انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة طه

تفسير القرطبيالآيات 53–82

تفسير سورة طه آية آية، من تفسير القرطبي.

ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ ۝٥٣ كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَٰمَكُمْ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ ۝٥٤ مِنْهَا خَلَقْنَٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ ۝٥٥

قوله تعال{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مِهَاداً} «الذي» في موضع نعت «لربي» أي لا يضل ربي الذي جعل. ويجوز أن يكون خبر ابتداء مضمر أي هو «الذي». ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار أعني. وقرأ الكوفيون «مَهْداً» هنا وفي «الزخرف» بفتح الميم وإسكان الهاء. الباقون «مِهَاداً» واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لاتفاقهم على قراءة «أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً». النحاس: والجمع أولى لأن «مهدا» مصدر وليس هذا موضع مصدر إلا على حذف؛ أي ذات مهد. المهدويّ: ومن قرأ «مَهْداً» جاز أن يكون مصدراً كالفَرْش أي مَهَد لكم الأرض مَهْداً؛ وجاز أن يكون على تقدير حذف المضاف؛ أي ذات مهد. ومن قرأ «مِهَاداً» جاز أن يكون مفرداً كالفراش. وجاز أن يكون جمع «مهدٍ» استعمل استعمال الأسماء فكسّر. ومعنى «مِهَاداً» أي فراشاً وقراراً تستقرّون عليها. {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} أي طرقاً. نظيره:

{ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً * لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً }[نوح: 19 ـ 20]. وقال تعالى: { ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مِهَاداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }[الزخرف: 10]. {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} تقدم معناه. وهذا آخر كلام موسى، ثم قال الله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ }. وقيل: كله من كلام موسى؛ والمعنى «فأخرجنا به» أي بالحرث والمعالجة؛ لأن الماء المنزل سبب خروج النبات. ومعنى {أَزْوَاجاً} ضروباً وأشباهاً، أي أصنافاً من النبات المختلفة الأزواج والألوان. وقال الأخفش: التقدير أزواجاً شتى من نبات. قال: وقد يكون النبات شتى؛ فـ«ـشتى» يجوز أن يكون نعتاً لأزواج، ويجوز أن يكون نعتاً للنبات. و«شَتّى» مأخوذ من شتَّ الشيءُ أي تفرق. يقال: أمر شَتٌّ أي متفرّق. وشَتَّ الأمرُ شتًّا وشَتاتاً تفرق؛ واشتتَّ مثله. وكذلك التَّشتت. وشَتَّته تَشْتِيتاً فرّقه. وأَشتَّ بي قومي أي فرّقوا أمري. والشَّتيت المتفرّق. قال رُؤبة يصف إبلاً:

جَاءتْ مَعاً وَاطَّرَقتْ شَتِيتَاوهي تُثيرُ السَّاطِعَ السِّخْتِيتَا

وثَغْر شَتيتٌ أي مُفلَّج. وقوم شَتَّى، وأشياء شتَّى، وتقول: جاءوا أشتاتاً؛ أي متفرقين؛ واحدهم شتٌّ؛ قاله الجوهري.

قوله تعالى: {كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ} أمر إباحة. {وَٱرْعَوْا} من رعت الماشية الكلأ، ورعاها صاحبها رعاية؛ أي أسامها وسرحها؛ لازم ومتعد {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ} أي العقول. الواحدة نُهْية. قال لهم ذلك؛ لأنهم الذين يُنْتهى إلى رأيهم. وقيل: لأنهم ينهون النفس عن القبائح. وهذا كله من موسى احتجاج على فرعون في إثبات الصانع جواباً لقوله: {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ }. وبين أنه إنما يستدل على الصانع اليوم بأفعاله.

قوله تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} يعني آدم عليه السلام لأنه خلق من الأرض؛ قاله أبو إسحاق الزجاج وغيره. وقيل: كل نطفة مخلوقة من التراب؛ على هذا يدل ظاهر القرآن. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما من مولود إلا وقد ذُرَّ عليه من تراب حُفْرتهأخرجه أبو نعيم الحافظ في باب ابن سيرين، وقال: هذا حديث غريب من حديث عون لم نكتبه إلا من حديث أبي عاصم النبيل، وهو أحد الثقات الأعلام من أهل البصرة. وقد مضى هذا المعنى مبيناً في سورة «الأنعام» عن ابن مسعود. وقال عطاء الخراساني: إذا وقعت النطفة في الرحم انطلق الملك الموكل بالرحم فأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذرّه على النطفة، فيخلق الله النّسمة من النّطفة ومن التراب؛ فذلك قوله تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ}. وفي حديث البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم:إن العبد المؤمن إذا خرجت روحه صعدت به الملائكة فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة فيقولون فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا فيستفتحون لها فيفتح فيشيّعه من كل سماء مقرَّبوها إلى السماء التي تليها حتى تنتهى بها إلى السماء السابعة فيقول الله عز وجل: «اكتبوا لعبدي كتاباً في عِلّيين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى» فتعاد روحه في جسدهوذكر الحديث. وقد ذكرناه بتمامه في كتاب «التذكرة» وروي من حديث عليّ رضي الله عنه؛ ذكره الثعلبي. ومعنى {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} أي بعد الموت {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ} أي للبعث والحساب. {تَارَةً أُخْرَىٰ} يرجع هذا إلى قوله: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} لا إلى {نُعِيدُكُمْ}. وهو كقولك: اشتريت ناقة وداراً وناقة أخرى؛ فالمعنى: من الأرض أخرجناكم ونخرجكم بعد الموت من الأرض تارة أخرى.

وَلَقَدْ أَرَيْنَٰهُ ءَايَٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ ۝٥٦ قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَٰمُوسَىٰ ۝٥٧ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِۦ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُۥ نَحْنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانًا سُوًى ۝٥٨ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى ۝٥٩ فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ ۝٦٠ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ ۝٦١

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا} أي المعجزات الدالة على نبوّة موسى. وقيل: حجج الله الدالة على توحيده. {فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ} أي لم يؤمن. وهذا يدل على أنه كفر عِناداً، لأنه رأى الآيات عِياناً لا خبراً. نظيره

{ وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً }[النمل: 14].

