انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة ابراهيم

التحرير والتنويرالآيات 32–52

تفسير سورة ابراهيم آية آية، من التحرير والتنوير.

ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْأَنْهَٰرَ ۝٣٢ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۝٣٣ وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ۝٣٤

استئناف واقع موقع الاستدلال على ما تضمنته جملة {وجعلوا لله أنداداً} الآية. وقد فصل بينه وبين المستدل عليه بجملة {قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلوات} الآية. وأدمج في الاستدلال تعدادهم لنعم تستحق الشكر عليها ليظهر حال الذين كفروها، وبالضد حال الذين شكروا عليها، وليزداد الشاكرون شكراً. فالمقصود الأول هو الاستدلال على أهل الجاهلية، كما يدل عليه تعقيبه بقوله:

{ { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجْنُبْنِي وبني أن نعبد الأصنام } } [سورة إبراهيم: 35]. فجيء في هذه الآية بِنِعم عامة مشهودة محسوسة لا يستطاع إنكارها إلا أنها محتاجة للتذكير بأن المنعم بها وموجدها هو الله تعالى

وافتتُح الكلام باسم الموجِد لأن تعيينه هو الغرض الأهم. وأخبر عنه بالموصول لأن الصلة معلومة الانتساب إليه والثبوت له، إذ لا ينازع المشركون في أن الله هو صاحب الخلق ولا يدعون أن الأصنام تخلق شيئاً، كما قال:

{ { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } } [سورة لقمان: 25]، فخلق السماوات والأرض دليل على إلهية خالقهما وتمهيد للنعم المودعة فيهما؛ فإنزال الماء من السماء إلى الأرض، وإخراج الثمرات من الأرض، والبحارُ والأنهارُ من الأرض. والشمس والقمر من السماء، والليل والنهار من السماء ومن الأرض، وقد مضى بيان هذه النعم في آيات مضت.

والرزق القوت. والتسخير: حقيقته التذليل والتطويع، وهو مجاز في جعل الشيء قابلاً لتصرف غيره فيه، وقد تقدم عند قوله تعالى:

{ { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } } في سورة الأعراف (54). وقوله: {لتجري في البحر} هو علة تسخير صنعها.

ومعنى تسخير الفلك: تسخير ذاتها بإلهام البشر لصنعها وشكلها بكيفية تجري في البحر بدون مانع.

وقوله: {بأمره} متعلق بــــ {تجري}.

والأمر هنا الإذن، أي تيسير جريها في البحر، وذلك بكف العواصف عنها وبإعانتها بالريح الرخاء، وهذا كقوله:

{ { ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره } } [سورة الحج: 65]. وعبر عن هذا الأمر بالنعمة في قوله: { { ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله } } [سورة لقمان: 31]، وقد بينته آية { { ومن آياته الجواري في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الرياح فيظللن رواكد على ظهره } } الآية [سورة الشورى: 32-33].

وتسخير الأنهار: خلقها على كيفية تقتضي انتقال الماء من مكان إلى مكان وقراره في بعض المنخفضات فيستقى منه من تمر عليه وينزل على ضفافه حيث تستقر مياهه، وخلق بعضها مستمرة القرار كالدجلة والفرات والنيل للشرب ولسير السفن فيها.

وتسخير الشمس والقمر خلقهما بأحوال ناسبت انتفاع البشر بضيائهما، وضبط أوقاتهم بسيرهما.

ومعنى {دائبين} دائبين على حالات لا تختلف إذ لو اختلفت لم يستطع البشر ضبطها فوقعوا في حيرة وشك.

والفلك: جمع لفظه كلفظ مفرده. وقد تقدم عند قوله تعالى:

{ { والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس } } في سورة البقرة (164).

ومعنى {وآتاكم من كل ما سألتموه} أعطاكم بعضاً من جميع مرغوباتكم الخارجة عن اكتسابكم بحيث شأنكم فيها أن تسألوا الله إياها، وذلك مثل توالد الأنعام، وإخراج الثمار والحب، ودفع العوادي عن جميع ذلك: كدفع الأمراض عن الأنعام، ودفع الجوائح عن الثمار والحب.

فجملة {وآتاكم من كل ما سألتموه} تعميم بعد خصوص، فهي بمنزلة التذييل لما قبلها لحِكم يعلمها الله ولا يعلمونها

{ { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير } } [سورة الشورى: 27]، وأن الإنعام والامتنان يكون بمقدار البذل لا بمقدار الحرمان. وبهذا يتبين تفسير الآية.

وجملة {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} تأكيد للتذييل وزيادة في التعميم، تنبيهاً على أن ما آتاهم الله كثير منه معلوم وكثير منه لا يحيطون بعلمه أو لا يتذكرونه عند إرادة تعداد النعم.

فمعنى {إن تعدوا} إن تحاولوا العد وتأخذوا فيه. وذلك مثل النعم المعتاد بها التي ينسى الناس أنها من النعم، كنعمة التنفس، ونعمة الحواس، ونعمة هضم الطعام والشراب، ونعمة الدورة الدموية، ونعمة الصحة. وللفخر هنا تقرير نفيس فانظره.

