انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة طه

تفسير القرطبيالآيات 17–52

تفسير سورة طه آية آية، من تفسير القرطبي.

وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَٰمُوسَىٰ ۝١٧ قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا۟ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخْرَىٰ ۝١٨

فيه خمس مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ} قيل: كان هذا الخطاب من الله تعالى لموسى وحيا؛ لأنه قال: {فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ} ولا بد للنبي في نفسه من معجزة يعلم بها صحة نبوّة نفسه، فأراه في العصا وفي نفسه ما أراه لذلك. ويجوز أن يكون ما أراه في الشجرة آية كافية له في نفسه، ثم تكون اليد والعصا زيادة توكيد، وبرهاناً يلقى به قومه. واختلف في «ما» في قوله: «وَمَا تِلْكَ» فقال الزجاج والفراء: هي اسم ناقص وصلت بـ«ـيمينك» أي ما التي بيمينك؟ وقال الفرّاء أيضاً: «تلك» بمعنى هذه؛ ولو قال: ما ذلك لجاز؛ أي ما ذلك الشيء: ومقصود السؤال تقرير الأمر حتى يقول موسى: هي عصاي؛ لتثبت الحجّة عليه بعدما اعترف، وإلاّ فقد علم الله ما هي في الأزل. وقال ابن الجوهري: وفي بعض الآثار أن الله تعالى عتب على موسى إضافة العصا إلى نفسه في ذلك الموطن؛ فقيل له: ألقها لترى منها العجب فتعلم أنه لا مِلك لك عليها ولا تنضاف إليك. وقرأ ابن أبي إسحاق «عَصَيَّ» على لغة هُذيل؛ ومثله «يا بُشْرَيَّ» و«مَحْيَيَّ» وقد تقدّم. وقرأ الحسن «عَصَاي» بكسر الياء لالتقاء الساكنين. ومثل هذا قراءة حمزة:

{ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ }[إبراهيم: 22]. وعن ابن أبي إسحاق سكون الياء.

الثانية: في هذه الآية دليل على جواب السؤال بأكثر مما سئل؛ لأنه لما قال: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ } ذكر معاني أربعة: وهي: إضافة العصا إليه، وكان حقه أن يقول عصا؛ والتوكؤ؛ والهش، والمآرب المطلقة. فذكر موسى من منافع عصاه عُظْمها وجمهورها وأجمل سائر ذلك. وفي الحديث

سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر فقال: «هو الطَّهورُ ماؤه الحلُّ مَيتته»». "وسألته امرأة عن الصغير حين رفعته إليه فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر». ومثله في الحديث كثير.

الثالثة: قوله تعالى: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} أي أتحامل عليها في المشي والوقوف؛ ومنه الاتكاء. {وَأَهُشُّ بِهَا} «وَأَهِشُّ» أيضاً؛ ذكره النحاس. وهي قراءة النَّخَعي، أي أخبط بها الورق، أي أضرب أغصان الشجر ليسقط ورقها، فيسهل على غنمي تناوله فتأكله. قال الراجز:

أَهُشُّ بالعَصَا على أَغْنامِيمن ناعِم الأَراكِ والبَشامِ

يقال: هَشَّ على غنمه يَهُشُّ بضم الهاء في المستقبل. وهشَّ إلى الرجل يَهَش بالفتح. وكذلك هشّ للمعروف يَهَشّ وهشِشت أنا: وفي حديث عمر: هشِشْت يوماً فقبَّلت وأنا صائم. قال شِمْر: أي فرحتِ واشتهيت. قال: ويجوز هَاشَ بمعنى هَشَّ. قال الراعي:

فكبَّرَ للروْيَا وهَاشَ فؤادُهُوبَشَّرَ نفساً كان قبل يَلُومَها

أي طَرب. والأصل في الكلمة الرخاوة. يقال: رجل هَشٌّ وزوج هَشٌّ. وقرأ عكرمة «وأَهُسُّ» بالسين غير معجمة؛ قيل: هما لغتان بمعنى واحد. وقيل: معناهما مختلف؛ فالهشّ بالإعجام خبط الشجر، والهس بغير إعجام زَجْر الغنم؛ ذكره الماوردي؛ وكذلك ذكر الزمخشري. وعن عكرمة: «وأَهُسُّ» بالسين أي أنحى عليها زاجراً لها والهَسُّ زَجْر الغنم.

الرابعة: قوله تعالى {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} أي حوائج. واحدها مَأْرُبة ومَأْرَبة ومَأْرِبة. وقال «أخرى» على صيغة الواحد؛ لأن مآرب في معنى الجماعة، لكن المَهْيَع في توابع جمع ما لا يعقل الإفراد والكناية عنه بذلك؛ فإن ذلك يجري مجرى الواحدة المؤنثة؛ كقوله تعالى:

{ وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا }[الأعراف: 180] وكقوله: { يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ }[سبأ: 10] وقد تقدّم هذا في «الأعراف».

الخامسة: تعرض قوم لتعديد منافع العصا منهم ابن عباس، قال: إذا انتهيت إلى رأس بئر فقَصُر الرِّشا وصلته بالعَصَا، وإذا أصابني حر الشمس غرزتها في الأرض وألقيت عليها ما يظلني، وإذا خفت شيئاً من هوام الأرض قتلته بها، وإذا مشيت ألقيتها على عاتقي وعلقت عليها القوس والكنانة والمخلاة، وأقاتل بها السباع عن الغنم.

وروى عنه ميمون بن مِهْران قال: إمساك العصا سنة للأنبياء، وعلامة للمؤمن. وقال الحسن البصري: فيها ست خصال؛ سنة للأنبياء، وزينة الصلحاء، وسلاح على الأعداء، وعون للضعفاء، وغمّ المنافقين، وزيادة في الطاعات. ويقال: إذا كان مع المؤمن العصا يهرب منه الشيطان، ويخشع منه المنافق والفاجر، وتكون قبلته إذا صلى، وقوّة إذا أعيا. ولقى الحَجّاجُ أعرابياً فقال: من أين أقبلت يا أَعرابي؟ قال: من البادية. قال: وما في يدك؟ قال: عصايَ أَرْكزها لصَلاَتي، وأعدّها لعِداتي، وأسوق بها دابتي، وأقوى بها على سفري، وأعتمد بها في مشيتي لتتسع خطوتي، وأثب بها النهر، وتؤمنني من العَثْر، وألقي عليها كسائي فيقيني الحرّ، ويُدفئني من القرّ، وتدني إليّ ما بعد مني، وهي مَحْمِل سُفْرتي، وعلاقة إداوتي؛ أعصِي بها عند الضِّراب، وأقرع بها الأبواب، وأتّقي بها عَقور الكلاب؛ وتنوب عن الرمح في الطّعان، وعن السيف عند منازلة الأقران؛ ورثتها عن أبي، وأورِّثها بعدي ابني؛ وأهشّ بها على غنمي، ولي فيها مآرب أخرى، كثيرة لا تحصى.