قوله تعالى: {قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ } لما رأى الآيات التي أتاه بها موسى قال: إنها سحر؛ والمعنى: جئت لتوهم الناس أنك جئت بآية توجب اتباعك والإيمان بك، حتى تغلب على أرضنا وعلينا. {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ} أي لنعارضنك بمثل ما جئت به ليتبين للناس أن ما أتيت به ليس من عند الله. {فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً} هو مصدر؛ أي وعداً. وقيل: الموعد اسم لمكان الوعد؛ كما قال تعالى:

{ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ }[الحجر: 43] فالموعد هاهنا مكان. وقيل: الموعد اسم لزمان الوعد؛ كقوله تعالى: { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ }[هود: 81] فالمعنى: اجعل لنا يوماً معلوماً، أو مكاناً معروفاً. قال القشيري: والأظهر أنه مصدر ولهذا قال: {لاَّ نُخْلِفُهُ} أي لا نخلف ذلك الوعد، والإخلاف أن يعد شيئاً ولا ينجزه. وقال الجوهري: والميعاد المواعدة والوقت والموضع وكذلك المَوْعِد. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة والأعرج «لاَ نُخْلِفْهُ» بالجزم جواباً لقوله «اجْعَلْ». ومن رفع فهو نعت لـ«ـموعد» والتقدير. موعداً غير مخلف. {مَكَاناً سُوًى} قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة «سُوًى» بضم السين. الباقون بكسرها؛ وهما لغتان مثل عُداً وعِداً وطُوًى وطِوًى. واختار أبو عبيد وأبو حاتم كسر السين لأنها اللغة العالية الفصيحة. وقال النحاس: والكسر أعرف وأشهر. وكلهم نوّنوا الواو، وقد روي عن الحسن، واختلف عنه ضم السين بغير تنوين. واختلف في معناه فقيل: سوى هذا المكان؛ قاله الكلبي. وقيل: مكاناً مستوياً يتبيّن للناس ما بينّاه فيه؛ قاله ابن زيد. ابن عباس: نصفاً. مجاهد: منصفاً؛ وعنه أيضاً وقتادة عَدلاً بيننا وبينك. وقال النحاس: وأهل التفسير على أن معنى «سُوًى» نَصَف وعَدْل وهو قول حسن؛ قال سيبويه يقال: سِوى وسُوًى أي عَدْل؛ يعني مكاناً عَدْلاً بين المكانين فيه النَّصَفة؛ وأصله من قولك: جلس في سَواء الدار بالمدّ أي في وسطها؛ ووسط كل شيء أعدله؛ وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً }[البقرة: 143] أي عدلاً، وقال زهير:

أَرُونَا خُطَّةً لا ضَيْمَ فِيهايُسَوِّي بيننا فيها السَّوَاءُ

وقال أبو عبيدة والقتبي: وسطا بين الفريقين؛ وأنشد أبو عبيدة لموسى بن جابر الحنفي:

وإنَّ أبانا كان حَلّ ببلدةٍسِوًى بين قيسٍ قيسِ عَيْلاَنَ والفِزْرِ

والفِزْر: سعد بن زيد مَناة بن تميم. وقال الأخفش: «سِوًى» إذا كان بمعنى غير أو بمعنى العدل يكون فيه ثلاث لغات: إن ضممت السين أو كسرت قصرت فيهما جميعاً. وإن فتحت مددت، تقول: مكان سِوًى وسُوًى وسَواء؛ أي عدل ووسط فيما بين الفريقين. قال موسى بن جابر:

وجدنـا أبانـا كـان حَـلَّ ببـلـدةٍ

البيت. وقيل: «مكاناً سوى» أي قصداً؛ وأنشد صاحب هذا القول:

لو تَمنَّتْ حَبِيبتي ما عَدَتْنِيأو تَمنَّيتُ ما عَدوتُ سِواها

وتقول: مررت برجل سِواك وسُوَاك وسَوَائِك أي غيرك. وهما في هذا الأمر سواء وإن شئت سواءان. وهم سواء للجميع وهم أسواء؛ وهم سواسية مثل ثمانية على غير قياس. وانتصب «مكاناً» على المفعول الثاني لـ«ـجعل». ولا يحسن انتصابه بالموعد على أنه مفعول أو ظرف له؛ لأن الموعد قد وصف، والأسماء التي تعمل عمل الأفعال إذا وصفت أو صغِّرت لم ينبغ أن تعمل لخروجها عن شبه الفعل، ولم يحسن حمله على أنه ظرف وقع موقع المفعول الثاني؛ لأن الموعد إذا وقع بعده ظرف لم تجره العرب مجرى المصادر مع الظروف، لكنهم يتسعون فيه كقوله تعالى: { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ }[هود: 81] و{مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ}. واختلف في يوم الزينة، فقيل هو يوم عيد كان لهم يتزيَّنون ويجتمعون فيه؛ قاله قتادة والسدي وغيرهما. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: كان يوم عاشوراء. وقال سعيد بن المسيّب: يوم سوق كان لهم يتزيَّنون فيها؛ وقاله قتادة أيضاً. وقال الضحاك: يوم السبت. وقيل: يوم النيروز؛ ذكره الثعلبي. وقيل: يومٌ يكسر فيه الخليج؛ وذلك أنهم كانوا يخرجون فيه يتفرجون ويتنزهون؛ وعند ذلك تأمن الديار المصرية من قِبل النيل. وقرأ الحسن والأعمش وعيسى الثقفي والسُّلَمي وهبيرة عن حفص «يَوْمَ الزِّينَةِ» بالنصب. ورويت عن أبي عمرو؛ أي في يوم الزينة إنجاز موعدنا. والباقون بالرفع على أنه خبر الابتداء. {وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى} أي وجمع الناس؛ فـ«ـأَنْ» في موضع رفع على قراءة من قرأ «يَوْمُ» بالرفع. وعطف {وَأَن يُحْشَرَ} يقوّي قراءة الرفع؛ لأن «أَنْ» لا تكون ظرفاً، وإن كان المصدر الصريح يكون ظرفاً كمقدم الحاج؛ لأن من قال: آتيك مقدم الحاج لم يقل آتيك أن يقدم الحاج. النحاس: وأولى من هذا أن يكون في موضع خفض عطفاً على الزينة. والضحا مؤنثة تصغرها العرب بغير هاء لئلا يشبه تصغيرها تصغير ضحوة؛ قاله النحاس. وقال الجوهري: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس، ثم بعده الضُّحَا وهي حين تُشرق الشمس؛ مقصورة تؤنث وتذكّر؛ فمن أنث ذهب إلى أنها جمع ضحوة؛ ومن ذكّر ذهب إلى أنه اسم على فُعَل مثل صُرَد ونُغَر؛ وهو ظرف غير متمكن مثل سحر؛ تقول: لقيته ضُحاً؛ وضُحَا إذا أردت به ضُحَا يومك لم تنوّنه، ثم بعده الضَّحاء ممدود مذكر، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى. وخصّ الضُّحا لأنه أول النهار، فلو امتد الأمر فيما بينهم كان في النهار متَّسع. وروي عن ابن مسعود والجحدري وغيرهما وأن «يَحْشُرَ النَّاسَ» على معنى وأن يحشر الله الناس ونحوه. وعن بعض القراء «وَأَنْ تَحْشُرَ الناس» والمعنى وأن تحشر أنت يا فرعون الناس. وعن الجحدري أيضاً «وَأَنْ نَحْشُرَ» بالنون. وإنما واعدهم ذلك اليوم؛ ليكون علو كلمة الله، وظهور دينه، وكبت الكافر، وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد، وفي المجمع الغاصّ لتقوى رغبة من رغب في الحقّ، ويكلّ حدّ المبطلين وأشياعهم، ويُكثر المحدّثُ بذلك الأمر العلم في كل بدو وحضر، ويشيع في جمع أهل الوَبَر والمدَر.

