انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يونس

تفسير القرطبيالآيات 25–50

تفسير سورة يونس آية آية، من تفسير القرطبي.

وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝٢٥

قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَدْعُوۤ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ} لما ذكر وصف هذه الدار وهي دار الدنيا وصف الآخرة فقال: إن الله لا يدعوكم إلى جمع الدنيا بل يدعوكم إلى الطاعة لتصيروا إلى دار السلام، أي إلى الجنة. قال قتادة والحسن: السلام هو الله، وداره الجنة؛ وسميت الجنة دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات. ومن أسمائه سبحانه «السلام»، وقد بيناه في (الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى). ويأتي في سورة «الحشر» إن شاء الله. وقيل: المعنى والله يدعو إلى دار السلامة. والسلام والسلامة بمعنًى كالرضاع والرّضاعة؛ قاله الزجاج. قال الشاعر:

تُحَيي بالسلامة أُمُّ بكرٍوهل لكِ بعد قومِك من سلام

وقيل: أراد والله يدعو إلى دار التحية؛ لأن أهلها ينالون من الله التحية والسلام، وكذلك من الملائكة. قال الحسن: إن السلام لا ينقطع عن أهل الجنة، وهو تحيتهم؛ كما قال: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ}. وقال يحيى بن معاذ: يابن آدم، دعاك الله إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه، فإن أجبته من دنياك دخلتها، وإن أجبته من قبرك مُنِعتَها. وقال ابن عباس: الجِنان سبع: دار الجلال، ودار السلام، وجنة عدن، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة الفردوس، وجنة النعيم.

قوله تعالى: {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} عمّ بالدعوة إظهاراً لحجته، وخصّ بالهداية استغناء عن خلقه. والصراط المستقيم، قيل: كتاب الله؛ رواه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

الصراط المستقيم كتاب الله تعالى. وقيل: الإسلام؛ رواه النوّاس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: الحق؛ قاله قتادة ومجاهد. وقيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. وروى جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي فقال أحدهما لصاحبه ٱضرب له مثلاً فقال له ٱسمع سمعتْ أذناك وٱعْقِل عَقَل قلبك إنما مثَلُك ومَثَلُ أُمتك كمثل ملِك ٱتخذ داراً ثم بنى فيها بيتاً ثم جعل فيها مأدَبة ثم بعث رسولاً يدعو الناس إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه فاللَّهُ الملِكُ والدارُ الإسلامُ والبيتُ الجنةُ وأنت يا محمد الرسول فمن أجابك دخل في الإسلام ومن دخل في الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل مما فيها ثم تلا يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم «وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ». ثم تلا قتادة ومجاهد: «وَاللَّهُ يَدْعُوا إلَى دَارِ السَّلاَمِ». وهذه الآية بينة الحجة في الردِّ على القدرية؛ لأنهم قالوا: هدى الله الخلق كلَّهم إلى صراط مستقيم، والله قال: «وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» فردّوا على الله نصوص القرآن.

لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٢٦

قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} روُي من حديث أنس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى «وَزِيَادَةٌ» قال؛ «للذين أحسنوا العمل في الدنيا لهم الحسنى وهي الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم» وهو قول أبي بكر الصديق وعليّ بن أبي طالب في رواية. وحذيفة وعُبادة ابن الصامت وكعب بن عُجْرة وأبي موسى وصُهيب وابن عباس في رواية، وهو قول جماعة من التابعين، وهو الصحيح في الباب. وروى مسلم في صحيحه عن صُهيب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

إذا دخل أهلُ الجنة الجنةَ قال الله تبارك وتعالى تريدون شيئاً أزيدكم فيقولون ألم تبيّض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار قال فيكشِف الحجاب فما أُعْطُوا شيئاً أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل ـ وفي رواية ثم تلا ـ «للذين أحسنوا الحسنى وزيادة» وخرّجه النسائي أيضاً عن صُهيب قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه الآية: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} قال: «إذا دخل أهلُ الجنة الجنةَ وأهلُ النار النارَ نادى منادٍ يا أهل الجنة إن لكم موعداً عند الله يريد أن يُنْجِزكُموه قالوا ألم يبيّض وجوهنا ويُثقل موازينَنا ويُجِرْنا من النار قال فيكشِف الحجابَ فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر ولا أقَرّ لأعينهم». وخرّجه ابن المبارك في دقائقه عن أبي موسى الأشعري موقوفاً، وقد ذكرناه في كتاب التذكرة، وذكرنا هناك معنى كشف الحجاب، والحمد لله. وخرّج الترمذي الحكيم أبو عبد الله رحمه الله: حدّثنا علي بن حجر حدّثنا الوليد بن مسلم عن زُهير عن أبي العالية عن أُبَيّ بن كعب قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزيادتين في كتاب الله؛ في قوله: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} قال: «النظر إلى وجه الرحمن» وعن قوله: «وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ» [الصافات: 147] قال: «عشرون ألفاً». وقد قيل: إن الزيادة أن تضاعف الحسنة عشر حسنات إلى أكثر من ذلك؛ رُوي عن ٱبن عباس. ورُوي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة آلاف باب. وقال مجاهد: الحسنى حسنة مثل حسنة، والزيادة مغفرة من الله ورضوان. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الحسنى الجنة، والزيادة ما أعطاهم الله في الدنيا من فضله لا يحاسبهم به يوم القيامة. وقال عبد الرحمن بن سابط: الحسنى البشرى، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم؛ قال الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}. وقال يزيد بن شجرة: الزيادة أن تمرّ السحابة بأهل الجنة فتُمطرهم من كل النوادر التي لم يروها، وتقول: يا أهل الجنة، ما تريدون أن أُمطركم؟ فلا يريدون شيئاً إلا أمطرتهم إياه. وقيل: الزيادة أنه ما يمرّ عليهم مقدار يوم من أيام الدنيا إلا حتى يطيف بمنزل أحدهم سبعون ألف مَلَك، مع كل ملك هدايا من عند الله ليست مع صاحبه، ما رأُوا مثل تلك الهدايا قَطّ؛ فسبحان الواسع العليم الغني الحميد العلي الكبير العزيز القدير البر الرحيم المدبر الحكيم اللطيف الكريم الذي لا تتناهى مقدوراته. وقيل: «أَحْسَنُوا» أي معاملة الناس، و «الْحُسْنَى»: شفاعتهم، والزيادة: إذن الله تعالى فيها وقبوله.