والإحصاء: ضبط العدد، وهو مشتق من الحَصَا اسماً للعدد، وهو منقول من الحصى، وهو صغار الحجارة لأنهم كانوا يعدون الأعداد الكثيرة بالحصى تجنباً للغلط.

وجملة {إن الإنسان لظلوم كفار} تأكيد لمعنى الاستفهام الإنكاري المستعمل في تحقيق تبديل النعمة كُفراً، فلذلك فصلت عنها.

والمراد بــــ {الإنسان} صنف منه، وهو المتصف بمضمون الجملة المؤكدة وتأكيدها، فالإنسان هو المشرك، مثل الذي في قوله تعالى:

{ { ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا } } [سورة مريم: 66]، وهو استعمال كثير في القرآن.

وصيغتا المبالغة في {ظلوم كفار} اقتضاهما كثرة النعم المفاد من قوله: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}، إذ بمقدار كثرة النعم يكثر كفر الكافرين بها إذ أعرضوا عن عبادة المنعم وعبدوا ما لا يغني عنهم شيئاً، فأما المؤمنون فلا يجحدون نعم الله ولا يعبدون غيره.

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ ۝٣٥ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٣٦

عطف على جملة

{ { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً } } [إبراهيم: 28] فإنهم كما بدّلوا نعمة الله كفراً أهملوا الشكر على ما بوأهم الله من النعم بإجابة دعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام، وبدلوا اقتداءهم بسلفهم الصالح اقتداءً بأسلافهم من أهل الضلالة، وبدلوا دُعاء سلفهم الصالح لهم بالإنعام عليهم كفراً بمفيض تلك النّعَم.

ويجوز أن تكون معطوفة على جملة {الله الذي خلق السمٰوات والأرض} بأن انتقل من ذكر النعم العامة للناس التي يدخل تحت مِنتها أهل مكة بحكم العموم إلى ذكر النعم التي خص الله بها أهل مكة. وغير الأسلوب في الامتنان بها إلى أسلوب الحكاية عن إبراهيم لإدماج التنويه بإبراهيم ــــ عليه السلام ــــ والتعريض بذريته من المشركين.

(وإذا) اسم زمان ماض منصوب على المفعولية لفعل محذوف شائع الحذف في أمثاله، تقديره: واذكر إذ قال إبراهيم، زيادة في التعجيب من شأن المشركين الذي مر في قوله: {ألم تر إلى الذين بدلّوا نعمة الله كفراً}، فموقع العبرة من الحالين واحد.

و{رب} منادى محذوف منه حرف النداء. وأصله (ربي)، حذفت ياء المتكلم تخفيفاً، وهو كثير في المنادى المضاف إلى الياء.

والبلد: المكان المعين من الأرض، ويطلق على القرية. والتعريف في {البلد} تعريف العهد لأنه معهود الحضور. و{البلد} بدل من اسم الإشارة.

وحكاية دعائه بدون بيان البلد إبهام يرد بعده البيان بقوله:

{ { عند بيتك المحرم } } [سورة إبراهيم: 37]، أو هو حَوالة على ما في علم العرب من أنه مكة. وقد مضى في سورة البقرة تفسير نظيره. والتعريف هنا للعهد، والتنكير في آية البقرة تنكير النوعية، فهنا دَعَا للبلد بأن يكون آمنا، وفي آية سورة البقرة دَعَا لِمشار إليه أن يجعله الله من نوع البلاد الآمنة، فمآل المفادين متحد.

{واجنبني} أمر من الثلاثي المجرد، يقال: جنبه الشيء، إذا جعله جانباً عنه، أي باعده عنه، وهي لغة أهل نجد. وأهلُ الحجاز يقولون: جنبه بالتضعيف أو أجنبه بالهمز. وجاء القرآن هنا بلغة أهل نجد لأنها أخف.

وأراد ببنيه أبناء صلبه، وهم يومئذٍ إسماعيل وإسحاق، فهو من استعمال الجمع في التثنية، أو أراد جميع نسله تعميماً في الخير فاستجيب له في البعض.

والأصنام: جمع صنم، وهو صورة أو حجارة أو بناء يتخذ معبوداً ويُدعى إلهاً. وأراد إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ مثل ودَ وسواعٍ ويغوثَ ويعوقَ ونَسْرٍ، أصنام قوم نوح. ومثل الأصنام التي عبدها قوم إبراهيم.

وإعادة النداء في قوله: {رب إنهن أضللن كثيراً من الناس} لإنشاء التحسر على ذلك.

وجملة {إنهن أضللن كثيراً من الناس} تعليل للدعوة بإجنابه عبادتها بأنها ضلال راج بين كثير من الناس، فحق للمؤمن الضنين بإيمانه أن يخشى أن تجترفه فتنتها، فافتتاح الجملة بحرف التوكيد لما يفيده حرف (إنّ) في هذا المقام من معنى التعليل.

