انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة طه

تفسير القرطبيالآيات 83–119

تفسير سورة طه آية آية، من تفسير القرطبي.

وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَٰمُوسَىٰ ۝٨٣ قَالَ هُمْ أُو۟لَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ ۝٨٤ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنۢ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ ۝٨٥ فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَٰنَ أَسِفًا قَالَ يَٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى ۝٨٦ قَالُوا۟ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ ۝٨٧ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُۥ خُوَارٌ فَقَالُوا۟ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِىَ ۝٨٨ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۝٨٩

قوله تعالى: {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ } أي ما حملك على أن تسبقهم. قيل: عنى بالقوم جميع بني إسرائيل؛ فعلى هذا قيل: استخلف هارون على بني إسرائيل، وخرج معه بسبعين رجلاً للميقات. فقوله: {هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي} ليس يريد أنهم يسيرون خلفه متوجهين إليه، بل أراد أنهم بالقرب مني ينتظرون عودي إليهم. وقيل: لا بل كان أمر هارون بأن يتبع في بني إسرائيل أثره ويلتحقوا به. وقال قوم: أراد بالقوم السبعين الذين اختارهم، وكان موسى لما قرب من الطور سبقهم شوقاً إلى سماع كلام الله (عز وجل). وقيل: لما وفد إلى طورسينا بالوعد اشتاق إلى ربه، وطالت عليه المسافة من شدّة الشوق إلى الله تعالى، فضاق به الأمر حتى شقّ قميصه، ثم لم يصبر حتى خلّفهم ومضى وحده؛ فلما وقف في مقامه قال الله تبارك وتعالى: {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ } فبقي صلى الله عليه وسلم متحيراً عن الجواب لهذه الكلمة لمّا استقبله من صدق الشوق فأعرض عن الجواب وكنى عنه بقوله: {هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي} وإنما سأله عن السبب الذي أعجله بقوله: «ما» فأخبر عن مجيئهم بالأثر. ثم قال: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} فكنى عن ذكر الشوق وصدقه إلى ابتغاء الرضا. ذكر عبد الرزاق عن مَعْمَر عن قتادة في قوله: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} قال: شوقاً. وكانت عائشة رضي الله عنها إذا أوت إلى فراشها تقول: هاتوا المجيد. فتؤتى بالمصحف فتأخذه في صدرها وتنام معه تتسلى بذلك؛ رواه سفيان عن مِسْعَر عن عائشة رضي الله عنها.

وكان عليه الصلاة والسلام إذا أمطرت السماء خلع ثيابه وتجرد حتى يصيبه المطر ويقول: «إنه حديث عهد بربّي»فهذا من الرسول صلى الله عليه وسلم وممن بعده من قبيل الشوق؛ ولذلك قال الله تبارك اسمه فيما يروى عنه: طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشوق. وقال ابن عباس: كان الله عالماً ولكن قال {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ} رحمة لموسى، وإكراماً له بهذا القول، وتسكيناً لقلبه، ورقة عليه؛ فقال مجيباً لربه: {هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي}. قال أبو حاتم قال عيسى: بنو تميم يقولون: «هُمْ أولَى» مقصورة مرسلة، وأهل الحجاز يقولون «أولاءِ» ممدودة. وحكى الفراء «هُمْ أَولاَيَ عَلَى أَثَرِي» وزعم أبو إسحاق الزجاج: أن هذا لا وجه له. قال النحاس: وهو كما قال؛ لأن هذا ليس مما يضاف فيكون مثل هُدَايَ. ولا يخلو من إحدى جهتين: إما أن يكون اسماً مبهماً فإضافته محال؛ وإما أن يكون بمعنى الذين فلا يضاف أيضاً؛ لأن ما بعده من تمامه وهو معرفة. وقرأ ابن أبي إسحاق ونصر ورويس عن يعقوب «على إِثْرِي» بكسر الهمزة وإسكان الثاء وهو بمعنى أثر؛ لغتان. {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} أي عجلت إلى الموضع الذي أمرتني بالمصير إليه لترضى عنّي. يقال: رَجُلٌ عجِلٌ وعَجُلٌ وعَجُولٌ وعَجْلاَنُ بين العَجَلة؛ والعَجَلة خلاف البطء.

قوله تعالى: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ} أي اختبرناهم وامتحنّاهم بأن يستدلوا على الله عز وجل. {وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ} أي دعاهم إلى الضلالة أو هو سببها. وقيل: فتناهم ألقيناهم في الفتنة: أي زيّنا لهم عبادة العجل؛ ولهذا قال موسى:

{ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ }[الأعراف: 155]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان السامريّ من قوم يعبدون البقر، فوقع بأرض مصر فدخل في دين بني إسرائيل بظاهره، وفي قلبه ما فيه من عبادة البقر. وقيل: كان رجلاً من القبط، وكان جاراً لموسى آمن به وخرج معه. وقيل: كان عظيماً من عظماء بني إسرائيل، من قبيلة تعرف بالسامرة وهم معروفون بالشام. قال سعيد بن جبير: كان من أهل كرمان.