قلت: منافع العصا كثيرة، ولها مدخل في مواضع من الشريعة: منها تتخذ قبلة في الصحراء؛ وقد كان للنبي عليه الصلاة والسلام عَنزَة تُركز له فيصلّي إليها، وكان إذا خرج يوم العيد أمر بالحَرْبة فتوضع بين يديه فيصلّي إليها؛ وذلك ثابت في الصحيح. والحَرْبة والعَنزَة والنَّيزْك والآلة اسماء لمسمى واحد. وكان له مِحْجَن وهو عصا معوجَّة الطّرَف يشير به إلى الحَجَر إذا لم يستطع أن يقبّله؛ ثابت في الصحيح أيضاً. وفي الموطأ عن السائب بن يزيد أنه قال: أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبيّ بن كعب وتميماً الداريّ أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، وكان القارىء يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصيّ من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر. وفي الصحيحين: أنه عليه الصلاة والسلام كان له مِخْصَرة. والإجماع منعقد على أن الخطيب يخطب متوكّئاً على سيف أو عصا، فالعصا مأخوذة من أصل كريم، ومعدن شريف، ولا ينكرها إلا جاهل. وقد جمع الله لموسى في عصاه من البراهين العظام، والآيات الجسام، ما آمن به السحرة المعاندون. واتخذها سليمان لخطبته وموعظته وطول صلاته. وكان ابن مسعود صاحب عصا النبي صلى الله عليه وسلم وعَنَزته؛ وكان يخطب بالقضيب ـ وكفى بذلك فضلاً على شرف حال العصا ـ وعلى ذلك الخلفاء وكبراء الخطباء، وعادة العرب العرباء، الفصحاء اللسن البلغاء أخذ المخصرة والعصا والاعتماد عليها عند الكلام، وفي المحافل والخطب. وأنكرت الشُّعوبية على خطباء العرب أخذ المخصرة والإشارة بها إلى المعاني. والشُّعوبية تبغض العرب وتفضل العجم. قال مالك: كان عطاء ابن السائب يمسك المِخصرة يستعين بها. قال مالك: والرجل إذا كبر لم يكن مثل الشباب يقوى بها عند قيامه.

قلت: وفي مشيته كما قال بعضهم:

قد كنتُ أمشي على رجلين معتمداًفصرتُ أمشي على أخرى من الخشَبِ

قال مالك رحمه الله ورضي عنه: وقد كان الناس إذا جاءهم المطر خرجوا بالعصي يتوكأون عليها، حتى لقد كان الشباب يحبسون عصيّهم، وربما أخذ ربيعة العصا من بعض من يجلس إليه حتى يقوم. ومن منافع العصا ضرب الرجل نساءه بها فيما يصلحهم، ويصلح حاله وحالهم معه. ومنه قوله عليه السلام: وأما أبو جَهْم فلا يضع عصاه عن عاتقهفي إحدى الروايات. وقد روي عنه عليه السلام أنه قال لرجل أوصاه:لا ترفع عصاك عن أهلك أخفهم في اللهرواه عبادة بن الصامت؛ خرجه النسائي. ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: علِّق سوطك حيث يراه أهلكوقد تقدم هذا في «النساء». ومن فوائدها التنبيه على الانتقال من هذه الدار؛ كما قيل لبعض الزهاد: ما لك تمشي على عصا ولست بكبير ولا مريض؟ قال: إني أعلم أني مسافر، وأنها دار قُلعة، وأن العصا من آلة السفر؛ فأخذه بعض الشعراء فقال:

حملتُ العصا لا الضَّعف أوجبَ حملَهاعليّ ولا أني تَحنَّيتُ من كِبَرْ ولكنّني ألزمتُ نفسيَ حَملَهالأُعلمها أنَّ المقيمَ على سَفَر

قَالَ أَلْقِهَا يَٰمُوسَىٰ ۝١٩ فَأَلْقَىٰهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ ۝٢٠ قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلْأُولَىٰ ۝٢١ وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخْرَىٰ ۝٢٢ لِنُرِيَكَ مِنْ ءَايَٰتِنَا ٱلْكُبْرَى ۝٢٣

قوله تعالى: {قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ}: لما أراد الله تعالى أن يُدرِّبه في تلقي النبوّة وتكاليفها أمره بإلقاء العصا {فَأَلْقَاهَا} موسى فقلب الله أوصافها وأعراضها. وكانت عصا ذات شُعبتين فصارت الشُّعبتان لها فماً، وصارت حية تسعى أي تنتقل، وتمشي وتلتقم الحجارة؛ فلما رآها موسى عليه السلام رأى عبرة فـ

{ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ }[النمل: 10] فقال الله له: {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ} وذلك أنه { فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً }[طه: 67] أي لحقه ما يلحق البشر. وروي أن موسى تناولها بكمي جُبَّته فنُهي عن ذلك، فأخذها بيده فصارت عصاً كما كانت أول مرة وهي سيرتها الأولى، وإنما أظهر له هذه الآية لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون. ويقال: إن العصا بعد ذلك كانت تماشيه وتحادثه ويعلق عليها أحماله، وتضيء له الشُّعبتان بالليل كالشّمع؛ وإذا أراد الاستقاء انقلبت الشّعبتان كالدلو، وإذا اشتهى ثمرة ركزها في الأرض فأثمرت تلك الثمرة. وقيل: إنها كانت من آس الجنة. وقيل: أتاه جبريل بها. وقيل: مَلَك. وقيل قال له شعيب: خذ عصا من ذلك البيت فوقعت بيده تلك العصا، وكانت عصا آدم عليه السلام هبط بها من الجنة. والله أعلم.

قوله تعالى: {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} النحاس: ويجوز «حَيَّةً»؛ يقال: خرجت فإذا زيد جالس وجالساً. والوقف «حَيه» بالهاء. والسعي المشي بسرعة وخفة. وعن ابن عباس: انقلبت ثعباناً ذكراً يبتلع الصخر والشجر، فلما رآه يبتلع كل شيء خافه ونفر منه. وعن بعضهم: إنما خاف منه لأنه عرف ما لقي آدمُ منها. وقيل لما قال له ربه: «لاَ تَخَفْ» بلغ من ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها. {سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ} سمعت علي بن سليمان يقول: التقدير إلى سيرتها، مثل «وَاخْتَارَ مُوسىَ قَوْمَهُ» قال: ويجوز أن يكون مصدراً لأن معنى سنعيدها سنسيّرها.

قوله تعالى: {وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ} يجوز في غير القرآن ضُمّ بفتح الميم وكسرها لالتقاء الساكنين، والفتح أجود لخفته، والكسر على الأصل. ويجوز الضم على الإتباع. ويَدٌ أصلها يَدْيٌ على فَعْل؛ يدل على ذلك أيدٍ. وتصغيرها يُدَيَّة. والجناح العضد؛ قاله مجاهد. وقال: «إلى» بمعنى تحت. قطرب: {إِلَىٰ جَنَاحِكَ} إلى جيبك؛ ومنه قول الراجز:

أَضُمُّه للصدر والجَنَاحِ

وقيل: إلى جنبك فعبر عن الجنب بالجناح لأنه مائِل في محل الجناح. وقيل: إلى عندك. وقال مقاتل: «إلى» بمعنى مع أي مع جناحك. و{تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} من غير برص نوراً ساطعاً، يضيء بالليل والنهار كضوء الشمس والقمر وأشد ضوءاً. عن ابن عباس وغيره: فخرجت نوراً مخالفة للونه. و«بَيْضَاءَ» نصب على الحال، ولا ينصرف لأن فيها ألفي التأنيث لا يزايلانها فكأن لزومهما علّة ثانية، فلم ينصرف في النكرة، وخالفَتَا الهاء لأن الهاء تفارق الاسم. و{مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} «من» صلة «بيضاء» كما تقول: ابيضت من غير سوء. {آيَةً أُخْرَىٰ} سوى العصا. فأخرج يده من مِدْرَعة له مصرية لها شعاع مثل شعاع الشمس يعشي البصر. و«آيةً» منصوبة على البدل من بيضاء؛ قاله الأخفش. النحاس: وهو قول حسن. وقال الزجاج: المعنى آتيناك آية أخرى أو نؤتيك؛ لأنه لما قال: {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} دل على أنه قد آتاه آية أخرى. {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ } يريد العظمى. وكان حقه أن يقول الكبيرة، وإنما قال: «الكبرى» لوفاق رؤوس الآي. وقيل: فيه إضمار؛ معناه لنريك من آياتنا الآية الكبرى؛ دليله قول ابن عباس: يد موسى أكبر آياته.

ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ۝٢٤ قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى ۝٢٥ وَيَسِّرْ لِىٓ أَمْرِى ۝٢٦ وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى ۝٢٧ يَفْقَهُوا۟ قَوْلِى ۝٢٨ وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِى ۝٢٩ هَٰرُونَ أَخِى ۝٣٠ ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى ۝٣١ وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى ۝٣٢ كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ۝٣٣ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ۝٣٤ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا ۝٣٥

قوله تعالى: {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ } لما آنسه بالعصا واليد، وأراه ما يدل على أنه رسول، أمره بالذهاب إلى فرعون، وأن يدعوه. «طغى» معناه عصى وتكبر وكفر وتجبر وجاوز الحد. {قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي * وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي * وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي} طلب الإعانة لتبليغ الرسالة. ويقال: إن الله أعلمه بأنه ربط على قلب فرعون وأنه لا يؤمن؛ فقال موسى: يا رب فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؛ فأتاه ملك من خزان الريح فقال: يا موسى انطلق إلى ما أمرك الله به. فقال موسى عند ذلك: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي} أي وسِّعه ونوّره بالإيمان والنبوّة. {وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي } أي سهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون. {وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي } يعني العجمة التي كانت فيه من جمرة النار التي أطفأها في فِيهِ وهو طفل. قال ابن عباس: كانت في لسانه رُتَّة. وذلك أنه كان في حجر فرعون ذات يوم وهو طفل فلطمه لطمة، وأخذ بلحيته فنتفها فقال فرعون لآسية: هذا عدوّي فهات الذبّاحين. فقالت آسية: على رِسْلك فإنه صبيّ لا يفرق بين الأشياء. ثم أتت بطَسْتين فجعلت في أحدهما جمراً وفي الآخر جوهراً، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها في فيه على لسانه، فكانت تلك الرتّة. وروي أن يده احترقت وأن فرعون اجتهد في علاجها فلم تبرأ. ولما دعاه قال: إلى أيّ ربٍّ تدعوني؟ قال: إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنها. وعن بعضهم: إنما لم تبرأ يده لئلا يدخلها مع فرعون في قَصْعة واحدة فتنعقد بينهما حرمة المؤاكلة. ثم اختلف هل زالت تلك الرتّة؛ فقيل: زالت بدليل قوله: {قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ }. وقيل: لم تزل كلها؛ بدليل قوله حكاية عن فرعون:

{ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ }[الزخرف: 52]. ولأنه لم يقل احلل كل لساني، فدل على أنه بقي في لسانه شيء من الاستمساك. وقيل: زالت بالكلية بدليل قوله: «أُوتِيتَ سُوْلَكَ» وإنما قال فرعون: { وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ }[الزخرف: 52] لأنه عرف منه تلك العقدة في التربية، وما ثبت عنده أن الآفة زالت.

قلت: وهذا فيه نظر؛ لأنه لو كان ذلك لما قال فرعون: {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} حين كلمه موسى بلسان ذَلِق فصيح. والله أعلم. وقيل: إن تلك العقدة حدثت بلسانه عند مناجاة ربه، حتى لا يكلم غيره إلا بإذنه. {يَفْقَهُواْ قَوْلِي} أي يعلموا ما أقوله لهم ويفهموه. والفقه في كلام العرب الفهم. قال أعرابي لعيسى بن عمر: شهدت عليك بالفقه. تقول منه: فَقِه الرجل بالكسر. وفلان لا يَفْقَه ولا يَنْقَه. وأفقهتك الشيء. ثم خُصّ به علم الشريعة، والعالم به فقيه. وقد فَقُه بالضم فَقَاهَة وفَقَّهه الله وتَفَقَّه إذا تعاطى ذلك. وفاقهته إذا باحثته في العلم؛ قاله الجوهري. والوزير المؤازر كالأكيل المؤاكل؛ لأنه يحمل عن السلطان وزره أي ثقله. وفي كتاب النسائي عن القاسم بن محمد: سمعت عمتي تقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

من ولي منكم عملاً فأراد الله به خيراً جعل له وزيراً صالحاً إن نسي ذَكَّره وإن ذَكَر أعانه. ومن هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام:ما بعث الله من نبيّ ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه فالمعصوم من عصمه اللهرواه البخاري. فسأل موسى الله تعالى أن يجعل له وزيراً، إلا أنه لم يرد أن يكون مقصوراً على الوزارة حتى لا يكون شريكاً له في النبوّة، ولولا ذلك لجاز أن يستوزره من غير مسألة. وعَيَّن فقال: «هَرُونَ». وانتصب على البدل من قوله: «وَزِيراً». أو يكون منصوباً بـ«ـاجعل» على التقديم والتأخير، والتقدير: واجعل لي هارون أخي وزيراً. وكان هارون أكبر من موسى بسنة، وقيل: بثلاث. {ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي } أي ظهري. والأزر الظهر من موضع الحَقْوين، ومعناه تقوى به نفسي؛ والأزر القوّة، وآزره قوّاه. ومنه قوله تعالى: { فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ }[الفتح: 29]. وقال أبو طالب:

أليس أبونا هاشمٌ شَدَّ أَزْرَهوأَوْصى بنيه بالطِّعانِ وبالضَّرْبِ

وقيل: الأزر العون. أي يكون عوناً يستقيم به أمري. قال الشاعر:

شَددتُ به أَزْرِي وأَيقنْتُ أَنَّهُأخو الفقر من ضاقت عليه مذاهبُه

وكان هارون أكثر لحماً من موسى، وأتم طولاً، وأبيض جسماً، وأفصح لساناً. ومات قبل موسى بثلاث سنين. وكان في جبهة هارون شامة، وعلى أرنبة أنف موسى شامة، وعلى طرف لسانه شامة، ولم تكن على أحد قبله ولا تكون على أحد بعده، وقيل: إنها كانت سبب العقدة التي في لسانه. والله أعلم.

{وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي } أي في النبوة وتبليغ الرسالة. قال المفسرون: كان هارون يومئذٍ بمصر، فأمر الله موسى أن يأتي هو هارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى، فتلقاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحى إليه؛ فقال له موسى: إن الله أمرني أن آتي فرعون فسألت ربي أن يجعلك معي رسولاً. وقرأ العامة «أخي ٱشْدُدْ» بوصل الألف «وَأَشْرِكْهُ» بفتح الهمزة على الدعاء، أي اشدد يا رب أزري، وأشركه معي في أمري. وقرأ ابن عامر ويحيـى بن الحارث وأبو حَيْوة والحسن وعبد الله بن أبي إسحاق «أَشْدُدْ» بقطع الألف «وَأُشرِكْه» [بضم الألف أي أنا أفعل ذلك أشدد أنا به أزري «وأشركه»] أي أنا يا رب «في أمري». قال النحاس: جعلوا الفعلين في موضع جزم جواباً لقوله: {وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً} وهذه القراءة شاذة بعيدة؛ لأن جواب مثل هذا إنما يتخرج بمعنى الشرط والمجازاة؛ فيكون المعنى: إن تجعل لي وزيراً من أهلي أشدد به أزري، وأشركه في أمري. وأمره النبوة والرسالة، وليس هذا إليه صلى الله عليه وسلم فيخبر به، إنما سأل الله عز وجل أن يشركه معه في النبوة. وفتح الياء من «أَخِي» ابن كثير وأبو عمرو. {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً } قيل: معنى «نسبحك» نصلي لك. ويحتمل أن يكون التسبيح باللسان. أي ننزهك عما لا يليق بجلالك. «وكَثِيراً» نعت لمصدر محذوف. ويجوز أن يكون نعتاً لوقت. والإدغام حسن؛ وكذا {وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً }. {إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً } قال الخطابي: البصير المبصر، والبصير العالم بخفيات الأمور، فالمعنى؛ أي عالماً بنا، ومدركاً لنا في صغرنا فأحسنت إلينا، فأحسن إلينا أيضاً كذلك يا رب.

قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَٰمُوسَىٰ ۝٣٦ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰٓ ۝٣٧ إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ ۝٣٨ أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَّهُۥ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ ۝٣٩ إِذْ تَمْشِىٓ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُۥ فَرَجَعْنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَٰكَ مِنَ ٱلْغَمِّ وَفَتَنَّٰكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِىٓ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَٰمُوسَىٰ ۝٤٠ وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى ۝٤١ ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَٰتِى وَلَا تَنِيَا فِى ذِكْرِى ۝٤٢

قوله تعالى: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ } لما سأله شرح الصدر، وتيسير الأمر إلى ما ذكر، أجاب سؤله، وأتاه طِلْبته ومرغوبه. والسؤل الطِّلْبة؛ فُعْل بمعنى مفعول، كقولك خُبز بمعنى مخبوز وأُكل بمعنى مأكول. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ } أي قبل هذه، وهي حفظه سبحانه له من شر الأعداء في الابتداء؛ وذلك حين الذبح. والله أعلم. والمنّ الإحسان والإفضال. وقوله: {إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ } قيل: «أوحينا» ألهمنا. وقيل: أوحي إليها في النوم. وقال ابن عباس رضي الله عنه: أوحي إليها كما أوحي إلى النبيين. {أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ} قال مقاتل: مؤمن آل فرعون هو الذي صنع التابوت ونَجَره وكان اسمه حِزْقيل. وكان التابوت من جُمَّيز. {فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ} أي اطرحيه في البحر: نهر النيل. {فَلْيُلْقِهِ} قال الفراء: {فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ} أمر وفيه معنى المجازاة. أي اقذفيه يلقه اليمُّ. وكذا قوله:

{ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ }[العنكبوت: 12]. {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ} يعني فرعون؛ فاتخذت تابوتاً، وجعلت فيه نطعاً، ووضعت فيه موسى، وقَيَّرت رأسه وخِصَاصه ـ يعني شقوقه ـ ثم ألقته في النيل، وكان يَشْرَع منه نهر كبير في دار فرعون، فساقه الله في ذلك النهر إلى دار فرعون. وروي أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً، فوضعته فيه وقَيَّرته وجَصَّصته، ثم ألقته في اليمّ. وكان يَشْرَع منه إلى بستان فرعون نهر كبير، فبينا هو جالس على رأس بِركة مع آسية، إذا بالتابوت، فأمر به فأخرج، ففتح فإذا صبيّ أصبح الناس، فأحبه عدوّ الله حبًّا شديداً لا يتمالك أن يصبر عنه. وظاهر القرآن يدل على أن البحر ألقاه بساحله وهو شاطئه، فرأى فرعون التابوت بالساحل فأمر بأخذه. ويحتمل أن يكون إلقاء اليمّ بموضع من الساحل، فيه فُوَّهة نهر فرعون، ثم أدّاه النهر إلى حيث البِركة. والله أعلم. وقيل: وجدته ابنة فرعون وكان بها برص، فلما فتحت التابوت شفيت. وروي أنهم حين التقطوا التابوت عالجوا فتحه فلم يقدروا عليه، وعالجوا كسره فأعياهم، فدنت آسِية فرأت في جوف التابوت نوراً فعالجته ففتحته، فإذا صبيّ نوره بين عينيه، وهو يمصّ إبهامه لبناً فأحبّوه. وكانت لفرعون بنت برصاء، وقال له الأطباء: لا تبرأ إلا من قبل البحر، يوجد فيه شبه إنسان دواؤها رِيقه؛ فلطخت البرصاء برصها بريقه فبرئت. وقيل: لما نظرت إلى وجهه برئت. والله أعلم. وقيل: وجدته جوارٍ لامرأة فرعون، فلما نظر إليه فرعون فرأى صبياً من أصبح الناس وجهاً، فأحبه فرعون؛ فذلك قوله تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} قال ابن عباس: أحبه الله وحَبَّبه إلى خلقه. وقال ابن عطية: جعل عليه مَسْحة من جمال لا يكاد يصبر عنه من رآه. وقال قَتَادة: كانت في عيني موسى ملاحة ما رآه أحد إلا أحبّه وعشقه. وقال عِكْرمة: المعنى جعلت فيك حسناً وملاحة فلا يراك أحد إلا أحبّك. وقال الطَبري: المعنى وألقيت عليك رحمتي. وقال ابن زيد: جعلت من رآك أحبّك حتى أحبّك فرعون فسلمت من شرّه، وأحبّتك آسِية بنت مُزَاحم فتبنّتك. {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ} قال ابن عباس: يريد إن ذلك بعيني حيث جُعلت في التابوت، وحيث ألقي التابوت في البحر، وحيث التقطك جواري امرأة فرعون؛ فأردن أن يفتحن التابوت لينظرن ما فيه، فقالت منهن واحدة: لا تفتحْنه حتى تأتين به سيدتكنّ فهو أحظى لكنّ عندها، وأجدر بألا تتهمكنّ بأنكنّ وجدتن فيه شيئاً فأخذتموه لأنفسكنّ. وكانت امرأة فرعون لا تشرب من الماء إلا ما استقينه أولئك الجواري. فذهبن بالتابوت إليها مغلَقاً، فلما فتحته رأت صبياً لم يُرَ مثله قطّ؛ وألقى عليها محبته فأخذته فدخلت به على فرعون، فقالت له: { قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ }[القصص: 9] قال لها فرعون: أمّا لك فَنَعم، وأما لي فلا. فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:لو أن فرعون قال نعم هو قرة عين لي ولك لآمن وصدّقفقالت: هَبْه لي ولا تقتله؛ فوهبه لها. وقيل: {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ} أي تُربَّى وتُغذى على مرأى مني؛ قاله قتادة. قال النحاس: وذلك معروف في اللغة؛ يقال: صنعت الفرس وأصنعته إذا أحسنتَ القيام عليه. والمعنى «ولِتصنع على عينِي» فعلت ذلك. وقيل: اللام متعلقة بما بعدها من قوله: «إِذ تمشِي أختك» على التقديم والتأخير فـ«ـإذ» ظرف «لتصنع». وقيل: الواو في «ولِتصنع» زائدة. وقرأ ابن القَعْقاع «وَلْتُصْنَعْ» بإسكان اللام على الأمر، وظاهره للمخاطب والمأمور غائب. وقرأ أبو نُهَيك «ولِتَصْنَعَ» بفتح التاء. والمعنى ولتكون حركتك وتصرفك بمشيئتي وعلى عين مني. ذكره المهدوي. {إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ} العامل في «إِذ تمشِي» «أَلْقَيْتُ» أو «تصنع». ويجوز أن يكون بدلاً من {إِذْ أَوْحَيْنَآ} وأخته اسمها مريم. {فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ} وذلك أنها خرجت متعرفة خبره، وكان موسى لما وهبه فرعون من امرأته طلبت له المراضع، وكان لا يأخذ من أحد حتى أقبلت أخته، فأخذته ووضعته في حجرها وناولته ثديها فمصه وفرح به. فقالوا لها: تقيمين عندنا؛ فقالت: إنه لا لبن لي ولكن أدلكم على من يكفله وهم له ناصحون. قالوا: ومن هي؟ قالت: أمي. فقالوا: لها لبنٌ؟ قالت: لبن أخي هارون. وكان هارون أكبر من موسى بسنة. وقيل: بثلاث. وقيل: بأربع؛ وذلك أن فرعون رحم بني إسرائيل فرفع عنهم القتل أربع سنين، فولد هارون فيها؛ قاله ابن عباس. فجاءت الأم فقبل ثديها. فذلك قوله تعالى: {فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ} وفي مصحف أبيّ «فرددناك» {كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ} وروى عبد الحميد عن ابن عامر «كَيْ تَقِرَّ عَيْنُهَا» بكسر القاف. قال الجوهري: وقرِرتُ به عيناً وقرَرْتُ به قُرّة وقُروراً فيهما. ورجل قرير العين؛ وقد قرّت عينه تَقِرّ وتقَرّ نقيض سخنت. وأقرّ الله عينه أي أعطاه حتى تقرّ فلا تطمح إلى من هو فوقه، ويقال: حتى تبرد ولا تسخن. وللسرور دمعة باردة، وللحزن دمعة حارة. وقد تقدم هذا المعنى في «مريم». {وَلاَ تَحْزَنَ} أي على فقدك. {وَقَتَلْتَ نَفْساً} قال ابن عباس: قتل قبطياً كافراً. قال كعب: وكان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة. في صحيح مسلم: وكان قتله خطأ؛ على ما يأتي. {فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ} أي آمناك من الخوف والقتل والحبس. {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} أي اختبرناك اختباراً حتى صلحت للرسالة. وقال قتادة: بلوناك بلاء. مجاهد: أخلصناك إخلاصاً. وقال ابن عباس: اختبرناك بأشياء قبل الرسالة، أولها حملته أمه في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الأطفال، ثم إلقاؤه في اليم، ثم منعه من الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم جره بلحية فرعون، ثم تناوله الجمرة بدل الدُّرّة؛ فدرأ ذلك عنه قتل فرعون، ثم قتله القبطي وخروجه خائفاً يترقب، ثم رعايته الغنم ليتدرب بها على رعاية الخلق. فيقال: إنه نَدَّ له من الغنم جَدْي فاتبعه أكثر النهار، وأتعبه، ثم أخذه فقبله وضمه إلى صدره، وقال له: أتعبتني وأتعبت نفسك؛ ولم يغضب عليه. قال وهب بن منبه: ولهذا اتخذه الله تعالى كليماً؛ وقد مضى في «النساء».

