انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يونس

تفسير القرطبيالآيات 89–109

تفسير سورة يونس آية آية، من تفسير القرطبي.

قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۝٨٩

قوله تعالى: {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} قال أبو العالية: دعا موسى وأمّن هارون؛ فسمى هارون وقد أمّن على الدعاء داعياً. والتأمين على الدعاء أن يقول آمين؛ فقولك آمين دعاء، أي يا رب استجب لي. وقيل: دعا هارون مع موسى أيضاً. وقال أهل المعاني: ربما خاطبت العرب الواحد بخطاب الاثنين؛ قال الشاعر:

فقلت لصاحبي لا تُعجلانابنزع أُصوله فٱجتز شِيحا

وهذا على أن آمين ليس بدعاء، وأن هارون لم يدع. قال النحاس: سمعت عليّ بن سليمان يقول: الدليل على أن الدعاء لهما قول موسى عليه السلام «ربنا» ولم يقل رب. وقرأ عليّ والسُّلَمِيّ «دعواتُكما» بالجمع. وقرأ ابن السَّمَيقَع «أجبتُ دعوتَكما» خبراً عن الله تعالى، ونصب دعوة بعده. وتقدم القول في «آمين» في آخر الفاتحة مستوفًى. وهو مما خص به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهارون وموسى عليهما السلام. روى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أعطى أُمّتي ثلاثاً لم تُعْط أحداً قبلهم السلام وهي تحية أهل الجنة وصفوف الملائكة وآمين إلا ما كان من موسى وهارونذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأُصول. وقد تقدّم في الفاتحة.

قوله تعالى: {فَٱسْتَقِيمَا} قال الفرّاء وغيره: أمر بالاستقامة على أمرهما والثبات عليه من دعاء فرعون وقومه إلى الإيمان، إلى أن يأتيهما تأويل الإجابة. قال محمد بن عليّ وابن جريج: مكث فرعون وقومه بعد هذه الإجابة أربعين سنة ثم أهلكوا. وقيل: «استقيما» أي على الدعاء؛ والاستقامة في الدعاء ترك الاستعجال في حصول المقصود، ولا يسقط الاستعجال من القلب إلا باستِقامة السكينة فيه، ولا تكون تلك السكينة إلا بالرضا الحسن لجميع ما يبدو من الغيب. {وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} بتشديد النون في موضع جزم على النهي، والنون للتوكيد وحركت لالتقاء الساكنين واختير لها الكسر لأنها أشبهت نون الاثنين. وقرأ ٱبن ذَكْوَان بتخفيف النون على النفي. وقيل: هو حال من استقيما؛ أي استقيما غير متَّبعَين، والمعنى: لا تسلكا طريق من لا يعلم حقيقة وعدي ووعيدي.

وَجَٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُۥ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ۝٩٠

قوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ} تقدّم القول فيه في «البقرة» في قوله:

{ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ }[البقرة: 50]. وقرأ الحسن «وجوّزنا» وهما لغتان. {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ} يقال: تبِع وأتبع بمعنًى واحد، إذا لحقه وأدركه. وٱتبع (بالتشديد) إذا سار خلفه. وقال الأصمعي: أتبعه (بقطع الألف) إذا لحقه وأدركه، وٱتبعه (بوصل الألف) إذا ٱتبع أثره، أدركه أو لم يدركه. وكذلك قال أبو زيد. وقرأ قتادة «فٱتبعهم» بوصل الألف. وقيل: «ٱتبعه» (بوصل الألف) في الأمر اقتدى به. وأتبعه (بقطع الألف) خيراً أو شراً؛ هذا قول أبي عمرو. وقد قيل هما بمعنًى واحد. فخرج موسى ببني إسرائيل وهم ستمائة ألف وعشرون ألفاً، وتبعه فرعون مُصْبِحاً في ألفي ألف وستمائة ألف. وقد تقدّم. {بَغْياً} نصب على الحال. {وَعَدْواً} معطوف عليه؛ أي في حال بَغْيٍ واعتداء وظلم؛ يقال: عدا يعدو عَدْواً؛ مثل غزا يغزو غزْواً. وقرأ الحسن «وعُدوّا» بضم العين والدال وتشديد الواو؛ مثلُ علا يعلو عُلُوّاً. وقال المفسرون: «بغياً» طلباً للاستعلاء بغير حق في القول، «وعدواً» في الفعل؛ فهما نصب على المفعول له. {حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ} أي ناله ووصله. {قَالَ آمَنتُ} أي صدّقت. {أَنَّهُ} أي بأنه. {لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ} فلما حذف الخافض تعدّى الفعل فنصب. وقرىء بالكسر، أي صرت مؤمناً ثم استأنف. وزعم أبو حاتم أن القول محذوف، أي آمنت فقلت إنه، والإيمان لا ينفع حينئذ؛ والتوبة مقبولة قبل رؤية البأس، وأما بعدها وبعد المخالطة فلا تقبل، حسب ما تقدّم في «النساء» بيانه. ويقال: إن فرعون هاب دخول البحر وكان على حصان أدهَم ولم يكن في خيل فرعون فرس أُنثى؛ فجاء جبريل على فرس وَدِيق ـ أي شَهِيّ ـ في صورة هامان وقال له: تقدّم، ثم خاض البحر فتبعها حصان فرعون، وميكائيل يسوقهم لا يشذّ منهم أحد، فلما صار آخرهم في البحر وهَمّ أوّلهم أن يخرج ٱنطبق عليهم البحر، وألجم فرعونَ الغرقُ فقال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل؛ فدس جبريل في فمه حال البحر، وروى الترمذي عن ابن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: لما أغرق الله فرعون قال آمنت أنه لا إلۤه إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل قال جبريل يا محمد فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسّه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. حال البحر: الطين الأسود الذي يكون في أرضه؛ قاله أهل اللغة. وعن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه ذكر: أن جبريل جعل يدسّ في فيّ فرعون الطين خشية أن يقول لا إلۤه إلا الله فيرحمه الله أو خشية أن يرحمه. قال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقال عَون بن عبد الله: بلغني أن جبريل قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ما ولد إبليسُ أبغَض إليّ من فرعون، فإنه لما أدركه الغرق قال: «آمنت» الآية، فخشيت أن يقولها فيرحم، فأخذت تربة أو طينة فحشوتها في فيه. وقيل: إنما فُعل هذا به عقوبة له على عظيم ما كان يأتي. وقال كعب الأحبار: أمسك الله نيل مصر عن الجَرْي في زمانه، فقالت له القبط: إن كنت ربنا فأجْرِ لنا الماء؛ فركب وأمر بجنوده قائداً قائداً وجعلوا يقفون على درجاتهم وقفز حيث لا يرونه ونزل عن دابته ولبس ثياباً له أُخرى وسجد وتضرّع لله تعالى فأجرى الله له الماء، فأتاه جبريل وهو وحده في هيئة مُسْتَفْتٍ وقال: ما يقول الأمير في رجل له عبد قد نشأ في نعمته لا سند له غيره، فكفر نِعمه وجحد حقّه وٱدّعى السيادة دونه؛ فكتب فرعون؛ يقول أبو العباس الوليد بن مصعب بن الريّان جزاؤه أن يغرّق في البحر؛ فأخذه جبريل ومرّ فلما أدركه الغرق ناوله جبريل عليه السلام خطّه. وقد مضى هذا في «البقرة» عن عبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس مسنداً؛ وكان هذا في يوم عاشوراء على ما تقدّم بيانه في «البقرة» أيضاً فلا معنى للإعادة.

قوله تعالى: {وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي من الموحدين المستسلمين بالانقياد والطاعة.

ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝٩١

قيل: هو من قول الله تعالى. وقيل: هو من قول جبريل. وقيل: ميكائيل، صلوات الله عليهما، أو غيرهما من الملائكة له صلوات الله عليهم. وقيل: هو من قول فرعون في نفسه، ولم يكن ثَمّ قول باللسان بل وقع ذلك في قلبه فقال في نفسه ما قال: حيث لم تنفعه الندامة؛ ونظيره.

{ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ }[الإنسان: 9] أثنى عليهم الرب بما في ضميرهم لا أنهم قالوا ذلك بلفظهم، والكلام الحقيقي كلام القلب.

فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ ۝٩٢

قوله تعالى: {فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} أي نلْقيك على نَجْوة من الأرض. وذلك أن بني إسرائيل لم يصدّقوا أن فرعون غَرِق، وقالوا: هو أعظم شأناً من ذلك، فألقاه الله على نَجْوة من الأرض، أي مكان مرتفع من البحر حتى شاهدوه. قال أوس بن حَجَر يصف مطراً:

فَمن بعَقْوَته كمن بنَجْوَتهوالْمُسْتَكِنّ كمنْ يَمْشِي بِقِرْواحِ

وقرأ اليزيديّ وابن السَّمَيْقَع «ننحّيك» بالحاء من التنحية، وحكاها علقمة عن ابن مسعود؛ أي تكون على ناحية من البحر. قال ابن جريج: فرمى به على ساحل البحر حتى رآه بنو إسرائيل، وكان قصيراً أحمر كأنه ثور. وحكى علقمة عن عبد الله أنه قرأ «بندائك» من النداء. قال أبو بكر الأنباريّ: وليس بمخالف لهجاء مصحفنا، إذ سبيله أن يكتب بياء وكاف بعد الدال؛ لأن الألف تسقط من ندائك في ترتيب خط المصحف كما سقط من الظلمات والسموات، فإذا وقع بها الحذف ٱستوى هجاء بدنك وندائك، على أن هذه القراءة مرغوب عنها لشذوذها وخلافها ما عليه عامّة المسلمين؛ والقراءة سُنّة يأخذها آخر عن أوّل، وفي معناها نقص عن تأويل قراءتنا، إذ ليس فيها للدرع ذكر، الذي تتابعت الآثار بأن بني إسرائيل ٱختلفوا في غرق فرعون، وسألوا الله تعالى أن يريهم إياه غريقاً فألقوه على نَجوة من الأرض ببدنه وهو درعه التي يلبسها في الحروب. قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي: وكان درعه من لؤلؤ منظوم. وقيل: من الذهب وكان يعرف بها. وقيل: من حديد؛ قاله أبو صخر: والبدن الدرع القصيرة. وأنشد أبو عبيدة للأعشى:

وبيضاء كالنِّهْي مَوْضُونةلها قَوْنَسٌ فوق جَيْب البَدَنْ

وأنشد أيضاً لعمرو بن معد يكرب:

ومضى نساؤهُم بكل مُفاضةٍجَدْلاَء سابغةٍ وبالأبدان

وقال كعب بن مالك:

ترى الأبدان فيها مسبَغاتعلى الأبطال واليَلَب الحِصينا

أراد بالأبدان الدروع، واليلب الدروع اليمانية، كانت تتخذ من الجلود يخرز بعضها إلى بعض؛ وهو ٱسم جنس، الواحد يلبة. قال عمرو بن كلثوم:

علينا البيضُ والَيلَبُ اليمانِيّوأسيافٌ يَقُمن ويَنْحَنِينا

وقيل: «ببدنك» بجسد لا روح فيه؛ قاله مجاهد: قال الأخفش: وأما قول من قال بدرعك فليس بشيء. قال أبو بكر: لأنهم لما ضرعوا إلى الله يسألونه مشاهدة فرعون غريقا أبرزه لهم فرأُوا جسداً لا روح فيه، فلما رأته بنو إسرائيل قالوا نعم! يا موسى هذا فرعون وقد غرِق؛ فخرج الشك من قلوبهم وٱبتلع البحر فرعون كما كان. فعلى هذا «نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ» ٱحتمل معنيين: أحدهما ـ نلقيك على نَجْوة من الأرض. والثاني ـ نظهر جسدك الذي لا روح فيه. والقراءة الشاذة «بندائك» يرجع معناها إلى معنى قراءة الجماعة، لأن النداء يفسر تفسيرين، أحدهما ـ نلقيك بصياحك بكلمة التوبة، وقولِك بعد أن أغلق بابها ومضى وقت قبولها: «آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إلۤهَ إلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ» على موضع رفيع. والآخر ـ فاليوم نعزِلك عن غامض البحر بندائك لمّا قلت أنا ربكم الأعلى؛ فكانت تنجيته بالبدن معاقبةً من رب العالمين له على ما فَرَط من كفره الذي منه نداؤه الذي ٱفترى فيه وبُهت، وٱدّعى القدرة والأمر الذي يعلم أنه كاذب فيه وعاجز عنه وغير مستحق له. قال أبو بكر الأنبارِيّ: فقراءتنا تتضمن ما في القراءة الشاذة من المعاني وتزيد عليها.

قوله تعالى: {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} أي لبني إسرائيل ولمن بقي من قوم فرعون ممن لم يدركه الغرق ولم ينته إليه هذا الخبر. {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} أي معرضون عن تأمّل آياتنا والتفكر فيها. وقرىء «لمن خَلَفك» (بفتح اللام)؛ أي لمن بقي بعدك يخلفك في أرضك. وقرأ عليّ بن أبي طالب «لمن خلقك» بالقاف؛ أي تكون آية لخالقك.

وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ فَمَا ٱخْتَلَفُوا۟ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۝٩٣

قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ} أي منزل صدق محمود مختار، يعني مصر. وقيل: الأرْدُنّ وفلسطين. وقال الضحاك: هي مصر والشأم. {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي من الثمار وغيرها. وقال ٱبن عباس؛ يعني قُريظة والنَّضير وأهل عصر النبيّ صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل؛ فإنهم كانوا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم وينتظرون خروجه، ثم لما خرج حسدوه؛ ولهذا قال: {فَمَا ٱخْتَلَفُواْ} أي في أمر محمد صلى الله عليه وسلم. {حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} أي القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم. والعلم بمعنى المعلوم؛ لأنهم كانوا يعلمونه قبل خروجه؛ قاله ابن جرير الطبري. {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ} أي يحكم بينهم ويفصل. {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} في الدنيا، فيثيب الطائع ويعاقب العاصي.

فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ۝٩٤ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٩٥

قوله تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد غيره، أي لست في شك ولكنّ غيرك شك. قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد: سمعت الإمامين ثعلباً والمبرد يقولان: معنى «فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ» أي قل يا محمد للكافر فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك. {فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} أي يا عابد الوثن إن كنت في شك من القرآن فٱسأل من أسلم من اليهود، يعنى عبد الله بن سَلاَم وأمثالَه؛ لأن عبدة الأوثان كانوا يقرّون لليهود أنهم أعلم منهم من أجل أنهم أصحاب كتاب؛ فدعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن يسألوا من يقرّون بأنهم أعلم منهم، هل يبعث الله برسول من بعد موسى. وقال القُتَبِيّ: هذا خطاب لمن كان لا يقطع بتكذيب محمد ولا بتصديقه صلى الله عليه وسلم، بل كان في شك. وقيل: المراد بالخطاب النبيّ صلى الله عليه وسلم لا غيره، والمعنى: لو كنت يلحقك الشك فيما أخبرناك به فسألت أهل الكتاب لأزالوا عنك الشك. وقيل: الشك ضيق الصدر؛ أي إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر، وٱسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك يخبروك صَبْرَ الأنبياءِ من قبلك على أذى قومهم وكيف عاقبة أمرهم. والشك في اللغة أصله الضيق؛ يقال: شك الثوب أن ضمه بِخلال حتى يصير كالوعاء. وكذلك السّفرة تُمدّ علائقها حتى تنقبض؛ فالشك يقبض الصدر ويضمه حتى يضيق. وقال الحسين بن الفضل: الفاء مع حروف الشرط لا توجب الفعل ولا تثبته، والدليل عليه ما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال لما نزلت هذه الآية:

والله لا أشك ـ ثم استأنف الكلام فقال ـ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ أي الشاكين المرتابين. {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} والخطاب في هاتين الآيتين للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد غيره.

إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ۝٩٦ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ۝٩٧

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} تقدّم القول فيه في هذه السورة. قال قتادة: أي الذين حق عليهم غضبُ الله وسخطُه بمعصيتهم لا يؤمنون. {وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ} أنّث «كلاًّ» على المعنى؛ أي ولو جاءتهم الآيات. {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} فحينئذ يؤمنون ولا ينفعهم.

فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ ۝٩٨

قوله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ} قال الأخفش والكسائي: أي فهلاّ. وفي مصحف أُبَيّ وابن مسعود «فهلا» وأصل لولا في الكلام التحضيض أو الدلالة على منع أمر لوجود غيره. ومفهومٌ من معنى الآية نفي إيمان أهل القرى ثم استثنى قوم يونس؛ فهو بحسب اللفظ استثناء منقطع، وهو بحسب المعنى متصل؛ لأن تقديره ما آمن أهل قرية إلا قوم يونس. والنصب في «قوم» هو الوجه، وكذلك أدخله سيبويه في (باب ما لا يكون إلاّ منصوباً). قال النحاس: «إلا قوم يونس» نصب لأنه استثناء ليس من الأوّل، أي لكن قوم يونس؛ هذا قول الكسائي والأخفش والفراء. ويجوز. «إلا قومُ يونس» بالرفع، ومن أحسن ما قيل في الرفع ما قاله أبو إسحاق الزجاج قال: يكون المعنى غيرُ قومِ يونس، فلما جاء بإلاّ أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب غير كما قال:

وكلُّ أخٍ مفارِقه أخوهلَعَمْرُ أبِيك إلا الفَرْقدانِ

وروي في قصة قوم يونس عن جماعة من المفسرين: أن قوم يونس كانوا بِنينَوى من أرض المَوصل وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم يونس عليه السلام يدعوهم إلى الإسلام وترك ما هم عليه فأبَوْا؛ فقيل: إنه أقام يدعوهم تسع سنين فيئس من إيمانهم؛ فقيل له: أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاثٍ ففعل، وقالوا: هو رجل لا يكذب فارقبوه فإن أقام معكم وبين أظهركم فلا عليكم، وإن ٱرتحل عنكم فهو نزول العذاب لا شك؛ فلما كان الليل تزوّد يونس وخرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا ودعوا الله ولبسوا المُسوح وفرّقوا بين الأُمهات والأولاد من الناس والبهائم، وردّوا المظالم في تلك الحالة. وقال ابن مسعود: وكان الرجل يأتي الحجر قد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه فيردّه؛ والعذاب منهم فيما روي عن ابن عباس على ثلثي مِيل. ورُوي على ميل. وعن ابن عباس أنهم غشيتهم ظُلّة وفيها حمرة فلم تزل تدنو حتى وجدوا حرّها بين أكتافهم. وقال ابن جبير: غشيهم العذاب كما يغشي الثوب القبر، فلما صحت توبتهم رفع الله عنهم العذاب. وقال الطبري: خص قوم يونس من بين سائر الأُمم بأن تيب عليهم بعد معاينة العذاب؛ وذكر ذلك عن جماعة من المفسرين. وقال الزجاج: إنهم لم يقع بهم العذاب، وإنما رأُوا العلامة التي تدلّ على العذاب، ولو رأُوا عين العذاب لما نفعهم الإيمان.