قوله تعالى: {فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ} أي حِيَله وسحره؛ والمراد جَمْع السّحرة. قال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً، مع كل ساحر منهم حبال وعصيّ. وقيل: كانوا أربعمائة. وقيل: كانوا اثني عشر ألفاً. وقيل: أربعة عشر ألفاً. وقال ابن المنكدر: كانوا ثمانين ألفاً. وقيل: كانوا مجتمعين على رئيس يقال له شمعون. وقيل: كان اسمه يوحنا معه اثنا عشر نقيباً، مع كل نقيب عشرون عريفاً، مع كل عريف ألف ساحر. وقيل: كانوا ثلاثمائة ألف ساحر من الفيوم، وثلاثمائة ألف ساحر من الصعيد، وثلاثمائة ألف ساحر من الريف، فصاروا تسعمائة ألف، وكان رئيسهم أعمى. {ثُمَّ أَتَىٰ} أي أتى الميعاد. {قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ} أي قال لفرعون والسحرة {وَيْلَكُمْ} دعاء عليهم بالويل. وهو بمعنى المصدر. وقال أبو إسحاق الزجاج: هو منصوب بمعنى ألزمهم الله وَيْلاً. قال: ويجوز أن يكون نداء كقوله تعالى:

{ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا }[يۤس: 52]. {لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} أي لا تختلقوا عليه الكذب، ولا تشركوا به، ولا تقولوا للمعجزات إنها سحر. {فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ} مِن عِنده أي يستأصلكم بالإهلاك. يقال فيه: سَحَت وأَسْحت بمعنًى. وأصله من استقصاء الشَّعْر. وقرأ الكوفيون «فَيُسْحِتَكُمْ» من أسْحَت، الباقون «فَيَسْحَتَكُمْ» من سَحَت وهذه لغة أهل الحجاز و(الأولى لغة) بني تميم. وانتصب على جواب النهي. وقال الفرزدق:

وعَضّ زمانٍ يا ابنَ مَرْوانَ لم يَدَعْمن المالِ إِلاَّ مُسْحَتاً أو مُجَلَّفُ

الزمخشري: وهذا بيت لا تزال الركب تصطك في تسوية إعرابه. {وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ} أي خسر وهلك، وخاب من الرحمة والثواب من ادعى على الله ما لم يأذن به.

فَتَنَٰزَعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجْوَىٰ ۝٦٢ قَالُوٓا۟ إِنْ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ۝٦٣ فَأَجْمِعُوا۟ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُوا۟ صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ ۝٦٤

قوله تعالى: {فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} أي تشاوروا؛ يريد السّحرة. {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ} قال قتادة {قَالُوۤاْ}: إن كان ما جاء به سحراً فسنغلبه، وإن كان من عند الله فسيكون له أمر؛ وهذا الذي أسروه. وقيل الذي أسروا قولهم: {إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ} الآيات، قاله السدي ومقاتل. وقيل الذي أسروا قولهم: إن غَلَبنا اتبعناه؛ قاله الكلبي دليله ما ظهر من عاقبة أمرهم. وقيل: كان سرهم أن قالوا حين قال لهم موسى

{ وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً }[طه: 61]: ما هذا بقول ساحر. و«النجوى» المناجاة يكون اسماً ومصدراً؛ وقد تقدم في «النساء» بيانه.

قوله تعالى: {إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ} قرأ أبو عمرو «إِنَّ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانِ». ورويت عن عثمان وعائشة رضي الله عنهما وغيرهما من الصحابة؛ وكذلك قرأ الحسن وسعيد بن جبير وإبراهيم النَّخَعيّ وغيرهم من التابعين؛ ومن القراء عيسى بن عمر وعاصم الجحدري؛ فيما ذكر النحاس. وهذه القراءة موافقة للإعراب مخالفة للمصحف. وقرأ الزهريّ والخليل بن أحمد والمفضل وأبان وابن محيصن وابن كثير وعاصم في رواية حفص عنه «إِنْ هَذَانِ» بتخفيف «إن» «لساحران» وابن كثير يشدّد نون «هذانّ». وهذه القراءة سلمت من مخالفة المصحف ومن فساد الإعراب، ويكون معناها ما هذان إلا ساحران. وقرأ المدنيون والكوفيون «إنَّ هَذَانِ» بتشديد «إنّ» «لساحران» فوافقوا المصحف وخالفوا الإعراب. قال النحاس: فهذه ثلاث قراءات قد رواها الجماعة عن الأئمة، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ «إِنْ هذانِ إِلاّ ساحِرَانِ» وقال الكسائي في قراءة عبد الله: «إِنْ هَذَانِ سَاحِرَانِ» بغير لام؛ وقال الفراء في حرف أبيّ «إِنْ ذَانِ إِلاَّ سَاحِرَانِ» فهذه ثلاث قراءات أخرى تحمل على التفسير لا أنها جائز أن يقرأ بها لمخالفتها المصحف.

قلت: وللعلماء في قراءة أهل المدينة والكوفة ستة أقوال ذكرها ابن الأنباري في آخر كتاب الردّ له، والنحاس في إعرابه، والمهدوي في تفسيره، وغيرهم أدخل كلام بعضهم في بعض. وقد خطأهم قوم حتى قال أبو عمرو: إني لأستحي من الله تعالى أن أقرأ «إِنَّ هَذَانِ»: وروى عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن قوله تعالى:

{ لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ }[النساء: 162] ثم قال: «والمقِيمِين» وفي «المائدة» { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ والصَّابِئُونَ }[البقرة: 62] و«إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ» فقالت: يا ابن أختيٰ هذا خطأ من الكاتب. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: في المصحف لحن وستقيمه العرب بألسنتهم. وقال أبان بن عثمان: قرأت هذه الآية عند أبي عثمان بن عفان، فقال: لحن وخطأ؛ فقال له قائل: ألا تغيِّروه؟ فقال: دَعُوه فإنه لا يحرّم حلالاً ولا يحلّل حراماً. القول الأول من الأقوال الستة أَنها لغة بني الحرث بن كعب وزَبيد وخَثْعم وكنانة بن زيد يجعلون رفع الاثنين ونصبه وخفضه بالألف؛ يقولون: جاء الزيدان ورأيت الزيدان ومررت بالزيدان، ومنه قوله تعالى: { وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ }[يونس: 16] على ما تقدّم. وأنشد الفراء لرجل من بني أسد ـ قال: وما رأيت أفصح منه:

فأَطرقَ إطراقَ الشُّجاعِ ولو يَرَىمَساغاً لِنَابَاهُ الشُّجَاعُ لَصَمَّمَا

ويقولون: كسرت يداه وركبت عَلاَه؛ بمعنى يديه وعليه؛ قال شاعرهم:

تَزوَّدَ مِنّا بين أُذْنَاه ضَرْبَةًدعته إلى هابِي التُّرابِ عَقِيم

وقال آخر:

طَارُوا عَلاَهُنَّ فَطِرْ عَلاَهَا

أي عليهنّ وعليها وقال آخر:

إنّ أَبَاهَا وأَبَا أباهَاقد بَلَغَا في المجدِ غايتاها

أي إن أبا أبيها وغايتيها. قال أبو جعفر النحاس: وهذا القول من أحسن ما حملت عليه الآية؛ إذ كانت هذه اللغة معروفة، وقد حكاها من يرتضى بعلمه وأمانته؛ منهم أبو زيد الأنصاري، وهو الذي يقول: إذا قال سيبويه حدّثني من أثق به فإنما يعنيني؛ وأبو الخطاب الأخفش وهو رئيس من رؤساء اللغة، والكسائي والفراء كلهم قالوا هذا على لغة بني الحارث بن كعب. وحكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب أن هذه لغة بني كنانة. المهدوي: وحكى غيره أنها لغة لخثعم. قال النحاس ومن أبين ما في هذا قول سيبويه: واعلم أنك إذا ثنيت الواحد زدت عليه زائدتين، الأولى منهما حرف مدّ ولين وهو حرف الإعراب؛ قال أبو جعفر فقول سيبويه: وهو حرف الإعراب، يوجب أن الأصل ألا يتغير، فيكون «إِنَّ هَذَانِ» جاء على أصله ليعلم ذلك، وقد قال تعالى: { ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ }[المجادلة: 19] ولم يقل استحاذ؛ فجاء هذا ليدل على الأصل، وكذلك {إِنْ هَـٰذَانِ} ولا يفكر في إنكار من أنكر هذه اللغة إذْ كان الأئمة قد رووها. القول الثاني: أن يكون «إنّ» بمعنى نعم؛ كما حكى الكسائي عن عاصم قال: العرب تأتي بـ«ـإنّ» بمعنى نعم، وحكى سيبويه أن «إنّ» تأتي بمعنى أَجَلْ، وإلى هذا القول كان محمد بن يزيد، وإسماعيل بن إسحاق القاضي يذهبان؛ قال النحاس: ورأيت أبا إسحاق الزجاج وعلي بن سليمان يذهبان إليه. الزمخشري: وقد أعجب به أبو إسحاق. النحاس: وحدّثنا عليّ بن سليمان، قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن عبد السلام النيسابوريّ، ثم لقيت عبد الله بن أحمد (هذا) فحدّثني، قال: حدّثني عمير بن المتوكل، قال: حدّثنا محمد بن موسى النوفلي من ولد حارث بن عبد المطلب، قال: حدّثنا عمرو بن جميع الكوفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن عليّ ـ وهو ابن الحسين ـ عن أبيه عن عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين، قال: لا أحصي كم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على منبره:إنَّ الحمدُ لله نحمده ونستعينهثم يقول:أنا أفصح قريش كلها وأفصحها بعدي أبان بن سعيد بن العاصقال أبو محمد الخفاف قال عمير: إعرابه عند أهل العربية والنحو «إنَّ الحمد لله» بالنصب إلا أن العرب تجعل «إن» في معنى نعم، كأنه أراد صلى الله عليه وسلم نعم الحمد لله؛ وذلك أن خطباء الجاهلية كانت تفتتح خطبها بنعم. وقال الشاعر في معنى نعم:

قالوا غَدَرْتَ فقلتُ إنّ وربَّمَانَالَ العُلاَ وشَفَى الغَليلَ الغادِرُ

وقال عبد الله بن قيس الرُّقيات:

بَكَرَ العواذلُ في الصَّباحِ يَلُمْنَني وأَلُومُهُنَّهْويَقلْنَ شيبٌ قد عَلاَكَ وقد كَبِرتَ فقلتُ إنَّهْ

فعلى هذا جائز أن يكون قول الله عز وجل: «إِنَّ هَذَانَ لَسَاحِرَانِ» بمعنى نعم ولا تنصب. قال النحاس: أنشدني داود بن الهيثم، قال أنشدني ثعلب:

ليت شعري هل للمحبِّ شفاءمن جَوَى حبّهن إنَّ اللقاءُ

قال النحاس: وهذا قول حسن إلا أن فيه شيئاً لأنه إنما يقال: نعم زيد خارج، ولا تكاد تقع اللام هاهنا، وإن كان النحويون قد تكلموا في ذلك فقالوا: اللام ينوى بها التقديم؛ كما قال:

خالِي لأنتَ ومَنْ جريرٌ خالُهيَنلِ العَلاَء ويُكْرِم الأَخوالاَ

قال آخر:

أُمُّ الْحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْتَرْضَى من الشَّاةِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ

أي لخالي ولأمّ الحليس؛ وقال الزجاج: والمعنى في الآية إن هذان لهما ساحران ثم حذف المبتدأ. المهدوي: وأنكره أبو عليّ وأبو الفتح بن جنيّ. قال أبو الفتح: «هما» المحذوف لم يحذف إلا بعد أن عُرِف، وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام، ويقبح أن تحذف المؤكَّد وتترك المؤكِّد. القول الثالث قاله الفراء أيضاً: وجدت الألف دعامة ليست بلام الفعل، فزدت عليها نوناً ولم أغيرها، كما قلت: «الذي» ثم زدت عليه نوناً فقلت: جاءني الذين عندك، ورأيت الذين عندك، ومررت بالذين عندك. القول الرابع قاله بعض الكوفيين؛ قال: الألف في «هذان» مشبهة بالألف في يفعلان؛ فلم تغير. القول الخامس: قال أبو إسحاق: النحويون القدماء يقولون الهاء هاهنا مضمرة، والمعنى: إنه هذان لساحران؛ قال ابن الأنباري: فأضمرت الهاء التي هي منصوب «إن» و«هذان» خبر «إن» و«ساحران» يرفعها «هما» المضمر (والتقدير) إنه هذان لهما ساحران. والأشبه عند أصحاب أهل هذا الجواب أن الهاء اسم «إن» و«هذان» رفع بالابتداء وما بعده خبر الابتداء. القول السادس: قال أبو جعفر النحاس وسألت أبا الحسن بن كيسان عن هذه الآية، فقال: إن شئت أجبتك بجواب النحويين، وإن شئت أجبتك بقولي؛ فقلت: بقولك؛ فقال: سألني إسماعيل بن إسحاق عنها فقلت: القول عندي أنه لما كان يقال «هذا» في موضع الرفع والنصب والخفض على حال واحدة، وكانت التثنية يجب ألا يغير لها الواحد، أجريت التثنية مجرى الواحد؛ فقال: ما أحسن هذا لو تقدمك أحد بالقول به حتى يؤنس به؛ قال ابن كيسان: فقلت له: فيقول القاضي به حتى يؤنس به؛ فتبسم.

قوله تعالى: {يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ} هذا من قول فِرعون للسحرة؛ أي غرضهما إفساد دينكم الذي أنتم عليه؛ كما قال فرعون:

{ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ }[غافر: 26]. ويقال: فلان حسن الطريقة أي حسن المذهب. وقيل: طريقة القوم أفضل القول؛ وهذا الذي ينبغي أن يسلكوا طريقته ويقتدوا به؛ فالمعنى: ويذهبا بسادتكم ورؤسائكم؛ استمالة لهم. أو يذهبا ببني إسرائيل وهم الأماثل وإن كانوا خولاً لكم لما يرجعون إليه من الانتساب إلى الأنبياء. أو يذهبا بأهل طريقتكم فحذف المضاف. و«المثلى» تأنيث الأمثل؛ كما يقال الأفضل والفضلى. وأنث الطريقة على اللفظ، وإن كان يراد بها الرجال. ويجوز أن يكون التأنيث على الجماعة. وقال الكسائي: «بطريقتكم» بسنتكم وسمتكم. و«المثلى» نعت كقولك امرأة كبرى. تقول العرب: فلان على الطريقة المثلى يعنون على الهدى المستقيم.