وذلك أن إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ خرج من بلده أُور الكلدانيين إنكاراً على عبدة الأصنام، فقال:

{ { إني ذاهب إلى ربي سيهدين } } [سورة الصافات: 99] وقال لقومه: { { وأعتزلكم وما تدعون من دون الله } } [سورة مريم: 48]. فلما مر بمصر وجدهم يعبدون الأصنام ثم دخل فلسطين فوجدهم عبدة أصنام، ثم جاء عَرَبَةَ تهامة فأسكن بها زوجه فوجدها خالية ووجد حولها جُرْهمَ قوماً على الفطرة والسذاجة فأسكن بها هاجر وابنه إسماعيل عليه السلام. ثم أقام هنالك مَعلَم التوحيد. وهو بيت الله الكعبة بناه هو وابنه إسماعيل، وأراد أن يكون مأوى التوحيد، وأقام ابنه هنالك ليكون داعية للتوحيد. فلا جرم سأل أن يكون ذلك بلداً آمناً حتى يسلم ساكنوه وحتى يأوي إليهم من إذا آوى إليهم لقنوه أصول التوحيد.

ففرع على ذلك قوله: {فمن تبعني فإنه مني}، أي فمن تبعني من الناس فتجنب عبادة الأصنام فهو مني، فدخل في ذلك أبوه وقومه، ويدخل فيه ذريته لأن الشرط يصلح للماضي والمستقبل.

و(من) في قوله: {مِني} اتصالية. وأصلها التبعيض المجازي، أي فإنه متصل بي اتصال البعض بكله.

وقوله: {ومن عصاني فإنك غفور رحيم} تأدب في مقام الدعاء ونفع للعصاة من الناس بقدر ما يستطيعه. والمعنى ومن عصاني أفوّض أمره إلى رحمتك وغفرانك. وليس المقصود الدعاء بالمغفرة لمن عصى. وهذا من غلبة الحلم على إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ وخشية من استئصال عصاة ذريته. ولذلك متعهم الله قليلاً في الحياة الدنيا، كما أشار إليه قوله تعالى:

{ { قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير } } [سورة البقرة: 126] وقوله: { { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين } } [سورة الزخرف: 27]. وسوق هذه الدعوة هنا للتعريض بالمشركين من العرب بأنهم لم يبروا بأبيهم إبراهيم عليه السلام

وإذ كان قوله: {فإنك غفور رحيم} تفويضاً لم يكن فيه دلالة على أن الله يغفر لمن يشرك به.

رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ۝٣٧

جملة {إني أسكنت من ذريتي} مستأنفة لابتداء دعاء آخر. وافتتحت بالنداء لزيادة التضرع. وفي كون النداء تأكيداً لنداء سابق ضرب من الربط بين الجمل المفتتحة بالنداء ربط المثل بمثله.

وأضيف الرب هنا إلى ضمير الجمع خلافاً لسابقيه لأن الدعاء الذي افتتح به فيه حظ للداعي ولأبنائه. ولعل إسماعيل ــــ عليه السلام ــــ حاضر معه حين الدعاء كما تدل له الآية الأخرى

{ { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم } } إلى قوله { { واجعلنا مسلمين لك } } [سورة البقرة: 127]. وذلك من معنى الشكر المسؤول هنا.

و{مِن} في قوله: {من ذريتي} بمعنى بعض، يعني إسماعيل ــــ عليه السلام ــــ، وهو بعض ذريته، فكأن هذا الدعاء صدر من إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ بعد زمان من بناء الكعبة وتقري مكة، كما دل عليه قوله في دعائه هذا

{ { الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق } } [سورة إبراهيم: 39]، فذكر إسحاق عليه السلام

والواد: الأرض بين الجبال، وهو وادي مكة. و{غير ذي زرع} صفة، أي بواد لا يصلح للنبت لأنه حجارة، فإن كلمة {ذُو} تدلّ على صَاحبِ ما أضيفت إليه وتمكنه منه، فإذا قيل: ذو مال، فالمال ثابت له، وإذا أريد ضد ذلك قيل غير ذي كذا، كقوله تعالى:

{ { قرآناً عربياً غير ذي عوج } } [سورة الزمر: 28]، أي لا يعتريه شيء من العوج. ولأجل هذا الاستعمال لم يقل بواد لا يزرع أولا زرع به.

و{عند بيتك} صفة ثانية لوادٍ أو حال.

والمحرم: الممنع من تناول الأيدي إياه بما يفسده أو يضر أهله بما جعل الله له في نفوس الأمم من التوقير والتعظيم، وبما شاهدوه من هلكة من يريد فيه بإلحاد بظلم. وما أصحاب الفيل منهم ببعيد.

وعلق {ليقيموا} بــــ {أسكنت}، أي علة الإسكان بذلك الوادي عند ذلك البيت أن لا يشغلهم عن إقامة الصلاة في ذلك البيت شاغل فيكون البيت معموراً أبداً.

وتوسيط النداء للاهتمام بمقدمة الدعاء زيادة في الضراعة. وتهيّأ بذلك أن يفرع عليه الدعاء لهم بأن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، لأن همة الصالحين في إقامة الدين.

والأفئدة: جمع فؤاد، وهو القلب. والمراد به هنا النفس والعقل.

والمراد فاجعل أناساً يهوون إليهم. فأقحم لفظ الأفئدة لإرادة أن يكون مسير الناس إليهم عن شوق ومحبة حتى كأن المسرع هو الفؤاد لا الجسد فلما ذكر {أفئدة} لهذه النكتة حسن بيانه بأنهم {من الناس}، فــــ {من} بيانية لا تبعيضية، إذ لا طائل تحته. والمعنى: فاجعل أناساً يقصدونهم بحبات قلوبهم.