قوله تعالى: {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} حال وقد مضى في «الأعراف» بيانه مستوفى. {قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} وعدهم عز وجل الجنة إذا أقاموا على طاعته، ووعدهم أنه يسمعهم كلامه في التوراة على لسان موسى؛ ليعملوا بما فيها فيستحقوا ثواب عملهم. وقيل: وعدهم النصر والظفر. وقيل: وعده قوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ} الآية. {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ} أي أفنسيتم؛ كما قيل؛ والشيء قد ينسى لطول العهد. {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ} «يحلّ» أي يجب وينزل. والغضب العقوبة والنقمة. والمعنى: أم أردتم أن تفعلوا فعلاً يكون سبب حلول غضب الله بكم؛ لأن أحداً لا يطلب غضب الله، بل قد يرتكب ما يكون سبباً للغضب. {فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي} لأنهم وعدوه أن يقيموا على طاعة الله عز وجل إلى أن يرجع إليهم من الطّور. وقيل: وعدهم على أثره للمقيات فتوقفوا. {قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} بفتح الميم، وهي قراءة نافع وعاصم وعيسى بن عمر. قال مجاهد والسدي: ومعناه بطاقتنا. ابن زيد: لم نملك أنفسنا أي كنا مضطرين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «بِمِلْكِنَا» بكسر الميم. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأنها اللغة العالية. وهو مصدر ملكت الشيء أملكه ملْكا. والمصدر مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف؛ كأنه قال: بمِلْكنا الصواب بل أخطأنا فهو اعتراف منهم بالخطأ. وقرأ حمزة والكسائي «بِمُلْكنا» بضم الميم والمعنى بسلطاننا. أي لم يكن لنا مُلك فنخلف موعدك. ثم قيل قوله: «قَالُوا» عام يراد به الخاص؛ أي قال الذين ثبتوا على طاعة الله إلى أن يرجع إليهم من الطور: {مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} وكانوا اثني عشر ألفا، وكان جميع بني إسرائيل ستمائة ألف. {وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ} بضم الحاء وتشديد الميم مكسورة؛ قرأه نافع وابن كثير وابن عامر وحفص ورويس. الباقون بفتح الحرفين خفيفة. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأنهم حملوا حُلي القوم معهم وما حملوه كرهاً. {أَوْزَاراً} أي أثقالاً {مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ} أي من حليّهم؛ وكانوا استعاروه حين أرادوا الخروج مع موسى عليه السلام، وأوهموهم أنهم يجتمعون في عيد لهم أو وليمة. وقيل: هو ما أخذوه من آل فرعون، لما قذفهم البحر إلى الساحل. وسميت أوزاراً بسبب أنها كانت آثاماً. أي لم يحلّ لهم أخذها ولم تحل لهم الغنائم، وأيضاً فالأوزار هي الأثقال في اللغة. {فَقَذَفْنَاهَا} أي ثقل علينا حمل ما كان معنا من الحليّ فقذفناه في النار ليذوب، أي طرحناه فيها. وقيل: طرحناه إلى السامريّ لترجع فترى فيها رأيك. قال قتادة: إن السامري قال لهم حين استبطأ القومُ موسى: إنما احتبس عليكم من أجل ما عندكم من الحليّ؛ فجمعوه ودفعوه إلى السامريّ فرمى به في النار، وصاغ لهم منه عجلاً، ثم ألقى عليه قبضة من أثر فرس الرسول وهو جبريل عليه السلام. وقال معمر: الفرس الذي كان عليه جبريل هو الحياة، فلما ألقى عليه القبضة صار عجلاً جسداً له خُوار. والخُوار صوت البقر. وقال ابن عباس: لما انسكبت الحليّ في النار، جاء السامريّ وقال لهارون: يا نبيّ الله أؤلقي ما في يدي ـ وهو يظن أنه كبعض ما جاء به غيره من الحليّ ـ فقذف التراب فيه، وقال: كن عجلاً جسداً له خُوار، فكان كما قال؛ للبلاء والفتنة؛ فخار خَورة واحدة لم يُتبعها مثلها. وقيل: خُواره وصوته كان بالريح؛ لأنه كان عمل فيه خروقاً فإذا دخلت الريح في جوفه خار ولم تكن فيه حياة. وهذا قول مجاهد. وعلى القول الأوّل كان عجلاً من لحم ودم، وهو قول الحسن وقتادة والسديّ. وروى حماد عن سِماك عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: مرّ هارون بالسامريّ وهو يصنع العجل، فقال: ما هذا؟ فقال: ينفع ولا يضر؛ فقال: اللهم أعطه ما سألك على ما في نفسه؛ فقال: اللهم إني أسألك أن يخور. وكان إذا خار سجدوا، وكان الخوار من أجل دعوة هارون. قال ابن عباس: خار كما يخور الحيّ من العجول. وروي أن موسى قال: يا رب هذا السامريّ أخرج لهم عجلاً جسداً له خُوار من حليّهم، فمن جعل الجسد والخوار؟ قال الله تبارك وتعالى: أنا. قال موسى صلى الله عليه وسلم: وعزتك وجلالك وارتفاعك وعلوك وسلطانك ما أضلّهم غيرُك. قال: صدقت يا حكيم الحكماء. وقد تقدّم هذا كله في سورة «الأعراف». {فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ} أي قال السامريّ ومن تبعه وكانوا ميالين إلى التّشبيه؛ إذ قالوا:

{ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ }[الأعراف: 138]. {فَنَسِيَ} أي فضلّ موسى (وذهب) يطلبه فلم يعلم مكانه، وأخطأ الطريق إلى ربه. وقيل: معناه: فتركه موسى هنا وخرج يطلبه. أي ترك موسى إلهه هنا. وروى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: أي فنسي موسى أن يذكر لكم أنه إلهه. وقيل: الخطاب خبر عن السامريّ. أي ترك السامريّ ما أمره به موسى من الإيمان فضل؛ قاله ابن الأعرابيّ. فقال الله تعالى محتجاً عليهم: {أَفَلاَ يَرَوْنَ} أي يعتبرون ويتفكرون في {أنـ}ـه {لاَ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً} أي لا يكلمهم. وقيل: لا يعود إلى الخوار والصوت. {وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} فكيف يكون إلٰهاً؟! والذي يعبده موسى صلى الله عليه وسلم يضر وينفع ويثيب ويعطي ويمنع. «أَنْ لاَ يَرْجِعُ» تقديره أنه لا يرجع فلذلك ارتفع الفعل فخففت «أن» وحذف الضمير. وهو الاختيار في الرؤية والعلم والظن. قال:

في فتيةٍ من سيوف الهند قد علمواأَنْ هالكٌ كلُّ من يَحْفَى ويَنْتَعِلُ

وقد يحذف مع التشديد؛ قال:

فلو كنتَ ضَبِّيًّا عرفتَ قَرَابتيولكنَّ زنجيٌّ عظيمُ المشافِرِ

أي ولكنك.

وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَٰرُونُ مِن قَبْلُ يَٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَٰنُ فَٱتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوٓا۟ أَمْرِى ۝٩٠ قَالُوا۟ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ ۝٩١ قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوٓا۟ ۝٩٢ أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ۝٩٣

قوله تعالى: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ} أي من قبل أن يأتي موسى ويرجع إليهم {يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ} أي ابتليتم وأضللتم به؛ أي بالعجل {وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} لا العجل {فَٱتَّبِعُونِي} في عبادته {وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي} لا أمر السامريّ. أو فاتبعوني في مسيري إلى موسى ودعوا العجل؛ فعصوه و{قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ} أي لن نزال مقيمين على عبادة العجل {حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ} فننظر هل يعبده كما عبدناه؛ فتوهموا أن موسى يعبد العجل، فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل، فلما رجع موسى وسمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل قال للسبعين معه: هذا صوت الفتنة؛ فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله غضباً و{قَالَ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ } أي أخطأوا الطريق وكفروا. {أَلاَّ تَتَّبِعَنِ} «لا» زائدة أي أن تتبع أمري ووصيتي. وقيل: ما منعك عن اتباعي في الإنكار عليهم. وقيل: معناه هلاّ قاتلتهم إذ قد علمت أني لو كنت بينهم لقاتلتهم على كفرهم. وقيل: ما منعك من اللحوق بي لما فُتنوا. {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} يريد أن مقامك بينهم وقد عبدوا غير الله تعالى عصيان منك لي؛ قاله ابن عباس. وقيل: معناه هلاّ فارقتهم فتكون مفارقتك إياهم تقريعاً لهم وزجراً. ومعنى {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} قيل: إن أمره ما حكاه الله تعالى عنه

{ وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ }[الأعراف: 142] فلما أقام معهم، ولم يبالغ في منعهم، والإنكار عليهم، نسبه إلى عصيانه ومخالفة أمره.