قوله تعالى: {فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ} الإجماع الإحكام والعزم على الشيء. تقول: أجمعت الخروج وعلى الخروج أي عزمت. وقراءة كل الأمصار «فَأَجْمِعُوا» إلا أبا عمرو فإنه قرأ «فَاجْمَعُوا» بالوصل وفتح الميم. واحتج بقوله: تعالى

{ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ }[طه: 60]. قال النحاس وفيما حُكي لي عن محمد بن يزيد أنه قال: يجب على أبي عمرو أن يقرأ بخلاف قراءته هذه، وهي القراءة التي عليها أكثر الناس. قال: لأنه احتج بـ«ـجمع» وقوله عز وجل: «فجمع كيده» قد ثبت هذا فيبعد أن يكون بعده «فَاجْمَعُوا» ويقرب أن يكون بعده «فَأَجْمِعُوا» أي اعزموا وجدّوا؛ ولما تقدم ذلك وجب أن يكون هذا بخلاف معناه يقال: أمر مجمع ومُجمَع عليه. قال النحاس: ويصحح قراءة أبي عمرو «فَاجْمَعُوا» أي اجمعوا كل كيد لكم وكل حيلة فضُمُّوه مع أخيه. وقاله أبو إسحاق. الثعلبي: القراءة بقطع الألف وكسر الميم لها وجهان: أحدهما: بمعنى الجمع، تقول: أجمعت الشيء وجمعته بمعنى واحد، وفي الصحاح: وأجمعت الشيء جعلته جميعاً؛ قال أبو ذؤيب يصف حُمُراً:

فكأنّها بالجِزْعِ بَيْنَ نُبَايِعٍوأولاتِ ذي العَرْجاءِ نَهْبٌ مُجمَعُ

أي مجموع. والثاني: أنه بمعنى العزم والإحكام؛ قال الشاعر:

يا ليت شِعرِي والمُنَى لا تَنفعُهل أغدُوَن يوماً وأمرِي مُجمَعُ

أي مُحكَم. {ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً} قال مقاتل والكلبي: جميعاً. وقيل: صفوفاً ليكون أشد لهيبتكم. وهو منصوب بوقوع الفعل عليه على قول أبي عبيدة؛ قال يقال: أتيت الصّف يعني المصلَّى؛ فالمعنى عنده ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه يوم العيد. وحكي عن بعض فصحاء العرب: ما قدرت أن آتي الصفّ؛ يعني المصلَّى. وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى ثم ائتوا والناس مصطفون؛ فيكون على هذا مصدراً في موضع الحال. ولذلك لم يجمع. وقرىء «ثُمِّ ايْتُوا» بكسر الميم وياء. ومن ترك الهمز أبدل من الهمزة ألفاً. {وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ} أي من غلب. وهذا كله من قول السحرة بعضهم لبعض. وقيل: من قول فرعون لهم.

قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ ۝٦٥ قَالَ بَلْ أَلْقُوا۟ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ ۝٦٦ فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةً مُّوسَىٰ ۝٦٧ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ ۝٦٨ وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوٓا۟ إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَيْدُ سَٰحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ ۝٦٩ فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ ۝٧٠ قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَٰفٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ ۝٧١

قوله تعالى: {قَالُواْ يٰمُوسَىٰ} يريد السحرة. {إِمَّآ أَن تُلْقِيَ} عصاك من يدك {وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ } تأدبوا مع موسى فكان ذلك سبب إيمانهم. {قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ} في الكلام حذف، أي فألقوا؛ دل عليه المعنى. وقرأ الحسن «وَعُصِيُّهُمْ» بضم العين. قال هارون القارىء: لغة بني تميم «وعُصِيُّهُمْ» وبها يأخذ الحسن. الباقون بالكسر اتباعاً لكسرة الصاد. ونحوه دُلِيّ ودِلِيّ وقُسي وقِسي. {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ}. وقرأ ابن عباس وأبو حيوة وابن ذكوان وروح عن يعقوب «تُخَيَّلُ» بالتاء؛ وردّوه إلى العصيّ والحبال إذ هي مؤنثة. وذلك أنهم لطخوا العصيّ بالزئبق، فلما أصابها حرّ الشمس ارتهشت واهتزّت. قال الكلبي: خُيّل إلى موسى أن الأرض حيّات وأنها تسعى على بطنها. وقرىء «تَخَيِّلُ» بمعنى تتخيل وطريقه طريق «تُخَيَّلُ» ومن قرأ «يُخَيَّلُ» بالياء رده إلى الكيد. وقرىء «نُخَيِّل» بالنون على أن الله هو المخيِّل للمحنة والابتلاء. وقيل: الفاعل «أَنَّهَا تَسْعَى» فـ«ـأنّ» في موضع رفع؛ أي يخيّل إليه سعيها؛ قاله الزجاج. وزعم الفراء أن موضعها موضع نصب؛ أي بأنها ثم حذف الباء. والمعنى في الوجه الأوّل: تشبّه إليه من سحرهم وكيدهم حتى ظن أنها تسعى. وقال الزجاج: ومن قرأ بالتاء جعل «أنّ» في موضع نصب أي تَخيّل إليه ذاتَ سعي. قال: ويجوز أن تكون في موضع رفع بدلاً من الضمير في «تخيّل» وهو عائد على الحبال والعصيّ، والبدل فيه بدل اشتمال. و«تسعى» معناه تمشي.

قوله تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ} أي أضمر. وقيل: وجد. وقيل: أحسّ. أي من الحيات وذلك على ما يعرض من طباع البشر على ما تقدم. وقيل: خاف أن يفتتن الناس قبل أن يلقي عصاه. وقيل: خاف حين أبطأ عليه الوحي بإلقاء العصا أن يفترق الناس قبل ذلك فيفتتنوا. وقال بعض أهل الحقائق: إنما كان السبب أن موسى عليه السلام لما التقى بالسحرة وقال لهم:

{ وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ }[طه: 61] التفت فإذا جبريل على يمينه فقال له يا موسى تَرفَّق بأولياء الله. فقال موسى: يا جبريل هؤلاء سحرة جاؤوا بسحر عظيم ليبطلوا المعجزة، وينصروا دين فرعون، ويردّوا دين الله، تقول: تَرفَّق بأولياء الله! فقال جبريل: هم من الساعة إلى صلاة العصر عندك، وبعد صلاة العصر في الجنة. فلما قال له ذلك، أُوجس في نفس موسى، وخَطَر أن ما يُدريني ما عِلْم الله فيّ، فلعلّي أكون الآن في حالة، وعِلْم الله فيّ على خلافها كما كان هؤلاء. فلمّا علم الله ما في قلبه أوحى الله إليه {لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ} أي الغالب لهم في الدنيا، وفي الدرجات العلا في الجنة؛ للنبوّة والاصطفاء الذي آتاك الله به. وأصل «خِيفة» خِوْفة فَانقلبت الواو ياء لانكسار الخاء.