قوله تعالى: {وَلاَ يَرْهَقُ} قيل: معناه يلحق؛ ومنه قيل: غلام مراهق إذا لحِق بالرجال. وقيل: يعلو. وقيل: يغشى؛ والمعنى متقارب. {قَتَرٌ} غبار. {وَلاَ ذِلَّةٌ} أي مذلة؛ كما يلحق أهل النار؛ أي لا يلحقهم غبار في محشرهم إلى الله ولا تغشاهم ذِلة. وأنشد أبو عبيدة للفرزدق:

مُتَوَّجٌ برداء الملك يتبعهمَوْج ترى فوقه الراياتِ والقَتَرا

وقرأ الحسن «قَتْرٌ» بإسكان التاء. والقَتَر والقَتَرة والقَتْرة بمعنى واحد؛ قاله النحاس. وواحد القتَر قَتَرة؛ ومنه قوله تعالى: { تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ } [عبس: 41] أي تعلوها غَبرة. وقيل: قَتَرٌ كآبةٌ وكسوف. ٱبن عباس: القتر سواد الوجوه. ٱبن بحر: دخان النار؛ ومنه قُتار القِدْر. وقال ٱبن أبي ليلى: هو بُعْدُ نظرهم إلى ربهم عزّ وجل.

قلت: هذا فيه نظر؛ فإن الله عزّ وجل يقول: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} ـ إلى قوله ـ {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} وقال في غير آية:

{ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [البقرة: 62] وقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ } [فصلت: 30] الآية. وهذا عامّ فلا يتغير بفضل الله في موطن من المواطن لا قبل النظر ولا بعده وجهُ المحسن بسواد من كآبة ولا حزن، ولا يعلوه شيء من دخان جهنم ولا غيره. { وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }[آل عمران: 107].

وَٱلَّذِينَ كَسَبُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍۭ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ ٱلَّيْلِ مُظْلِمًا أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٢٧

قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي عملوا المعاصي. وقيل: الشرك. {جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} «جزاء» مرفوع بالابتداء، وخبره «بمثلها». قال ٱبن كَيْسان: الباء زائدة؛ والمعنى جزاء سيئة مثلها. وقيل: الباء مع ما بعدها الخبر، وهي متعلقة بمحذوف قامت مقامه، والمعنى: جزاء سيئة كائن بمثلها؛ كقولك: إنما أنا بك؛ أي إنما أنا كائن بك. ويجوز أن تتعلق بجزاء، التقدير: جزاء سيئة بمثلها كائن؛ فحذف خبر المبتدأ. ويجوز أن يكون «جَزَاءُ» مرفوعاً على تقدير فلهم جزاء سيئة؛ فيكون مثل قوله:

{ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } [البقرة: 184 و 185] أي فعليه عدّة، وشبهه؛ والباء على هذا التقدير تتعلق بمحذوف، كأنه قال لهم جزاء سيئة ثابت بمثلها، أو تكون مؤكدة أو زائدة.

ومعنى هذه المِثلِية أن ذلك الجزاء مما يعدّ مماثلاً لذنوبهم، أي هم غير مظلومين، وفعل الرب جلت قدرته وتعالى شأنه غير معلَّل بعلة. {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أي يغشاهم هوان وخِزي. {مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ} أي من عذاب الله. {مِنْ عَاصِمٍ} أي مانع يمنعهم منه. {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ} أي ألبست. {وُجُوهُهُمْ قِطَعاً} جمع قطعة، وعلى هذا يكون {مُظْلِماً} حال من «اللّيْلِ» أي أغشيت وجوههم قطعاً من الليل في حال ظلمته. وقرأ الكسائي وٱبن كثير «قطْعاً» بإسكان الطاء؛ فـ «مُظْلِماً» على هذا نعت، ويجوز أن يكون حالاً من الليل. والقِطْع اسم ما قُطع فسَقط. وقال ٱبن السِّكيت: القِطْع طائفة من الليل؛ وسيأتي في «هود» إن شاء الله تعالى

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ۝٢٨

قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} أي نجمعهم، والحشر الجمع. {جَمِيعاً} حال. {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} أي اتخذوا مع الله شريكاً. {مَكَانَكُمْ} أي الزموا وٱثبتوا مكانكم، وقِفوا مواضعكم. {أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ} وهذا وعيد. {فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} أي فرّقنا وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا؛ يقال: زيّلته فتزيّل، أي فرّقته فتفرّق، وهو فعّلت؛ لأنك تقول في مصدره تزييلاً، ولو كان فَيْعَلْت لقلت زَيّلَةً. والمزايلة المفارقة؛ يقال: زايله الله مزايلة وزِيالاً إذا فارقه. والتزايل التباين. قال الفراء: وقرأ بعضهم «فزايلنا بينهم»؛ يقال: لا أزايل فلاناً، أي لا أُفارقه؛ فإن قلت: لا أُزاوله فهو بمعنى آخر، معناه لا أُخاتله. {وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ} عنى بالشركاء الملائكة. وقيل: الشياطين، وقيل: الأصنام؛ فينطقها الله تعالى فتكون بينهم هذه المحاورة. وذلك أنهم ٱدعوا على الشياطين الذين أطاعوهم والأصنام التي عبدوها أنهم أمروهم بعبادتهم ويقولون ما عبدناكم حتى أمرتمونا. قال مجاهد: ينطق الله الأوثان فتقول ما كنا نشعر بأنكم إيانا تعبدون، وما أمرناكم بعبادتنا. وإن حُمل الشركاء على الشياطين فالمعنى أنهم يقولون ذلك دَهَشا، أو يقولون كذبا واحتيالاً للخلاص، وقد يجري مثل هذا غداً؛ وإن صارت المعارف ضرورية.

فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَٰفِلِينَ ۝٢٩

قوله تعالى: {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} «شَهِيداً» مفعول، أي كفى الله شهيداً، أو تمييز، أي اكتف به شهيداً بيننا وبينكم إن كنا أمرناكم بهذا أو رضيناه منكم. {إِن كُنَّا} أي ما كنا {عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} إلا غافلين لا نسمع ولا نبصر ولا نعقل؛ لأنا كنا جماداً لا رُوح فينا.

هُنَالِكَ تَبْلُوا۟ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ وَرُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ۝٣٠

قوله تعالى: {هُنَالِكَ} في موضع نصب على الظرف. {تَبْلُواْ} أي في ذلك الوقت. «تبلو» أي تذوق. وقال الكَلْبِيّ: تعلم. مجاهد: تختبر. {كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ} أي جزاء ما عملت وقدّمت. وقيل: تسلم، أي تسلم ما عليها من الحقوق إلى أربابها بغير اختيارها. وقرأ حمزة والكسائيّ «تتلو» أي تقرأ كل نفس كتابها الذي كُتب عليها. وقيل: «تتلو» تتبع؛ أي تتبع كل نفس ما قدّمت في الدنيا؛ قاله السُّدِّي. ومنه قول الشاعر:

إن المُرِيبَ يتبع المُرِيبَاكما رأيت الذِّيب يتلو الذِّيبا

قوله تعالى: {وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ} بالخفض على البدل أو الصفة. ويجوز نصب الحق من ثلاث جهات؛ يكون التقدير: وردوا حقاً، ثم جيء بالألف واللام. ويجوز أن يكون التقدير: مولاهم حقاً لا ما يعبدون من دونه. والوجه الثالث أن يكون مدحاً؛ أي أعني الحق. ويجوز أن يرفع «الحق»، ويكون المعنى مولاهم الحق ـ على الابتداء والخبر، والقطع مما قبل ـ لا ما يشركون من دونه. ووصف نفسه سبحانه بالحق لأن الحق منه كما وصف نفسه بالعدل لأن العدل منه؛ أي كل عدل وحق فمن قِبله، وقال ٱبن عباس: «مَوْلاَهُمُ بالْحَق» أي الذي يجازيهم بالحق. {وَضَلَّ عَنْهُمْ} أي بطل. {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} «يفترون» في موضع رفع وهو بمعنى المصدر، أي افتراؤهم. فإن قيل: كيف قال «وردوا إلى الله مولاهم الحق» وقد أخبر بأن الكافرين لا مولى لهم. قيل: ليس بمولاهم في النصرة والمعونة، وهو مولى لهم في الرزق وإدرار النعم.

قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ۝٣١

المراد بمساق هذا الكلام الردُّ على المشركين وتقرير الحجة عليهم؛ فمن اعترف منهم فالحجة ظاهرة عليهم، ومن لم يعترف فيقرّر عليه أن هذه السموات والأرض لا بدّ لهما من خالق؛ ولا يتمارى في هذا عاقل. وهذا قريب من مرتبة الضرورة. {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أي بالمطر. {وَٱلأَرْضِ} بالنبات. {أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ} أي من جعلهما وخلقهما لكم. {وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} أي النباتَ من الأرض، والإنسان من النطفة، والسُّنْبُلَةَ من الحبّة، والطيرَ من البيضة، والمؤمنَ من الكافر. {وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} أي يقدره ويقضيه. {فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ} لأنهم كانوا يعتقدون أن الخالق هو الله؛ أو فسيقولون هو الله إن فكروا وأنصفوا {فَقُلْ} لهم يا محمد. {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أي أفلا تخافون عقابه ونِقْمته في الدنيا والآخرة.

فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ۝٣٢

قوله تعالى: {فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} فيه ثمان مسائل:

الأُولى ـ قوله تعالى: {فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ} أي هذا الذي يفعل هذه الأشياء هو ربكم الحق، لا ما أشركتم معه. «فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ» «ذا» صلة أي ما بعد عبادة الإلۤه الحق إذا تركت عبادته إلا الضلال. وقال بعض المتقدّمين: ظاهر هذه الآية يدلّ على أن ما بعد الله هو الضلال؛ لأن أولها «فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ» وآخرها «فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلاَّ الضَّلاَلُ» فهذا في الإيمان والكفرِ، ليس في الأعمال. وقال بعضهم: إن الكفر تغطية الحق، وكل ما كان غير الحق جرى هذا المجرى؛ فالحرام ضلال والمباح هُدًى؛ فإن الله هو المبيح والمحرّم. والصحيح الأوّل؛ لأن قبل «قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» ثم قال: «فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ» أي هذا الذي رزقكم، وهذا كله فعله هو. «رَبُّكُمُ الْحَقُّ» أي الذي تحق له الألوهية ويستوجب العبادة، وإذا كان ذلك فتشريك غيره ضلال وغيرُ حق.

الثانية ـ قال علماؤنا: حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والباطل منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى، وكذلك هو الأمر في نظائرها، وهي مسائل الأُصول التي الحق فيها في طرف واحد؛ لأن الكلام فيها إنما هو في تعديد وجود ذاتٍ كيف هي، وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال الله تعالى فيها:

{ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً }[المائدة: 48]، وقوله عليه السلام: الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أُمور متشابهات. والكلام في الفروع إنما هو في أحكام طارئة على وجود ذات متقررة لا يُختلَفُ فيها وإنما يختلف في الأحكام المتعلقة بها.