مسألة: وهذا كله أصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتغييره ومفارقة أهله، وأن المقيم بينهم لا سيما إذا كان راضياً حكمه كحكمهم. وقد مضى هذا المعنى في آل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال. وسئل الإمام أبو بكر الطُّرْطوشي رحمه الله: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ وأُعلِم ـ حرس الله مدته ـ أنه اجتمع جماعة من رجال، فيكثرون من ذكر الله تعالى، وذكر محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشياً عليه، ويحضرون شيئاً يأكلونه. هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين، وهذا القول الذي يذكرونه:

يا شيخُ كُفَّ عن الذُّنوبْقبلَ التَّفرُّق والزَّلَلْ واعْمَلْ لنفسكَ صالحاًما دام ينفعك العَملْ أمّا الشبابُ فقد مَضَىومَشيبُ رأسكَ قد نَزلْ

وفي مثل هذا ونحوه. الجواب: ـ يرحمك الله ـ مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامريّ، لما اتخذ لهم عجلاً جسداً له خُوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون؛ فهو دين الكفار وعبّاد العجل؛ وأما القضيب فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى؛ وإنما كان يجلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار؛ فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من الحضور في المساجد وغيرها؛ ولا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يَحضُر معهم، ولا يعينهم على باطلهم؛ هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين وبالله التوفيق.

قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِىٓ إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى ۝٩٤ قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَٰسَٰمِرِىُّ ۝٩٥ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا۟ بِهِۦ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى ۝٩٦ قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُۥ وَٱنظُرْ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفًا ۝٩٧ إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۝٩٨

قوله تعالى: {يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} ابن عباس: أخذ شعره بيمينه ولحيته بيساره؛ لأن الغيرة في الله ملكته؛ أي لا تفعل هذا فيتوهموا أنه منك استخفاف أو عقوبة. وقد قيل: إن موسى عليه السلام إنما فعل هذا على غير استخفاف ولا عقوبة كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه. وقد مضى هذا في «الأعراف» مستوفٍ. والله عز وجل أعلم بما أراد نبيه عليه السلام. {إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} أي خشيت أن أخرج وأتركهم وقد أمرتني أن أخرج معهم، فلو خرجت لاتبعني قوم ويتخلف مع العجل قوم؛ وربما أدّى الأمر إلى سفك الدماء؛ وخشيت إن زجرتهم أن يقع قتال فتلومني على ذلك. وهذا جواب هارون لموسى عليه السلام عن قوله: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} وفي الأعراف {إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ} [الأعراف: 150] لأنك أمرتني أن أكون معهم. وقد تقدم. ومعنى {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} لم تعمل بوصيتي في حفظهم لأنك أمرتني أن أكون معهم؛ قاله مقاتل. وقال أبو عبيدة: لم تنتظر عهدي وقدومي. فتركه موسى ثم أقبل على السامريّ فـ{قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ } أي، ما أمرك وشأنك، وما الذي حملك على ما صنعت؟ قال قتادة: كان السامريّ عظيماً في بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة، ولكن عدو الله نافق بعد ما قطع البحر مع موسى، فلما مرّت بنو إسرائيل بالعمالقة وهم يعكفون على أصنام لهم

{ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ }[الأعراف: 138] فاغتنمها السامريّ وعلم أنهم يميلون إلى عبادة العجل فاتخذ العجل. فـ{قَالَ} السامريّ مجيباً لموسى: {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ} يعني: رأيت ما لم يروا؛ رأيت جبريل عليه السلام على فرس الحياة، فألقي في نفسي أن أقبض من أثره قبضة، فما ألقيته على شيء إلا صار له روح ولحم ودم؛ فلما سألوك أن تجعل لهم إلٰهاً زَيَّنَتْ لي نفسي ذلك. وقال عليّ رضي الله عنه: لما نزل جبريل ليصعد بموسى عليه السلام إلى السماء، أبصره السامريّ من بين الناس فقبض قبضة من أثر الفرس. وقيل قال السامري: رأيت جبريل على الفرس وهي تلقي خطوها مدّ البصر، فألقي في نفسي أن أقبض من أثرها فما ألقيته على شيء إلا صار له روح ودم. وقيل: رأى جبريل يوم نزل على رَمَكة وَدِيقٍ، فتقدم خيل فرعون في ورود البحر. ويقال: إن أم السامريّ جعلته حين وضعته في غارٍ خوفاً من أن يقتله فرعون؛ فجاءه جبريل عليه السلام، فجعل كفَّ السامريّ في فم السامريّ، فرضع العسل واللبن فاختلف إليه فعرفه من حينئذٍ. وقد تقدم هذا المعنى في «الأعراف». ويقال: إن السامريّ سمع كلام موسى عليه السلام، حيث عمل تمثالين من شمع أحدهما ثور والآخر فرس فألقاهما في النيل طلب قبر يوسف عليه السلام وكان في تابوت من حجر في النيل، فأتى به الثور على قرنه، فتكلم السامريّ بذلك الكلام الذي سمعه من موسى، وألقى القبضة في جوف العجل فخار. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وخلف «بِمَا لَمْ تَبْصُرُوا» بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على الخبر. وقرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود والحسن وقتادة «فَقَبصْتُ قبصَةً» بصاد غير معجمة. وروي عن الحسن ضم القاف من «قبصة» والصاد غير معجمة. الباقون {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً} بالضاد المعجمة. والفرق بينهما أن القبض بجميع الكفّ، والقبص بأطراف الأصابع، ونحوهما الخَضْم والقَضْم، والقُبْضة بضم القاف القدر المقبوض؛ ذكره المهدوي. ولم يذكر الجوهري «قُبْصة» بضم القاف والصاد غير معجمة، وإنما ذكر «القُبْضة» بضم القاف والضاد المعجمة وهو ما قبضت عليه من شيء؛ يقال: أعطاه قُبْضة من سَويق أو تمر أي كفاً منه، وربما جاء بالفتح. قال: والقِبضُ بكسر القاف والصاد غير المعجمة العدد الكثير من الناس؛ قال الكميت:

لكم مسجدا اللَّهِ المُزوران والحَصَىلكم قبْصُهُ من بين أَثْرَي وأَقْتَرَى

{فَنَبَذْتُهَا} أي طرحتها في العجل.

{وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} أي زينته؛ قاله الأخفش. وقال ابن زيد: حدثتني نفسي. والمعنى متقارب.

