انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة طه

تفسير القرطبيالآيات 120–135

تفسير سورة طه آية آية، من تفسير القرطبي.

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ ۝١٢٠ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ۝١٢١ ثُمَّ ٱجْتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ ۝١٢٢

قوله تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ} تقدّم في «الأعراف». {قَالَ} يعني الشيطان {يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } وهذا يدل على المشافهة، وأنه دخل الجنة في جوف الحية على ما تقدّم في «البقرة» بيانه، وتقدم هناك تعيين الشجرة، وما للعلماء فيها فلا معنى للإعادة. {فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} تقدّم في «الأعراف» مستوفى. وقال الفراء: «وَطَفِقَا» في العربية أقبلا؛ قال وقيل: جعلا يلصقان عليهما ورق التين.

قوله تعالى: {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} فيه ست مسائل:

لأولى: قوله تعالى: {وَعَصَىٰ} تقدّم في «البقرة» القول في ذنوب الأنبياء. وقال بعض المتأخرين من علمائنا والذي ينبغي أن يقال: إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم، ونسبها إليهم، وعاتبهم عليها، وأخبروا بذلك عن نفوسهم، وتنصّلوا منها، واستغفروا منها وتابوا، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا يقبل التأويل جملتها، وإن قبل ذلك آحادها، وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور، وعلى جهة الخطأ والنسيان، أو تأويل دعا إلى ذلك، فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات، وفي حقهم سيئات بالنسبة إلى مناصبهم، وعلو أقدارهم؛ إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس؛ فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة، مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة. قال: وهذا هو الحق. ولقد أحسن الجنيد حيث قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين؛ فهم ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ وإن كانوا قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم، فلم يخل ذلك بمناصبهم، ولا قدح في رتبتهم، بل قد تلافاهم، واجتباهم وهداهم، ومدحهم وزكاهم واختارهم واصطفاهم؛ صلوات الله عليهم وسلامه.

الثانية: قال القاضي أبو بكر بن العربي: لا يجوز لأحد منا اليوم أن يخبر بذلك عن آدم إلا إذا ذكرناه في أثناء قوله تعالى عنه، أو قول نبيه، فأما أن يبتدىء ذلك من قبل نفسه فليس بجائز لنا في آبائنا الأدنين إلينا، المماثلين لنا، فكيف في أبينا الأقدم الأعظم الأكرم النبي المقدّم، الذي عَذَره الله سبحانه وتعالى وتاب عليه وغفر له.

قلت: وإذا كان هذا في المخلوق لا يجوز، فالإخبار عن صفات الله عز وجل كاليد والرجل والإصبع والجنب والنزول إلى غير ذلك أولى بالمنع، وأنه لا يجوز الابتداء بشيء من ذلك إلا في أثناء قراءة كتابه أو سنة رسوله، ولهذا قال الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه: من وصف شيئاً من ذات الله عز وجل مثل قوله:

{ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ }[المائدة: 64] فأشار بيده إلى عنقه قطعت يده، وكذلك في السمع والبصر يقطع ذلك منه؛ لأنه شبه الله تعالى بنفسه.

الثالثة: روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال آدم له: يا موسى اصطفاك الله عز وجل بكلامه وخطّ لك بيده يا موسى: أتلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة فَحَجَّ آدم موسى ثلاثاًقال المهلب قوله: «فحج آدم موسى» أي غلبه بالحجة. قال الليث بن سعد إنما صحت الحجة في هذه القصة لآدم على موسى عليهما السلام من أجل أن الله تعالى قد غفر لآدم خطيئته وتاب عليه، فلم يكن لموسى أن يعيره بخطيئة قد غفرها الله تعالى له؛ ولذلك قال آدم: أنت موسى الذي آتاك الله التوراة، وفيها علم كل شيء، فوجدت فيها أن الله قد قدّر عليّ المعصية، وقدّر علي التوبة منها، وأسقط بذلك اللوم عني أفتلومني أنت والله لا يلومني؛ وبمثل هذا احتج ابن عمر على الذي قال له: إن عثمان فرّ يوم أحد؛ فقال ابن عمر: ما على عثمان ذنب؛ لأن الله تعالى قد عفا عنه بقوله: «وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ». وقد قيل: إن آدم عليه السلام أب وليس تعييره من برّه أن لو كان مما يعيّر به غيره؛ فإن الله تبارك وتعالى يقول في الأبوين الكافرين: { وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً }[لقمان: 15] ولهذا إن إبراهيم عليه السلام لما قال له أبوه وهو كافر: { لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ }[مريم: 46 ـ 47] فكيف بأبٍ هو نبيّ قد اجتباه ربه وتاب عليه وهدى.

