اللغة المنهاج الواضح؛ والمعنى أن الله جلّ ثناؤه وإن كان يقدر على كل شيء فإنه لا يأخذهم إلا بالحق. وقيل: معناه لا خَلل في تدبيره، ولا تفاوت في خلقه سبحانه

قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ} في موضع جزم؛ فلذلك حذفت منه النون، والأصل تتولوا، فحذفت التاء لاجتماع تاءين. {فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} بمعنى قد بيّنت لكم. {وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ} أي يهلككم ويخلق من هو أطوع له منكم يوحدونه ويعبدونه. «ويَسْتَخْلِفُ» مقطوع مما قبله فلذلك ارتفع؛ أو معطوف على ما يجب فيما بعد الفاء من قوله: «فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ». وروي عن حفص عن عاصم «وَيَسْتَخْلِفْ» بالجزم حملاً على موضع الفاء وما بعدها؛ مثل:

{ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }[الأعراف: 186].

قوله تعالى: {وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً} أي بتوليكم وإعراضكم. {إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} أي لكل شيء حافظ. «على» بمعنى اللام؛ فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء.

قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} أي عذابنا بهلاك عاد. {نَجَّيْنَا هُوداً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} لأن أحداً لا ينجو إلا برحمة الله تعالى، وإن كانت له أعمال صالحة. وفي صحيح مسلم والبخاريّ وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم:

لن يُنجي أحداً منكم عملُه قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يَتغمَّدني الله برحمة منه». وقيل: معنى «بِرَحْمَةٍ مِنَّا» بأن بيّنا لهم الهدى الذي هو رحمة. وكانوا أربعة آلاف. وقيل: ثلاثة آلاف. {وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} أي عذاب يوم القيامة. وقيل: هو الريح العقيم كما ذكر الله في «الذاريات» وغيرها وسيأتي. قال القُشيريّ أبو نصر: والعذاب الذي يتوعد به النبي أمته إذا حضر ينجي الله منه النبي والمؤمنين معه؛ نعم لا يبعد أن يبتلي الله نبياً وقومه فيعمهم ببلاء فيكون ذلك عقوبة للكافرين، وتمحيصاً للمؤمنين، إذا لم يكن مما توعدهم النبي به.

قوله تعالى: {وَتِلْكَ عَادٌ} ابتداء وخبر. وحكى الكسائيّ أن من العرب من لا يصرف «عاداً» فيجعله ٱسماً للقبيلة. {جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} أي كذّبوا بالمعجزات وأنكروها. {وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ} يعني هودا وحده؛ لأنه لم يرسل إليهم من الرسل سواه. ونظيره قوله تعالى:

{ يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ }[المؤمنون: 51] يعني النبي صلى الله عليه وسلم وحده؛ لأنه لم يكن في عصره رسول سواه؛ وإنما جمع هاهنا لأن من كذّب رسولاً واحداً فقد كفر بجميع الرسل. وقيل: عصوا هوداً والرسل قبله، وكانوا بحيث لو أرسل إليهم ألف رسول لجحدوا الكل. {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} أي اتبع سقّاطُهم رؤساءهم. والجبار المتكبر. والعنيد الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يذعن له. قال أبو عبيد: العنِيد والعَنود والعانِد والمعاند المعارض بالخلاف، ومنه قيل للعِرق الذي ينفجر بالدم عانِد. وقال الراجز:

إنِّـي كبيرٌ لا أطيـقُ العُنَّدَا

قوله تعالى: {وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً} أي أُلحقوها. {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي وٱتبعوا يوم القيامة مثل ذلك؛ فالتمام على قوله: «وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ». {أَلاۤ إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ} قال الفرّاء: أي كفروا نعمة ربهم؛ قال: ويقال كفرته وكَفَرَت به، مثل شكرته وشكرت له. {أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} أي لا زالوا مبعدين عن رحمة الله. والبعد الهلاك. والبُعد التّباعد من الخير. يقال: بَعُدَ يَبعُد بُعْداً إذا تأخر وتباعد. وبَعِد يبعَد بَعَداً إذا هلك؛ قال:

لا يَبعَدَنْ قومي الذين هُمُسَمُّ العُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ

وقال النابغة:

فلا تَبعَدنْ إنّ المنيةَ مَنهَلٌوكل ٱمرىء يوماً به الحالُ زائلُ

وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَٰلِحًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ ۝٦١

فيه خمس مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ} أي أرسلنا إلى ثمود {أَخَاهُمْ} أي في النسب. {صَالِحاً}. وقرأ يحيـى بن وثّاب «وَإِلَى ثَمُودٍ» بالتنوين في كل القرآن؛ وكذلك روي عن الحسن. وٱختلف سائر القرّاء فيه فصرفوه في موضع ولم يصرفوه في موضع. وزعم أبو عبيدة أنه لولا مخالفة السواد لكان الوجه ترك الصرف؛ إذ كان الأغلب عليه التأنيث. قال النحاس: الذي قال أبو عبيدة ـ رحمه الله ـ من أن الغالب عليه التأنيث كلام مردود؛ لأن ثموداً يقال له حيّ؛ ويقال له قبِيلة، وليس الغالب عليه القبِيلة، بل الأمر على ضدّ ما قال عند سيبويه. والأجود عند سيبويه فيما لم يقُل فيه بنو فلان الصَّرف؛ نحو قريش وثقيف وماأشبههما، وكذلك ثمود، والعلة في ذلك أنه لما كان التذكير الأصل، وكان يقع له مذكر ومؤنث كان الأصل الأخف أولى. والتأنيث جيد بالغ حسن. وأنشد سيبويه في التأنيث:

غَلبَ المساميحَ الوليدُ سَمَاحةًوكَفَى قريشَ المعضِلاتِ وسادَهَا

الثانية: قوله تعالى: {قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} تقدّم. {هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ} أي ابتدأ خلقكم من الأرض، وذلك أن آدم خلق من الأرض على ما تقدّم في «البقرة» و«الأنعام» وهم منه. وقيل: أنشأكم في الأرض. ولا يجوز إدغام الهاء من «غيره» في الهاء من «هو» إلا على لغة من حذف الواو في الإدراج. {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} أي جعلكم عُمّارها وسكّانها. قال مجاهد: ومعنى «اسْتَعْمَرَكُمْ» أعمركم من قوله: «أعْمر فلان فلاناً داره؛ فهي له عُمْرى. وقال قَتَادة: أسكنكم فيها؛ وعلى هذين القولين تكون ٱستفعل بمعنى أفعل؛ مثل ٱستجاب بمعنى أجاب. وقال الضّحاك: أطال أعماركم، وكانت أعمارهم من ثلثمائة إلى ألف. ٱبن عباس: أعاشكم فيها. زيد بن أسلم: أمركم بعمارة ما تحتاجون إليه فيها من بناء مساكن، وغرس أشجار. وقيل: المعنى ألهمكم عمارتها من الحرث والغرس وحفر الأنهار وغيرها.

الثالثة: قال ٱبن العربيّ قال بعض علماء الشافعية: الاستعمار طلب العمارة، والطلب المطلق من الله تعالى على الوجوب؛ قال القاضي أبو بكر: تأتي كلمة استفعل في لسان العرب على معان: منها؛ ٱستفعل بمعنى طلب الفعل كقوله: ٱستحملته أي طلبت منه حملاناً؛ وبمعنى ٱعتقد، كقولهم: استسهلت هذا الأمر ٱعتقدته سهلاً، أو وجدته سهلاً، وٱستعظمته أي ٱعتقدته عظيماً ووجدته؛ ومنه استفعلت بمعنى أصبت، كقولهم: ٱستجدته أي أصبته جيداً: ومنها بمعنى فَعل؛ كقوله: قرّ في المكان وٱستقرّ؛ وقالوا وقوله: «يَسْتَهْزِئُونَ» و«يَسْتَسْخِرُونَ» منه؛ فقوله تعالى: «اسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا» خلقكم لعمارتها، لا على معنى استجدته وٱستسهلته؛ أي أصبته جيداً وسهلاً، وهذا يستحيل في الخالق، فيرجع إلى أنه خلق؛ لأنه الفائدة، وقد يعبر عن الشيء بفائدته مجازاً؛ ولا يصح أن يقال: إنه طلبٌ من الله تعالى لعمارتها، فإن هذا اللفظ لا يجوز في حقه، أما إنه يصح أن يقال: أنه ٱستدعى عمارتها فإنه جاء بلفظ ٱستفعل، وهو ٱستدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه إذا كان أمراً، وطلب للفعل إذا كان من الأدنى إلى الأعلى (رغبة).

قلت: لم يذكر ٱستفعل بمعنى أفعل، مثل قوله: استوقد بمعنى أوقد، وقد ذكرناه وهي:

الرابعة: ويكون فيها دليل على الإسكان والعمرى وقد مضى القول في «البقرة» في السُّكنى والرُّقْبى. وأما العُمْرى فاختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تمليك لمنافع الرقبة حياةَ المُعْمَر مدة عمره؛ فإن لم يذكر عقباً فمات المعمر رجعت إلى الذي أعطاها أو لورثته هذا قول القاسم بن محمد ويزيد بن قُسيط والليث بن سعد، وهو مشهور مذهب مالك، وأحد أقوال الشافعي، وقد تقدّم في «البقرة» حجة هذا القول. الثاني: أنها تمليك الرقبة ومنافعها وهي هبة مبتولة؛ وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما والثّوري والحسن بن حيّ وأحمد بن حنبل وٱبن شُبْرمة وأبي عُبيد؛ قالوا: من أعمر رجلاً شيئاً حياته فهو له حياته، وبعد وفاته لورثته؛ لأنه قد ملك رقبتها، وشرط المعطي الحياة والعمر باطل؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

