أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓ ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَ ٥١
قوله تعالى: {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ} في الكلام حذف، والتقدير: أتأمنون أن ينزل بكم العذاب ثم يقال لكم إذا حل: آلآن آمنتم به؟ قيل: هو من قول الملائكة استهزاء بهم. وقيل: هو من قول الله تعالى، ودخلت ألف الاستفهام على «ثم» والمعنى: التقرير والتوبيخ، وليدلّ على أن معنى الجملة الثانية بعد الأُولى. وقيل: إن «ثم» هٰهنا بمعنى: «ثَمّ» بفتح الثاء، فتكون ظرفاً، والمعنى: أهنالك؛ وهو مذهب الطبري، وحينئذ لا يكون فيه معنى الاستفهام. و «الآن» قيل: أصله فعل مبنيّ مثل حان، والألف واللام لتحويله إلى الاسم. الخليل: بنيت لالتقاء الساكنين، والألف واللام للعهد والإشارة إلى الوقت، وهو حدّ الزمانين. {وَقَدْ كُنتُم بِهِ} أي بالعذاب {تَسْتَعْجِلُونَ}.
ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ٥٢
قوله تعالى: {ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي تقول لهم خزنة جهنم. {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ} أي الذي لا ينقطع. {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} أي جزاء كفركم.
وَيَسْتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِى وَرَبِّىٓ إِنَّهُۥ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ٥٣
قوله تعالى: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ} أي يستخبرونك يا محمد عن كون العذاب وقيام الساعة. {أَحَقٌّ} ابتداء. {هُوَ} سدّ مسدّ الخبر؛ وهذا قول سيبويه. ويجوز أن يكون «هو» مبتدأ، و «أحق» خبره. {قُلْ إِي} «إي» كلمة تحقيق وإيجاب وتأكيد بمعنى نعم. {وَرَبِّيۤ} قسم. {إِنَّهُ لَحَقٌّ} جوابه، أي كائن لا شك فيه. {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} أي فائتين عن عذابه ومجازاته.
وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلْأَرْضِ لَٱفْتَدَتْ بِهِۦ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ٥٤
قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ} أي أشركت وكفرت. {مَا فِي ٱلأَرْضِ} أي ملكاً. {لاَفْتَدَتْ بِهِ} أي من عذاب الله، يعني ولا يقبل منها؛ كما قال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ}. وقد تقدّم.
قوله تعالى: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ} أي أخفَوْها؛ يعني رؤساءهم، أي أخفوا ندامتهم عن أتباعهم. {لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} وهذا قبل الإحراق بالنار، فإذا وقعوا في النار ألْهتهم النار عن التصنع؛ بدليل قولهم:
{ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا } [المؤمنون: 601]. فبيّن أنهم لا يكتمون ما بهم. وقيل: «أسَرُّوا» أظهروا، والكلمة من الأضداد، ويدلّ عليه أن الآخرة ليست دار تجلد وتصبّر. وقيل: وجدوا ألم الحسرة في قلوبهم؛ لأن الندامة لا يمكن إظهارها. قال كثير:
فأسررتُ الندامة يوم نادىبردّ جمال غاضرة المنادي
وذكر المبرّد فيه وجهاً ثالثاً ـ أنه بدت بالندامة أسِرّة وجوههم، وهي تكاسير الجبهة، واحدها سِرَار. والندامة: الحسرة لوقوع شيء أو فوت شيء، وأصلها اللزوم؛ ومنه النديم لأنه يلازم المجالس. وفلان نادم سادم. والسَّدَم اللَّهَج بالشيء. ونَدِم وتندّم بالشيء أي اهتمّ به. قال الجوهري: السَّدَم (بالتحريك) الندم والحزن؛ وقد سَدِم بالكسر أي اهتمّ وحَزِن ورجل نادمٌ سادمٌ، وندمانُ سَدْمان؛ وقيل: هو إتباع. وماله همٌّ ولا سَدَم إلا ذلك. وقيل: الندم مقلوب الدمن، والدَّمْن اللزوم؛ ومنه فلان مدمن الخمر. والدّمْن: ما اجتمع في الدار وتلبّد من الأبوال والأبعار؛ سُمِّيَ به للزومه. والدّمنة: الحقد الملازم للصدر، والجمع دِمَن. وقد دَمِنت قلوبهم بالكسر؛ يقال: دَمِنت على فلان أي ضَغِنت. {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} أي بين الرؤساء والسُّفَّل بالعدل. {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.
أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَلَآ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٥٥
«ألاَ» كلمة تنبيه للسامع تزاد في أوّل الكلام؛ أي انتبهوا لما أقول لكم: {إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ}، {لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فلا مانع يمنعه من إنفاذ ما وعده. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ذلك.
هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٥٦
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ٥٧
قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} يعني قريشاً. {قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ} أي وعظ. {مِّن رَّبِّكُمْ} يعني القرآن، فيه مواعظ وحِكَم. {وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ} أي من الشك والنفاق والخلاف والشقاق. {وَهُدًى} أي ورشداً لمن ٱتبعه. {وَرَحْمَةٌ} أي نعمة. {لِّلْمُؤْمِنِينَ} خصّهم لأنهم المنتفعون بالإيمان؛ والكل صفات القرآن، والعطف لتأكيد المدح. قال الشاعر:
إلى المَلِك القَرْم وابنِ الهُماموليثِ الكَتِيبة في المُزْدَحَمْ
قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ٥٨
قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ} قال أبو سعيد الخُدرِيّ وابن عباس رضي الله عنهما: فضل الله القرآن، ورحمته الإسلام. وعنهما أيضاً: فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلكم من أهله، وعن الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة: فضل الله الإيمان، ورحمته القرآن؛ على العكس من القول الأوّل. وقيل: غير هذا. {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} إشارة إلى الفضل والرحمة. والعرب تأتي «بذلك» للواحد والاثنين والجمع. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قرأ «فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا» بالتاء؛ وهي قراءة يزيد بن القَعْقاع ويعقوب وغيرهما، وفي الحديث.
لتأخذوا مصافّكم. والفرح لذة في القلب بإدراك المحبوب. وقد ذمّ الفرح في مواضع؛ كقوله: { لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ }[القصص: 76] وقوله: { إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ } [هود: 10] ولكنه مطلق. فإذا قيّد الفرح لم يكن ذماً؛ لقوله؛ { فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ }[آل عمران: 170] وهاهنا قال تبارك وتعالى: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} أي بالقرآن والإسلام فليفرحوا؛ فقيد. قال هارون: وفي حرف أُبَيّ «فبِذلِك فافرحوا». قال النحاس: سبيل الأمر أن يكون باللام ليكون معه حرف جازم كما أن مع النهي حرفاً؛ إلا أنهم يحذفون من الأمر للمخَاطب استغناء بمخاطبته، وربما جاءوا به على الأصل؛ منه «فبذلك فلتفرحوا». {هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} يعني في الدنيا. وقراءة العامة بالياء في الفعلين؛ ورُوي عن ٱبن عامر أنه قرأ «فليفرحوا» بالياء «تجمعون» بالتاء؛ خطاباً للكافرين. ورُوي عن الحسن أنه قرأ بالتاء في الأوّل؛ و «يجمعون» بالياء على العكس. وروى أبان عن أنس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:من هداه الله للإسلام وعلمه القرآن ثم شكا الفاقة كتب الله الفقر بين عينيه إلى يوم يلقاه ـ ثم تلا ـ {قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}.
قُلْ أَرَءَيْتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَٰلًا قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ ٥٩
قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً}.
فيه مسألتان:
الأولى ـ قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ} يخاطب كفار مكة. {مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ} «ما» في موضع نصب «بأرأيتم». وقال الزجاج: في موضع نصب بـ «أنزل». «وَأَنْزَلَ» بمعنى خلق؛ كما قال:
{ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ }[الزمر: 6]. {وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ}. فيجوز أن يعبر عن الخلق بالإنزال؛ لأن الذي في الأرض من الرزق إنما هو بما ينزل من السماء من المطر. {فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً} قال مجاهد: هو ما حكموا به من تحريم البَحِيرة والسائبة والوِصيلة والحام. وقال الضحاك: هو قول الله تعالى: { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً }[الأنعام: 136]. {قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} أي في التحليل والتحريم. {أَمْ عَلَى ٱللَّهِ} «أم» بمعنى بل. {تَفْتَرُونَ} هو قولهم إن الله أمرنا بها.