الثالثة ـ ثبت عن عائشة رضي الله عنها

أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة في جَوْف الليل قال: «اللهم لك الحمد» الحديثَ. وفيه أنت الحق ووَعْدُك الحق وقولك الحق ولقاؤك الحق والجنة حق والنار حق والساعة حق والنبيون حق ومحمد حق الحديثَ. فقوله:أنت الحقأي الواجب الوجود؛ وأصله من حَقَّ الشيء أي ثبت ووجب. وهذا الوصف لله تعالى بالحقيقة إذ وجوده لنفسه لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم؛ وما عداه مما يقال عليه هذا الاسم مسبوق بعدم، ويجوز عليه لحاق العدم، ووجوده من موجِده لا من نفسه. وباعتبار هذا المعنى كان أصدق كلمة قالها الشاعر، كلمة لبيد:

ألاّ كلُّ شيءٍ ما خلا اللَّه باطلُ

وإليه الإشارة بقوله تعالى: { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }[القصص: 88]

الرابعة ـ مقابلة الحق بالضلال عرف لغة وشرعاً، كما في هذه الآية. وكذلك أيضاً مقابلة الحق بالباطل عرف لغة وشرعاً؛ قال الله تعالى:

{ ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ }[لقمان: 30]. والضلال حقيقته الذهاب عن الحق؛ أخِذ من ضلال الطريق، وهو العدول عن سَمْته. قال ٱبن عرفة: الضلالة عند العرب سلوك غيرِ سبيل القصد؛ يقال: ضلّ عن الطريق وأضلّ الشيء إذا أضاعه. وخُصّ في الشرع بالعبارة في العدول عن السداد في الاعتقاد دون الأعمال؛ ومن غريب أمره أنه يعبر به عن عدم المعرفة بالحق سبحانه إذا قابله غفلة ولم يقترن بعدمه جهل أو شك، وعليه حمل العلماء قوله تعالى: { وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ }[الضحى: 7] أي غافلاً، في أحد التأويلات، يحققه قوله تعالى: { مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ }[الشورى: 52].

الخامسة ـ روى عبد الله بن عبد الحكم وأشهب عن مالك في قوله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} قال: اللَّعِب بالشِّطْرَنْج والنَّرْدِ من الضلال. وروى يونس عن ٱبن وهب أنه سئل عن الرجل يلعب في بيته مع ٱمرأته بأربع عشرة؛ فقال مالك: ما يعجبني! وليس من شأن المؤمنين، يقول الله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ}. وروى يونس عن أشهب قال: سئل ـ يعني مالكاً ـ عن اللّعب بالشطرنج فقال: لا خير فيه، وليس بشيء وهو من الباطل، واللعب كله من الباطل، وإنه لينبغي لذي العقل أن تنهاه اللحية والشيب عن الباطل. وقال الزهري لما سئل عن الشطرنج: هي من الباطل ولا أُحبها.

السادسة ـ اختلف العلماء في جواز اللَّعِب بالشطرنج وغيره إذا لم يكن على وجه القِمار؛ فتحصيل مذهب مالك وجمهورِ الفقهاء في الشطرنج أن من لم يقامر بها ولعب مع أهله في بيته مستتراً به مرة في الشهر أو العام، لا يُطَّلعُ عليه ولا يُعلم به أنه مَعْفُوٌّ عنه غير محرم عليه ولا مكروه له، وأنه إن تَخَلّع به واشتهر فيه سقطت مروءته وعدالته ورُدّت شهادته. وأما الشافعيّ فلا تسقط في مذهب أصحابه شهادةُ اللاعب بالنّرد والشِّطرنج، إذا كان عدلاً في جميع أصحابه ولم يظهر منه سفه ولا رِيبة ولا كبيرة إلا أن يلعب به قماراً، فإن لعب بها قماراً وكان بذلك معروفاً سقطت عدالته وسفّه نفسه لأكله المال بالباطل. وقال أبو حنيفة: يكره اللعب بالشطرنج والنرد والأربعة عشر وكلّ اللهو؛ فإن لم تظهر من اللاعب بها كبيرة وكانت محاسنه أكثر من مساويه قبلت شهادته عندهم. قال ٱبن العربي: قالت الشافعية إن الشطرنج يخالف النرد لأن فيه إكداد الفهم واستعمال القريحة. والنرد قِمار غَرَر لا يعلم ما يخرج له فيه كالاستقسام بالأزلام.