قوله تعالى: {قَالَ فَٱذْهَبْ} أي قال له موسى فاذهب أي من بيننا {فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} أي لا أُمسّ ولا أَمسّ طول الحياة. فنفاه موسى عن قومه وأمر بني إسرائيل ألاّ يخالطوه ولا يَقربوه ولا يكلّموه عقوبة له والله أعلم. قال الشاعر:

تَميمٌ كرهط السّامريّ وقولهألاَ لا يريدُ السامريّ مِساسَا

قال الحسن: جعل الله عقوبة السامريّ ألا يماسّ الناس ولا يماسّوه عقوبة له ولمن كان منه إلى يوم القيامة؛ وكأن الله عز وجل شدّد عليه المحنة، بأن جعله لا يماسّ أحداً ولا يمكّن من أن يمسّه أحد، وجعل ذلك عقوبة له في الدنيا. ويقال: ابتلي بالوسواس؛ وأصل الوسواس من ذلك الوقت. وقال قتادة: بقاياهم إلى اليوم يقولون ذلك ـ لا مساس ـ وإن مسّ واحد من غيرهم أحدا منهم حُمَّ كلاهما في الوقت. ويقال: إن موسى هَمَّ بقتل السامريّ، فقال الله تعالى له: لا تقتله فإنه سخيّ. ويقال لما قال له موسى: {فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} خاف فهرب فجعل يهيم في البرية مع السباع والوحش، لا يجد أحداً من الناس يمسه حتى صار كالقائل لا مساس؛ لبعده عن الناس وبعد الناس عنه؛ كما قال الشاعر:

حَمَّالُ راياتٍ بها قَنَاعِسَاحتى تقولَ الأزدُ لا مسابسَا

مسألة: هذه الآية أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم وألا يخالطوا، وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بكعب بن مالك والثلاثة الذين خُلّفوا. ومن التجأ إلى الحرم وعليه قَتلٌ لا يُقتَل عند بعض الفقهاء، ولكن لا يعامل ولا يبايع ولا يشارى، وهو إرهاق إلى الخروج. ومن هذا القبيل التغريب في حدّ الزنى، وقد تقدم جميع هذا كله في موضعه، فلا معنى لإعادته. والحمد لله وحده. وقال هارون القارىء: ولغة العرب لا مَساسِ بكسر السين وفتح الميم، وقد تكلم النحويون فيه؛ فقال سيبويه: هو مبني على الكسر كما يقال اضربِ الرجل. وقال أبو إسحاق: لا مساسِ نفي وكسرت السين لأن الكسرة من علامة التأنيث؛ تقول: فعلتِ يا امرأة. قال النحاس: وسمعت عليّ بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول: إذا اعتل الشيء من ثلاث جهات وجب أن يبنى، وإذا اعتل من جهتين وجب ألا ينصرف؛ لأنه ليس بعد ترك الصرف إلا البناء؛ فمساسِ ودراكِ اعتل من ثلاث جهات: منها أنه معدول، ومنها أنه مؤنث، وأنه معرفة؛ فلما وجب البناء فيه وكانت الألف قبل السين ساكنة كسرت السين لالتقاء الساكنين؛ كما تقول: اضرب الرّجلَ. ورأيت أبا إسحاق يذهب إلى أن هذا القول خطأ، وألزم أبا العباس إذا سمى آمرة بفرعون يبنيه، وهذا لا يقوله أحد. وقال الجوهري في الصحاح: وأما قول العرب لا مَساسِ مثال قَطامِ فإنما بني على الكسر لأنه معدول عن المصدر وهو المسّ. وقرأ أبو حيوة «لا مَسَاسِ». {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ} يعني يوم القيامة. والموعد مصدر؛ أي إن لك وعداً لعذابك. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «تُخْلِفَهُ» بكسر اللام وله معنيان: أحدهما: ستأتيه ولن تجده مخلّفاً؛ كما تقول: أحمدته أي وجدته محموداً. والثاني: على التهديد أي لا بد لك من أن تصير إليه. الباقون بفتح اللام؛ بمعنى: إن الله لن يخلفك إياه.

قوله تعالى: {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ} أي دمت وأقمت عليه. {عَاكِفاً} أي ملازماً؛ وأصله ظللت؛ قال:

خَلاَ أنّ العِتاقَ من المطاياأَحَسْنَ به فهنّ إليه شُوسُ

أي أَحْسَسْن. وكذلك قرأ الأعمش بلامين على الأصل. وفي قراءة ابن مسعود «ظِلْتَ» بكسر الظاء. يقال: ظَللت أفعل كذا إذا فعلته نهاراً وظَلْت وظِلْت؛ فمن قال: ظَلْت حذف اللام الأولى تخفيفاً؛ ومن قال: ظِلْت ألقى حركة اللام على الظاء. و{لَّنُحَرِّقَنَّهُ} قراءة العامة بضم النون وشد الراء من حَّرق يحرِّق. وقرأ الحسن وغيره بضم النون وسكون الحاء وتخفيف الراء، من أحرقه يُحرقه. وقرأ عليّ وابن عباس وأبو جعفر وابن محيصن وأشهب العقيلي «لَنَحْرُقَنَّهُ» بفتح النون وضم الراء خفيفة، من حرقت الشيء أحرقه حرقاً بَردَته وحككت بعضه ببعض، ومنه قولهم: حَرَق نابَه يَحرِقه ويَحرُقه أي سحقه حتى سُمع له صَرِيف؛ فمعنى هذه القراءة لنبردنّه بالمبارد، ويقال للمِبرد المِحْرَق. والقراءتان الأوليان معناهما الحرق بالنار. وقد يمكن جمع ذلك فيه؛ قال السدي: ذبح العجل فسال منه كما يسيل من العجل إذا ذبح، ثم بَرَد عظامه بالمِبرد وحَرَقه. وفي حرف ابن مسعود «لنذبحنه ثم لنحرقنه» واللحم والدم إذا أحرقا صارا رماداً فيمكن تذريته في اليمّ؛ فأما الذهب فلا يصير رماداً. وقيل: عرف موسى ما صير به الذهب رماداً، وكان ذلك من آياته. ومعنى {لَنَنسِفَنَّهُ} لنطيّرنه. وقرأ أبو رجاء «لَنَنْسُفَنَّهُ» بضم السين لغتان، والنّسف نفض الشيء ليذهب به الريح وهو التذرية، والمِنْسف ما يُنسف به الطعام؛ وهو شيء متصوِّب الصدر أعلاه مرتفع، والنُّسَافة ما يسقط منه؛ يقال: اعزل النُّسَافة وكُلْ الخالص. ويقال: أتانا فلان كأنّ لحيته مِنْسف؛ حكاه أبو نصر أحمد بن حاتم. والمِنْسفة آلةُ يقلع بها البناء. ونسفتُ البناء نسفاً قلعته، ونَسفَ البعيرُ الكَلأَ يَنْسِفه بالكسر إذا اقتلعه بأصله، وانتسفت الشيء اقتلعته؛ عن أبي زيد.

قوله تعالى: {إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} لا العِجْل؛ أي وسع كل شيء عِلْمه؛ يفعل الفعل عن العلم؛ ونصب على التفسير. وقرأ مجاهد وقتادة «وَسَّعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً».

كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ ءَاتَيْنَٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا ۝٩٩ مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُۥ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وِزْرًا ۝١٠٠ خَٰلِدِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ حِمْلًا ۝١٠١ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ۝١٠٢ يَتَخَٰفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا ۝١٠٣ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا ۝١٠٤

قوله تعالى: {كَذٰلِكَ} الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف. أي كما قصصنا عليك خبر موسى {كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ} قصصاً كذلك من أخبار ما قد سبق؛ ليكون تسلية لك، وليدل على صدقك. {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً} يعني القرآن. وسمى القرآن ذكراً؛ لما فيه من الذكر كما سمى الرسول ذكراً؛ لأن الذكر كان ينزل عليه. وقيل: {آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً} أي شرفاً، كما قال تعالى:

{ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ }[الزخرف: 44]أي شرف وتنويه باسمك.

قوله تعالى: {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ} أي القرآن فلم يؤمن به، ولم يعمل بما فيه {فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً} أي إثماً عظيماً وحملاً ثقيلاً. {خَالِدِينَ فِيهِ} يريد مقيمين فيه؛ أي في جزائه وجزاؤه جهنم. {وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً} يريد بئس الحمل حملوه يوم القيامة. وقرأ داود بن رفيع «فإنَّهُ يُحَمَّلُ».

قوله تعالى: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} قراءة العامة «يُنْفَخُ» بضم الياء على الفعل المجهول. وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق بنون مسمى الفاعل. واستدل أبو عمرو بقوله تعالى: {وَنَحْشُرُ} بنون. وعن ابن هُرْمُز «يَنْفُخُ» بفتح الياء أي ينفخ إسرافيل. أبو عياض: «فِي الصُّوَرِ». الباقون: «في الصُّورِ» وقد تقدم هذا في «الأنعام» مستوفى وفي كتاب «التذكرة». وقرأ طلحة بن مُصرِّف «ويُحْشَرُ» بضم الياء «الْمُجْرِمُونَ» رفعاً بخلاف المصحف. والباقون {وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي المشركين. {زُرْقاً } حال من المجرمين، والزَّرَق خلاف الكَحَل. والعرب تتشاءم بزَرَق العيون وتذمّه؛ أي تشوه خلقتهم بزرقة عيونهم وسواد وجوههم. وقال الكلبي والفراء: «زرقاً» أي عمياً. وقال الأزهري: عطاشاً قد ازرقت أعينهم من شدة العطش؛ وقاله الزجاج؛ قال: لأن سواد العين يتغير ويزرقّ من العطش. وقيل: إنه الطمع الكاذب إذا تعقبته الخيبة؛ يقال: ابيضت عيني لطول انتظاري لكذا. وقول خامس: إن المراد بالزرقة شخوص البصر من شدة الخوف؛ قال الشاعر:

لقد زَرِقت عيناك يا ابنَ مُكَعْبَرٍكما كُلُّ ضَبِّيٍّ من اللؤم أَزْرَقُ

يقال: رجل أزرق العين، والمرأة زرقاء بينة الزَّرَق. والاسم الزُّرقة. وقد زَرِقت عينه بالكسر وازرقت عينه ازرقاقاً، وازراقت عينه ازريقاقاً. وقال سعيد بن جبير: قيل لابن عباس في قوله: {وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً} وقال في موضع آخر: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً} [الإسراء: 97]فقال: إن ليوم القيامة حالات؛ فحالة يكونون فيها زرقا، وحالة عميا. {يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ} أصل الخفت في اللغة السكون، ثم قيل لمن خفض صوته خَفَته. والمعنى يتسارون؛ قاله مجاهد؛ أي يقول بعضهم لبعض في الموقف سراً {إِن لَّبِثْتُمْ} أي ما لبثتم يعني في الدنيا، وقيل: في القبور {إِلاَّ عَشْراً} يريد عشر ليال. وقيل: أراد ما بين النفختين وهو أربعون سنة؛ يرفع العذاب في تلك المدة عن الكفار ـ في قول ابن عباس ـ فيستقصرون تلك المدة. أو مدة مقامهم في الدنيا لشدة ما يرون من أهوال يوم القيامة؛ ويخيل إلى أمثلهم أي أعدلهم قولاً وأعقلهم وأعلمهم عند نفسه أنهم ما لبثوا إلا يوماً واحداً يعني لبثهم في الدنيا؛ عن قتادة؛ فالتقدير: إلا مثل يوم. وقيل: إنهم من شدة هول المطلع نسوا ما كانوا فيه من نعيم الدنيا حتى رأوه كيوم. وقيل: أراد بيوم لبثهم ما بين النفختين، أو لبثهم في القبور على ما تقدم. «وعشراً» و«يوماً» منصوبان بـ«ـلبثتم».

وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا ۝١٠٥ فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ۝١٠٦ لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَآ أَمْتًا ۝١٠٧ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهُۥ وَخَشَعَتِ ٱلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ۝١٠٨ يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَٰنُ وَرَضِىَ لَهُۥ قَوْلًا ۝١٠٩ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلْمًا ۝١١٠

قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ} أي عن حال الجبال يوم القيامة. {فَقُلْ} فقد جاء هذا بفاء وكل سؤال في القرآن «قل» بغير فاء إلا هذا، لأن المعنى إن سألوك عن الجبال فقل، فتضمن الكلام معنى الشرط. وقد علم الله أنهم يسألونه عنها، فأجابهم قبل السؤال، وتلك أسئلة تقدمت سألوا عنها النبي صلى الله عليه وسلم فجاء الجواب عقب السؤال؛ فلذلك كان بغير فاء، وهذا سؤال لم يسألوه عنه بعد؛ فتفهَّمه. {يَنسِفُهَا} يطيرها. {نَسْفاً } قال ابن الأعرابي وغيره: يقلعها قلعا من أصولها، ثم يصيرها رملاً يسيل سيلاً، ثم يصيرها كالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا. قال: ولا يكون العهن من الصوف إلا المصبوغ، ثم كالهباء المنثور. {فَيَذَرُهَا} أي يذر مواضعها {قَاعاً صَفْصَفاً} القاع الأرض الملساء بلا نبات ولا بناء؛ قاله ابن الأعرابي. وقال الجوهري: والقاع المستوي من الأرض والجمع أَقوعٌ وأَقواعٌ وقِيعانٌ صارت الواو ياء لكسر ما قبلها. وقال الفراء: القاع مستنقع الماء والصفصف القرعاء. الكلبي: هو الذي لا نبات فيه. وقيل: المستوي من الأرض كأنه على صفّ واحد في استوائه؛ قاله مجاهد. والمعنى واحد في القاع والصفصف؛ فالقاع الموضع المنكشف، والصفصف المستوي الأملس. وأنشد سيبويه:

وكَمْ دُونَ بيتكَ من صَفْصَفٍودَكْدَاكِ رَمْلٍ وأَعْقَادِهَا

و«قاعا» نصب على الحال والصفصف. و{لاَّ تَرَىٰ} في موضع الصفة. {فِيهَا عِوَجاً} قال ابن الأعرابي: العِوج التّعوج في الفِجاج. والأَمْت النَّبَك. وقال أبو عمرو: الأَمْت النِّبَاك وهي التلال الصغار واحدها نَبَك؛ أي هي أرض مستوية لا انخفاض فيها ولا ارتفاع. تقول؛ امتلأ فما به أَمْت، وملأتُ القربة مَلأً لا أمت فيه؛ أي لا استرخاء فيه. والأمت في اللغة المكان المرتفع. وقال ابن عباس: «عِوَجاً» مَيْلاً. قال: والأمت الأثر مثل الشراك. وعنه أيضاً «عِوَجاً»، وادياً «وَلاَ أَمْتاً» رابية. وعنه أيضاً: العوج (الانخفاض) والأمت الارتفاع. وقال قتادة: «عِوَجاً» صدعاً «وَلاَ أَمْتاً» أي أكمة. وقال يمان: الأمت الشقوق في الأرض. وقيل: الأمت أن يغلظ مكان في الفضاء أو الجبل ويدق في مكان؛ حكاه الصولي.