العمرى جائزة». والعمرى لمن وُهِبت له». الثالث: إن قال عُمرك ولم يذكر العقب كان كالقول الأوّل: وإن قال لعقبك كان كالقول الثاني؛ وبه قال الزهريّ وأبو ثور وأبو سلَمة بن عبد الرحمن وابن أبي ذئب، وقد رُوي عن مالك؛ وهو ظاهر قوله في الموطأ. والمعروف عنه وعن أصحابه أنها ترجع إلى المُعْمِر؛ إذا انقرض عقب المُعْمَر؛ إن كان المُعْمِر حيّا، وإلا فإلى من كان حيّا من ورثته، وأولى الناس بميراثه. ولا يملك المُعْمَر بلفظ العمرى عند مالك وأصحابه رقبة شيء من الأشياء، وإنما يملك بلفظ العُمْرى المنفعة دون الرقبة. وقد قال مالك في الحبس أيضاً: إذا حبس على رجل وعقبه أنه لا يرجع إليه. وإن حبس على رجل بعينه حياته رجع إليه، وكذلك العُمْرى قياساً، وهو ظاهر الموطأ. وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أَيُّما رجلٍ أعْمر رجلاً عُمْرى له ولعقبِه فقال قد أعطيتُكَها وعقِبَك ما بقي منكم أحد فإنها لمن أعطِيها وأنها لا ترجع إلى صاحبها من أجلِ أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث». وعنه قال: إن العمرى التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: هي لك ولعقبِك، فأما إذا قال: هي لك ما عِشتَ فإنها ترجع إلى صاحبها؛ قال مَعْمَر: وبذلك كان الزّهري يفتي.

قلت: معنى القرآن يجري مع أهل القول الثاني؛ لأن الله سبحانه قال: «وَٱسْتَعْمَرَكُمْ» بمعنى أعمركم؛ فأعمر الرجل الصالح فيها مدة حياته بالعمل الصالح، وبعد موته بالذكر الجميل والثناء الحسن؛ وبالعكس الرجل الفاجر؛ فالدنيا ظرف لهما حياة وموتاً. وقد يقال: إن الثناء الحسن يجري مجرى العقِب. وفي التنزيل:

{ وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِين }َ} [الشعراء: 84] أي ثناء حسناً. وقيل: هو محمد صلى الله عليه وسلم. وقال: { وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِين }[الصافات: 77] وقال: { وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ }[الصافات: 113].

الخامسة: قوله تعالى: {فَٱسْتَغْفِرُوهُ} أي سلوه المغفرة من عبادة الأصنام. {ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} أي ٱرجعوا إلى عبادته. {إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} أي قريب الإجابة لمن دعاه. وقد مضى في «البقرة» عند قوله:

{ فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ }[البقرة:186] القولُ فيه.

قَالُوا۟ يَٰصَٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَٰذَآ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ۝٦٢ قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُۥ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍ ۝٦٣ وَيَٰقَوْمِ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ۝٦٤ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ۝٦٥ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَٰلِحًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ ۝٦٦ وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَٰرِهِمْ جَٰثِمِينَ ۝٦٧ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ ۝٦٨

قوله تعالى: {قَالُواْ يٰصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا} أي كنا نرجو أن تكون فينا سيّداً قبل هذا؛ أي قبل دعوتك النبوّة. وقيل: كان صالح يعيب آلهتهم ويشنؤها، وكانوا يرجون رجوعه إلى دينهم، فلما دعاهم إلى الله قالوا: ٱنقطع رجاؤنا منك. {أَتَنْهَانَآ} استفهام معناه الإنكار. {أَن نَّعْبُدَ} أي عن أن نعبد. {مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} فأن في محل نصب بإسقاط حرف الجر. {وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ} وفي سورة «إبراهيم» «وَإِنَّا» والأصل وإنّنا؛ فاستثقل ثلاث نونات فأسقط الثالثة. {مِّمَّا تَدْعُونَآ} الخطاب لصالح، وفي سورة «إبراهيم» «تَدْعُونَنَا» لأن الخطاب للرسل (صلوات الله وسلامه عليهم) {إِلَيْهِ مُرِيبٍ} من أربته فأنا أريبه إذا فعلت به فعلاً يوجب لديه الريبة. قال الهذلي:

كنتُ إذا أتوتُهُ من غَيْبِيَشُمُّ عِطْفِي ويَبُزُّ ثَوْبِي كأنّمـا أربتُـه بِرَيْـبِ

قوله تعالى: {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً} تقدّم معناه في قول نوح. {فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ} استفهام معناه النفي؛ أي لا ينصرني منه إن عصيته أحد. {فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} أي تضليل وإبعاد من الخير؛ قاله الفرّاء. والتخسير لهم لا له صلى الله عليه وسلم؛ كأنه قال: غير تخسير لكم لا لي. وقيل: المعنى ما تزيدونني باحتجاجكم بدين آبائكم غير بصيرة بخسارتكم؛ عن ابن عباس.

قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ} ابتداء وخبر. {لَكُمْ آيَةً} نصب على الحال، والعامل معنى الإشارة أو التنبيه في «هَذِهِ». وإنما قيل: ناقة الله؛ لأنه أخرجها لهم من جبل ـ على ما طلبوا ـ على أنهم يؤمنون. وقيل: أخرجها من صخرة صمّاء منفردة في ناحيةِ الحجر يقال لها الكاثبة، فلما خرجت الناقة ـ على ما طلبوا ـ قال لهم (نبي الله) صالح: {هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً}. {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ} أمر وجوابه؛ وحذفت النون من «فذروها» لأنه أمر. ولا يقال: وَذِرَ ولا وَاذِرٌ إلا شاذّاً. وللنحويين فيه قولان؛ قال سيبويه: استغنوا عنه بتَركَ. وقال غيره: لما كانت الواو ثقيلة وكان في الكلام فِعل بمعناه لا واو فيه ألغوه؛ قال أبو إسحاق الزّجاج: ويجوز رفع «تَأكل» على الحال والاستئناف. {وَلاَ تَمَسُّوهَا} جزم بالنهي. {بِسُوۤءٍ} قال الفرّاء: بعَقْر. {فَيَأْخُذَكُمْ} جواب النهي. {عَذَابٌ قَرِيبٌ} أي قريب من عَقْرِها.