وتهوي ــــ مضارع هوَى بفتح الواو ــــ: سقط. وأطلق هنا على الإسراع في المشي استعارة، كقول امرىء القيس:

كجلمود صخْرٍ حَطّه السيلُ من عل

ولذلك عدّي باللام دون {على}.

والإسراع: جُعل كناية عن المحبة والشوق إلى زيارتهم.

والمقصود من هذا الدعاء تأنيس مكانهم بتردد الزائرين وقضاء حوائجهم منهم.

والتنكير مطلقٌ يحمل على المتعارف في عمران المدن والأسواق بالواردين، فلذلك لم يقيده في الدعاء بما يدل على الكثرة اكتفاء بما هو معروف.

ومحبة الناس إياهم يحصل معها محبة البلد وتكرير زيارته، وذلك سبب لاستئناسهم به ورغبتهم في إقامة شعائره، فيؤول إلى الدعوة إلى الدين.

ورجاء شكرهم داخل في الدعاء لأنه جُعل تكملة له تعرضاً للإجابة وزيادة في الدعاء لهم بأن يكونوا من الشاكرين. والمقصود: توفر أسباب الانقطاع إلى العبادة وانتفاء ما يحول بينهم وبينها من فتنة الكدح للاكتساب.

رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ ۝٣٨

جاء بهذا التوجه إلى الله جامعاً لما في ضميره، وفذلكةً للجمل الماضية لِما اشتملت عليه من ذكر ضلال كثير من الناس، وذكر من اتبع دعوته ومن عصاه، وذكر أنه أراد من إسكان أبنائه بمكة رجاء أن يكونوا حراس بيت الله، وأن يقيموا الصلاة، وأن يشكروا النعم المسؤولة لهم. وفيه تعليم لأهله وأتباعه بعموم علم الله تعالى حتى يراقبوه في جميع الأحوال ويخلصوا النية إليه.

وجملة {وما يخفى على الله من شيء} تذييل لجملة {إنك تعلم ما نخفي وما نعلن}، أي تعلم أحوالنا وتعلم كل شيء. ولكونها تذييلاً أظهر فيها اسم الجلالة ليكون التذييل مستقلاً بنفسه بمنزلة المَثل والكلام الجامع.

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ۝٣٩

لما دعا الله لأَهَمّ ما يهمه وهو إقامة التوحيد وكان يرجو إجابة دعوته وأن ذلك ليس بعجب في أمر الله خطر بباله نعمة الله عليه بما كان يسأله وهو أن وهب له ولدَيْن في إبان الكِبَر وحين اليأس من الولادة فناجى الله فحمده على ذلك وأثنى عليه بأنه سميع الدعاء، أي مجيب، أي متصف بالإجابة وصفاً ذاتياً، تمهيداً لإجابة دعوته هذه كما أجاب دعوتَه سلفاً. فهذا مناسبة مَوقع هذه الجملة بعد ما قبلها بقرينة قوله: {إن ربي لسميع الدعاء}.

واسم الموصول إيماء إلى وجه بناء الحمد. و{على} في قوله: {على الكبر} للاستعلاء المجازي بمعنى {مع}، أي وهب ذلك تعلياً على الحالة التي شأنها أن لا تسمح بذلك. ولذلك يفسرون {على} هذه بمعنى {مع}، أي مع الكِبَر الذي لا تحصل معه الولادة. وكان عُمُر إبراهيم حين ولد له إسماعيل ــــ عليهما السلام ــــ ستا وثمانين سنة (86). وعمره حين ولد له إسحاق ــــ عليهما السلام ــــ مائة سنة (100). وكان لا يولد له من قبل.

وجملة {إن ربي لسميع الدعاء} تعليل لجملة {وهب}، أي وهب ذلك لأنه سميع الدعاء. والسميع مستعمل في إجابة المطلوب كناية، وصيغ بمثال المبالغة أو الصفة المشبهة ليدلّ على كثرة ذلك وأن ذلك شأنه، فيفيد أنه وصف ذاتي لله تعالى

رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ ۝٤٠ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ ۝٤١

جملة مستأنفة من تمام دعائه. وفعل {اجعلني} مستعمل في التكوين، كما تقدم آنفاً، أي اجعلني في المستقبل مقيم الصلاة.

والإقامة: الإدامة، وتقدم في صدر سورة البقرة.

{ومن ذريتي} صفة لموصوف محذوف معطوف على ياء المتكلم. والتقدير واجعل مقيمين للصلاة من ذريتي.

و{من} ابتدائية وليست للتبعيض، لأن إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ لا يسأل الله إلا أكمل ما يحبه لنفسه ولذريته. ويجُوز أن تكون {من} للتبعيض بناءً على أن الله أعلمه بأن يكون من ذريته فريق يقيمون الصلاة وفريق لا يقيمونها، أي لا يؤمنون. وهذا وجه ضعيف لأنه يقتضي أن يكون الدعاء تحصيلاً لحاصل، وهو بعيد، وكيف وقد قال:

{ { واجنبني وبني أن نعبد الأصنام } } [سورة إبراهيم: 35] ولم يقل: ومن بَنِيّ.