الثانية ـ استدلّ بهذه الآية من نفى القياس، وهذا بعيد؛ فإن القياس دليل الله تعالى، فيكون التحليل والتحريم من الله تعالى عند وجود دِلالة نصبها الله تعالى على الحكم، فإن خالف في كون القياس دليلاً لله تعالى فهو خروج عن هذا الغرض ورجوع إلى غيره.
وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ٦٠
قوله تعالى: {وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} «يوم» منصوب على الظرف، أو بالظن؛ نحو ما ظنك زيداً؛ والمعنى: أيحسبون أن الله لا يؤاخذهم به. {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} أي في التأخير والإمهال. وقيل: أراد أهل مكة حين جعلهم في حَرَم آمن. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ} يعني الكفار. {لاَ يَشْكُرُونَ} الله على نعمه ولا في تأخير العذاب عنهم. وقيل: «لا يشكرون» لا يوحدون.
وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَٰبٍ مُّبِينٍ ٦١
قوله تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ} «ما» للجحد؛ أي لست في شأن، يعني من عبادة أو غيرها إلا والربّ مطلع عليك. والشأن الخطب، والأمر، وجمعه شؤون. قال الأخفش: تقول العرب ما شأنْتُ شَأْنَه، أي ما عملت عمله. {وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ} قال الفرّاء والزجاج: الهاء في «منه» تعود على الشأن، أي تحدِث شأناً فيتلى من أجله القرآن فيعلم كيف حكمه، أو ينزل فيه قرآن فيتلى. وقال الطبري: «منه» أي من كتاب الله تعالى. «مِنْ قُرْآنٍ» أعاد تفخيماً؛ كقوله: {إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ}. {وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ} يخاطب النبيّ صلى الله عليه وسلم والأُمة. وقوله: «وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ» خطاب له والمراد هو وأُمته؛ وقد يخاطَب الرسول والمراد هو وأتباعه. وقيل: المراد كفار قريش. {إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً} أي نعلمه؛ ونظيره
{ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } [المجادلة: 7]. {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} أي تأخذون فيه، والهاء عائدة على العمل؛ يقال: أفاض فلان في الحديث والعمل إذا اندفع فيه. قال الراعي:
فأفَضْنَ بعد كُظومِهِنّ بجِرّةمن ذي الأباطح إذ رَعَيْنَ حَقِيلاَ
ابن عباس: «تُفِيضُونَ فِيهِ» تفعلونه. الأخفش: تتكلمون. ابن زيد: تخوضون. ابن كَيسان: تنشرون القول. وقال الضحاك: الهاء عائدة على القرآن؛ المعنى: إذ تشيعون في القرآن الكذب. {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ} قال ابن عباس: يغيب. وقال أبو رَوق: يبعد. وقال ابن كَيسان: يذهب. وقرأ الكسائيّ «يعزِب» بكسر الزاي حيث وقع؛ وضم الباقون؛ وهما لغتان فصيحتان؛ نحو يعرِش ويعرُش. {مِن مِّثْقَالِ} «من» صلة؛ أي وما يعزب عن ربك مثقال {ذَرَّةٍ}؛ أي وزن ذرّة، أي نميلة حمراء صغيرة، وقد تقدّم في «النساء». {فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ} عطف على لفظ مثقال، وإن شئت على ذرّة. وقرأ يعقوب وحمزة برفع الراء فيهما عطفاً على موضع مثقال لأن من زائدة للتأكيد. وقال الزجاج: ويجوز الرفع على الابتداء. وخبره {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} يعني اللوح المحفوظ مع علم الله تعالى به. قال الجُرْجاني: «إلا» بمعنى واو النسق، أي وهو في كتاب مبين؛ كقوله تعالى: { إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ إِلاَّ مَن ظَلَمَ }[النمل: 10] أي ومن ظلم. وقوله: { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } [البقرة: 150] أي والذين ظلموا منهم؛ فـ «إلا» بمعنى واو النسق، وأضمر هو بعده، كقوله: { وَقُولُواْ حِطَّةٌ }[البقرة: 58] أي هي حطّة. وقوله: { وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ }[النساء: 171] أي هم ثلاثة. ونظير ما نحن فيه: { وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } [الأنعام: 59] وهو في كتاب مبين.
أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٦٢
قوله تعالى: {أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} أي في الآخرة. {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} لفقد الدنيا. وقيل: {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي من تولاه الله تعالى وتولى حفظه وحِياطته ورضي عنه فلا يخاف يوم القيامة ولا يحزن؛ قال الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا} ـ أي عن جهنم ـ {مُبْعَدُونَ} ـ إلى قوله ـ
{ لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } [الأنبياء: 103]. وروى سعيد بن جبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: مَن أولياء الله؟ فقال: «الذين يُذكَر الله برؤيتهم». وقال عمر بن الخطاب في هذه الآية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداءَ تغبِطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله تعالى». قيل: يا رسول الله، خبّرنا مَن هم وما أعمالهم فلعلّنا نحبهم. قال: «هم قوم تحابّوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموالٍ يتعاطَون بها فوالله إن وجوههم لنور وإنهم على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزِن الناس ـ ثم قرأ ـ {أَلاَ إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}». وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أولياء الله قوم صفر الوجوه من السّهر، عُمْش العيون من العِبَر، خُمْص البطون من الجوع، يُبْس الشفاه من الذَّوِيّ. وقيل: «لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ» في ذريتهم، لأن الله يتولاهم. «وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ» على دنياهم لتعويض الله إياهم في أولاهم وأُخراهم لأنه وليّهم ومولاهم.
ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ٦٣
هذه صفة أولياء الله تعالى؛ فيكون: {ٱلَّذِينَ} في موضع نصب على البدل من اسم «إنّ» وهو «أولياء». وإن شئت على أعني. وقيل: هو ابتداء، وخبره. {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ}؛ فيكون مقطوعاً مما قبله. أي يتقون الشرك والمعاصي.
لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ٦٤
قوله تعالى: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا}
عن أبي الدّرداء قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال: «ما سألني أحد عنها غيرك منذ أنزلت هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرَى له» خرّجه الترمذي في جامعه. وقال الزهريّ وعطاء وقتادة: هي البشارة التي تبشّر بها الملائكة المؤمنَ في الدنيا عند الموت. وعن محمد بن كعب القُرَظِيّ قال: إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك الموت فقال: السلام عليك ولِيَّ الله الله يقرئك السلام. ثم نزع بهذه الآية: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ} ذكره ابن المبارك. وقال قتادة والضحاك: هي أن يعلم أين هو من قبل أن يموت. وقال الحسن: هي ما يبشرهم الله تعالى في كتابه من جنته وكريم ثوابه؛ لقوله: { يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ } [التوبة: 21]، وقوله: { وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ } [البقرة: 25]. وقوله: { وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } [فصلت: 30] ولهذا قال: {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} أي لا خلف لمواعيده، وذلك لأن مواعيده بكلماته. {وَفِي ٱلآخِرَةِ} قيل: بالجنة إذا خرجوا من قبورهم. وقيل: إذا خرجت الروح بُشِّرت برضوان الله. وذكر أبو إسحاق الثعلبي: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الجَوْزَقيّ يقول: رأيت أبا عبد الله الحافظ في المنام راكباً بِرْذَوْناً عليه طَيْلسان وعمامة، فسلّمت عليه وقلت له: أهلاً بك، إنا لا نزال نذكرك ونذكر محاسنك؛ فقال: ونحن لا نزال نذكرك ونذكر محاسنك، قال الله تعالى: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} الثناء الحسن: وأشار بيده. {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} أي لا خلف لوعده. وقيل: لا تبديل لأخباره، أي لا ينسخها بشيء، ولا تكون إلا كما قال: {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي ما يصير إليه أولياؤه فهو الفوز العظيم.
وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٦٥
قوله تعالى: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} تمّ الكلام، أي لا يحزنك ٱفتراؤهم وتكذيبهم لك، ثم ٱبتدأ فقال: {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ} أي القوّة الكاملة والغلبة الشاملة والقدرة التامة لله وحده؛ فهو ناصرك ومعينك ومانعك. {جَمِيعاً} نصب على الحال، ولا يعارض هذا قوله:
{ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }[المنافقون: 8] فإن كل عزة بالله فهي كلها لله؛ قال الله سبحانه: { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ }[الصافات: 180]. {هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} السميع لأقوالهم وأصواتهم، العليم بأعمالهم وأفعالهم وجميع حركاتهم.
أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ٦٦
قوله تعالى: {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَنْ فِي ٱلأَرْضِ} أي يحكم فيهم بما يريد، ويفعل فيهم ما يشاء سبحانه!
قوله تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ} «ما» للنفي، أي لا يتبعون شركاء على الحقيقة، بل يظنون أنها تشفع أو تنفع. وقيل: «ما» استفهام، أي أيّ شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء تقبيحاً لفعلهم، ثم أجاب فقال: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} أي يَحْدِسون ويكذبون، وقد تقدّم.
هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ٦٧
قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} بيّن أن الواجب عبادةُ من يقدِر على خلق الليل والنهار لا عبادة من لا يقدر على شيء. «لِتَسْكُنُوا فِيهِ» أي مع أزواجكم وأولادكم ليزول التعب والكَلال بكم. والسكون: الهدوء عن الاضطراب.
قوله تعالى: {وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} أي مضيئاً لِتهتدوا به في حوائجكم. والمبصِر: الذي يبصر، والنهار يُبْصَر فيه. وقال: «مُبْصِراً» تجوّزاً وتوسعاً على عادة العرب في قولهم: «ليل قائم، ونهار صائم». وقال جرير:
لقد لُمْتِنا يا أُمَّ غَيْلان في السُّرَىونمتِ وما ليلُ المَطِيّ بنائم
وقال قُطْرُب: يقال أظلم الليل أي صار ذا ظلمة، وأضاء النهار وأبصر أي صار ذا ضياء وبصر.
قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ} أي علامات ودلالات. {لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} أي سماع اعتبار.
قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا سُبْحَٰنَهُۥ هُوَ ٱلْغَنِىُّ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَٰنٍۭ بِهَٰذَآ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٦٨
قوله تعالى: {قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} يعني الكفار. وقد تقدّم. {سُبْحَانَهُ} نَزَّه نفسه عن الصاحبة والأولاد وعن الشركاء والأنداد. {هُوَ ٱلْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} ثم أخبر بغناه المطلق، وأن له ما في السموات والأرض ملكاً وخلقاً وعبداً؛
{ إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً } [مريم: 93]. {إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَآ} أي ما عندكم من حجة بهذا. {أَتقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من إثبات الولد له، والولد يقتضي المجانسة والمشابهة والله تعالى لا يجانِس شيئاً ولا يشابه شيئاً.
قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ٦٩ مَتَٰعٌ فِى ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ٧٠
قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ} أي يختلقون. {عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} أي لا يفوزون ولا يأمنون؛ وتم الكلام. {مَتَاعٌ فِي ٱلدُّنْيَا} أي ذلك متاع، أو هو متاع في الدنيا؛ قاله الكسائي. وقال الأخفش: لهم متاع في الدنيا. قال أبو إسحاق: ويجوز النصب في غير القرآن على معنى يتمتعون متاعاً. {ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} أي رجوعهم. {ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ} أي الغليظ. {بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} أي بكفرهم.
وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ ٧١
قوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} أمره عليه السلام أن يذكّرهم أقاصيص المتقدّمين، ويخوّفهم العذاب الأليم على كفرهم. وحذفت الواو من «ٱتل» لأنه أمر؛ أي ٱقرأ عليهم خبر نوح. {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} «إذ» في موضع نصب. {يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ} أي عظم وثقل عليكم. {مَّقَامِي} المقام (بفتح الميم): الموضع الذي يقوم فيه. والمُقام (بالضم) الإقامة. ولم يُقرأ به فيما علمت؛ أي إن طال عليكم لُبْثي فيكم. {وَتَذْكِيرِي} إياكم، وتخْويفي لكم. {بِآيَاتِ ٱللَّهِ} وعزمتم على قتلي وطردي. {فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ} أي اعتمدت. وهذا هو جواب الشرط، ولم يزل عليه السلام متوكلاً على الله في كل حال، ولكن بيّن أنه متوكل في هذا على الخصوص ليعرف قومه أن الله يكفيه أمرهم؛ أي إن لم تنصروني فإني أتوكّل على من ينصرني.