قوله تعالى:

{فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ}.

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {فَعَقَرُوهَا} إنما عقرها بعضهم؛ وأضيف إلى الكل لأنه كان برضا الباقين. وقد تقدّم الكلام في عقرها في «الأعراف». ويأتي أيضاً. {فَقَالَ تَمَتَّعُواْ} أي قال لهم صالح تمتعوا؛ أي بنعم الله عزّ وجلّ قبل العذاب. {فِي دَارِكُمْ} أي في بلدكم، ولو أراد المنزل لقال في دوركم. وقيل: أي يتمتع كل واحد منكم في داره ومسكنه؛ كقوله:

{ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً }[غافر: 67] أي كل واحد طفلاً. وعبر عن التمتع بالحياة لأن الميّت لا يتلذذ ولا يتمتع بشيء؛ فعقرت يوم الأربعاء، فأقاموا يوم الخميس والجمعة والسبت وأتاهم العذاب يوم الأحد. وإنما أقاموا ثلاثة أيام؛ لأن الفصيل رغا ثلاثاً على ما تقدّم في «الأعراف» فاصفرّت ألوانهم في اليوم الأول، ثم ٱحمرّت في الثاني، ثم ٱسودّت في الثالث، وهلكوا في الرابع؛ وقد تقدّم في «الأعراف».

الثانية: استدلّ علماؤنا بإرجاء الله العذاب عن قوم صالح ثلاثة أيام على أن المسافر إذا لم يُجمع على إقامة أربع ليال قصر؛ لأن الثلاثة الأيام خارجة عن حكم الإقامة. وقد تقدّم في «النساء» ما للعلماء في هذا.

قوله تعالى: {ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} أي غير كذب. وقيل: غير مكذوب فيه.

قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} أي عذابنا. {نَجَّيْنَا صَالِحاً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} تقدّم. {وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ} أي ونجيناهم من خزي يومئذ؛ أي من فضيحته وذلّته. وقيل: الواو زائدة؛ أي نجيناهم من خزي يومئذ. ولا يجوز زيادتها عند سيبويه وأهل البصرة، وعند الكوفيين يجوز زيادتها مع «لما» و«حتى» لا غير. وقرأ نافع والكسائيّ «يَوْمَئِذٍ» بالنصب. الباقون بالكسر على إضافة «يوم» إلى «إذ». وقال أبو حاتم: حدّثنا أبو زيد عن أبي عمرو أنه قرأ «وَمِنْ خِزْيِ يَوْمَئِذٍ» أدغم الياء في الياء، وأضاف، وكسر الميم في «يومئذ». قال النحاس: الذي يرويه النحويون ـ مثل سيبويه ومن قاربه عن أبي عمرو في مثل هذا ـ الإخفاء؛ فأما الإدغام فلا يجوز، لأنه يلتقي ساكنان، ولا يجوز كسر الزاي.

قوله تعالى: {وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ} أي في اليوم الرابع صِيح بهم فماتوا؛ وذَكَّر لأن الصّيحة والصِّياح واحد. قيل: صيحة جبريل. وقيل: صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شيء في الأرض، فتقطعت قلوبهم وماتوا. وقال هنا: «وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ» وقال في «الأعراف»

« { فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ }» [الأعراف: 18] وقد تقدّم بيانه هناك. وفي التفسير: أنهم لما أيقنوا بالعذاب قال بعضهم لبعض ما مقامكم أن يأتيكم الأمر بغتة؟ٰ قالوا: فما نصنع؟ فأخذوا سيوفهم ورماحهم وعُدَدهم، وكانوا فيما يقال ٱثني عشر ألف قبيلة، في كل قبيلة ٱثنا عشر ألف مقاتل، فوقفوا على الطرق والفِجاج، زعموا يلاقون العذاب؛ فأوحى الله تعالى إلى الملَك الموكل بالشمس أن يعذبهم بحرّها، فأدناها من رؤوسهم فاشتوت أيديهم، وتدلت ألسنتهم على صدورهم من العطش، ومات كل ما كان معهم من البهائم. وجعل الماء يتفوّر من تلك العيون من غليانه حتى يبلغ السماء، لا يسقط على شيء إلا أهلكه من شدّة حره، فما زالوا كذلك، وأوحى الله إلى ملَك الموت ألا يقبض أرواحهم تعذيباً لهم إلى أن غربت الشمس؛ فصيح بهم فأهلكوا. {فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} أي ساقطين على وجوههم، قد لصقوا بالتراب كالطير إذا جَثَمت. {أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ} تقدّم معناه.

وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا۟ سَلَٰمًا قَالَ سَلَٰمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ۝٦٩ فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ ۝٧٠ وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَٰهَا بِإِسْحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَٰقَ يَعْقُوبَ ۝٧١

قوله تعالى:{وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ} هذه قصة لوط عليه السلام، وهو ٱبن عم إبراهيم عليه السلام لَحًّا، وكانت قرى لوط بنواحي الشام، وإبراهيم ببلاد فلسطين، فلما أنزل الله الملائكة بعذاب قوم لوط مروا بإبراهيم ونزلوا عنده، وكان كل من نزل عنده يحسن قِراه، وكانوا مروا ببشارة إبراهيم، فظنهم أضيافاً. وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام؛ قاله ٱبن عباس. الضحّاك: كانوا تسعة. السّدي: أحد عشر ملَكاً على صورة الغلمان الحسان الوجوه، ذوو وضاءة وجمال بارع. «بِالْبُشْرَى» قيل: بالولد. وقيل: بإهلاك قوم لوط. وقيل: بشروه بأنهم رسل الله عزّ وجلّ، وأنه لا خوف عليه. {قَالُواْ سَلاَماً} نصب بوقوع الفعل عليه؛ كما تقول: قالوا خيراً. وهذا ٱختيار الطبريّ. وأما قوله:

{ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ }[الكهف: 22] فالثلاثة ٱسم غير (قول) مقول. ولو رفعا جميعاً أو نصبا جميعاً {قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ} جاز في العربية. وقيل: ٱنتصب على المصدر. وقيل: «قالوا سلاماً» أي فاتحوه بصواب من القول. كما قال: { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَماً }[الفرقان:63] أي صواباً؛ فسلاماً معنى قولهم لا لفظه؛ قال معناه ٱبن العربيّ وٱختاره. قال: ألا ترى أن الله تعالى لما أراد ذكر اللفظ قاله بعينه فقال مخبراً عن الملائكة: { سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ }[الرعد: 24] { سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ }[الزمر: 73]. وقيل: دَعَوا له؛ والمعنى سَلِمت سَلاماً. {قَالَ سَلاَمٌ} في رفعه وجهان: أحدهما: على إضمار مبتدأ أي هو سلام، وأمرِي سلام. والآخر بمعنى سلام عليكم إذا جعل بمعنى التحية؛ فأضمر الخبر. وجاز سلام على التنكير لكثرة استعماله، فحذف الألف واللام كما حذفت من لاهمّ في قولك اللهم. وقرىء «سِلْمٌ» قال الفرّاء: السّلم والسّلام بمعنى؛ مثل الحِلّ والحلال.

قوله تعالى: {فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} فيه أربع عشرة مسألة:

الأولى: قوله تعالى: {فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ} «أن» بمعنى حتى، قاله كبراء النحويين؛ حكاه ٱبن العربيّ. التقدير: فما لبث حتى جاء. وقيل: «أن» في موضع نصب بسقوط حرف الجر؛ التقدير: فما لبث عن أن جاء؛ أي ما أبطأ عن مجيئه بعجل؛ فلما حذف حرف الجر بقي «أن» في محل النصب. وفي «لبث» ضمير ٱسم إبراهيم. و«ما» نافية؛ قاله سيبويه. وقال الفراء: فما لبث مجيئه؛ أي ما أبطأ مجيئه؛ فأن في موضع رفع، ولا ضمير في «لبث»، و«ما» نافية؛ ويصح أن تكون «ما» بمعنى الذي، وفي «لبث» ضمير إبراهيم و«أن جاء» خبر «ما» أي فالذي لبث إبراهيم هو مجيئه بعجل حنيذ. و{حَنِيذٍ} مشويّ. وقيل: هو المشوي بحر الحجارة من غير أن تمسه النار. يقال حنذت الشاة أحنِذها حنذاً أي شويتها، وجعلت فوقها حجارة مُحْمَاة لتنضجها فهي حنيذ. وحَنَذْت الفرس أحنِذه حَنْذاً، وهو أن تحُضِره شوطا أو شوطين ثم تُظاهِر عليه الجِلال في الشمس ليعرَق، فهو محنوذ وحنِيذ؛ فإن لم يعرق قيل: كَبَا. وحَنَذٌ موضع قريب من المدينة. وقيل: الحنِيذ السَّمِيط. ٱبن عباس وغيره: حنيذ نضِيج. وحنِيذٍ بمعنى محنوذ؛ وإنما جاء بعجل لأن البقر كانت أكثر أمواله.

الثانية: في هذه الآية من أدب الضّيف أن يُعجّل قِراه، فيقدّم الموجود الميسّر في الحال، ثم يتبعه بغيره إن كان له جِدَة، ولا يتكلف ما يضرّ به. والضيافة من مكارم الأخلاق، ومن آداب الإسلام، ومن خلق النبيين والصالحين. وإبراهيم أوّل من أضاف على ما تقدّم في «البقرة» وليست بواجبة عند عامة أهل العلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:

الضّيافة ثلاثة أيامٍ وجائِزته يوم وليلة فما كان وراء ذلك فهو صدقة. والجائزة العطية والصلة التي أصلها على النّدب. وقال صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». وإكرام الجار ليس بواجب إجماعاً، فالضيافة مثله. والله أعلم. وذهب الليث إلى وجوبها تمسكاً بقوله صلى الله عليه وسلم: ليلة الضّيف حقّإلى غير ذلك من الأحاديث. وفيما أشرنا إليه كفاية، والله الموفق للهداية. قال ٱبن العربيّ: وقد قال قوم: إن وجوب الضِّيافة كان في صدر الإسلام ثم نسخ، وهذا ضعيف؛ فإن الوجوب لم يثبت، والناسخ لم يرِد؛ وذكر حديث أبي سعيد الخدريّ خرجه الأئمة، وفيه: فٱستضفناهم فأبوا أن يُضيِّفونا فلُدِغ سيّد ذلك الحيّالحديثَ. وقال: هذا ظاهر في أن الضيافة لو كانت حقاً لَلامَ النبيّ صلى الله عليه وسلم القوم الذين أَبَوا، ولَبيّن لهم ذلك.

الثالثة: اختلف العلماء فيمن يخاطب بها؛ فذهب الشافعي ومحمد بن عبد الحكم إلى أن المخاطب بها أهل الحضر والبادية. وقال مالك: ليس على أهل الحضر ضيافة. قال سُحْنون: إنما الضّيافة على أهل القُرى، وأما الحضر فالفُنْدق ينزل فيه المسافر (حكى اللغتين صاحب العين وغيره). واحتجوا بحديث ٱبن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الضّيافة على أهل الوَبَر وليست على أهل المَدَر». وهذا حديث لا يصح، وإبراهيم ٱبن أخي عبد الرزاق متروك الحديث منسوب إلى الكذب، وهذا مما ٱنفرد به، ونسب إلى وضعه؛ قاله أبو عمر بن عبد البر. قال ٱبن العربيّ: الضيافة حقيقة فرض على الكفاية، ومن الناس من قال: إنها واجبة في القرى حيث لا طعام ولا مأوى، بخلاف الحواضر فإنها مشحونة بالمأْوَاة والأقوات؛ ولا شك أن الضّيف كريم، والضيافة كرامة؛ فإن كان غريباً فهي فريضة.

الرابعة: قال ٱبن العربيّ قال بعض علمائنا: كانت ضيافة إبراهيم قليلة فشكرها الحبيب من الحبيب، وهذا حكم بالظن في موضع القطع، وبالقياس في موضع النقل؛ من أين علِم أنه قليل؟ٰ بل قد نقل المفسرون أن الملائكة كانوا ثلاثة؛ جبريل وميكائيل وإسرافيل صلى الله عليهم وسلم؛ وعجل لثلاثة عظيم؛ فما هذا التفسير لكتاب الله بالرأي؟ٰ هذا بأمانةِ الله هو التفسير المذموم فاجتنبوه فقد علمتموه.

الخامسة: السنة إذا قُدِّم للضّيف الطعام أن يبادر المقدِّم إليه بالأكل؛ فإن كرامة الضّيف تعجيل التقديم، وكرامة صاحب المنزل المبادرة بالقبول؛ فلما قبضوا أيديهم نكرهم إبراهيم؛ لأنهم خرجوا عن العادة، وخالفوا السنة، وخاف أن يكون وراءهم مكروه يقصدونه. وروي أنهم كانوا يَنكُتون بِقداح كانت في أيديهم في اللحم ولا تصل أيديهم إلى اللحم، فلما رأى ذلك منهم. {نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} أي أضمر. وقيل: أحس؛ والوجوس الدخول؛ قال الشاعر:

جاء البريدُ بقرطاسٍ يَخُبُّ بهِفأوجسَ القلبُ من قرطاسه جَزعَا

«خِيفَةً» خوفاً؛ أي فزعاً. وكانوا إذا رأوا الضيف لا يأكل ظنوا به شراً؛ فقالت الملائكة {لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ}.

السادسة: من أدب الطعام أن لصاحب الضّيف أن ينظر في ضيفه هل يأكل أم لا؟ وذلك ينبغي أن يكون بتلفت ومسارقة لا بتحديد النظر. روي أن أعرابياً أكل مع سليمان بن عبد الملك، فرأى سليمان في لقمة الأعرابيّ شعرة فقال له: أزل الشعرة عن لقمتك؛ فقال له: أتنظر إليّ نظر من يرى الشّعرة في لقمتي! والله لا أكلت معك.

قلت: وقد ذُكر أن هذه الحكاية إنما كانت مع هشام بن عبد الملك لا مع سليمان، وأن الأعرابي خرج من عنده وهو يقول:

ولَلموتُ خيرٌ من (زيارة) باخليُلاحظُ أطرافَ الأَكِيلِ على عَمْدِ

السابعة: قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} يقول: أنكرهم، تقول: نَكِرتك (وأنكرتك) واستنكرتك إذا وجدته على غير ما عهدته؛ قال الشاعر:

وأَنكرتنِي وما كان الذي نَكِرتْمن الحوادِث إلا الشّيبَ والصَّلَعَا

فجمع بين اللغتين. ويقال: نكِرت لما تراه بعينك. وأنكرت لما تراه بقلبك.

الثامنة: قوله تعالى: {وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ} ٱبتداء وخبر، أي قائمة بحيث ترى الملائكة. قيل: كانت من وراء الستر. وقيل: كانت تخدم الملائكة وهو جالس. وقال محمد بن إسحق: قائمة تصلي. وفي قراءة عبد الله بن مسعود «وٱمرأته قائِمة وهو قاعِد».