ودعاؤه بِتَقَبل دعائه ضراعة بعد ضراعة.

وحُذفت ياء المتكلم في {دعاءِ} في قراءة الجمهور تخفيفاً كما تقدم في قوله تعالى:

{ { وإليه متاب } } في سورة الرعد (30).

وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة بإثبات الياء ساكنة.

ثم دعا بالمغفرة لنفسه وللمؤمنين ولوالديه ما تقدم منه ومن المؤمنين قبل نبوءته وما استمر عليه أبُوه بعد دعوته من الشرك، أما أمه فلعلها توفيت قبل نبوءته. وهذا الدعاء لأبويه قبل أن يتبين له أن أباه عدوّ لله كما في آية سورة براءة.

ومعنى {يقوم الحساب}: يثبت. استعير القيام للثبوت تبعاً لتشبيه الحساب بإنسان قائم، لأن حالة القيام أقوى أحوال الإنسان إذ هو انتصاب للعمل. ومنه قولهم: قامت الحرب على ساق، إذا قويت واشتدت. وقولهم: ترجلت الشمس، إذا قوي ضوءها، وتقدم عند قوله تعالى:

{ { ويقيمون الصلاة } } في أول سورة البقرة (4).

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَٰرُ ۝٤٢ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْـِٔدَتُهُمْ هَوَآءٌ ۝٤٣

عطف على الجمل السابقة، وله اتصال بجملة

{ { قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار } } [سورة إبراهيم: 30] الذي هو وعيد للمشركين وإنذار لهم بأن لا يغتروا بسلامتهم وأمنهم تنبيهاً لهم على أن ذلك متاع قليل زائل، فأكد ذلك الوعيد بهذه الآية، مع إدماج تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام على ما يتطاولون به من النعمة والدعة، كما دل عليه التفريع في قوله { { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } } [سورة إبراهيم: 47]. وفي معنى الآية قوله: { { وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا } } [سورة المزمل: 11].

وباعتبار ما فيه من زيادة معنى التسلية وما انضم إليه من وصف فظاعة حال المشركين يوم الحشر حسن اقتران هذه الجملة بالعاطف ولم تفصل.

وصيغة {لا تحسبن} ظاهرها نهي عن حسبان ذلك. وهذا النهي كناية عن إثبات و تحقيق ضد المنهي عنه في المقام الذي من شأنه أن يثير للناس ظَنّ وقوع المنهي عنه لقوة الأسباب المثيرة لذلك. وذلك أن إمهالهم وتأخير عقوبتهم يشبه حالة الغافل عن أعمالهم، أي تحقق أن الله ليس بغافل، وهو كناية ثانية عن لازم عدم الغفلة وهو المؤاخذة، فهو كناية بمرتبتين، ذلك لأن النهي عن الشيء يأذن بأن المنهي عنه بحيث يتلبس به المخاطب، فنهيه عنه تحذير من التلبس به بقطع النظر عن تقدير تلبس المخاطب بذلك الحسبان. وعلى هذا الاستعمال جاءت الآية سواء جعلنا الخطاب لكل من يصح أن يخاطب فيدخل فيه النبي ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ أم جعلناه للنبي ابتداء ويدخل فيه أمته.

ونفي الغفلة عن الله ليس جارياً على صريح معناه لأن ذلك لا يظنه مؤمن بل هو كناية عن النهي عن استعجال العذاب للظالمين. ومنه جاء معنى التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم.

والغفلة: الذهول، وتقدم في قوله تعالى:

{ { وإن كنا عن دراستهم لغافلين } } في سورة الأنعام (156).

والمراد بالظلم هنا الشرك، لأنه ظلم للنفس بإيقاعها في سبب العذاب المؤلم، وظلم لله بالاعتداء على ما يجب له من الاعتراف بالوحدانية. ويشمل ذلك ما كان من الظلم دون الشرك مثل ظلم الناس بالاعتداء عليهم أو حرمانهم حقوقهم فإن الله غير غافل عن ذلك. ولذلك قال سفيان بن عُيَيْنة هي تسلية للمظلوم وتهديد للظالم.

وقوله: {فيه الأبصار} مبنية لجملة {ولا تحسبن الله غافلاً} الخ.

وشخوص البصر: ارتفاعه كنظر المبهوت الخائف.

وأل في {الأبصار} للعموم، أي تشخص فيه أبصار الناس من هول ما يرون. ومن جملة ذلك مشاهدة هول أحوال الظالمين.

والإهطاع: إسراع المشي مع مد العنق كالمتختل، وهي هيئة الخائف.

وإقناع الرأس: طأطأته من الذل، وهو مشتق من قَنَع من باب مَنَع إذا تذلّل. و{مهطعين مقنعي رؤوسهم} حالان.

وجملة {لا يرتد إليهم طرفهم} في موضع الحال أيضاً. والطَرْف: تحرك جفن العين.

ومعنى {لا يرتد إليهم} لا يرْجع إليهم، أي لا يعود إلى معتاده، أي لا يستطيعون تحويله. فهو كناية عن هول ما شاهدوه بحيث يبقون ناظرين إليه لا تطرف أعينهم.

وقوله: {وأفئدتهم هواء} تشبيه بليغ، إذ هي كالهواء في الخلو من الإدراك لشدة الهول.