الرابعة: وأما من عمل الخطايا ولم تأته المغفرة، فإن العلماء مجمعون على أنه لا يجوز له أن يحتج بمثل حجة آدم، فيقول تلومني على أن قتلت أو زنيت أو سرقت وقد قدّر الله علي ذلك؛ والأمة مجمعة على جواز حمد المحسن على إحسانه، ولوم المسيء على إساءته، وتعديد ذنوبه عليه.

الخامسة: قوله تعالى: {فَغَوَىٰ } أي ففسد عليه عيشه، حكاه النقاش واختاره القشيري. وسمعت شيخنا الأستاذ المقرىء أبا جعفر القرطبي يقول: {فَغَوَىٰ } ففسد عيشه بنزوله إلى الدنيا؛ والغيّ الفساد؛ وهو تأويل حسن، وهو أولى من تأويل من يقول: «فغوى» معناه ضلّ؛ من الغيّ الذي هو ضد الرشد. وقيل: معناه جهل موضع رشده؛ أي جهل أن تلك الشجرة هي التي نهي عنها؛ والغيّ الجهل. وعن بعضهم «فغوى» فبَشِم من كثرة الأكل؛ الزمخشريّ: وهذا وإن صحّ على لغة من يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفاً؛ فيقول في فَنِيَ وبَقِيَ: فَنَى وبَقَى وهم بنو طيّ - تفسير خبيث.

السادسة: قال القشيري أبو نصر قال قوم يقال: عصى آدم وغوى ولا يقال له عاصٍ ولا غاوٍ، كما أن من خاط مرة يقال له: خاط، ولا يقال له خيّاط ما لم تتكرر منه الخياطة. وقيل: يجوز للسيد أن يطلق في عبده عند معصيته ما لا يجوز لغيره أن يطلقه، وهذا تكلّف؛ وما أضيف من هذا إلى الأنبياء فإما أن تكون صغائر، أو ترك الأولى، أو قبل النبوّة.

قلت: هذا حسن؛ قال الإمام أبو بكر بن فورك رحمه الله تعالى: كان هذا من آدم قبل النبوّة، ودليل ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ} فذكر أن الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان، وإذا كان هذا قبل النبوّة فجائز عليهم الذنوب وجهاً واحداً؛ لأن قبل النبوّة لا شرع علينا في تصديقهم، فإذا بعثهم الله تعالى إلى خلقه وكانوا مأمونين في الأداء معصومين لم يضر ما قد سلف منهم من الذنوب. وهذا نفيس والله أعلم.

قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًۢا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ ۝١٢٣ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَعْمَىٰ ۝١٢٤ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِىٓ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا ۝١٢٥ قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ ۝١٢٦ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنۢ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰٓ ۝١٢٧

قوله تعالى: {قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً} خاطب آدم وإبليس. «مِنها» أي من الجنة. وقد قال لإبليس:

{ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً }[الأعراف: 18] فلعله أخرِج من الجنة إلى موضع من السماء، ثم أُهبِط إلى الأرض. {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} تقدم في «البقرة» أي أنت عدوّ للحية ولإبليس وهما عدوّان لك. وهذا يدل على أن قوله: «اهبِطا» ليس خطاباً لآدم وحوّاء؛ لأنهما ما كانا متعاديين؛ وتضمن هبوط آدم هبوط حواء. {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} أي رشداً وقولاً حقاً. وقد تقدّم في «البقرة». {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ} يعني الرسل والكتب. {فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ} قال ابن عباس: ضمن الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، وتلا الآية. وعنه: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، ثم تلا الآية. {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي} أي ديني، وتلاوة كتابي، والعمل بما فيه. وقيل: عما أنزلت من الدلائل. ويحتمل أن يحمل الذكر على الرسول؛ لأنه كان منه الذكر. {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} أي عيشاً ضيقاً؛ يقال: منزل ضنك وعيش ضنك يستوي فيه الواحد والاثنان والمذكر والمؤنث والجمع؛ قال عنترة:

إنْ يُلحقوا أَكْررْ وإنْ يُستلحَمُواأَشدُدْ وإنْ يُلْفَوْا بضَنْكٍ أنزِل

وقال أيضاً:

إنّ المنيةَ لو تُمثَّل مُثِّلتْمثلي إذا نَزلُوا بضَنْكِ المنزلِ

وقرىء «ضَنْكَى» على وزن فَعْلَى: ومعنى ذلك أن الله عز وجل جعل مع الدين التسليم والقناعة والتوكل عليه وعلى قسمته، فصاحبه ينفق مما رزقه الله ـ عز وجل ـ بسماح وسهولة ويعيش عيشاً رافِغاً؛ كما قال الله تعالى: { فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً }[النمل: 97]. والمعرض عن الدين مستولٍ عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا، مسلط عليه الشحّ، الذي يقبض يده عن الإنفاق، فعيشه ضَنك، وحاله مظلمة، كما قال بعضهم: لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته، وتَشوَّش عليه رزقُه، وكان في عيشة ضنك. وقال عكرمة: «ضَنْكاً» كسباً حراماً. الحسن: طعام الضَّرِيع والزَّقُّوم. وقول رابع وهو الصحيح أنه عذاب القبر؛ قاله أبو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود، ورواه أبو هريرة مرفوعاً: عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرناه في كتاب «التذكرة»؛ قال أبو هريرة: يضيق على الكافر قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، وهو المعيشة الضنك. {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ} قيل: أعمى في حال وبصيراً في حال؛ وقد تقدّم في آخر «سبحان». وقيل: أعمى عن الحجة؛ قاله مجاهد. وقيل: أعمى عن جهات الخير، لا يهتدي لشيء منها. وقيل: عن الحيلة في دفع العذاب عن نفسه، كالأعمى الذي لا حيلة له فيما لا يراه. {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ} أي بأي ذنب عاقبتني بالعمى. {وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً} أي في الدنيا، وكأنه يظن أنه لا ذنب له. وقال ابن عباس ومجاهد: أي {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ} عن حجتي {وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً} أي عالماً بحجتي؛ القشيري: وهو بعيد إذ ما كان للكافر حجة في الدنيا. {قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا} أي قال الله تعالى له: {كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا} أي دلالاتنا على وحدانيتنا وقدرتنا. {فَنَسِيتَهَا} أي تركتها ولم تنظر فيها، وأعرضت عنها. {وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ} أي تترك في العذاب؛ يريد جهنم. {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ} أي وكما جزينا من أعرض عن القرآن، وعن النظر في المصنوعات، والتفكر فيها، وجاوز الحدّ في المعصية. {وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ} أي لم يصدق بها. {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ} أي أفظع من المعيشة الضّنك، وعذاب القبر. {وَأَبْقَىٰ } أي أدوم وأثبت؛ لأنه لا ينقطع ولا ينقضي.

أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَٰكِنِهِمْ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ ۝١٢٨ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى ۝١٢٩ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ ءَانَآئِ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ ۝١٣٠

قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} يريد أهل مكة؛ أي أفلم يتبين لهم خبر من أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إذا سافروا وخرجوا في التجارة طلب المعيشة، فيرون بلاد الأمم الماضية، والقرون الخالية خاوية؛ أي أفلا يخافون أن يحلّ بهم مثل ما حلّ بالكفار قبلهم. وقرأ ابن عباس والسُّلَمي وغيرهما «نَهْدِ لَهُمْ» بالنون وهي أبين. و«يهد» بالياء مشكل لأجل الفاعل؛ فقال الكوفيون: «كَمْ» الفاعل؛ النحاس: وهذا خطأ؛ لأن «كم» استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها. وقال الزجاج: المعنى أولم يهد لهم الأمر بإهلاكنا من أهلكنا. وحقيقة «يهد» يدل على الهدى؛ فالفاعل هو الهدى تقديره: أفلم يهد الهدي لهم. قال الزجاج: «كم» في موضع نصب بـ {أَهْلَكْنَا}.

قوله تعالى: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً} فيه تقديم وتأخير؛ أي ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاماً؛ قاله قتادة. واللزام الملازمة؛ أي لكان العذاب لازماً لهم. وأضمر اسم كان. قال الزجاج: {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} عطف على «كلمة». قتادة: والمراد القيامة؛ وقاله القتبي. وقيل: تأخيرهم إلى يوم بدر.

قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} أمره تعالى بالصبر على أقوالهم: إنه ساحر؛ إنه كاهن؛ إنه كذاب؛ إلى غير ذلك. والمعنى: لا تحفل بهم؛ فإن لعذابهم وقتاً مضروباً لا يتقدّم ولا يتأخر. ثم قيل: هذا منسوخ بآية القتال. وقيل: ليس منسوخاً؛ إذ لم يستأصل الكفار بعد آية القتال بل بقي المعظم منهم.

قوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ} قال أكثر المتأولين: هذه إشارة إلى الصلوات الخمس {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ} صلاة الصبح {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} صلاة العصر {وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ} العتمة {وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ} المغرب والظهر؛ لأن الظهر في آخر طرف النهار الأوّل، وأوّل طرف النهار الآخر؛ فهي في طرفين منه؛ والطرف الثالث غروب الشمس وهو وقت المغرب. وقيل: النهار ينقسم قسمين فصلهما الزوال، ولكل قسم طرفان، فعند الزوال طرفان؛ الآخر من القسم الأوّل والأوّل من القسم الآخر؛ فقال عن الطرفين أطرافاً على نحو

{ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا }[التحريم: 4] وأشار إلى هذا النظر ابن فورك في المشكل. وقيل: النهار للجنس فلكل يوم طرف، وهو إلى جمع لأنه يعود في كل نهار. «وآناء الليل» ساعاته وواحد الآناء إِنْيٌ وإِنًى وأَنًى. وقالت فرقة: المراد بالآية صلاة التطوّع؛ قاله الحسن.

قوله تعالى: {لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ} بفتح التاء؛ أي لعلك تثاب على هذه الأعمال بما ترضى به. وقرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم «تُرْضَى» بضم التاء؛ أي لعلك تُعطَى ما يرضيك.

وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ۝١٣١ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَٱلْعَٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ ۝١٣٢

قوله تعالى: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ} وقد تقدّم معناه في «الحجر». {أزْوَاجاً} مفعول بـ«ـمتعنا». و{زَهْرَةَ} نصب على الحال. وقال الزجاج: «زهرة» منصوبة بمعنى «متعنا» لأن معناه جعلنا لهم الحياة الدنيا زهرة؛ أو بفعل مضمر وهو «جعلنا» أي جعلنا لهم زهرة الحياة الدنيا؛ عن الزجاج أيضا. وقيل: هي بدل من الهاء في «به» على الموضع، كما تقول: مررت به أخاك. وأشار الفراء إلى نصبه على الحال؛ والعامل فيه «مَتَّعْنَا» قال: كما تقول مررت به المسكين؛ وقدره: متعناهم به زهرةَ في الحياة الدنيا وزينة فيها. ويجوز أن ينتصب على المصدر مثل

{ صُنْعَ ٱللَّهِ }[النمل: 88] و { وَعْدَ ٱللَّهِ }[الروم: 6] وفيه نظر. والأحسن أن ينتصب على الحال ويحذف التنوين لسكونه وسكون اللام من الحياة؛ كما قرىء «وَلاَ اللَّيلُ سَابِقُ النَّهَارَ» بنصب النهار بسابق على تقدير حذف التنوين لسكونه وسكون اللام، وتكون «الحياة» مخفوضة على البدل من «ما» في قوله: {إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ} فيكون التقدير: ولا تمدنّ عينيك إلى الحياة الدنيا زهرةً أي في حال زهرتها. ولا يحسن أن يكون «زهرة» بدلاً من «ما» على الموضع في قوله: «إلى ما متعنا» لأن {لِنَفْتِنَهُمْ} متعلق بـ«ـمتعنا» و{زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} يعني زينتها بالنبات. والزَّهَرة، بالفتح في الزاي والهاء نَوْر النبات. والزُّهَرة بضم الزاي وفتح الهاء النجم. وبنو زُهْرة بسكون الهاء؛ قاله ابن عزيز. وقرأ عيسى بن عمر «زَهَرَةَ» بفتح الهاء مثل نَهْر ونَهَر. ويقال: سراج زاهر أي له بريق. وزهر الأشجار ما يروق من ألوانها. وفي الحديث: كان النبي صلى الله عليه وسلم أزهر اللون؛ أي نير اللون؛ يقال لكل شيء مستنير: زاهر، وهو أحسن الألوان. {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أي لنبتليهم. وقيل: لنجعل ذلك فتنة لهم وضلالاً. ومعنى الآية: لا تجعل يا محمد لزهرة الدنيا وزناً، فإنه لا بقاء لها. «وَلاَ تَمُدَّنَّ» أبلغ من لا تنظرنّ، لأن الذي يمدّ بصره، إنما يحمله على ذلك حرص مقترن، والذي ينظر قد لا يكون ذلك معه.