قوله تعالى: {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ} يريد عشر سنين أتمّ الأجلين. وقال وهب: لبث عند شعيب ثماني وعشرين سنة، منها عشر مهر امرأته صفورا ابنة شعيب، وثماني عشرة إقامة عنده حتى ولد له عنده. وقوله: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ } قال ابن عباس وقتادة وعبد الرحمن بن كيسان: يريد موافقاً للنبوة والرسالة؛ لأن الأنبياء لا يبعثون إلا أبناء أربعين سنة. وقال مجاهد ومقاتل: «على قَدَرٍ» على وعد وقال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدرت لك أنك تجيء فيه. والمعنى واحد. أي جئت في الوقت الذي أردنا إرسالك فيه. وقال الشاعر:

نال الخلافة أو كانت له قَدَراًكما أَتَى ربَّه موسى على قَدَر

قوله تعالى: {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي } قال ابن عباس: أي اصطفيتك لوحيي ورسالتي. وقيل: {وَٱصْطَنَعْتُكَ} خلقتك؛ مأخوذ من الصنعة. وقيل: قوّيتك وعلمتك لتبلّغ عبادي أمري ونهيي. {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي} قال ابن عباس: يريد التسع الآيات التي أنزلت عليه. {وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي} قال ابن عباس: تضعفا أي في أمر الرسالة؛ وقاله قتادة. وقيل: تفترا. قال الشاعر:

فَمَا وَنَى محمدٌ مُذَ انْ غَفَرْله الإلهُ ما مَضَى وما غَبر

والْوَنَى الضَّعف والفتور، والكَلال والإعياء وكلّه مراد في الآية. وقال امرؤ القيس:

مِسَحٍّ إذا ما السابحاتُ على الوَنَىأَثَرْنَ غُباراً بالكَدِيدِ المرَكَّلِ

ويقال: ونيت في الأمر أنِي وَنًى ووَنْياً أي ضَعُفت، فأنا وانٍ وناقة وانِية وأونيتها أنا أضعفتها وأتعبتها. وفلان لا يَني كذا، أي لا يزال، وبه فَسَّر أبان معنى الآية واستشهد بقول طَرَفة:

كأنّ القُدُورَ الراسياتِ أَمامَهُمْقبابٌ بَنَوْها لا تَنِي أبداً تَغْلِي

وعن ابن عباس أيضاً: لا تبطئا. وفي قراءة ابن مسعود «وَلاَ تَهِنا فِي ذِكرِي» وتحميدي وتمجيدي وتبليغ رسالتي.

ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ۝٤٣ فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ۝٤٤

فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {ٱذْهَبَآ} قال في أول الآية: {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي} وقال هنا: «اذهبا» فقيل: أمر الله تعالى موسى وهارون في هذه الآية بالنفوذ إلى دعوة فرعون، وخاطب أولاً موسى وحده تشريفاً له؛ ثم كرر للتأكيد. وقيل: بَيَّن بهذا أنه لا يكفي ذهاب أحدهما. وقيل: الأول أمر بالذهاب إلى كل الناس، والثاني بالذهاب إلى فرعون.

الثانية: في قوله تعالى: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً} دليل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن ذلك يكون باللين من القول لمن معه القوة، وضمنت له العصمة، ألا تراه قال: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً}. وقال: {لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} فكيف بنا فنحن أولى بذلك. وحينئذٍ يحصل الآمر أو الناهي على مرغوبه، ويظفر بمطلوبه؛ وهذا واضح.