والهواء في كلام العرب: الخلاء. وليس هو المعنى المصطلح عليه في علم الطب وعلم الهيئة.

وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوٓا۟ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ ۝٤٤ وَسَكَنتُمْ فِى مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلْأَمْثَالَ ۝٤٥

{وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ}.

عطف على جملة

{ { ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون } } [إبراهيم: 42]، أي تَسَلّ عنهم ولاتملل من د عوتهم وأنذرهم.

والناس يعم جميع البشر. والمقصود: الكافرون، بقرينة قوله: {يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا}. ولك أن تجعل الناس ناساً معهودين وهم المشركون.

و{يوم يأتيهم العذاب}. منصوب على أنه مفعول ثانٍ لــــ {أنذر}، وهو مضاف إلى الجملة. وفعل الإنذار يتعدى إلى مفعول ثانٍ على التوسع لتضمينه معنى التحذير، كما في الحديث

ما من نبي إلا أنذر قومه الدجال

وإتيان العذاب مستعمل في معنى وقوعه مجازاً مرسلاً.

والعذاب: عذاب الآخرة، أو عذاب الدنيا الذي هُدّد به المشركون. و{الذين ظلموا}: المشركون.

وطلب تأخير العذاب إن كان مراداً به عذاب الآخرة فالتأخير بمعنى تأخير الحساب، أي يقول الذين ظلموا: أرجعنا إلى الدنيا لنجيب دعوتك. وهذا كما في قوله تعالى:

{ { رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت } } [سورة المؤمنون: 99، 100]، فالتأخير مستعمل في الإعادة إلى الحياة الدنيا مجازاً مرسلاً بعلاقة الأول. والرسل جميع الرسل الذي جاءُوهم بدعوة الله.

وإن حمل على عذاب الدنيا فالمعنى: أن المشركين يقولون ذلك حين يرون ابتداء العذاب فيهم. فالتأخير على هذا حقيقة. والرسل على هذا المحمل مستعمل في الواحد مجازاً، والمراد به محمد.

والقريب: القليل الزمن. شبه الزمان بالمسافة، أي أخّرنا مقدار ما نجيب به دعوتك.

{أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ وَسَكَنتُمْ فِى مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ}

لما ذُكر قبل هذه الجملة طلب الذين ظلموا من ربهم تعين أن الكلام الواقع بعدها يتضمن الجواب عن طلبهم فهو بتقدير قول محذوف، أي يقال لهم. وقد عُدل عن الجواب بالإجابة أو الرفض إلى التقرير والتوبيخ لأن ذلك يستلزم رفض ما سألوه.

وافتتحت جملة الجواب بواو العطف تنبيهاً على معطوف عليه مقدر هو رفض ما سَألوه، حُذف إيجازاً لأن شأن مستحق التوبيخ أن لا يعطى سؤله. التقدير كلا وألَم تكونوا أقسمتم.. الخ.

والزوال: الانتقال من المكان. وأريد به هنا الزوال من القبور إلى الحساب.

وحذف متعلق {زوال} لظهور المراد، قال تعالى:

{ { وأقسموا بالله جهَد أيمانهم لا يبعث الله من يموت } } [سورة النحل: 38].

وجملة {ما لكم من زوال} بيان لجملة {أقسمتم}. وليست على تقدير قول محذوف ولذلك لم يسرع فيها طريق ضمير المتكلم فلم يقل: ما لنا من زوال، بل جيء بضمير الخطاب المناسب لقوله: {أولم تكونوا أقسمتم}.

وهذا القسم قد يكون صادر من جميع الظالمين حين كانوا في الدنيا لأنهم كانوا يتلقون تعاليم واحدة في الشرك يتلقاها الخلف عن سلفهم.

ويجوز أن يكون ذلك صادراً من معظم هذه الأمم أو بعضها ولكن بقيتهم مضمرون لمعنى هذا القسم.

وكذلك الخطاب في قوله: {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} فإنه يعم جميع أمم الشرك عدا الأمة الأولى منهم. وهذا من تخصيص العموم بالعقل إذ لا بد أن تكون الأمة الأولى من أهل الشرك لم تسكن في مساكن مشركين.

والمراد بالسكنى: الحلول، ولذلك عُدّي بحرف الظرفية خلافاً لأصل فعله المتعدي بنفسه. وكان العرب يمرون على ديار ثمود في رحلتهم إلى الشام ويحطون الرحال هنالك، ويمرون على ديار عاد في رحلتهم إلى اليمن.

وتبيّنُ ما فعل الله بهم من العقاب حاصل من مشاهدة آثار العذاب من خسف وفناء استئصال.

وضَرب الأمثال بأقوال المواعظ على ألسنة الرسل ــــ عليهم السلام ــــ، ووصف الأحوال الخفية.

وقد جمع لهم في إقامة الحجة بين دلائل الآثار والمشاهدة ودلائل الموعظة.

وَقَدْ مَكَرُوا۟ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ ۝٤٦

يجوز أن يكون عطفَ خبر على خبر، ويجوز أن يكون حالاً من {الناس} في قوله: {وأنذر الناس}، أي أنذرهم في حال وقوع مكرهم.