قوله تعالى: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ} ولم يقل وألق عصاك، فجائز أن تكون تصغيراً لها؛ أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيّهم، وألق العُوَيد الفَرْد الصغير الجِرْم الذي في يمينك، فإنه بقدرة الله يتلقّفها على وحدته وكثرتها، وصغره وعظمها. وجائز أن يكون تعظيماً لها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكثيرة الكبيرة فإن في يمينك شيئاً أعظم منها كلها، وهذه على كثرتها أقل شيء وأنزره عندها؛ فألقه يتلقّفها بإذن الله ويمحقها. و«تَلَقَّفْ» بالجزم جواب الأمر؛ كأنه قال: إن تلقه تتلقّف؛ أي تأخذ وتبتلع. وقرأ السُّلَميّ وحفص «تَلْقَفْ» ساكنة اللام من لَقِف يَلْقَف لَقْفَا. وقرأ ابن ذكوان وأبو حيوة الشامي ويحيـى بن الحرث «تَلْقَفُ» بحذف التاء ورفع الفاء، على معنى فإنها تتلقف. والخطاب لموسى. وقيل: للعصا. واللقْف الأخذ بسرعة. يقال: لَقفتُ الشيء (بالكسر) ألقَفه لَقْفَا، وتلقّفته أيضاً أي تناولته بسرعة. عن يعقوب: يقال رجل لَقِف ثَقِف أي خفيف حاذق. واللَّقَف (بالتحريك) سقوط الحائط. ولقد لقِف الحوضُ لَقَفا أي تَهوّر من أسفله واتسع. وتَلْقف وتَلقَم وتَلهَم بمعنى. وقد مضى في «الأعراف». لقِمت اللُّقمة (بالكسر) لَقْما، وتَلقّمتها إذا ابتلعتها في مهلة. وكذلك لَهِمه (بالكسر) إذا ابتلعه. {مَا صَنَعُوۤاْ} أي الذي صنعوه وكذا {إِنَّمَا صَنَعُواْ} أي إن الذي صنعوه. {كَيْدُ} بالرفع «سِحْرٍ» بكسر السين وإسكان الحاء؛ وهي قراءة الكوفيين إلا عاصماً. وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون الكيد مضافاً إلى السحر على الإتباع من غير تقدير حذف. والثاني: أن يكون في الكلام حذف أي كيد ذي سحر. وقرأ الباقون «كَيْدَ» بالنصب بوقوع الصنع عليه، و«ما» كافة ولا تضمر هاءً «ساحِرٍ» بالإضافة. والكيد في الحقيقة على هذه القراءة مضاف للساحر لا للسحر. ويجوز فتح «أنّ» على معنى لأن ما صنعوا كيد ساحر. {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ} أي لا يفوز ولا ينجو حيث أتى من الأرض. وقيل: حيث احتال. وقد مضى في «البقرة» حكم الساحر ومعنى السحر فتأمله هناك.

قوله تعالى: {فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً} لما رأوا من عظيم الأمر وخرق العادة في العصا؛ فإنها ابتلعت جميع ما احتالوا به من الحبال والعصيّ؛ وكانت حمل ثلاثمائة بعير ثم عادت عصاً لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال والعصيّ إلا الله تعالى. وقد مضى في «الأعراف» هذا المعنى وأمر العصا مستوفى. {قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ. قَالَ آمَنتُمْ لَهُ} أي به؛ يقال: آمن له وآمن به؛ ومنه

{ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ }[العنكبوت: 26] وفي الأعراف {قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ}. إنكار منه عليهم؛ أي تعديتم وفعلتم ما لم آمركم به. {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ}. أي رئيسكم في التعليم، وإنما غلبكم لأنه أحذق به منكم. وإنما أراد فرعون بقوله هذا ليشبه على الناس حتى لا يتبعوهم فيؤمنوا كإيمانهم، وإلا فقد علم فرعون أنهم لم يتعلموا من موسى، بل قد علموا السحر قبل قدوم موسى وولادته. {فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} أي على جذوع النخل. قال سويد بن أبي كاهل:

هُم صَلَبُوا العبديّ في جذع نخلةٍفلا عَطَستْ شيبانُ إلا بأَجْدَعَا

فقطّع وصلّب حتى ماتوا رحمهم الله تعالى. وقرأ ابن محيصن هنا وفي الأعراف «فَلأَقْطَعَنَّ»، و«لأَصْلِبَنَّكُمْ» بفتح الألف والتخفيف من قَطَع وصَلَب. {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ} يعني أنا أم ربُّ موسى.

قَالُوا۟ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِى فَطَرَنَا فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِى هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ ۝٧٢ إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰٓ ۝٧٣ إِنَّهُۥ مَن يَأْتِ رَبَّهُۥ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ ۝٧٤ وَمَن يَأْتِهِۦ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلْعُلَىٰ ۝٧٥ جَنَّٰتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ۝٧٦

قوله تعالى: {قَالُواْ} يعني السحرة {لَن نُّؤْثِرَكَ} أي لن نختارك {عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ} قال ابن عباس: يريد من اليقين والعلم. وقال عكرمة وغيره: لما سجدوا أراهم الله في سجودهم منازلهم في الجنة؛ فلهذا قالوا: {لَن نُّؤْثِرَكَ}. وكانت امرأة فرعون تسأل من غلب، فقيل لها: غلب موسى وهارون؛ فقالت: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة فإن مضت على قولها فألقوها عليها؛ فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء فأبصرت منزلها في الجنة، فمضت على قولها فانتزع روحها، وألقيت الصخرة على جسدها وليس في جسدها روح. وقيل: قال مقدّم السّحرة لمن يثق به لما رأى من عصا موسى ما رأى: انظر إلى هذه الحية هل تخوفت فتكون جنياً أو لم تتخوف فهي من صنعة الصانع الذي لا يعزب عليه مصنوع؛ فقال: ما تخوفت؛ فقال: آمنت برب هارون وموسى. {وَٱلَّذِي فَطَرَنَا} قيل: هو معطوف على {مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ} أي لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ولا على الذي فطرنا أي خلقنا. وقيل: هو قسم أي والله لن نؤثرك. {فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ} التقدير ما أنت قاضيه. وليست «ما» هاهنا التي تكون مع الفعل بمنزلة المصدر؛ لأن تلك توصل بالأفعال، وهذه موصولة بابتداء وخبر. قال ابن عباس: فاصنع ما أنت صانع. وقيل: فاحكم ما أنت حاكم؛ أي من القَطْع والصَّلْب. وحذفت الياء من قاض في الوصل لسكونها وسكون التنوين. واختار سيبويه إثباتها في الوقف لأنه قد زالت علة التقاء الساكنين. {إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ} أي إنما ينفذ أمرك فيها. وهي منصوبة على الظرف، والمعنى: إنما تقضي في متاع هذه الحياة الدنيا. أو وقت هذه الحياة الدنيا، فتقدر حذف المفعول. ويجوز أن يكون التقدير: إنما تقضي أمور هذه الحياة الدنيا، فتنتصب انتصاب المفعول و«ما» كافة لإنّ. وأجاز الفراء الرفع على أن تجعل «ما» بمعنى الذي وتحذف الهاء من تقضي ورفعت «هذه الحياة الدنيا». {إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا} أي صدقنا بالله وحده لا شريك له وما جاءنا به موسى {لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا} يريدون الشِّرْك الذي كانوا عليه. {وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ} «ما» في موضع نصب معطوفة على الخطايا. وقيل: لا موضع لها وهي نافية؛ أي ليغفر لنا خطايانا من السّحر وما أكرهتنا عليه. النحاس: والأول أولى. المهدوي: وفيه بعدٌ؛ لقولهم:

{ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ }[الشعراء: 41] وليس هذا بقول مُكْرَهين؛ ولأن الإكراه ليس بذنب، وإن كان يجوز أن يكونوا أكرهوا على تعليمه صغاراً. قال الحسن: كانوا يعلَّمون السحر أطفالاً ثم عملوه مختارين بعد. ويجوز أن تكون «ما» في موضع رفع بالابتداء ويضمر الخبر، والتقدير: وما أكرهتنا عليه من السحر موضوع عنَّا. و«من السحر» على هذا القول والقول الأوّل يتعلق بـ«ـأكرهتنا». وعلى أنّ «ما» نافية يتعلق بـ«ـخطايانا». {وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} أي ثوابه خير وأبقى فحذف المضاف؛ قاله ابن عباس. وقيل: الله خير لنا منك وأبقى عذاباً لنا من عذابك لنا. وهو جواب قوله: { وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ }[طه: 71] وقيل: الله خير لنا إن أطعناه، وأبقى عذاباً منك إن عصيناه.

قوله تعالى: {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً} قيل: هو من قول السحرة لما آمنوا. وقيل: ابتداء كلام من الله عز وجل. والكناية في «إنه» ترجع إلى الأمر والشأن. ويجوز إنّ من يأت، ومنه قول الشاعر:

إنّ من يَدخلِ الكنيسة يوماًيلْقَ فيها جآذِراً وظبَاءَ

أراد إنه من يدخل؛ أي إن الأمر هذا؛ وهو أن المجرم يدخل النار، والمؤمن يدخل الجنة. والمجرم الكافر. وقيل: الذي يقترف المعاصي ويكتسبها. والأول أشبه؛ لقوله: {فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ} وهذه صفة الكافر المكذّب الجاحد ـ على ما تقدم بيانه في سورة «النّساء» وغيرها ـ فلا ينتفع بحياته ولا يستريح بموته. قال الشاعر:

ألا مَنْ لنفس لا تموت فينقضيشقاها ولا تحيا حياةً لها طَعْمُ

وقيل: نفس الكافر معلقة في حنجرته؛ كما أخبر الله تعالى عنه فلا يموت بفراقها، ولا يحيا باستقرارها. ومعنى {مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً} من يأت موعد ربه. ومعنى {وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً} أي يمت عليه ويوافيه مصدقاً به. {قَدْ عَمِلَ} أي وقد عمل {ٱلصَّالِحَاتِ} أي الطاعات وما أمر به ونهي عنه. {فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ} أي الرفيعة التي قصرت دونها الصفات. ودل قوله: {وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً} على أن المراد بالمجرم المشرك.

قوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} بيان للدرجات وبدل منها، والعَدْن الإِقامة؛ وقد تقدم بيانه. {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا} أي من تحت غرفها وسررها {ٱلأَنْهَارُ} من الخمر والعسل واللبن والماء وقد تقدم. {خَالِدِينَ فِيهَا} أي ماكثين دائمين. {وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ} أي من تطهّر من الكفر والمعاصي. ومن قال هذا من قول السّحرة قال: لعل السّحرة سمعوه من موسى، أو من بني إسرائيل إذ كان فيهم بمصر أقوام، وكان فيهم أيضاً المؤمن من آل فرعون.

قلت: ويحتمل أن يكون ذلك إلهاماً من الله لهم أنطقهم بذلك لما آمنوا؛ والله أعلم.

وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى ٱلْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَٰفُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ ۝٧٧ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ۝٧٨ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ۝٧٩

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي} تقدم الكلام في هذا مستوفى. {فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً} أي يابساً لا طين فيه ولا ماء؛ وقد مضى في «البقرة» ضرب موسى البحر وكنيته إياه، وإغراق فرعون فلا معنى للإعادة. {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً} أي لحاقاً من فرعون وجنوده. {وَلاَ تَخْشَىٰ} قال ابن جريج قال أصحاب موسى له: هذا فرعون قد أدركنا، وهذا البحر قد غشينا، فأنزل الله تعالى {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ} أي لا تخاف دركاً من فرعون ولا تخشى غرقاً من البحر أن يَمسَّك إن غشيك. وقرأ حمزة «لا تخف» على أنه جواب الأمر. التقدير إن تضرب لهم طريقاً في البحر لا تخف. و«لا تخشى» مستأنف على تقدير: ولا أنت تخشى. أو يكون مجزوماً والألف مشبعة من فتحة؛ كقوله:

{ فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ } [الأحزاب: 67] أو يكون على حدّ قول الشاعر:

كَأنْ لَم تَرَى قَبْلي أسِيراً يَمانِيَا

على تقدير حذف الحركة كما تحذف حركة الصحيح. وهذا مذهب الفراء. وقال آخر:

هَجوت زَبَّان ثم جئتَ معتذراًمن هجوِ زَبَّانَ لَمْ تَهْجُو ولَمْ تَدَعِ

وقال آخر:

أَلَمْ يأتيكَ والأنباءُ تَنْمِيبِما لاَقَتْ لَبُون بَنيِ زِيَادِ

قال النحاس: وهذا من أقبح الغلط أن يحمل كتاب الله عز وجل على الشذوذ من الشعر؛ وأيضاً فإن الذي جاء به من الشعر لا يشبه من الآية شيئاً؛ لأن الياء والواو مخالفتان للألف؛ لأنهما تتحركان والألف لا تتحرك، وللشاعر إذا اضطر أن يقدرهما متحركتين ثم تحذف الحركة للجزم، وهذا محال في الألف؛ والقراءة الأولى أبين لأن بعده «وَلاَ تَخْشَى» مجمع عليه بلا جزم؛ وفيها ثلاث تقديرات: الأول: أن يكون «لا تخاف» في موضع الحال من المخاطب، التقدير فاضرب لهم طريقاً في البحر يبسا غير خائف ولا خاشٍ. الثاني: أن يكون في موضع النعت للطريق؛ لأنه معطوف على يبس الذي هو صفة، ويكون التقدير لا تخاف فيه؛ فحذف الراجع من الصفة. والثالث: أن يكون منقطعاً خبر ابتداء محذوف تقديره: وأنت لا تخاف.