السابعة ـ قال علماؤنا: النرد قطع مملوءة من خشب البقس ومن عظم الفيل، وكذا هو الشطرنج إذ هو أخوه غُذِّي بلِبانه. والنرد هو الذي يعرف بالباطل ويعرف بالكِعاب ويعرف في الجاهلية أيضاً بالأَرُنْ ويعرف أيضاً بالنَّرْدَشِير. وفي صحيح مسلم عن سليمان بن بُريدة عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمِه. قال علماؤنا: ومعنى هذا أي هو كمن غمس يده في لحم الخنزير يهيّئه لأن يأكله، وهذا الفعل في الخنزير حرام لا يجوز؛ يبيّنه قوله صلى الله عليه وسلم: من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله رواه مالك وغيره من حديث أبي موسى الأشعري وهو حديث صحيح، وهو يحرّم اللعب بالنرد جملة واحدة وكذلك الشطرنج، لم يستثن وقتاً من وقت ولا حالاً من حال، وأخبر أن فاعل ذلك عاصٍ لله ورسوله؛ إلا أنه يحتمل أن يكون المراد باللعب بالنرد المنهيّ عنه أن يكون على وجه القمار؛ لما رُوي من إجازة اللعب بالشطرنج عن التابعين على غير قِمار. وحَمْلُ ذلك على العموم قماراً وغير قمار أولى وأحوط إن شاء الله. قال أبو عبد الله الحليميّ في كتاب منهاج الدين: ومما جاء في الشِّطرنج حديث يروى فيه كما يروى في النرد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من لعب بالشِّطرنج فقد عصى الله ورسوله. وعن عليّ رضي الله عنه أنه مَرّ على مجلس من مجالس بني تميم وهم يلعبون بالشطرنج فوقف عليهم فقال: أمَا والله لغير هذا خلقتم! أمَا والله لولا أن تكون سُنّة لضربت به وجوهكم. وعنه رضي الله عنه أنه مَرّ بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؛ لأن يَمَسّ أحدكم جمراً حتى يطفأ خَيْر من أن يمسها. وسئل ابن عمر عن الشطرنج فقال: هي شر من النرد. وقال أبو موسى الأشعري: لا يلعب بالشطرنج إلا خاطىء. وسئل أبو جعفر عن الشطرنج فقال: دعونا من هذه المجوسية. وفي حديث طويل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: وأن من لعب بالنرد والشطرنج والجوز والكِعاب مقَته الله ومن جلس إلى من يلعب بالنرد والشطرنج لينظر إليهم مُحيت عنه حسناته كلها وصار ممن مقته الله. وهذه الآثار كلها تدلّ على تحريم اللعب بها بلا قِمار، والله أعلم. وقد ذكرنا في «المائدة» بيان تحريمها وأنها كالخمر في التحريم لاقترانها به، والله أعلم. قال ابن العربي في قبسه: وقد جوّزه الشافعي، وانتهى حال بعضهم إلى أن يقول: هو مندوب إليه، حتى اتخذوه في المدرسة؛ فإذا أعيا الطالب من القراءة لعب به في المسجد. وأسندوا إلى قوم من الصحابة والتابعين أنهم لعبوا بها؛ وما كان ذلك قطّ! وتالله ما مستها يَدُ تَقِيّ. ويقولون: إنها تَشْحَذ الذهن، والعِيان يكذبهم، ما تبحّر فيها قطُّ رجل له ذهن. سمعت الإمام أبا الفضل عطاء المقدسي يقول بالمسجد الأقصى في المناظرة: إنها تعلم الحرب. فقال له الطَّرْطُوشيّ: بل تفسد تدبير الحرب؛ لأن الحرب المقصود منها الملِك واغتياله، وفي الشِّطرنج تقول: شاهْ إياك: الملِك نَحِّه عن طريقي؛ فاستضحك الحاضرين. وتارة شدّد فيها مالك وحرمها وقال فيها: «فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلاَّ الضَّلاَلُ». وتارة استهان بالقليل منها والأهون؛ والقول الأوّل أصح والله أعلم. فإن قال قائل: روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن الشطرنج فقال: وما الشطرنج؟ فقيل له: إن امرأة كان لها ابن وكان ملِكاً فأُصيب في حرب دون أصحابه؛ فقالت: كيف يكون هذا أَرُونيه عِياناً؛ فعُمل لها الشطرنج، فلما رأته تسلت بذلك. ووصفوا الشطرنج لعمر رضي الله عنه فقال: لا بأس بما كان من آلة الحرب؛ قيل له: هذا لا حجة فيه لأنه لم يقل لا بأس بالشطرنج وإنما قال لا بأس بما كان من آلة الحرب. وإنما قال هذا لأنه شُبّه عليه أن اللعب بالشطرنج مما يستعان به على معرفة أسباب الحرب، فلما قيل له ذلك ولم يحط به علمه قال: لا بأس بما كان من آلة الحرب، إن كان كما تقولون فلا بأس به، وكذلك من روي عنه من الصحابة أنه لم ينه عنه، فإن ذلك محمول منه على أنه ظنّ أن ذلك ليس يُتَلَهّى به، وإنما يراد به التسبب إلى علم القتال والمضاربة فيه، أو على أن الخبر المسنَد لم يبلغهم. قال الحَلِيمِيّ: وإذا صح الخبر فلا حجة لأحد معه، وإنما الحجة فيه على الكافّة.

الثامنة ـ ذكر ابن وهب بإسناده أن عبد الله بن عمر مَرّ بغلمان يلعبون بالكُجّة، وهي حفر فيها حصًى يلعبون بها، قال: فسدّها ابن عمر ونهاهم عنها. وذكر الهرويّ في باب (الكاف مع الجيم) في حديث ابن عباس: في كل شيء قِمار حتى في لعب الصبيان بالكُجّة؛ قال ابن الأعرابي: هو أن يأخذ الصبي خرقة فيدوّرها كأنها كرة، ثم يتقامرون بها. وكج إذا لعب بالكُجّة.

قوله تعالى: {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} أي كيف تَصرفون عقولكم إلى عبادة ما لا يرزق ولا يُحيي ولا يُميت.

كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓا۟ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝٣٣

قوله تعالى: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} أي حكمه وقضاؤه وعلمه السابق. {عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوۤاْ} أي خرجوا عن الطاعة وكفروا وكذبوا. {أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي لا يصدقون. وفي هذا أوْفَى دليل على القدرية. وقرأ نافع وابن عامر هنا وفي آخرها «كَذَلِكَ حَقّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ» وفي سورة غافر بالجمع في الثلاثة. الباقون بالإفراد و «أن» في موضع نصب؛ أي بأنهم أو لأنهم. قال الزجاج: ويجوز أن تكون في موضع رفع على البدل من كلمات. قال الفراء: يجوز «إنهم» بالكسر على الاستئناف.

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ۝٣٤

قوله تعالى: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ} أي آلهتكم ومعبوداتكم. {مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي قل لهم يا محمد ذلك على جهة التوبيخ والتقرير؛ فإن أجابوك وإلا فـ {قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} وليس غيره يفعل ذلك. {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} أي فكيف تنقلبون وتنصرفون عن الحق إلى الباطل.

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ إِلَّآ أَن يُهْدَىٰ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ۝٣٥

قوله تعالى: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ} يقال: هداه للطريق وإلى الطريق بمعنًى واحد؛ وقد تقدم. أي هل من شركائكم من يُرشد إلى دين الإسلام؛ فإذا قالوا لا ولا بدّ منه فـ «قُلْ» لهم {ٱللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ} ثم قل لهم موبِّخاً ومقرراً. {أَفَمَن يَهْدِيۤ} أي يرشد. {إِلَى ٱلْحَقِّ} وهو الله سبحانه وتعالى. {أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ} يريد الأصنام التي لا تهدي أحداً، ولا تمشي إلا أن تُحمل، ولا تنتقل عن مكانها إلا أن تنقل. قال الشاعر:

للفتى عقلٌ يعيش بهحيث تَهْدِي ساقَه قَدَمُهْ

وقيل: المراد الرؤساء والمضلون الذين لا يرشدون أنفسهم إلى هُدًى إلا أن يُرْشَدوا.