والمكر: تبييت فعل السوء بالغير وإضمارُهُ. وتقدم في قوله تعالى:

{ { ومكروا ومكر الله } } في سورة آل عمران (54)، وفي قوله: { { أفأمنوا مكر الله } } في سورة الأعراف (99).

وانتصب {مكرهم} الأول على أنه مفعول مطلق لفعل {مكروا} لبيان النوع، أي المكر الذي اشتهروا به، فإضافة {مكر} إلى ضمير {هم} من إضافة المصدر إلى فاعله. وكذلك إضافة {مكر} الثاني إلى ضمير {هم}.

والعندية إما عندية عِلم، أي وفي علم الله مكرهم، فهو تعري بالوعيد والتهديد بالمؤاخذة بسوء فعلهم، وإما عندية تكوين ما سُمي بمكر الله وتقديره في إرادة الله فيكون وعيداً بالجزاء على مكرهم.

وقرأ الجمهور {لتزول} ـــ بكسر اللام وبنصب الفعل المضارع بعدها ـــ فتكون (إن) نافية ولام {لتزول} لام الجحود، أي وما كان مكرهم زائلة منه الجبال، وهو استخفاف بهم، أي ليس مكرهم بمتجاوز مكر أمثالهم، وما هو بالذي تزول منه الجبال. وفي هذا تعريض بأن الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين الذين يريد المشركون المكر بهم لا يزعزعهم مكرهم لأنهم كالجبال الرواسي.

وقرأ الكسائي وحده ــــ بفتح اللام الأولى ــــ من {لَتزولُ} ورفع اللام الثانية على أن تكون {إنْ} مخففة من {إنْ} المؤكدة وقد أكمل إعمالها، واللام فارقة بينها وبين النافية، فيكون الكلام إثباتاً لزوال الجبال من مكرهم، أي هو مكر عظيم لَتزول منه الجبال لو كان لها أن تزول، أي جديرة، فهو مستعمل في معنى الجدارة والتأهل للزوال لو كانت زائلة. وهذا من المبالغة في حصول أمر شنيع أو شديد في نوعه على نحو قوله تعالى:

{ { تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً } } [سورة مريم: 90].

فَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِۦ رُسُلَهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ ۝٤٧

تفريع على جميع ما تقدم من قوله:

{ { ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون } } [إبراهيم: 42]. وهذا محل التسلية. والخطاب للنبيء. وتقدم نظيره آنفاً عند قوله: ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون، لأن تأخير ما وعد الله رسوله عليه الصلاة والسلام من إنزال العقاب بأعدائه يشبه حال المخلف وعده، فلذلك نهي عن حُسبانه.

وأضيف {مخلف} إلى مفعوله الثاني وهو {وعده} وإن كان المفعول الأول هو الأصل في التقديم والإضافة إليه لأن الاهتمام بنفي إخلاف الوعد أشد، فلذلك قدم {وعده} على {رسله}.

و{رسله} جمع مراد به النبي صلى الله عليه وسلم لا محالة، فهو جمع مستعمل في الواحد مجازاً. وهذا تثبيت للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن الله منجز له ما وعده من نصره على الكافرين به. فأما وعده للرسل السابقين فذلك أمر قد تحقق فلا يناسب أن يكون مراداً من ظاهر جمع {رسله}.

وجملة {إن الله عزيز ذو انتقام} تعليل للنهي عن حُسبانه مُخلف وعده.

والعزة: القدرة. والمعنى: أن موجب إخلاف الوعد منتف عن الله تعالى لأن إخلاف الوعد يكون إما عن عَجز وإما عن عدم اعتياد الموعود به، فالعزة تنفي الأول وكونُه صاحب انتقام ينفي الثاني. وهذه الجملة تذييل أيضاً وبها تمّ الكلام.

يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ ۝٤٨ وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ ۝٤٩ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ ۝٥٠ لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ۝٥١

استئناف لزيادة الإنذار بيوم الحساب، لأن في هذا تبيين بعض ما في ذلك اليوم من الأهوال؛ فلك أن تجعل {يوم تبدل الأرض} متعلقاً بقوله: {سريع الحساب} قُدّم عليه للاهتمام بوصف ما يحصل فيه، فجاء على هذا النظم ليحصل من التشويق إلى وصف هذا اليوم لما فيه من التهويل.

ولك أن تجعله متعلقاً بفعل محذوف تقديره: اذكُرْ يوم تبدل الأرض، وتجعل جملة {إن الله سريع الحساب} على هذا تذييلاً.

ولك أن تجعله متعلقاً بفعل محذوف دل عليه قوله: {ليجزي الله كل نفس ما كسبت}. والتقدير يجزي اللّهُ كلّ نفس بما كسبت يومَ تبدل الأرض.. الخ.

وجملة {إن الله سريع الحساب} تذييل أيضاً.

والتبديل: التغيير في شيء إما بتغيير صفاته، كقوله تعالى:

{ { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } } [سورة الفرقان: 70]، وقولك: بدلتُ الحَلقة خاتماً وإما بتغيير ذاته وإزالتها بذات أخرى، كقوله تعالى: { { بدلناهم جلوداً غيرها } } [سورة النساء: 56]، وقوله: { { وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط } } [سورة سبأ: 16].