قوله تعالى: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ} أي أتبعهم ومعه جنوده، وقرىء «فَاتَّبَعَهُمْ» بالتشديد فتكون الباء في {بِجُنُودِهِ} عدّت الفعل إلى المفعول الثاني؛ لأن اتبع يتعدى إلى مفعول واحد. أي تبعهم ليلحقهم بجنوده أي مع جنوده كما يقال: ركب الأمير بسيفه أي مع سيفه. ومن قطع «فأتبع» يتعدى إلى مفعولين: فيجوز أن تكون الباء زائدة، ويجوز أن يكون اقتصر على مفعول واحد. يقال: تبعه وأتبعه ولحِقه وألحقه بمعنى واحد. وقوله: «بِجنودِهِ» في موضع الحال؛ كأنه قال: فأتبعهم سائقاً جنوده. {فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} أي أصابهم من البحر ما غرّقهم، وكرر على معنى التعظيم والمعرفة بالأمر. {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ} أي أضلّهم عن الرشد وما هداهم إلى خير ولا نجاة؛ لأنه قدّر أن موسى عليه السلام ومن معه لا يفوتونه؛ لأن بين أيديهم البحر. فلما ضرب موسى البحر بعصاه انفلق منه اثنا عشر طريقاً، وبين الطرق الماء قائماً كالجبال. وفي سورة الشعراء

{ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ }[الشعراء: 63] أي الجبل الكبير؛ فأخذ كل سِبْط طريقاً. وأوحى الله إلى أطواد الماء أَنْ تَشَبَّكي فصارت شبكات يرى بعضهم بعضاً، ويسمع بعضهم كلام بعض، فكان هذا من أعظم المعجزات، وأكبر الآيات، فلما أقبل فرعون ورأى الطرق في البحر والماء قائماً أوهمهم أن البحر فعل هذا لهيبته، فدخل هو وأصحابه فانطبق البحر عليهم. وقيل إن قوله: {وَمَا هَدَىٰ} تأكيد لإضلاله إياهم. وقيل: هو جواب قول فرعون { مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ }[غافر: 29] فكذَّبه الله تعالى. وقال ابن عباس: {وَمَا هَدَىٰ} أي ما هدى نفسه بل أهلك نفسه وقومه.

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَٰكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَٰعَدْنَٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۝٨٠ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ وَلَا تَطْغَوْا۟ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ ۝٨١ وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحًا ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ ۝٨٢

قوله تعالى: {يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ} لما أنجاهم من فرعون قال لهم هذا ليشكروه. {وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ} «جانب» نصب على المفعول الثاني «لواعدنا» ولا يحسن أن ينتصب على الظرف؛ لأنه ظرف مكان محض غير مبهم. وإنما تتعدى الأفعال والمصادر إلى ظروف المكان بغير حرف جر إذا كانت مبهمة. قال مكيّ: هذا أصل لا خلاف فيه؛ وتقدير الآية: وواعدناكم إتيان جانب الطُّور؛ ثم حذف المضاف. قال النحاس: أي أمرنا موسى أن يأمركم بالخروج معه ليكلمه بحضرتكم فتسمعوا الكلام. وقيل: وعد موسى بعد إغراق فرعون أن يأتي جانب الطور الأيمن فيؤتيه التوراة، فالوعد كان لموسى ولكن خوطبوا به لأن الوعد كان لأجلهم. وقرأ أبو عمرو «وَوَعَدْنَاكُمْ» بغير ألف واختاره أبو عبيد؛ لأن الوعد إنما هو من الله تعالى لموسى خاصة، والمواعدة لا تكون إلا من اثنين؛ وقد مضى في «البقرة» هذا المعنى. و«الأَيْمَنَ» نصب؛ لأنه نعت للجانب وليس للجبل يمين ولا شمال، فإذا قيل: خذ عن يمين الجبل فمعناه خذ على يمينك من الجبل. وكان الجبل على يمين موسى إذ أتاه. {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} أي في التِّيه وقد تقدّم القول فيه. {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} أي من لذيذ الرزق. وقيل: من حلاله إذ لا صنع فيه لآدمي فتدخله شبهة. {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ} أي لا تحملنكم السعة والعافية أن تعصوا؛ لأن الطغيان التجاوز إلى ما لا يجوز. وقيل: المعنى؛ أي لا تكفروا النعمة ولا تنسوا شكر النعم ولا شكر المنعم بها عليكم. وقيل: أي ولا تستبدلوا بها شيئاً آخر كما قال:

{ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ }[البقرة: 61]. وقيل: لا تدّخروا منه لأكثر من يوم وليلة؛ قال ابن عباس: فيتدوّد عليهم ما ادخروه؛ ولولا ذلك ما تدوّد طعام أبداً. {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} أي يجب وينزل، وهو منصوب بالفاء في جواب النهي من قوله: {وَلاَ تَطْغَوْاْ}. {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ} قرأ الأعمش ويحيـى بن وثاب والكسائي «فَيَحُلَّ» بضم الحاء «وَمَنْ يَحْلُلْ» بضم اللام الأولى. والباقون بالكسر وهما لغتان. وحكى أبو عبيدة وغيره: أنه يقال: حَلّ يحِلّ إذا وجب وحَلّ يَحُلّ إذا نزل. وكذا قال الفراء: الضم من الحلول بمعنى الوقوع والكسر من الوجوب. والمعنيان متقاربان إلا أن الكسر أولى؛ لأنهم قد أجمعوا على قوله: { وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ }[هود: 39]. وغضب الله عقابه ونقمته وعذابه. {فَقَدْ هَوَىٰ} قال الزجاج: فقد هلك؛ أي صار إلى الهاوية وهي قعر النار، من هوى يهوي هوياً أي سقط من علو إلى سفل، وهوى فلان أي مات. وذكر ابن المبارك: أخبرنا إسماعيل بن عياش قال: حدثنا ثعلبة بن مسلم عن أيوب بن بشير عن شُفَيّ الأصبحيّ قال: إن في جهنم جبلاً يدعى صَعُوداً يطلع فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يرقاه؛ قال الله تعالى: { سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً }[المدثر: 17] وإن في جهنم قصراً يقال له هَوَى يُرمى الكافر من أعلاه فيهوي أربعين خريفاً قبل أن يبلغ أصله قال الله تعالى: {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ} وذكر الحديث؛ وقد ذكرناه في كتاب «التذكرة».

قوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ} أي من الشرك. {وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} أي أقام على إيمانه حتى مات عليه؛ قاله سفيان الثوري وقتادة وغيرهما. وقال ابن عباس: أي لم يشكّ في إيمانه؛ ذكره الماوردي والمهدوي. وقال سهل بن عبد الله التُّستَريّ وابن عباس أيضاً: أقام على السنّة والجماعة؛ ذكره الثعلبي. وقال أنس: أخذ بسنّة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ذكر المهدوي، وحكاه الماوردي عن الربيع بن أنس. وقول خامس: أصاب العمل؛ قاله ابن زيد؛ وعنه أيضاً تعلم العلم ليهتدي كيف يفعل؛ ذكر الأوّل المهدوي، والثاني الثعلبيّ. وقال الشعبيّ ومقاتل والكلبيّ: علم أن لذلك ثواباً وعليه عقاباً؛ وقاله الفراء. وقول ثامن: «ثم اهتدى» في ولاية أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؛ قاله ثابت البُنَانِي. والقول الأول أحسن هذه الأقوال ـ إن شاء الله ـ وإليه يرجع سائرها. قال وكيع عن سفيان: كنا نسمع في قوله عز وجل: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ} أي من الشِّرك {وَآمَنَ} أي بعد الشِّرك {وَعَمِلَ صَالِحَاً} صلّى وصام {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} مات على ذلك.

الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