وفي «يَهدِي» قراءات ست:

الأُولى ـ قرأ أهل المدينة إلا وَرْشاً «يَهْدّي» بفتح الياء وإسكان الهاء وتشديد الدال؛ فجمعوا في قراءتهم بين ساكنين كما فعلوا في قوله: {لاَ تَعْدُواْ} وفي قوله: «يَخْصِّمُونَ» قال النحاس: والجمع بين الساكنين لا يقدر أحد أن ينطق به. قال محمد بن يزيد: لا بد لمن رام مثل هذا أن يحرك حركة خفيفة إلى الكسر، وسيبويه يسمي هذا اختلاس الحركة.

الثانية ـ قرأ أبو عمرو وقالون في روايةٍ بين الفتح والإسكان، على مذهبه في الإخفاء والاختلاس.

الثالثة ـ قرأ ابن عامر وابن كثير وورش وابن مُحَيْصن «يَهَدّي» بفتح الياء والهاء وتشديد الدال. قال النحاس: هذه القراءة بيّنة في العربية، والأصل فيها يهتدي أدغمت التاء في الدال وقلبت حركتها على الهاء.

الرابعة ـ قرأ حفص ويعقوب والأعمش عن أبي بكر مثل قراءة ابن كَثير، إلا أنهم كسروا الهاء، قالوا: لأن الجزم إذا ٱضْطُرّ إلى حركته حُرّك إلى الكسر. قال أبو حاتم: هي لغة سُفْلَى مضر.

الخامسة ـ قرأ أبو بكر عن عاصم «يِهِدّي» بكسر الياء والهاء وتشديد الدال، كل ذلك لإتباع الكسر الكسر كما تقدم في البقرة في

{ يَخْطَفُ }[البقرة: 20]. وقيل: هي لغة من قرأ «نِسْتَعِينُ» و { لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ } [آل عمران: 24] ونحوه. وسيبويه لا يجيز «يِهِدّي» ويجيز «تهِدّي» و «نهِدّي» و «إهدي» قال: لأن الكسرة في الياء تثقل.

السادسة ـ قرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى بن وَثّاب والأعمش «يَهْدِي» بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال؛ من هَدَى يهدي. قال النحاس: وهذه القراءة لها وجهان في العربية وإن كانت بعيدة، وأحد الوجهين أن الكسائي والفراء قالا: «يهدي» بمعنى يهتدي. قال أبو العباس: لا يعرف هذا، ولكن التقدير أمن لا يهدي غيره، تم الكلام، ثم قال: «إلاَّ أَنْ يُهْدَى» استأنف من الأوّل، أي لكنه يحتاج أن يهدى؛ فهو استثناء منقطع، كما تقول؛ فلان لا يُسمِع غيره إلا أن يُسمع، أي لكنه يحتاج أن يُسْمَع. وقال أبو إسحاق: {فَمَا لَكُمْ} كلام تام، والمعنى: فأي شيء لكم في عبادة الأوثان. ثم قيل لهم: {تَحْكُمُونَ } أي لأنفسكم وتقضون بهذا الباطل الصراح، تعبدون آلهة لا تغني عن أنفسها شيئاً إلا أن يُفعل بها، والله يفعل ما يشاء فتتركون عبادته؛ فموضع «كيف» نصب بـ «تحكمون».

وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ ۝٣٦

قوله تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً} يريد الرؤساء منهم؛ أي ما يتبعون إلا حَدْساً وتخْريصاً في أنها آلهة وأنها تشفع، ولا حجة معهم. وأما أتباعهم فيتبعونهم تقليداً. {إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً} أي من عذاب الله؛ فالحق هو الله. وقيل «الحق» هنا اليقين؛ أي ليس الظن كاليقين. وفي هذه الآية دليل على أنه لا يُكْتَفَى بالظن في العقائد. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} من الكفر والتكذيب، خرجت مخرج التهديد.

وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٣٧

قوله تعالى: {وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ} «أنْ» مع «يفترى» مصدر، والمعنى: وما كان هذا القرآن افتراء؛ كما تقول: فلان يحب أن يركب، أي يحب الركوب؛ قاله الكسائي. وقال الفراء: المعنى وما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى؛ كقوله:

{ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ }[آل عمران: 161] { وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً } [التوبة: 122]. وقيل: «أنْ» بمعنى اللام، تقديره: وما كان هذا القرآن ليفترى. وقيل: بمعنى لا، أي لا يفترى. وقيل: المعنى ما كان يتهيأ لأحد أن يأتي بمثل هذا القرآن من عند غير الله ثم ينسبُه إلى الله تعالى لإعجازه؛ لوصفه ومعانيه وتأليفه. {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} قال الكسائي والفراء ومحمد ابن سعدان: التقدير ولكن كان تصديق؛ ويجوز عندهم الرفع بمعنى: ولكن هو تصديق. {ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي من التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب، فإنها قد بشّرت به فجاء مصدّقاً لها في تلك البشارة، وفي الدعاء إلى التوحيد والإيمان بالقيامة. وقيل: المعنى ولكن تصديق النبيّ الذي بين يدي القرآن وهو محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم شاهدوه قبل أن سمعوا منه القرآن. «وتفصيلُ» بالنصب والرفع على الوجهين المذكورين في تصديق. والتفصيل التبيين، أي يبيّن ما في كتب الله المتقدمة. والكتاب ٱسم الجنس. وقيل: أراد بتفصيل الكتاب ما بُيِّن في القرآن من الأحكام. {لاَ رَيْبَ فِيهِ} الهاء عائدة للقرآن، أي لا شك فيه أي في نزوله من قِبَل الله تعالى