وتبديل الأرض والسماوات يوم القيامة: إما بتغيير الأوصاف التي كانت لها وإبطال النُظم المعروفة فيها في الحياة الدنيا، وإما بإزالتها ووجدان أرض وسماوات أخرى في العالم الأخروي. وحاصل المعنى استبدال العالم المعهود بعالم جديد.

ومعنى {وبرزوا لله الواحد القهار} مثل ما ذكر في قوله:

{ { وبرزوا لله جميعاً } } [سورة إبراهيم: 21]. والوصف بـ {الواحد القهار} للرد على المشركين الذين أثبتوا له شركاء وزعموا أنهم يدافعون عن أتباعهم. وضمير {برزوا} عائد إلى معلوم من السياق، أي وبرز الناس أو برز المشركون.

والتقرين: وضع اثنين في قرن، أي حبل.

والأصفاد جمع صِفاد بوزن كتاب، وهو القيد والغل.

والسرابيل: جمع سِربال وهو القميص. وجملة {سرابيلهم من قطران} حال من {المجرمين}.

والقطران: دهن من تركيب كيمياوي قديم عند البشر يصنعونه من إغلاء شَجر الأرز وشجر السرو وشجر الأبهل ــــ بضم الهمزة والهاء وبينهما موحدة ساكنة ــــ وهو شجر من فصيلة العرعر. ومن شجر العرعر بأن تقطع الأخشاب وتجعل في قبة مبنية على بلاط سَوِي وفي القبة قناة إلى خارج. وتُوقد النار حول تلك الأخشاب فتصعد الأبخرة منها ويسري ماء البخار في القناة فتصب في إناء آخر موضوع تحت القناة فيتجمع منهماء أسود يعلوه زبد خاثر أسود. فالماء يعرف بالسائل والزَبَد يعرف بالبرقي. ويتخذ للتداوي من الجرب للإبل ولغير ذلك مما هو موصوف في كتب الطب وعلم الأَقْرَبَاذين.

وجعلت سرابيلهم من قطران لأنه شديد الحرارة فيؤلم الجِلدَ الواقعَ هو عليه، فهو لباسهم قبل دخول النار ابتداء بالعذاب حتى يقعوا في النار ــــ.

وجملة {إن الله سريع الحساب} مستأنفة، إما لتحقيق أن ذلك واقع كقوله:

{ { إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع } } [سورة الذاريات: 5، 6]، وإما استئناف ابتدائي. وأخرت إلى آخر الكلام لتقديم {يوم تبدل الأرض} إذا قُدر معمولاً لها كما ذكرناه آنفاً.

هَٰذَا بَلَٰغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا۟ بِهِۦ وَلِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ۝٥٢

الإشارة إلى الكلام السابق في السورة كلها من أيْنَ ابتدأتهُ أصبت مراد الإشارة، والأحسن أن يكون للسورة كلها.

والبلاغ اسم مصدر التبليغ، أي هذا المقدار من القرآن في هذه السورة تبليغ للناس كلهم.

واللام في {للناس} هي المعروفة بلام التبليغ، وهي التي تدخل على اسم من يَسمع قولاً أو ما في معناه.

وعطف {ولينذروا} على {بلاغ} عطف على كلام مقدر يدل عليه لفظ {بلاغ}، إذ ليس في الجملة التي قبله ما يصلح لأن يعطف هذا عليه فإن وجود لام الجر مع وجود واو العطف مانع من جعله عطفاً على الخبر، لأن المجرور إذا وقع خبر عن المبتدإ اتصل به مباشرة دون عطف إذ هو بتقدير كائِن أو مستَقر، وإنما تعطف الأخبار إذا كانت أوصافاً. والتقدير هذا بلاغ للناس ليستيقظوا من غفلتهم ولينذروا به.

واللام في {ولينذروا} لام كي. وقد تقدم قريب من نظم هذه الآية في قوله تعالى

{ { وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها } } في سورة الأنعام (92).

والمعنى وليعلموا مِما ذكر فيه من الأدلة مَا الله إلا إلهٌ واحد، أي مقصور على الإلهية الموحدة. وهذا قصر موصوف على صفة وهو إضافي، أي أنه تعالى لا يتجاوز تلك الصفة إلى صفة التعدد بالكثرة أو التثليث، كقوله:

{ { إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد } } [سورة النساء: 171].

والتذكر: النظر في أدلة صدق الرسول عليه الصلاة والسلام ووجوب اتباعه، ولذلك خص بذوي الألباب تنزيلاً لغيرهم منزلة من لا عقول لهم

{ { إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا } } [سورة الفرقان: 44].

وقد رتبت صفات الآيات المشار إليها باسم الإشارة على ترتيب عقلي بحسب حصول بعضها عقب بعض، فابتدىء بالصفة العامة وهي حصول التبليغ. ثم ما يعقب حصول التبليغ من الإنذار ثم ما ينشأ عنه من العلم بالوحدانية لما في خلال هذه السورة من الدلائل. ثم بالتذكير في ما جاء به ذلك البلاغ وهو تفاصيل العلم والعمل. وهذه المراتب هي جامع حكمة مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم موزعة على من بَلّغ إليهم. ويختص المسلمون بمضمون قوله: {وليذكر أولوا الألباب}.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