الثالثة: واختلف الناس في معنى قوله «لَيِّناً» فقالت فرقة منهم الكلبي وعكرمة: معناه كَنِّياه؛ وقاله ابن عباس ومجاهد والسدي. ثم قيل: وكنيته أبو العباس. وقيل: أبو الوليد. وقيل: أبو مرة؛ فعلى هذا القول تكنية الكافر جائزة إذا كان وجيهاً ذا شرف وطُمِع بإسلامه. وقد يجوز ذلك وإن لم يُطمَع بإسلامه؛ لأن الطمع ليس بحقيقة توجب عملاً. وقد قال صلى الله عليه وسلم:

إذا أتاكم كريم قوم فأكرموهولم يقل وإن طمعتم في إسلامه، ومن الإكرام دعاؤه بالكُنية. وقد قال صلى الله عليه وسلم لصفوان بن أمية:انزل أبا وهبفكناه. وقال لسعد:ألم تسمع ما يقوله أبو حُبَابيعني عبد الله بن أبيّ. وروي في الإسرائيليات أن موسى عليه السلام قام على باب فرعون سنة، لا يجد رسولاً يبلغ كلاماً حتى خرج. فجرى له ما قصّ الله علينا من ذلك، وكان ذلك تسلية لمن جاء بعده من المؤمنين في سيرتهم مع الظالمين، وربك أعلم بالمهتدين. وقيل قال له موسى: تؤمن بما جئتُ به، وتعبد ربّ العالمين؛ على أن لك شباباً لا يَهْرَم إلى الموت، وملكاً لا ينزع منك إلى الموت، وينسأ في أجلك أربعمائة سنة، فإذا متّ دخلت الجنة. فهذا القول اللين. وقال ابن مسعود: القول اللين قوله تعالى: { فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ }[النازعات: 18 ـ 19]. وقد قيل إن القول اللين قول موسى: يا فرعون إنا رسولا ربك ربّ العالمين. فسماه بهذا الاسم لأنه كان أحب إليه مما سواه مما قيل له، كما يسمى عندنا الملك ونحوه.

قلت: القول اللَّين هو القول الذي لا خشونة فيه؛ يقال: لان الشيء يَلِين لَيْناً؛ وشيء ليِّن ولَيْن مخفّف منه؛ والجمع الِيناء. فإذا كان موسى أمر بأن يقول لفرعون قولاً ليناً، فمن دونه أحرى بأن يقتدي بذلك في خطابه، وأمره بالمعروف في كلامه. وقد قال الله تعالى:

{ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً }[البقرة: 83]. على ما تقدم في «البقرة» بيانه والحمد لله.

الرابعة: قوله تعالى: {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} معناه: على رجائكما وطمعكما؛ فالتوقع فيها إنما هو راجع إلى جهة البشر؛ قاله كبراء النحويين: سيبويه وغيره. وقد تقدم في أول «البقرة». قال الزجاج: «لعل» لفظة طمع وترج فخاطبهم بما يعقلون. وقيل: «لعل» هاهنا بمعنى الاستفهام، والمعنى فانظر هل يتذكر. وقيل: هي بمعنى كي. وقيل: هو إخبار من الله تعالى عن قول هارون لموسى لعله يتذكر أو يخشى؛ قاله الحسن. وقيل: إن لعل وعسى في جميع القرآن لما قد وقع. وقد تذكر فرعون حين أدركه الغرق وخشي فقال:

{ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } [يونس: 90]. ولكن لم ينفعه ذلك؛ قاله أبو بكر الوراق وغيره. وقال يحيـى بن معاذ في هذه الآية؛ هذا رِفقك بمن يقول أنا الإلٰه فكيف رفقك بمن يقول أنت الإلٰه؟! وقد قيل: إن فرعون رَكَنَ إلى قول موسى لما دعاه، وشاور امرأته فآمنت وأشارت عليه بالإيمان، فشاور هامان فقال: لا تفعل؛ بعد أن كنت مالكاً تصير مملوكاً، وبعد أن كنت رباً تصير مربوباً. وقال له: أنا أردّك شاباً؛ فخضب لحيته بالسواد فهو أول من خضب.

قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ ۝٤٥

قوله تعالى: {قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ } قال الضحاك: {يَفْرُطَ} يَعْجَل. قال: و{يَطْغَىٰ } يعتدي. النحاس: التقدير نخاف أن يفرط علينا منه أمر، قال الفراء: فَرَط منه أمرٌ أي بدر؛ قال: وأفرط أسرف. قال: وفَرَّط ترك. وقراءة الجمهور «يَفْرُطَ» بفتح الياء وضم الراء، ومعناه يَعْجَل ويبادر بعقوبتنا. يقال: فَرَط مني أمرٌ أي بدر؛ ومنه الفارط في الماء الذي يتقدم القوم إلى الماء. أي يعذّبنا عذاب الفارط في الذنب وهو المتقدم فيه؛ قاله المبرّد. وقرأت فرقة منهم ابن محيصن «يَفْرَطُ» بفتح الياء والراء؛ قال المهدوي: ولعلها لغة. وعنه أيضاً بضم الياء وفتح الراء ومعناها أن يحمله حامل على التسرع إلينا. وقرأت طائفة «يُفْرِط» بضم الياء وكسر الراء؛ وبها قرأ ابن عباس ومجاهد وعكرمة وابن محيصن أيضاً. ومعناه يشطط في أذيتنا؛ قال الراجز:

قـد أَفـرطَ العِـلْـجُ عليـنـا وعَـجَـل

قَالَ لَا تَخَافَآ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ۝٤٦

فيه مسألتان:

الأولى: قال العلماء: لمّا لحقهما ما يلحق البشر من الخوف على أنفسهما عرّفهما الله سبحانه أن فرعون لا يصل إليهما ولا قومه. وهذه الآية تردّ على من قال: إنه لا يخاف؛ والخوف من الأعداء سنة الله في أنبيائه وأوليائه مع معرفتهم به وثقتهم. ولقد أحسن البصري رحمه الله حين قال للمخبر عن عامر بن عبد الله ـ أنه نزل مع أصحابه في طريق الشام على ماء، فحال الأسد بينهم وبين الماء، فجاء عامر إلى الماء فأخذ منه حاجته، فقيل له: فقد خاطرت بنفسك. فقال: لأَن تختلف الأسنَّة في جَوْفي أحبَّ إليَّ من أن يعلم الله أني أخاف شيئاً سواه ـ: قد خاف من كان خيراً من عامر؛ موسى صلى الله عليه وسلم حين قال له الرجل:

{ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّاصِحِينَ فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ }[القصص: 20 ـ 21] وقال: { فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ }[القصص: 18] وقال حين ألقى السحرةُ حبالهم وعصيّهم: { فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ * قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ }[طه: 67 ـ 68].

قلت: ومنه حَفْر النبي صلى الله عليه وسلم الخندق حول المدينة تحصيناً للمسلمين وأموالهم، مع كونه من التوكل والثقة بربه بمحل لم يبلغه أحد؛ ثم كان من أصحابه ما لا يجهله أحد من تحولهم عن منازلهم، مرة إلى الحبشة، ومرة إلى المدينة؛ تخوفاً على أنفسهم من مشركي مكة؛ وهرباً بدينهم أن يفتنوهم عنه بتعذيبهم. وقد قالت أسماء بنت عميس لعمر لما قال لها سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم: كذبت يا عمر؛ كلاّ والله كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُطعِم جائعَكم، ويَعظ جاهلَكم، وكنا في دار ـ أو أرض ـ البُعداء البُغضاء في الحبشة؛ وذلك في الله وفي رسوله؛ وأيمُ اللَّهِ لا أَطْعَم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلتَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن كنا نُؤذَى ونُخاف. الحديث بطوله خرجه مسلم. قال العلماء: فالمخبر عن نفسه بخلاف ما طبع الله نفوس بني آدم (عليه) كاذب؛ وقد طبعهم على الهرب مما يضرها ويؤلمها أو يتلفها. قالوا: ولا ضار أضرّ من سبع عادٍ في فلاة من الأرض على من لا آلة معه يدفعه بها عن نفسه، من سيف أو رمح أو نبل أو قوس وما أشبه ذلك.