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٣٨

قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} أم هٰهنا في موضع ألف الاستفهام لأنها اتصلت بما قبلها. وقيل: هي أم المنقطعة التي تقدّر بمعنى بل والهمزة؛ كقوله تعالى: {الۤـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} أي بل أيقولون افتراه. وقال أبو عبيدة: أم بمعنى الواو، مجازه: ويقولون افتراه. وقيل: الميم صلة، والتقدير: أيقولون افتراه، أي اختلق محمد القرآن من قِبل نفسه، فهو استفهام معناه التقريع. {قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ} ومعنى الكلام الاحتجاج، فإن الآية الأُولى دلّت على كون القرآن من عند الله؛ لأنه مصدّق الذي بين يديه من الكتب وموافق لها من غير أن يتعلم محمد عليه السلام عن أحد.وهذه الآية إلزام بأن يأتوا بسورة مثله إن كان مفترًى. وقد مضى القول في إعجاز القرآن، وأنه معجز في مقدّمة الكتاب، والحمد لله.

بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٣٩

قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ} أي كذبوا بالقرآن وهم جاهلون بمعانيه وتفسيره، وعليهم أن يعلموا ذلك بالسؤال؛ فهذا يدلّ على أنه يجب أن يُنظر في التأويل. وقوله: {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} أي ولم يأتهم حقيقة عاقبة التكذيب من نزول العذاب بهم. أو كذبوا بما في القرآن من ذكر البعث والجنة والنار، ولم يأتهم تأويله أي حقيقة ما وعدوا في الكتاب؛ قاله الضحاك. وقيل للحسين بن الفضل: هل تجد في القرآن (من جهل شيئاً عاداه) قال نعم، في موضعين: «بَلْ كَذَّبُوا بمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ» وقوله:

{ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ } [الأحقاف: 11]. {كَذَلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يريد الأُمم الخالية، أي كذا كانت سبيلهم. والكاف في موضع نصب. {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ} أي أخذهم بالهلاك والعذاب.

وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِۦ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ ۝٤٠

قوله تعالى: {وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ} قيل: المراد أهل مكة، أي ومنهم من يؤمن به في المستقبل وإن طال تكذيبه؛ لعلمه تعالى السابق فيهم أنهم من السعادة. و «منْ» رفع بالابتداء والخبر في المجرور. وكذا. {وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ} والمعنى ومنهم من يُصِر على كفره حتى يموت؛ كأبي طالب وأبي لهب ونحوهما. وقيل: المراد أهل الكتاب. وقيل: هو عام في جميع الكفار؛ وهو الصحيح. وقيل: إن الضمير في «به» يرجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم؛ فأعلم الله سبحانه أنه إنما أخّر العقوبة لأن منهم من سيؤمِن. {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ} أي من يُصِرّ على كفره؛ وهذا تهديد لهم.

وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ۝٤١

قوله تعالى: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي} رفع بالابتداء، والمعنى: لي ثواب عملي في التبليغ والإنذار والطاعة لله تعالى. {وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} أي جزاؤه من الشرك. {أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} مثله؛ أي لا يؤاخذ أحد بذنب الآخر. وهذه الآية منسوخة بآية السيف؛ في قول مجاهد والكلبي ومقاتل وٱبن زيد.

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَعْقِلُونَ ۝٤٢ وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يُبْصِرُونَ ۝٤٣

قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} يريد بظواهرهم، وقلوبُهم لا تَعِي شيئاً مما يقوله من الحق ويتلوه من القرآن؛ ولهذا قال: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي لا تسمع؛ فظاهره الاستفهام ومعناه النفي، وجعلهم كالصم للختم على قلوبهم والطبع عليها، أي لا تقدر على هداية من أصمّه الله عن سماع الهدى. وكذا المعنى في: {وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ} أخبر تعالى أن أحداً لا يؤمن إلا بتوفيقه وهدايته. وهذا وما كان مثلَه يردّ على القدرية قولهم؛ كما تقدّم في غير موضع. وقال: «يستمعون» على معنى «مَن» و «ينظر» على اللفظ؛ والمراد تسلية النبيّ صلى الله عليه وسلم، أي كما لا تقدر أن تسمع من سُلب السمع ولا تقدر أن تخلُق للأعمى بصراً يهتدي به، فكذلك لا تقدر أن توفّق هؤلاء للإيمان وقد حكم الله عليهم ألاّ يؤمنوا. ومعنى: «يَنْظُرُ إلَيْكَ» أي يديم النظر إليك؛ كما قال:

{ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ } [الأحزاب: 19]. قيل: إنها نزلت في المستهزئين، والله أعلم.

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًٔا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝٤٤

لما ذكر أهل الشقاء ذكر أنه لم يظلمهم، وأن تقدير الشقاء عليهم وسلب سمع القلب وبَصرَه ليس ظلماً منه؛ لأنه تصرّف في ملكه بما شاء، و هو في جميع أفعاله عادل. {وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بالكفر والمعصية ومخالفة أمر خالقهم. وقرأ حمزة والكسائي «ولكِنْ» مخففاً «الناس» رفعا. قال النحاس: زعم جماعة من النحويين منهم الفرّاء أن العرب إذا قالت «ولكن» بالواو آثرت التشديد، وإذا حذفوا الواو آثرت التخفيف، واعتلّ في ذلك فقال: لأنها إذا كانت بغير واو أشبهت بل فخففوها ليكون ما بعدها كما بعد بل، وإذا جاؤوا بالواو خالفت بل فشدّدوها ونصبوا بها، لأنها «إنّ» زيدت عليها لام وكاف وصُيّرت حرفاً واحداً؛ وأنشد:

ولكنني من حبّها لعَميد

فجاء باللام لأنها «إنّ».