قلت: قول الزجاج حسن: فإن المعاينة التي لا تنفع التوبة معها هي التلبس بالعذاب كقصة فرعون، ولهذا جاء بقصة قوم يونس على أثر قصة فرعون لأنه آمن حين رأى العذاب فلم ينفعه ذلك، وقوم يونس تابوا قبل ذلك. ويَعْضُد هذا قوله عليه السلام:

إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر. والغرغرة الحشرجة، وذلك هو حال التلبس بالموت، وأما قبل ذلك فلا. والله أعلم. وقد روى معنى ما قلناه عن ابن مسعود، أن يونس لما وعدهم العذاب إلى ثلاثة أيام خرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا وفرقوا بين الأُمهات والأولاد؛ وهذا يدلّ على أن توبتهم قبل رؤية علامة العذاب. وسيأتي مسنداً مبيّناً في سورة «والصافات» إن شاء الله تعالى. ويكون معنى {كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ} أي العذاب الذي وعدهم به يونس أنه ينزل بهم، لا أنهم رأُوه عِيانا ولا مخايلة؛ وعلى هذا لا إشكال ولا تعارض ولا خصوص، والله أعلم. وبالجملة فكان أهل نينوى في سابق العلم من السعداء. ورُوي عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: إن الحذر لا يردّ القدر، وإن الدعاء ليرد القدر. وذلك أن الله تعالى يقول: {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا}. قال علي رضي الله عنه: وذلك يوم عاشوراء.

قوله تعالى: {وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} قيل: إلى أجلهم؛ قاله السُّدّي وقيل: إلى أن يصيروا إلى الجنة أو إلى النار، قاله ابن عباس.

وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ۝٩٩

قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} أي لاضطرهم إليه. «كُلُّهُمْ» تأكيد لـ «من». «جَمِيعاً» عند سيبويه نصب على الحال. وقال الأخفش: جاء بقوله جميعاً بعد كل تأكيداً؛ كقوله:

{ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ } [النحل: 51].

قوله تعالى: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} قال ٱبن عباس: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم حريصاً على إيمان جميع الناس؛ فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبقت له السعادة في الذِّكر الأوّل، ولا يضلّ إلا من سبقت له الشقاوة في الذكر الأوّل. وقيل: المراد بالناس هنا أبو طالب؛ وهو عن ابن عباس أيضاً.

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ۝١٠٠

قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} «ما» نفي؛ أي ما ينبغي أن تؤمن نفس إلا بقضائه وقدره ومشيئته وإرادته. {وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ} وقرأ الحسن وأبو بكر والمفضل «ونجعل» بالنون على التعظيم. والرِّجس: العذاب؛ بضم الراء وكسرها لغتان. {عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} أمر الله عز وجل ونهيه.

قُلِ ٱنظُرُوا۟ مَاذَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا تُغْنِى ٱلْـَٔايَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ ۝١٠١

قوله تعالى: {قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أمرٌ للكفار بالاعتبار والنظر في المصنوعات الدّالة على الصانع والقادر على الكمال. وقد تقدّم القول في هذا المعنى في غير موضع مستوفى. {وَمَا تُغْنِي} «ما» نفي؛ أي ولن تغنى. وقيل: استفهامية؛ التقدير أيّ شيء تغني. {الآيَاتُ} أي الدّلالات. {والنُّذُرُ} أي الرسل، جمع نذير، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم. {عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} أي عمن سبق له في علم الله أنه لا يؤمن.

فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ۝١٠٢

قوله تعالى: {فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ} الأيام هنا بمعنى الوقائع؛ يقال: فلان عالم بأيام العرب أي بوقائعهم. قال قتادة: يعني وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. والعرب تسمي العذاب أياماً والنِّعم أياماً؛ كقوله تعالى:

{ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ } [إبراهيم: 5]. وكل ما مضى لك من خير أو شر فهو أيام. {فَٱنْتَظِرُوۤاْ} أي تربصوا؛ وهذا تهديد ووعيد. {إِنَّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ} أي المتربصين لموعد ربي.

ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٠٣

قوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي من سنتنا إذا أنزلنا بقوم عذاباً أخرجنا من بينهم الرسل والمؤمنين، و «ثُمَّ» معناه ثم اعلموا أنا ننجي رسلنا. {كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا} أي واجباً علينا؛ لأنه أخبر ولا خُلف في خبره. وقرأ يعقوب. «ثم نُنْجي» مخففاً. وقرأ الكسائي وحفص ويعقوب. «ننجي المؤمنين» مخففاً؛ وشدّد الباقون؛ وهما لغتان فصيحتان: أنجى يُنجِي إنجاء، ونَجَّى يُنَجِّي تنجية بمعنًى واحد.

قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٠٤

قوله تعالى: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} يريد كفار مكة. {إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي} أي في ريب من دين الإسلام الذي أدعوكم إليه. {فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} من الأوثان التي لا تعقل. {وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} أي يميتكم ويقبض أرواحكم. {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي المصدّقين بآيات ربهم.

وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۝١٠٥ وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٠٦

قوله تعالى: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ} «أن» عطف على «أَنْ أَكُونَ» أي قيل لي كن من المؤمنين وأقم وجهك. قال ابن عباس: عملك، وقيل: نفسك؛ أي استقم بإقبالك على ما أمرت به من الدين. «حَنِيفاً» أي قويماً به مائلاً عن كل دين. قال حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه:

حمِدت اللَّه حين هدى فؤادي من الإشراك للدين الحنيف

وقد مضى في «الأنعام» اشتقاقه والحمد للَّه. {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي وقيل لي ولا تشرك؛ والخطاب له والمراد غيره؛ وكذلك قوله: «وَلاَ تَدْعُ» أي لا تعبد. «مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ» إن عبدته. «وَلاَ يَضُرُّكَ» إن عصيته. «فَإنْ فَعَلْتَ» أي عبدت غير الله. «فَإنَّكَ إذاً مِنَ الظَّالِمينَ» أي الواضعين العبادة في غير موضعها.

وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ۝١٠٧

قوله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ} أي يصبك به. {فَلاَ كَاشِفَ} أي لا دافع {لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ} أي يصبك برخاء ونعمة: {فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ} أي بكل ما أراد من الخير والشر. {مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ} لذنوب عباده وخطاياهم {الرَّحِيمُ} بأوليائه في الآخرة.

قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ ۝١٠٨

قوله تعالى: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ} أي القرآن. وقيل: الرسول صلى الله عليه وسلم. {مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ} أي صدّق محمداً وآمن بما جاء به. {فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} أي لخلاص نفسه. {وَمَن ضَلَّ} أي ترك الرسول والقرآن وٱتبع الأصنام والأوثان. {فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أي وبال ذلك على نفسه. {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} أي بحفيظ أحفظ أعمالكم إنما أنا رسول. قال ابن عباس: نسختها آية السيف.

وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ ۝١٠٩

قوله تعالى: {وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ} قيل: نسخ بآية القتال. وقيل: ليس منسوخاً؛ ومعناه ٱصبر على الطاعة وعن المعصية. وقال ابن عباس: لما نزلت

جمع النبيّ صلى الله عليه وسلم الأنصار ولم يجمع معهم غيرهم فقال: «إنكم ستجدون بعدي أَثَرَةً فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». وعن أنس بمثل ذلك؛ ثم قال أنس: فلم يصبروا فأمرهم بالصبر كما أمره الله تعالى؛ وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن حسان:

ألا أبلغ معاوية بن حربأمير المؤمنين نَثَا كلامي بأنا صابرون ومنظروكمإلى يوم التغابن والخصام

{حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} ابتداء وخبر؛ لأنه عز وجل لا يحكم إلا بالحق.
الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