قلت: وهذه الآية تدخل في باب الرُّقَى؛ ترقى بها الثآليل وهي التي تسمى عندنا (بالبراريق) واحدها (برُّوقة)؛ تطلع في الجسد وخاصة في اليد: تأخذ ثلاثة أعواد من تبن الشعير، يكون في طرف كل عود عقدة، تُمرّ كل عُقدة على الثآليل وتقرأ الآية مرة، ثم تدفن الأعواد في مكان نديّ؛ تعفّن وتعفّن الثآليل؛ فلا يبقى لها أثر؛ جرّبت ذلك في نفسي وفي غيري فوجدته نافعاً إن شاء الله تعالى

قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ} يريد إسرافيل عليه السلام إذا نفخ في الصور {لاَ عِوَجَ لَهُ} أي لا معدل لهم عنه؛ أي عن دعائه لا يزيغون ولا ينحرفون بل يسرعون إليه ولا يحيدون عنه. وعلى هذا أكثر العلماء. وقيل: {لاَ عِوَجَ لَهُ} أي لدعائه. وقيل: يتَّبعون الداعي اتباعاً لا عوج له؛ فالمصدر مضمر؛ والمعنى: يتّبعون صوت الداعي للمحشر؛ نظيره:

{ وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ }[قۤ: 41] الآية. وسيأتي. {وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ} أي ذَلَّت وسكنت؛ عن ابن عباس قال: لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشّع، فكل لسان ساكت هناك للهيبة. {لِلرَّحْمَـٰنِ} أي من أجله. {فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً} الهمس الصوت الخفيّ؛ قاله مجاهد. عن ابن عباس: الحس الخفيّ. الحسن وابن جريج: هو صوت وقع الأقدام بعضها على بعض إلى المحشر؛ ومنه قول الراجز:

وهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا

يعني صوت أخفاف الإبل في سيرها. ويقال للأسد الهموس؛ لأنه يَهمِس في الظلمة؛ أي يطأ وطئاً خفيّاً. قال رؤبة يصف نفسه بالشدّة:

ليثٌ يَدقُّ الأسدَ الهَمُوسَاوالأَقْهَبينِ الفيلَ والجاموسَا

وهمس الطعام؛ أي مضغه وفُوه منضمٌّ؛ قال الراجز:

لقد رأيتُ عجباً مُذْ أَمْسَاعجائزاً مثلَ السَّعَالِي خَمْسَايَأْكلْنَ ما أصنع هَمْساً هَمْساً

وقيل: الهمسُ تحريك الشّفة واللسان. وقرأ أبيّ بن كعب «فَلاَ يَنْطِقُونَ إِلاَّ همْساً». والمعنى متقارب؛ أي لا يسمع لهم نطق ولا كلام ولا صوت أقدام. وبناء (هـ م س) أصله الخفاء كيفما تصرف؛ ومنه الحروف المهموسة، وهي عشرة يجمعها قولك: (حَثَّهُ شَخْصٌ فَسَكَتَ) وإنما سمى الحرف مهموساً لأنه ضَعُف الاعتمادُ من موضعه حتى جَرَى معه النفَس.

قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} «من» في موضع نصب على الاستثناء الخارج من الأوّل؛ أي لا تنفع الشفاعة أحداً إلا شفاعة من أذن له الرحمن. {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} أي رضي قوله في الشفاعة. وقيل: المعنى، أي إنما تنفع الشفاعة لمن أذن له الرحمن في أن يشفع له، وكان له قول يرضى. قال ابن عباس: هو قول لا إلٰه إلا الله.

قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي من أمر الساعة. {وَمَا خَلْفَهُمْ} مِن أَمرِ الدنيا قاله قتادة. وقيل: يعلم ما يصيرون إليه من ثواب أو عقاب «وما خلفهم» ما خلفوه وراءهم في الدنيا. ثم قيل: الآية عامة في جميع الخلق. وقيل: المراد الذين يتبعون الداعي. والحمد لله.

قوله تعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} الهاء في «به» لله تعالى؛ أي أحد لا يحيط به علما؛ إذ الإحاطة مشعرة بالحدّ ويتعالى الله عن التحديد. وقيل: تعود على العلم؛ أي أحد لا يحيط علماً بما يعلمه الله. وقال الطبري: الضمير في «أيديهم» و«خلفهم» و«يحيطون» يعود على الملائكة؛ أعلم الله من يعبدها أنها لا تعلم ما بين أيديها وما خلفها.

وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَىِّ ٱلْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ۝١١١ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ۝١١٢

قوله تعالى: {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ} أي ذلّت وخضعت؛ قاله ابن الأعرابي وغيره. ومنه قيل للأسير عانٍ. قال أمية بن أبي الصَّلْت:

مليكٌ على عرش السّماءِ مُهَيْمِنٌلعزّته تَعنُو الوجوهُ وتَسجدُ

وقال أيضاً:

وَعَنَا له وَجْهِي وخَلْقِي كلُّهفي الساجدين لوجهه مَشْكُورَا

قال الجوهري: عنا يعنو خضع وذلّ وأعناه غيره؛ ومنه قوله تعالى: {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ}. ويقال أيضاً: عَنا فيهم فلان أسيراً؛ أي أقام فيهم على إساره واحتبس. وَعَنَّاه غيرُه تعنيةً حبسه. والعاني الأسير. وقوم عُناة ونسوة عَوَانٍ. وَعَنَتْ به أمورٌ نزلت. وقال ابن عباس: «عَنَت» ذلّت. وقال مجاهد: خشعت. الماوردي: والفرق بين الذل والخشوع ـ وإن تقارب معناهما ـ أن الذل أن يكون ذليل النفس، والخشوع أن يتذلل لذي طاعة. وقال الكلبي: «عنت» أي عملت. عطية العوفي: استسلمت. وقال طَلْق بن حبيب: إنه وضع الجبهة والأنف على الأرض في السجود. النحاس: {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ} في معناه قولان: أحدهما: أن هذا في الآخرة. وروى عكرمة عن ابن عباس «وَعَنَتِ الْوجُوهُ لِلْحَيّ الْقَيُّومِ» قال: الركوع والسجود؛ ومعنى «عنت» في اللغة القهر والغلبة، ومنه فتحت البلاد عَنوة أي غلبة؛ قال الشاعر:

فما أخذوها عَنْوةً عن مودّةولكنْ بضرب المَشْرَفيّ اسْتقَالَها

وقيل: هو من العناء بمعنى التعب؛ وكنى عن الناس بالوجوه؛ لأن آثار الذل إنما تتبين في الوجه. {لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ} وفي القيوم ثلاثة تأويلات؛ أحدها: أنه القائم بتدبير الخلق. الثاني: أنه القائم على كل نفس بما كسبت. الثالث: أنه الدائم الذي لا يزول ولا يبيد. وقد مضى في «البقرة» هذا. {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} أي خسر من حمل شركاً.