التاسعة: قوله تعالى: {فَضَحِكَتْ} قال مجاهد وعِكرمة: حاضت، وكانت آيسة؛ تحقيقاً للبشارة؛ وأنشد على ذلك اللغويون:

وإني لآتي العِرسَ عند طُهورهاوأهجرُها يوماً إذا تَكُ ضاحِكَا

وقال آخر:

وضِحْكُ الأرانبِ فوق الصَّفَاكمثلِ دمِ الجوفِ يوم اللِّقا

والعرب تقول: ضحكت الأرنب إذا حاضت؛ وروي عن ٱبن عباس رضي الله عنهما وعِكرمة؛ أخذاً من قولهم: ضحكت الكافورة ـ وهي قشرة الطلعة ـ إذا انشقّت. وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون في كلام العرب ضحِكت بمعنى حاضت. وقال الجمهور: هو الضحك المعروف، واختلفوا فيه؛ فقيل: هو ضحك التعجّب؛ قال أبو ذؤيب:

فجاءَ بمزجٍ لم يَرَ الناسُ مثلههو الضَّحْكُ إلا أنه عمل النَّحْلِ

وقال مقاتل: ضحكت من خوف إبراهيم، ورِعدته من ثلاثة نفر، وإبراهيم في حشمه وخدمه؛ وكان إبراهيم يقوّم وحده بمائة رجل. قال: وليس الضحك الحيض في اللغة بمستقيم. وأنكر أبو عبيد والفراء ذلك؛ قال الفراء: لم أسمعه من ثقة؛ وإنما هو كناية. وروي أن الملائكة مسحت العجل، فقام من موضعه فلحق بأمه، فضحكت سارة عند ذلك فبشّروها بإسحق. ويقال: كان إبراهيم عليه السلام إذا أراد أن يكرم أضيافه أقام سارة تخدمهم، فذلك قوله: {وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ} أي قائمة في خدمتهم. ويقال: «قَائِمَةٌ» لروع إبراهيم «فَضَحِكَتْ» لقولهم: «لاَ تَخَفْ» سروراً بالأمن. وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير؛ المعنى: فبشرناها بإسحق فضحكت، أي ضحكت سروراً بالولد، وقد هرِمت؛ والله أعلم أيّ ذلك كان. قال النحاس فيه أقوال: أحسنها ـ أنهم لما لم يأكلوا أنكرهم وخافهم؛ فلما قالوا لا تخف، وأخبروه أنهم رُسُل (الله)، فرح بذلك، فضحكت ٱمرأته سروراً بفرحه. وقيل: إنها كانت قالت له: أحسب أن هؤلاء القوم سينزل بهم عذاب فضم لوطاً إليك، فلما جاءت الرسل بما قالته سرّت به فضحكت؛ قال النحاس: وهذا إن صح إسناده فهو حسن. والضحك ٱنكشاف الأسنان. ويجوز أن يكون الضحك إشراق الوجه؛ تقول: رأيت فلاناً ضاحكاً؛ أي مشرقاً. وأتيت على رَوْضة تضحك؛ أي مشرقة. وفي الحديث: إن الله سبحانه يبعث السّحاب فيضحك أحسن الضَّحِك». جعل ٱنجلاءه عن البرق ضَحِكا؛ وهذا كلام مستعار. وروي عن رجل من قرّاء مكة يقال له محمد بن زياد الأعرابي. «فَضَحَكت» بفتح الحاء؛ قال المهدوي: وفتح «الحاء» من «فضحكت» غير معروف. وضَحِك يضحَك ضَحْكاً وضِحكاً وضِحِكاً (وضَحِكا) أربع لغات. والضَّحْكة المرّة الواحدة، ومنه قول كُثيّر:

غَلِقت لضَحكتِـهِ رقابُ المـال

قاله الجوهري.

العاشرة: روى مسلم عن سهل بن سعد قال: دعا أبو أُسَيْدٍ الساعديّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في عُرْسه، فكانت ٱمرأته يومئذ خادمهم وهي العَروس. قال سهل: أتدرون ما سقت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أنقعت له تمراتٍ من الليل في تَوْر، فلما أكل سقته إياه. وأخرجه البخاري وترجم له «باب قيام المرأة على الرجال في العُرْس وخدمتهم بالنفس». قال علماؤنا: فيه جواز خدمة العَروس زوجها وأصحابه في عُرْسها. وفيه أنه لا بأس أن يعرض الرجل أهله على صالح إخوانه، ويستخدمهنّ لهم. ويحتمل أن يكون هذا قبل نزول الحجاب. والله أعلم.

الحادية عشرة: ذكر الطبريّ أن إبراهيم عليه السلام لما قدّم العجل قالوا: لا نأكل طعاماً إلا بثمن؛ فقال لهم: «ثمنه أن تذكروا الله في أوّله وتحمدوه في آخره» فقال جبريل لأصحابه: بحق ٱتخذ الله هذا خليلاً. قال علماؤنا: ولم يأكلوا لأن الملائكة لا تأكل. وقد كان من الجائز كما يَسَّر الله للملائكة أن يتشكّلوا في صفة الآدمي جسداً وهيئة أن ييسر لهم أكل الطعام؛ إلا أنه في قول العلماء أرسلهم في صفة الآدمي وتكلّف إبراهيم عليه السلام الضّيافة حتى إذا رأى التوقف وخاف جاءته البشرى فجأة.