الثانية: قوله تعالى: {إِنَّنِي مَعَكُمَآ} يريد بالنصر والمعونة والقدرة على فرعون. وهذا كما تقول: الأمير مع فلان إذا أردت أنه يحميه. وقوله: {أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} عبارة عن الإدراك الذي لا تخفى معه خافية، تبارك الله رب العالمين.

فَأْتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَٰكَ بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰٓ ۝٤٧ إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ۝٤٨ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ ۝٤٩ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ۝٥٠

قوله تعالى: {فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ} في الكلام حذف، والمعنى: فأتياه فقالا له ذلك. {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي خَلِّ عنهم. {وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ} أي بالسّخرة والتعب في العمل، وكان بنو إسرائيل عند فرعون في عذاب شديد؛ يذبّح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، ويكلّفهم من العمل في الطّين واللَّبِن وبناء المدائن ما لا يطيقونه. {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ} قال ابن عباس: يريد العصا واليد. وقيل: إن فرعون قال له: وما هي؟ فأدخل يده في جيب قميصه، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع مثل شعاع الشمس، غلب نورها على نور الشمس فعجب منها. ولم يره العصا إلا يوم الزّينة. {وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} قال الزجاج: أي من اتبع الهدى سلم من سخط الله عز وجل وعذابه. قال: وليس بتحية، والدليل على ذلك أنه ليس بابتداء لِقاءٍ ولا خطاب. الفراء: السلام على من اتبع الهدى ولمن اتبع الهدى سواء. {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ} يعني الهلاك والدَّمار في الدنيا والخلود في جهنم في الآخرة {عَلَىٰ مَن كَذَّبَ} أنبياء الله {وَتَوَلَّىٰ } أعرض عن الإيمان. وقال ابن عباس: هذه أَرَجى آية للموحِّدين لأنهم لم يكذِّبوا ولم يتولّوا.

قوله تعالى: {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ } ذكر فرعون موسى دون هارون لرؤوس الآي. وقيل: خصّصه بالذكر لأنه صاحب الرسالة والكلام والآية. وقيل: إنهما جميعاً بلّغا الرسالة وإن كان ساكتاً؛ لأنه في وقت الكلام إنما يتكلم واحد، فإذا انقطع وازره الآخر وأَيَّده. فصار لنا في هذا البناء فائدة علمٍ؛ أن الاثنين إذا قُلِّدا أمراً فقام به أحدهما، والآخر شخصه هناك موجود مستغنى عنه في وقت دون وقت أنهما أديا الأمر الذي قُلِّدا وقاما به واستوجبا الثواب، لأن الله تعالى قال: {ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} وقال: {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ} وقال: {فَقُولاَ لَهُ} فأمرهما جميعاً بالذهاب وبالقول، ثم أعلمنا في وقت الخطاب بقوله: {فَمَن رَّبُّكُمَا} أنه كان حاضراً مع موسى. {قَالَ} موسى: {رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ} أي أنه يُعرَف بصفاته، وليس له اسم عَلَم حتى يقال فلان، بل هو خالق العالم، وهو الذي خصّ كل مخلوق بهيئة وصورة، ولو كان الخطاب معهما لقالا: قالا ربنا. «وخَلْقَهُ» أول مفعولي أعطى، أي أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به، أو ثانيهما أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به؛ على قول الضحاك على ما يأتي. {ثُمَّ هَدَىٰ} قال ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي: أعطى كل شيء زوجه من جنسه، ثم هداه إلى منكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه. وعن ابن عباس: ثم هداه إلى الألفة والاجتماع والمناكحة. وقال الحسن وقتادة: أعطى كل شيء صلاحه، وهَداه لما يصلحه. وقال مجاهد: أعطى كل شيء صورة؛ لم يجعل خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كل شيء فقدّره تقديراً. وقال الشاعر:

وله في كلِّ شيءٍ خِلْقَةٌوكذاك الله ما شاء فعلْ

يعني بالخلقة الصورة؛ وهو قول عطية ومقاتل. وقال الضحاك: أعطى كل شيء خلْقه من المنفعة المنوطة به المطابقة له. يعني اليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع. وقيل: أعطى كل شيء ما ألهمه من علم أو صناعة. وقال الفراء: خلق الرجل للمرأة، ولكل ذكر ما يوافقه من الإناث، ثم هدى الذكر للأنثى. فالتقدير على هذا أعطى كل شيء مثل خلقه.

قلت: وهذا معنى قول ابن عباس. والآية بعمومها تتناول جميع الأقوال. وروى زائدة عن الأعمش أنه قرأ «الَّذِي أَعْطَى كُل شَيْءٍ خَلَقَهُ» بفتح اللام؛ وهي قراءة ابن أبي إسحاق ورواها نصير عن الكسائي وغيره؛ أي أعطى بني آدم كل شيء خلقه مما يحتاجون إليه. فالقراءتان متفقتان في المعنى.

قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلْأُولَىٰ ۝٥١ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَٰبٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى ۝٥٢

فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {قَالَ فَمَا بَالُ} البال الحال؛ أي ما حالها وما شأنها، فأعلمه أن علمها عند الله تعالى، أي إن هذا من علم الغيب الذي سألت عنه، وهو مما استأثر الله تعالى به لا يعلمه إلا هو، وما أنا إلا عبد مثلك؛ لا أعلم منه إلا ما أخبرني به علام الغيوب، وعلم أحوال القرون مكتوبة عند الله في اللوح المحفوظ. وقيل: المعنى فما بال القرون الأولى لم يقروا بذلك. أي فما بالهم ذهبوا وقد عبدوا غير ربك. وقيل: إنما سأله عن أعمال القرون الأولى، فأعلمه أنها محصاة عند الله تعالى، ومحفوظة عنده في كتاب. أي هي مكتوبة فسيجازيهم غداً بها وعليها. وعنى بالكتاب اللوح المحفوظ. وقيل: هو كتاب مع بعض الملائكة.