قوله تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} لأن العمل لا يقبل من غير إيمان. و«من» في قوله: {مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ} للتبعيض؛ أي شيئاً من الصالحات. وقيل: للجنس. {فَلاَ يَخَافُ} قرأ ابن كثير ومجاهد وابن محيصن «يَخَف» بالجزم جواباً لقوله: {وَمَن يَعْمَلْ}. الباقون «يَخَافُ» رفعاً على الخبر؛ أي فهو لا يَخَافُ؛ أو فإنه لا يخاف. {ظُلْماً} أي نقصاً لثواب طاعته، ولا زيادة عليه في سيئاته. {وَلاَ هَضْماً} بالانتقاص من حقه. والهضم النقص والكسر؛ يقال: هضمتُ ذلك من حقّي أي حططتُه وتركته. وهذا يهضم الطعام أي ينقص ثقله. وامرأة هَضِيمُ الكشح ضامرة البطن. الماوردي: والفرق بين الظلم والهضم أن الظلم المنع من الحق كله، والهضم المنع من بعضه، والهضم ظلم وإن افترقا من وجه؛ قال المتوكل الليثي:

إنّ الأذلَة واللئامَ لَمعشرٌمَوْلاَهُم المتهضّم المظلومُ

قال الجوهري: ورجل هَضيمٌ ومُهتضَم أي مظلوم. وتَهضَّمه أي ظلمه واهتضمه إذا ظلمه وكَسَر عليه حقه.

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَٰهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ۝١١٣ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰٓ إِلَيْكَ وَحْيُهُۥ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا ۝١١٤

قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ} أي كما بيّنا لك في هذه السّورة من البيان فـ {كَذَٰلِكَ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} أي بلغة العرب. {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ} أي بيّنا ما فيه من التخويف والتهديد والثواب والعقاب. {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي يخافون الله فيجتنبون معاصيه، ويحذرون عقابه. {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} أي موعظة. وقال قتادة: حذرا وورعاً. وقيل: شرفاً؛ فالذكر هاهنا بمعنى الشرف؛ كقوله: «وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ». وقيل: أي ليتذكروا العذاب الذي توعدوا به. وقرأ الحسن «أَوْ نُحْدِثُ» بالنون؛ وروي عنه رفع الثاء وجزمها.

قوله تعالى: {فَتَعَالَىٰ ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} لما عرف العباد عظيم نعمه، وإنزال القرآن نزّه نفسه عن الأولاد والأنداد فقال: «فَتَعَالَى اللَّهُ» أي جلّ الله الملك الحق؛ أي ذو الحق. {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ} علّم نبيه كيف يتلقى القرآن. قال ابن عباس: كان عليه السلام يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي حرصاً على الحفظ، وشفقة على القرآن مخافة النسيان، فنهاه الله عن ذلك وأنزل

{ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ }[طه: 114]. وهذا كقوله تعالى: { لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ }[القيامة: 16] على ما يأتي. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: قال: لا تتله قبل أن تتبّينه. وقيل: «وَلاَ تَعْجَلْ» أي لا تسل إنزاله «مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى» إليك أي يأتيك «وَحْيُهُ». وقيل: المعنى لا تلقه إلى الناس قبل أن يأتيك بيان تأويله. وقال الحسن: نزلت في رجل لطم وجه امرأته، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تطلب القصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم لها القصاص، فنزل { ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ }[النساء: 34] ولهذا قال: «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» أي فهماً؛ لأنه عليه السلام حكم بالقصاص وأبى الله ذلك. وقرأ ابن مسعود وغيره «مِنْ قَبْلِ أَنْ نَقْضِي» بالنون وكسر الضاد «وَحْيَهُ» بالنصب.

وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًا ۝١١٥

قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ} قرأ الأعمش باختلاف عنه «فَنَسِي» بإسكان الياء وله معنيان: أحدهما: ترك؛ أي تَرَكَ الأمر والعهد؛ وهذا قول مجاهد وأكثر المفسرين ومنه «نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ». وثانيهما قال ابن عباس: «نسي» هنا من السهو والنسيان، وإنما أخذ الإنسان من أنه عهد إليه فنسي. قال ابن زيد: نسي ما عهد الله إليه في ذلك، ولو كان له عزم ما أطاع عدوه إبليس. وعلى هذا القول يحتمل أن يكون آدم عليه السلام في ذلك الوقت مأخوذاً بالنسيان، وإن كان النسيان عنا اليوم مرفوعاً. ومعنى «مِنْ قَبْلُ» أي من قبل أن يأكل من الشجرة؛ لأنه نهي عنها. والمراد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي طاعة بني آدم للشيطان أمر قديم؛ أي إن نَقَضَ هؤلاء العهد فإن آدم أيضاً عهدنا إليه فنسي؛ حكاه القشيري وكذلك الطبري. أي وإن يعرض يا محمد هؤلاء الكفرة عن آياتي، ويخالفوا رسلي، ويطيعوا إبليس، فقدماً فعل ذلك أبوهم آدم. قال ابن عطية: وهذا التأويل ضعيف، وذلك كون آدم مثالاً للكفار الجاحدين بالله ليس بشيء، وآدم إنما عصى بتأويل، ففي هذا غضاضة عليه صلى الله عليه وسلم؛ وإنما الظاهر في الآية إما أن يكون ابتداء قصص لا تعلق له بما قبله، وإما أن يجعل تعلقه أنه لما عهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم ألا يعجل بالقرآن، مثل له بنبيّ قبله عهد إليه فنسي فعوقب؛ ليكون أشد في التحذير، وأبلغ في العهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم؛ والعهد هاهنا في معنى الوصية؛ «ونسي» معناه ترك؛ ونسيان الذهول لا يمكن هنا؛ لأنه لا يتعلق بالناسي عقاب. والعزم المضي على المعتقد في أي شيء كان؛ وآدم عليه السلام قد كان يعتقد ألا يأكل من الشجرة لكن لما وسوس إليه إبليس لم يعزم على معتقده. والشيء الذي عهد إلى آدم هو ألا يأكل من الشجرة، وأعلم مع ذلك أن إبليس عدوّ له. واختلف في معنى قوله: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} فقال ابن عباس وقتادة: لم نجد له صبراً عن أكل الشجرة، ومواظبة على التزام الأمر. قال النحاس: وكذلك هو في اللغة؛ يقال: لفلان عزم أي صبر وثبات على التحفظ من المعاصي حتى يسلم منها، ومنه

{ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ }[الأحقاف: 35]. وعن ابن عباس أيضاً وعطية العوفي: حفظا لما أمر به؛ أي لم يتحفظ مما نهيته حتى نسي، وذهب عن علم ذلك بترك الاستدلال؛ وذلك أن إبليس قال له: إن أكلتها خُلِّدت في الجنة؛ يعني عين تلك الشجرة، فلم يطعه فدعاه إلى نظير تلك الشجرة مما دخل في عموم النهي وكان يجب أن يستدل عليه فلم يفعل، وظنّ أنها لم تدخل في النهي فأكلها تأويلا، ولا يكون ناسياً للشيء من يعلم أنه معصية. وقال ابن زيد: «عزماً» محافظة على أمر الله. وقال الضحاك: عزيمة أمر. ابن كيسان: إصراراً ولا إضماراً للعود إلى الذنب. قال القشيري: والأول أقرب إلى تأويل الكلام؛ ولهذا قال قوم: آدم لم يكن من أولي العزم من الرسل؛ لأن الله تعالى قال: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}. وقال المُعْظَم: كل الرسل أولو العزم، وفي الخبر: «ما من نبيّ إلا وقد أخطأ أو همّ بخطيئة ما خلا يحيـى بن زكريا» فلو خرج آدم بسبب خطيئته من جملة أولي العزم لخرج جميع الأنبياء سوى يحيـى. وقد قال أبو أمامة: لو أن أحلام بني آدم جمعت منذ خلق الله الخلق إلى يوم القيامة، ووضعت في كفة ميزان، ووضع حِلم آدم في كفة أخرى لرجحهم؛ وقد قال الله تبارك وتعالى: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ ۝١١٦ فَقُلْنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰٓ ۝١١٧ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ ۝١١٨ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا۟ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ ۝١١٩

قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ } تقدم في «البقرة» مستوفى. {فَقُلْنَا يٰآدَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا} نهى؛ ومجازه: لا تقبلا منه فيكون ذلك سبباً لخروجكما {مِنَ ٱلْجَنَّةِ}. {فَتَشْقَىٰ} يعني أنت وزوجك لأنهما في استواء العلة واحد؛ ولم يقل: فتشقيا؛ لأن المعنى معروف، وآدم عليه السلام هو المخاطب، وهو المقصود. وأيضاً لما كان الكادَّ عليها والكاسبَ لها كان بالشقاء أخص. وقيل: الإخراج واقع عليهما والشقاوة على آدم وحده، وهو شقاوة البدن؛ ألا ترى أنه عقبه بقوله: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ} أي في الجنة {وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ} فأعلمه أن له في الجنة هذا كله: الكسوة والطعام والشراب والمسكن؛ وأنك إن ضَيَّعت الوصية، وأطعت العدوّ أخرِجكما من الجنة فشقيت تعباً ونصباً؛ أي جُعْتَ وعريتَ وظَمئتَ وأصابتك الشمس؛ لأنك ترد إلى الأرض إذا أخرجت من الجنة. وإنما خصّه بذكر الشقاء ولم يقل فتشقيان: يعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج؛ فمن يومئذٍ جرت نفقة النساء على الأزواج، فلما كانت نفقة حواء على آدم كذلك نفقات بناتها على بني آدم بحق الزوجية. وأعلمنا في هذه الآية أن النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الأربعة: الطعام والشراب والكسوة والمسكن؛ فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها من نفقتها؛ فإن تفضل بعد ذلك فهو مأجور، فأما هذه الأربعة فلا بد لها منها؛ لأن بها إقامة المهجة. قال الحسن المراد بقوله: «فتشقى» شقاء الدنيا؛ لا يُرى ابنُ آدم إلا ناصباً. وقال الفراء: هو أن يأكل من كَدّ يديه. وقال سعيد بن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فهو شقاؤه الذي قال الله تبارك وتعالى. وقيل: لما أهبِط من الجنة كان من أول شقائه أن جبريل أنزل عليه حبات من الجنة؛ فقال: يا آدم ازرع هذا، فحرث وزرع، ثم حصد ثم درس ثم نقى ثم طحن ثم عجن ثم خبز، ثم جلس ليأكل بعد التعب؛ فتدحرج رغيفه من يده حتى صار أسفل الجبل، وجرى وراءه آدم حتى تعب وقد عرق جبينه، قال: يا آدم فكذلك رزقك بالتعب والشقاء، ورزق ولدك من بعدك ما كنت في الدنيا.

قوله تعالى: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ } فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا} أي في الجنة {وَلاَ تَعْرَىٰ}.{وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا} أي لا تعطش. والظمأ العطش. {وَلاَ تَضْحَىٰ} أي تبرز للشمس فتجد حرّها. إذ ليس في الجنة شمس، إنما هو ظل ممدود، كما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. قال أبو العالية: نهار الجنة هكذا: وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر. قال أبو زيد: ضَحَا الطريقُ يَضْحُو ضُحُوًّا إذا بدا لك وظهر. وضَحَيْتُ وضَحِيتُ (بالكسر) ضَحاً عرِقت. وضَحِيتُ أيضاً للشمس ضَحاء ممدود بَرزتُ وضَحَيتُ (بالفتح) مثله، والمستقبل أَضْحَى في اللغتين جميعاً؛ قال عمر بن أبي ربيعة:

رَأَتْ رَجُلاً أَيْمَا إذا الشمسُ عَارضَتْفَيَضْحَى وأمَّا بالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ

وفي الحديث أن ابن عمر رأى رجلاً محرماً قد استظل، فقال: أَضْحِ لمن أحرمت له. هكذا يرويه المحدِّثون بفتح الألف وكسر الحاء من أضحيت. وقال الأصمعي: إنما هو اضْحَ لمن أحرمتَ له؛ بكسر الألف وفتح الحاء، من ضَحِيت أَضْحَى؛ لأنه أمره بالبروز للشمس؛ ومنه قوله تعالى: {وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ} وأنشد:

ضَحِيتُ له كَيْ أَستظلَّ بِظلِّهِإِذا الظلُّ أَضْحَى في القيامة قَالِصا

وقرأ أبو عمرو والكوفيون إلا عاصما في رواية أبي بكر عنه «وَأَنَّكَ» بفتح الهمزة عطفاً على «أَلاَّ تَجُوعَ». ويجوز أن يكون في موضع رفع عطفاً على الموضع، والمعنى: ولك أنك لا تظمأ فيها. الباقون بالكسر على الاستئناف، أو على العطف على «إِنَّ لَكَ».
الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