الثانية عشرة: ودلّ هذا على أن التسمية في أوّل الطعام، والحمد في آخره مشروع في الأمم قبلنا؛ وقد جاء في الإسرائيليات أن إبراهيم عليه السلام كان لا يأكل وحده؛ فإذا حضر طعامه أرسل يطلب من يأكل معه، فلقي يوماً رجلاً، فلما جلس معه على الطعام، قال له إبراهيم: سمّ ٱلله، قال الرجل لا أدري ما ٱلله؟ فقال له: فاخرج عن طعامي، فلما خرج نزل إليه جبريل فقال له: يقول الله إنه يرزقه على كفره مدى عمره وأنت بخلت عليه بلقمة؛ فخرج إبراهيم فزعاً يجرّ رداءه، وقال: ٱرجع، فقال: لا أرجع حتى تخبرني لم تردّني لغير معنى؟ فأخبره بالأمر؛ فقال: هذا رب كريم، آمنت؛ ودخل وسمّى الله وأكل مؤمناً.

الثالثة عشرة: قوله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ} لما ولد لإبراهيم إسمٰعيل من هاجر تمنّت سارة أن يكون لها ابن، وأَيِست لكبر سنّها، فبشرت بولد يكون نبياً ويلد نبياً، فكان هذا بشارة لها بأن ترى ولد ولدها.

الرابعة عشرة: قوله تعالى: {وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} قرأ حمزة وعبد الله بن عامر «يعقوبَ» بالنصب. ورفع الباقون؛ فالرفع على معنى: ويحدث لها من وراء إسحٰق يعقوبُ. ويجوز أن يرتفع بالفعل الذي يعمل في «من» كأن المعنى: وثبت لها من وراء إسحق يعقوبُ. ويجوز أن يرتفع بالابتداء، ويكون في موضع الحال؛ أي بشّروها بإسحٰق مقابلاً له يعقوب. والنصب على معنى: ووهبنا لها من وراء إسحٰق يعقوبُ. وأجاز الكسائيّ والأخفش وأبو حاتم أن يكون «يعقوب» في موضع جرّ على معنى: وبشرناها من وراء إسحٰق بيعقوب. قال الفراء: ولا يجوز الخفض إلا بإعادة الحرف الخافض؛ قال سيبويه ولو قلت: مررت بزيد أوّل من أمس وأمس عمرٍو كان قبيحاً (خبيثاً)؛ لأنك فرقت بين المجرور وما يشركه وهو الواو، كما تفرق بين الجار والمجرور؛ لأن الجار لا يفصل بينه وبين المجرور، ولا بينه وبين الواو.

قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِى شَيْخًا إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ ۝٧٢

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {يٰوَيْلَتَا} قال الزجاج: أصلها يا ويلتي؛ فأبدل من الياء ألفاً، لأنها أخفّ من الياء والكسرة؛ ولم ترد الدعاء على نفسها بالويل، ولكنها كلمة تخفّ على أفواه النساء إذا طرأ عليهنّ ما يعجبن منه؛ وعجبت من ولادتها (ومن) كون بعلها شيخاً لخروجه عن العادة، وما خرج عن العادة مستغرب ومستنكر. و{أَأَلِدُ} ٱستفهام معناه التعجب. {وَأَنَاْ عَجُوزٌ} أي شيخة. ولقد عَجَزت تَعْجِزُ عَجْزاً وعَجَّزت تعجِيزاً؛ أي طعنت في السنّ. وقد يقال: عجوزة أيضاً. وعجزت المرأة بكسر الجيم؛ عظمت عجيزتها عُجْزاً وعَجَزاً بضم العين وفتحها. قال مجاهد: كانت بنت تسع وتسعين سنة. وقال ابن إسحٰق: كانت بنت تسعين (سنة). وقيل غير هذا.

الثانية: قوله تعالى: {وَهَـٰذَا بَعْلِي} أي زوجي. {شَيْخاً} نصب على الحال، والعامل فيه التنبيه أو الإشارة. «وَهَذَا بَعْلِي» ٱبتداء وخبر. وقال الأخفش: وفي قراءة ابن مسعود وأُبيّ «وهذا بعلي شيخ» قال النحاس: كما تقول هذا زيد قائم؛ فزيد بدل من هذا؛ وقائم خبر الابتداء. ويجوز أن يكون «هذا» مبتدأ «وزيد قائم» خبرين؛ وحكى سيبويه: هذا حلوٌ حامضٌ. وقيل: كان إبراهيم ٱبن مائة وعشرين سنة. وقيل: ٱبن مائة فكان يزيد عليها في قول مجاهد سنة. وقيل: إنها عرضت بقولها: «وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً» أي عن ترك غِشْيانه لها. وسارّة هذه ٱمرأة إبراهيم بنت هاران بن ناحور بن شاروع بن أرغو بن فالغ، وهي بنت عم إبراهيم. {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} أي الذي بشرتموني به لشيء عجيب.

الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