مسألة: قال بعض الناس: سبب نزول هذه الآية ما رواه أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: نزل ضيف برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلني عليه السلام إلى رجل من اليهود، وقال: قل له يقول لك محمد:

نزل بنا ضيف ولم يُلْفَ عندنا بعضُ الذي يصلحه؛ فبعني كذا وكذا من الدقيق، أو أسلفني إلى هلال رجب فقال: لا، إلا برهن. قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: «والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض ولو أسلفني أو باعني لأدّيت إليه اذهب بدِرْعي إليه»ونزلت الآية تعزية له عن الدنيا. قال ابن عطية: وهذا معترض أن يكون سبباً؛ لأن السورة مكية والقصة المذكورة مدنية في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مات ودِرعه مرهونة عند يهودي بهذه القصة التي ذكرت؛ وإنما الظاهر أن الآية متناسقة مع ما قبلها، وذلك أن الله تعالى وبخهم على ترك الاعتبار بالأمم السالفة ثم توعدهم بالعذاب المؤجل، ثم أمر نبيه بالاحتقار لشأنهم، والصبر على أقوالهم، والإعراض عن أموالهم وما في أيديهم من الدنيا؛ إذ ذلك منصرم عنهم صائر إلى خِزي.

قلت: وكذلك ما روي عنه عليه السلام أنه مرّ بإبل بني المصطلق وقد عَبِست في أبوالها (وأبعارها) من السِّمن فتقنّع بثوبه ثم مضى؛ لقوله عز وجل: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} الآية. ثم سَلاَّه فقال: {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} أي ثواب الله على الصبر وقلة المبالاة بالدنيا أولى؛ لأنه يبقى والدنيا تفنى. وقيل: يعني بهذا الرزق ما يفتح الله على المؤمنين من البلاد والغنائم.

قوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ} أمره تعالى بأن يأمر أهله بالصلاة ويمتثلها معهم، ويصطبر عليها ويلازمها. وهذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل في عمومه جميع أمته، وأهل بيته على التخصيص. وكان عليه السلام بعد نزول هذه الآية يذهب كل صباح إلى بيت فاطمة وعليّ رضوان الله عليهما فيقول: «الصلاة». ويروى أن عُرْوة بن الزبير رضي الله عنه كان إذا رأى شيئاً من أخبار السلاطين وأحوالهم بادر إلى منزله فدخله، وهو يقرأ {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} ـ الآية ـ إلى قوله: {وَأَبْقَىٰ } ثم ينادي بالصلاة: الصلاة يرحمكم الله؛ ويصلّي. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوقظ أهل داره لصلاة الليل ويصلي وهو يتمثل بالآية.

قوله تعالى: {لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً} أي لا نسألك أن ترزق نفسك وإياهم، وتشتغل عن الصلاة بسبب الرزق، بل نحن نتكفل برزقك وإياهم؛ فكان عليه السلام إذا نزل بأهله ضيق أمرهم بالصلاة. وقد قال الله تعالى:

{ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ }[الذاريات: 56 ـ 58].

قوله تعالى: {وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ} أي الجنة لأهل التقوى؛ يعني العاقبة المحمودة. وقد تكون لغير التقوى عاقبة ولكنها مذمومة فهي كالمعدومة.

وَقَالُوا۟ لَوْلَا يَأْتِينَا بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّهِۦٓ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ ۝١٣٣ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَٰهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِۦ لَقَالُوا۟ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ ۝١٣٤ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا۟ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ ۝١٣٥

قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ} يريد كفار مكة؛ أي لولا يأتينا محمد بآية توجب العلم الضروري. أو بآية ظاهرة كالناقة والعصا. أو هلا يأتينا بالآيات التي نقترحها نحن كما أتى الأنبياء من قبله.