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ ۝٤٥

قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ} بمعنى كأنهم فخففّت، أي كأنهم لم يلبثوا في قبورهم. {إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ} أي قدر ساعة؛ يعني أنهم استقصروا طول مقامهم في القبور لهول ما يرون من البعث؛ دليله قولهم:

{ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ }[الكهف: 19]. وقيل: إنما قَصُرت مدّة لَبثهم في الدنيا من هول ما استقبلوا لا مدة كونهم في القبر. ٱبن عباس: رأُوا أن طول أعمارهم في مقابلة الخلود كساعة. {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} في موضع نصب على الحال من الهاء والميم في «يحشرهم». ويجوز أن يكون منقطعاً، فكأنه قال فهم يتعارفون. قال الكَلْبِيّ: يعرف بعضهم بعضاً كمعرفتهم في الدنيا إذا خرجوا من قبورهم؛ وهذا التعارف تعارف توبيخ وافتضاح؛ يقول بعضهم لبعض: أنت أضللتني وأغويتني وحملتني على الكفر؛ وليس تعارف شفقة ورأفة وعطف. ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة كما قال: { وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً } [المعارج: 10]. وقيل: يبقى تعارف التوبيخ؛ وهو الصحيح لقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ} ـ إلى قوله ـ { وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } [سبأ: 33] وقوله: { كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا }[الأعراف: 38] الآية، وقوله: { رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا }[الأحزاب: 67] الآية. فأما قوله: {وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} وقوله: { فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ }[المؤمنون: 101] فمعناه لا يسأله سؤال رحمة وشفقة، والله أعلم. وقيل: القيامة مواطن. وقيل: معنى «يَتَعَارَفُونَ» يتساءلون، أي يتساءلون كم لبثتم؛ كما قال: { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ }[الصافات: 27] وهذا حسن. وقال الضحاك: ذلك تعارفُ تعاطفِ المؤمنين؛ والكافرون لا تعاطف عليهم؛ كما قال: «فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ». والأوّل أظهر، والله أعلم.

قوله تعالى: {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ} أي بالعرض على الله. ثم قيل: يجوز أن يكون هذا إخباراً من الله عز وجل بعد أن دلّ على البعث والنشور، أي خسروا ثواب الجنة. وقيل: خسِروا في حال لقاء الله؛ لأن الخسران إنما هو في تلك الحالة التي لا يرجى فيها إقالة ولا تنفع توبة. قال النحاس: ويجوز أن يكون المعنى يتعارفون بينهم، يقولون هذا. {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} يريد في علم الله.

وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ ۝٤٦

قوله تعالى: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ} شرط. {بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ} أي من إظهار دينك في حياتك. وقال المفسرون: كان البعض الذي وعدهم قتْلَ من قُتل وأسْرَ من أُسر ببدر. {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} عطف على «نُرِيَنَّكَ» أي نتوفينك قبل ذلك. {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} جواب «إمّا». والمقصود إن لم ننتقم منهم عاجلاً انتقمنا منهم آجلاً. {ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ} أي شاهد لا يحتاج إلى شاهد. {عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ} من محاربتك وتكذيبك. ولو قيل: «ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ» بمعنى هناك، جاز.

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ۝٤٧

قوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ}.يكون المعنى: ولكل أُمة رسول شاهد عليهم، فإذا جاء رسولهم يوم القيامة قضى بينهم؛ مثل.

{ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ }[النساء: 41]. وقال ٱبن عباس: تُنكر الكفار غداً مجيء الرسل إليهم، فيؤتى بالرسول فيقول: قد أبلغتكم الرسالة؛ فحينئذ يقضى عليهم بالعذاب. دليله قوله: { وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً } [البقرة: 143]. ويجوز أن يكون المعنى أنهم لا يعذبون في الدنيا حتى يرسل إليهم؛ فمن آمن فاز ونجا، ومن لم يؤمن هلك وعُذّب. دليله قوله تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً }[الإسراء: 15]. والقسط: العدل. «وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ» أي لا يعذبون بغير ذنب ولا يؤاخذون بغير حجة.

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٤٨

يريد كفار مكة لفرط إنكارهم واستعجالهم العذاب؛ أي متى العقاب أو متى القيامة التي يعدنا محمد. وقيل: هو عام في كل أُمة كذبت رسولها.

قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ۝٤٩

قوله تعالى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} لما استعجلوا النبيّ صلى الله عليه وسلم بالعذاب قال الله له: قل لهم يا محمد لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً؛ أي ليس ذلك لي ولا لغيري. {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} أن أملكه وأقدر عليه، فكيف أقدر أن أملك ما استعجلتم فلا تستعجلوا. {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} أي لهلاكهم وعذابهم وقت معلوم في علمه سبحانه. {إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ} أي وقت انقضاء أجلهم. {فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} أي لا يمكنهم أن يستأخروا ساعة باقين في الدنيا ولا يتقدّمون فيؤخرون.

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُهُۥ بَيَٰتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ ۝٥٠

قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً} ظرفان، وهو جواب لقولهم: «مَتَى هَذَا الْوَعْدُ» وتسفيهٌ لآرائهم في استعجالهم العذاب؛ أي إن أتاكم العذاب فما نَفْعُكم فيه، ولا ينفعكم الإيمان حينئذ. {مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ} استفهام معناه التهويل والتعظيم؛ أي ما أعظم ما يستعجلون به؛ كما يقال لمن يطلب أمراً يستوخم عاقبته: ماذا تجني على نفسك! والضمير في «منه» قيل: يعود على العذاب، وقيل: يعود على الله سبحانه وتعالى. قال النحاس: إن جعلت الهاء في «منه» تعود على العذاب كان لك في «ماذا» تقديران: أحدهما أن يكون «ما» في موضع رفع بالابتداء، و «ذا» بمعنى الذي، وهو خبر «ما» والعائد محذوف. والتقدير الآخر أن يكون «ماذا» اسماً واحداً في موضع رفع بالابتداء، والخبر في الجملة، قاله الزجاج: وإن جعلت الهاء في «منه» تعود على اسم الله تعالى جعلت «ما»، و «ذا» شيئاً واحداً، وكانت في موضع نصب بـ «يستعجل»؛ والمعنى: أيّ شيء يستعجل منه المجرمون من الله عز وجل.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