الثانية: هذه الآية ونظائرها مما تقدم ويأتي تدل على تدوين العلوم وكَتْبها لئلا تُنْسى. فإن الحفظ قد تعتريه الآفات من الغلط والنّسيان. وقد لا يحفظ الإنسان ما يسمع فيقيده لئلا يذهب عنه. وروينا بالإسناد المتصل عن قتادة أنه قيل له: أنكتب ما نسمع منك؟ قال: وما يمنعك أن تكتب وقد أخبرك اللطيف الخبير أنه يكتب؛ فقال: {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى}. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لما قضى الله الخلق كتب في كتاب على نفسه فهو موضوع عنده إن رحمتي تغلِب غضبي. وأسند الخطيب أبو بكر عن أبي هريرة قال: كان رجل من الأنصار يجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستمع منه الحديث ويعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إني أسمع منك الحديث يعجبني ولا أحفظه؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استعن بيمينك» وأومأ إلى الخطّ. وهذا نصّ. وعلى جواز كَتْب العلم وتدوينه جمهور الصحابة والتابعين؛ وقد أمر صلى الله عليه وسلم: بكَتْب الخطبة التي خطب بها في الحج لأبي شاه ـ رجل من اليمن ـ لما سأله كَتْبها. أخرجه مسلم. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قَيِّدُوا العلمَ بالكتابة. وقال معاوية بن قُرّة: من لم يكتب العلم لم يعد علمه علماً. وقد ذهب قوم إلى المنع من الكَتْب؛ فروى أبو نضرة قال: قيل لأبي سعيد: أنكتب حديثكم هذا؟ قال: لم تجعلونه قرآناً؟ ولكن احفظوا كما حفظنا. وممن كان لا يكتب الشعبي ويونس بن عبيد وخالد الحذّاء ـ قال خالد: ما كتبت شيئاً قط إلا حديثاً واحداً، فلما حفظته محوته ـ وابن عون والزهري. وقد كان بعضهم يكتب فإذا حفظ محاه؛ منهم محمد بن سيرين وعاصم بن ضَمْرة. وقال هشام بن حسان: ما كتبت حديثاً قطّ إلا حديث الأعماق فلما حفظته محوته.

قلت: وقد ذكرنا عن خالد الحذّاء مثل هذا. وحديث الأعماق خرجه مسلم في آخر الكتاب:

لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق ـ أو ـ بدابقالحديث ذكره في كتاب الفتن. وكان بعضهم يحفظ ثم يكتب ما يحفظ؛ منهم الأعمش وعبد الله بن إدريس وهشيم وغيرهم. وهذا احتياط على الحفظ. والكَتْب أولى على الجملة، وبه وردت الآي والأحاديث؛ وهو مرويّ عن عمر وعلي وجابر وأنس رضي الله عنهم، ومن يليهم من كبراء التابعين كالحسن وعطاء وطاوس وعروة بن الزبير، ومن بعدهم من أهل العلم؛ قال الله تعالى: { وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ }[الأعراف: 145]. وقال تعالى: { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ }[الأنبياء: 105]. وقال تعالى: { وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً }[الأعراف: 156] الآية. وقال تعالى: { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ }[القمر: 52 ـ 53]. وقال: {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ} إلى غير هذا من الآي. وأيضاً فإن العلم لا يضبط إلا بالكتاب، ثم بالمقابلة والمدارسة والتعهد والتحفظ والمذاكرة والسؤال والفحص عن الناقلين والثقة بما نقلوا، وإنما كره الكَتبْ من كره من الصدر الأوّل لقرب العهد، وتقارب الإسناد لئلا يعتمده الكاتب فيهمله، أو يرغب عن حفظه والعمل به؛ فأما والوقت متباعد، والإسناد غير متقارب، والطرق مختلفة، والنَّقَلة متشابهون، وآفة النسيان معترضة، والوهم غير مأمون؛ فإن تقييد العلم بالكتاب أولى وأشفى، والدليل على وجوبه أقوى؛ فإن احتج محتج بحديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:لا تكتبوا عني ومن كتب غير القرآن فليمحهخرجه مسلم؛ فالجواب أن ذلك كان متقدماً؛ فهو منسوخ بأمره بالكتابة، وإباحتها لأبي شاه وغيره. وأيضاً كان ذلك لئلا يخلط بالقرآن ما ليس منه. وكذا ما روي عن أبي سعيد أيضاً ـ حرصنا أن يأذن لنا النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة فأبى ـ إن كان محفوظاً فهو قبل الهجرة، وحين كان لا يؤمن الاشتغال به عن القرآن.

الثالثة: قال أبو بكر الخطيب: ينبغي أن يكتب الحديث بالسواد؛ ثم الحبر خاصة دون المداد لأن السواد أصبغ الألوان، والحبر أبقاها على مر الدهور. وهو آلة ذوي العلم، وعدّة أهل المعرفة. ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال: رآني الشافعي وأنا في مجلسه وعلى قميصي حبر وأنا أخفيه؛ فقال: لم تخفيه وتستره؟ إن الحبر على الثوب من المروءة لأن صورته في الأبصار سواد، وفي البصائر بياض. وقال خالد بن يزيد: الحبر في ثوب صاحب الحديث مثل الخَلُوق في ثوب العروس. وأخذ هذا المعنى أبو عبد الله البَلَوي فقال:

مِدادُ المَحَابرِ طيبُ الرجالوطِيب النساءِ من الزّعفرانْفهذا يَليق بأثواب ذَاوهذا يليقُ بثوب الحَصَانْ

وذكر الماوردي أن عبد الله بن سليمان فيما حكى؛ رأى على بعض ثيابه أثر صفرة؛ فأخذ من مداد الدواة وطلاه به؛ ثم قال: المداد بنا أحسن من الزعفران؛ وأنشد:

إنّما الزّعفرانُ عِطرُ العَذَارَىومِدادُ الدّويِّ عِطرُ الرِّجالِ

الرابعة: قوله تعالى: {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} اختلف في معناه على أقوال خمسة؛ الأول: إنه ابتداء كلام، تنزيه لله تعالى عن هاتين الصفتين. وقد كان الكلام تم في قوله: «في كتاب». وكذا قال الزجاج، وأن معنى «لا يضلّ» لا يهلك من قوله: {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ} [السجدة: 10]. «وَلا يَنْسَى» شيئاً؛ نزّهه عن الهلاك والنّسيان. القول الثاني: «لاَ يَضِلُّ» لا يخطىء؛ قاله ابن عباس؛ أي لا يخطىء في التدبير، فمن أنظره فلحكمة أنظره، ومن عاجله فلحكمة عاجله. القول الثالث: «لا يضل» لا يغيب. قال ابن الأعرابي: أصل الضلال الغَيبوبة؛ يقال: ضلّ الناسِي إذا غاب عنه حفظ الشيء. قال: ومعنى {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} أي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء. القول الرابع قاله الزجاج أيضاً وقال النحاس وهو أشبهها بالمعنى ـ: أخبر الله عز وجل أنه لا يحتاج إلى كتاب؛ والمعنى؛ لا يضل عنه علم شيء من الأشياء ولا معرفتها، ولا ينسى ما علِمه منها.

قلت: وهذا القول راجع إلى معنى قول ابن الأعرابي. وقول خامس: إن {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} في موضع الصفة لـ«ـكتاب» أي الكتاب غير ضال عن الله عز وجل؛ أي غير ذاهب عنه. {وَلاَ يَنسَى} أي غير ناسٍ له فهما نعتان لـ«ـكتاب». وعلى هذا يكون الكلام متصلاً، ولا يوقف على «كتاب». تقول العرب: ضلّني الشيء إذا لم أجده، وأضللته أنا إذا تركته في موضع فلم تجده فيه. وقرأ الحسن وقتادة وعيسى بن عمر وابن محيصن وعاصم الجَحْدري وابن كثير فيما روى شبل عنه «لاَ يُضِلُّ» بضم الياء على معنى لا يُضيعه ربّي ولا ينساه. قال ابن عرفة: الضلالة عند العرب سلوك سبيل غير القصد؛ يقال: ضلَّ عن الطريق، وأضل الشيء إذا أضاعه. ومنه قرأ من قرأ «لاَ يُضِلُّ رَبِّي» أي لا يُضيع؛ هذا مذهب العرب.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