قال الله تعالى: {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ } يريد التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة، وذلك أعظم آية إذ أخبر بما فيها. وقرىء «الصحف» بالتخفيف. وقيل: أولم تأتهم الآية الدالة على نبوته بما وجدوه في الكتب المتقدمة من البشارة. وقيل: أولم يأتهم إهلاكنا الأمم الذين كفروا واقترحوا الآيات؛ فما يؤمِّنهم إن أتتهم الآيات أن يكون حالهم حال أولئك. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو ويعقوب وابن أبي إسحاق وحفص «أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ» بالتاء لتأنيث البينة. الباقون بالياء لتقدم الفعل؛ ولأن البينة هي البيان والبرهان فردّوه إلى المعنى؛ واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وحكى الكسائي «أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةٌ مَا فِي الصُّحُفِ الاُولى» قال: ويجوز على هذا «بَيِّنَةً مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى». قال النحاس: إذا نونت «بينة» ورفعت جعلت «ما» بدلاً منها، وإذا نصبتها فعلى الحال؛ والمعنى: أولم يأتهم ما في الصحف الأولى مبيَّناً.

قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ} أي من قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن {لَقَالُواْ} أي يوم القيامة {رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} أي هلاّ أرسلت إلينا رسولاً. {فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ} وقرىء «نُذَلَّ وَنُخْزَى» على ما لم يسمّ فاعله. وروى أبو سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهالك في الفترة والمعتوه والمولود قال:

يقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب ولا رسول ـ ثم تلا ـ {وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} ـ الآية ـ ويقول المعتوه ربِّ لم تجعل لي عقلاً أعقل به خيراً ولا شراً ويقول المولود ربِّ لم أدرك العمل فتُرفَع لهم نار فيقول لهم رِدُوها وادخلوها ـ قال ـ فيَرِدُها أو يدخلها من كان في علم الله سعيداً لو أدرك العمل ويمسك عنها من كان في علم الله شقياً لو أدرك العمل قال فيقول الله تبارك وتعالى إياي عصيتم فكيف رسلي لو أتتكم ويروى موقوفاً عن أبي سعيد قوله؛ وفيه نظر؛ وقد بيناه في كتاب «التذكرة» وبه احتج من قال: إن الأطفال وغيرهم يمتحنون في الآخرة.{فَنَتَّبِعَ} نصب بجواب التخصيص. {آيَاتِكَ} يريد ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. {مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ} أي في العذاب {وَنَخْزَىٰ } في جهنم؛ قاله ابن عباس. وقيل: {مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ} في الدنيا بالعذاب {وَنَخْزَىٰ } في الآخرة بعذابها. {قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ} أي قل لهم يا محمد كل متربص، أي كل المؤمنين والكافرين منتظر دوائر الزمان ولمن يكون النصر. {فَتَرَبَّصُواْ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ} يريد الدين المستقيم والهدى؛ والمعنى: فستعلمون بالنصر من اهتدى إلى دين الحق. وقيل: فستعلمون يوم القيامة من اهتدى إلى طريق الجنة. وفي هذا ضرب من الوعيد والتخويف والتهديد ختم به السورة. وقرىء «فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ». قال أبو رافع: حفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ذكره الزمخشري. و«من» في موضع رفع عند الزجاج. وقال الفراء: يجوز أن يكون في موضع نصب مثل { وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ }[البقرة: 220]. قال أبو إسحاق: هذا خطأ؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، و«مَن» هاهنا استفهام في موضع رفع بالابتداء؛ والمعنى: فستعلمون أصحاب الصراط السويّ نحن أم أنتم؟. قال النحاس: والفراء يذهب إلى أن معنى {مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ} من لم يضلّ، وإلى أن معنى {وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ} من ضلّ ثم اهتدى. وقرأ يحيـى بن يعمر وعاصم الجحدري «فسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السُوَّا» بتشديد الواو بعدها ألف التأنيث على فُعْلَى بغير همزة؛ وتأنيث الصراط شاذ قليل، قال الله تعالى: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }[الفاتحة: 6] فجاء مذكراً في هذا وفي غيره، وقد ردّ هذا أبو حاتم قال: إن كان من السّوء وجب أن يقال السُّوءَى وإن كان من السَّواء وجب أن يقال: السِّيَّا بكسر السين والأصل السِّوْيَا. قال الزمخشري: وقرىء «السَّواءِ» بمعنى الوسط والعدل؛ أو المستوِي. النحاس: وجواز قراءة يحيـى بن يعمر والجحدري أن يكون الأصل «السُّوءَى» والساكن ليس بحاجز حصين، فكأنه قلب الهمزة ضمة فأبدل منها واواً كما يبدل منها ألف إذا انفتح ما قبلها. تمت والحمد لله وحده.
الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026 23 جمادى الأولى 1448 هـ