قوله تعالى: {فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ} قراءة العامة «فَأَجْمِعُوا» بقطع الألف «شُرَكَاءَكُمْ» بالنصب. وقرأ عاصم الجَحْدرِيّ «فٱجْمعُوا» بوصل الألف وفتح الميم؛ من جَمع يجمع. «شُرَكَاءَكُمْ» بالنصب. وقرأ الحسن وٱبن أبي إسحاق ويعقوب «فأجمِعوا» بقطع الألف «شركاؤكم» بالرفع. فأما القراءة الأُولى من أجمع على الشيء إذا عزم عليه. وقال الفراء: أجمع الشيء أعدّه. وقال المؤرّج: أجمعت الأمر أفصح من أجمعت عليه. وأنشد:
يا ليت شعري والمُنَى لا تنفعهل أَغْدُوَنْ يوماً وأمري مُجْمَعُ
قال النحاس: وفي نصب الشركاء على هذه القراءة ثلاثة أوجه؛ قال الكسائي والفراء: هو بمعنى وٱدعوا شركاءكم لنصرتكم؛ وهو منصوب عندهما على إضمار هذا الفعل. وقال محمد بن يزيد: هو معطوف على المعنى؛ كما قال:
يا ليت زوجَك في الوَغَىمتقلّدا سَيْفاً ورُمْحاً
والرمح لا يُتقلّد، إلا أنه محمول كالسيف. وقال أبو إسحاق الزجاج: المعنى مع شركائكم على تناصركم؛ كما يقال: التقى الماء والخشبةَ. والقراءة الثانية من الجمع، اعتباراً بقوله تعالى: { فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ }[طۤه: 60]. قال أبو معاذ: ويجوز أن يكون جَمَعَ وأجْمع بمعنًى واحد، «وشركاءكم» على هذه القراءة عطف على «أمركم»، أو على معنى فأجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم، وإن شئت بمعنى مع. قال أبو جعفر النحاس: وسمعت أبا إسحاق يجيز قام زيد وعمراً. والقراءة الثالثة على أن يعطف الشركاء على المضمر المرفوع في أجمعوا، وحسن ذلك لأن الكلام قد طال. قال النحاس وغيره: وهذه القراءة تبعد؛ لأنه لو كان مرفوعاً لوجب أن تكتب بالواو، ولم يُرَ في المصاحف واو في قوله «وشركاءكم»، وأيضاً فإن شركاءهم الأصنام، والأصنام لا تصنع شيئاً ولا فعل لها حتى تُجْمِع. قال المهدويّ: ويجوز أن يرتفع الشركاء بالابتداء والخبر محذوف، أي وشركاءكم ليجمعوا أمرهم، ونسب ذلك إلى الشركاء وهي لا تسمع ولا تبصر ولا تميز على جهة التوبيخ لمن عبدها.
قوله تعالى: {ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} اسم يكن وخبرها. وغُمّة وغَمّ سواء، ومعناه التغطية؛ من قولهم: غُمّ الهلال إذا استتر؛ أي ليكن أمركم ظاهراً منكشفاً تتمكنون فيه ممّا شئتم؛ لا كمن يخفَى أمرُه فلا يقدر على ما يريد. قال طرفَة:
لعمرك ما أمري عليّ بغُمّةنهاري ولا ليلي عليَّ بسَرْمَد
الزجاج: غمّة ذا غم، والغم والغُمّة كالكَرْب والكُرْبة. وقيل: إن الغمة ضيق الأمر الذي يوجب الغم فلا يتبيّن صاحبه لأمره مصدراً لينفرج عنه ما يغُمّه. وفي الصحاح: والغمة الكربة. قال العجاج:
بل لو شهدت الناس إذ تُكُمُّوابغُمّة لو لم تُفَرَّج غُمُّوا
يقال: أمْرٌ غُمّة، أي مُبْهَم ملتبس؛ قال تعالى:
{ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً}. قال أبو عبيدة: مجازها ظلمة وضيق. والغمة أيضاً: قعر النِّحْي وغيره. قال غيره: وأصل هذا كله مشتق من الغمامة.
قوله تعالى: {ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ} ألف «ٱقضوا» ألف وصل، من قضى يقضي. قال الأخفش والكسائي: وهو مثل.
{ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ } [الحجر: 66]، أي أنهيناه إليه وأبلغناه إياه. ورُوي عن ابن عباس «ثُمَّ ٱقْضُوا إلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِ» قال: ٱمضوا إليّ ولا تؤخرون. قال النحاس: هذا قول صحيح في اللغة؛ ومنه: قَضَى الميت أي مضى. وأعلمهم بهذا أنهم لا يصلون إليه، وهذا من دلائل النبوّات. وحكى الفراء عن بعض القراء «ثم أفضوا إليّ» بالفاء وقطع الألف، أي توجهوا؛ يقال: أفضت الخلافة إلى فلان، وأفضى إليّ الوجع. وهذا إخبار من الله تعالى عن نبيه نوح عليه السلام أنه كان بنصر الله واثقاً، ومن كيدهم غير خائف؛ علماً منه بأنهم وآلهتهم لا ينفعون ولا يضرون. وهو تعزيةٌ لنبيه صلى الله عليه وسلم وتقويةٌ لقلبه.
فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ٧٢
قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ} أي فإن أعرضتم عما جئتكم به فليس ذلك لأني سألتكم أجراً فيثقل عليكم مكافأتي. {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} في تبليغ رسالته. {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي الموحدين لله تعالى. فتح أهل المدينة وأبو عمرو وابن عامر وحفص ياء «أجرِيَ» حيث وقع، وأسكن الباقون.
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَعَلْنَٰهُمْ خَلَٰٓئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ ٧٣
قوله تعالى: {فَكَذَّبُوهُ} يعني نوحاً. {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ} أي من المؤمنين. {فِي ٱلْفُلْكِ} أي السفينة، وسيأتي ذكرها. {وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ} أي سكان الأرض وخَلَفاً ممن غرِق. {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ} يعني آخر أمر الذين أنذرهم الرسل فلم يؤمنوا.
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ بِهِۦ مِن قَبْلُ كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ ٧٤
قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ} أي من بعد نوح. {رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ} كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وغيرهم. {فَجَآءُوهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالمعجزات. {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ} التقدير: بما كذب به قوم نوح من قبل. وقيل: «بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ» أي من قبل يوم الذَّر، فإنه كان فيهم من كذّب بقلبه وإن قال الجميع: بلى. قال النحاس: ومن أحسن ما قيل في هذا أنه لقوم بأعيانهم؛ مثل:
{ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [البقرة: 6]. {كَذَلِكَ نَطْبَعُ} أي نختم. {عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ} أي المجاوزين الحدّ في الكفر والتكذيب فلا يؤمنوا. وهذا يردّ على القدرية قولهم كما تقدّم.
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ وَهَٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ ٧٥
قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد الرسل والأُمم. {مُّوسَىٰ وَهَارُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أي أشراف قومه. {بِآيَاتِنَا} يريد الآيات التسع، وقد تقدّم ذكرها. {فَٱسْتَكْبَرُواْ} أي عن الحق. {وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} أي مشركين.
فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوٓا۟ إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ٧٦ قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هَٰذَا وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّٰحِرُونَ ٧٧
قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا} يريد فرعون وقومه. {قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ} حملوا المعجزات على السحر. قال لهم موسى: {أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هَـٰذَا} قيل: في الكلام حذف، المعنى: أتقولون للحق هذا سحر. فـ «أتقولون» إنكار وقولهم محذوف أي هذا سحر، ثم ٱستأنف إنكاراً آخر من قِبَله فقال: أسحر هذا!. فحذف قولهم الأوّل اكتفاء بالثاني من قولهم، منكراً على فرعون وملئه. وقال الأخفش: هو من قولهم، ودخلت الألف حكايةً لقولهم؛ لأنهم قالوا أسحر هذا. فقيل لهم: أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا؛ وروي عن الحسن. {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ} أي لا يفلح من أتى به.
قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ٧٨
قوله تعالى: {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا} أي تصرفنا وتَلْوِينا، يقال: لفته يلفِته لَفْتاً إذا لواه وصرفه. قال الشاعر:
تلفّتُّ نحو الحيِّ حتى رأيتُنيوجِعْتُ من الإصغاء لِيتاً وأُخْدَعَا
ومن هذا ٱلتفت إنما هو عدل عن الجهة التي بين يديه. {عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} يريد من عبادة الأصنام. {وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ} أي العظمة والملك والسلطان. {فِي ٱلأَرْضِ} يريد أرض مصر. ويقال للملك: الْكِبْرياء لأنه أعظم ما يطلب في الدنيا. {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} وقرأ ٱبن مسعود والحسن وغيرهما «ويكون» بالياء لأنه تأنيث غير حقيقي وقد فصل بينهما. وحكى سيبويه: حضر القاضي اليوم ٱمرأتان.
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٍ ٧٩
إنما قاله لما رأى العصا واليد البيضاء واعتقد أنهما سحر. وقرأ حمزة والكسائيّ وابن وَثّاب والأعمش «سحار». وقد تقدم في الأعراف القول فيهما.
فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ ٨٠
أي ٱطرحوا على الأرض ما معكم من حبالكم وعِصِيكم. وقد تقدم في الأعراف القول في هذا مستوفى.
فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ٨١
قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَلْقُواْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ} تكون «مَا» في موضع رفع بالابتداء، والخبر «جِئتم بِهِ» والتقدير: أي شيء جِئْتُمْ به، على التوبيخ والتصغير لما جاؤوا به من السحر. وقراءة أبي عمرو «آلِّحْرُ» على الاستفهام على إضمار مبتدأ والتقدير أهو السحر. ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف، التقدير: السحر جئتم به. ولا تكون «ما» على قراءة من استفهم بمعنى الذي، إذ لا خبر لها. وقرأ الباقون «السِّحْرُ» على الخبر، ودليل هذه القراءة قراءة ابن مسعود: «مَا جِئْتُمْ بِهِ سِحْرٌ». وقراءة أُبَيّ: «ما أتيتم به سحر»؛ فـ «ما» بمعنى الذي، و «جئتم به» الصلة، وموضع «ما» رفع بالابتداء، والسحر خبر الابتداء. ولا تكون «ما» إذا جعلتها بمعنى الذي نصباً لأن الصلة لا تعمل في الموصول. وأجاز الفراء نصب السحر بجئتم، وتكون ما للشرط، وجئتم في موضع جزم بما والفاء محذوفة؛ التقدير: فإن الله سيبطله. ويجوز أن ينصب السحر على المصدر، أي ما جئتم به سحراً، ثم دخلت الألف واللام زائدتين، فلا يحتاج على هذا التقدير إلى حذف الفاء. واختار هذا القول النحاس، وقال: حذف الفاء في المجازاة لا يجيزه كثير من النحويين إلا في ضرورة الشعر؛ كما قال:
من يفعل الحسنات اللَّه يشكرها
بل ربما قال بعضهم: إنه لا يجوز ألبتة. وسمعت علي بن سليمان يقول: حدثني محمد بن يزيد قال حدثني المازنِيّ قال سمعت الأصمعيّ يقول: غيّر النحويون هذا البيت، وإنما الرواية:
من يفعل الخير فالرحمن يشكره
وسمعت عليّ بن سليمان يقول: حذف الفاء في المجازاة جائز. قال: والدليل على ذلك { وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ }[الشورى: 30]. «وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم» قراءتان مشهورتان معروفتان. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} يعني السحر. قال ابن عباس: من أخذ مضجعه من الليل ثم تلا هذه الآية. {مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} لم يضره كيد ساحر. ولا تكتب على مسحور إلا دفع الله عنه السحر.
وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ ٨٢
قوله تعالى: {وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ} أي يبيّنه ويوضحه. {بِكَلِمَاتِهِ} أي بكلامه وحججه وبراهينه. وقيل: بعداته بالنصر. {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ} من آل فرعون.
فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِۦ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ ٨٣
قوله تعالى: {فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ} الهاء عائدة على موسى. قال مجاهد: أي لم يؤمن منهم أحد، وإنما آمن أولاد من أرسل موسى إليهم من بني إسرائيل، لطول الزمان هلك الآباء وبقي الأبناء فآمنوا؛ وهذا اختيار الطبري. والذرية أعقاب الإنسان، وقد تكثر. وقيل: أراد بالذرية مؤمني بني إسرائيل. قال ابن عباس: كانوا ستمائة ألف، وذلك أن يعقوب عليه السلام دخل مصر في ٱثنين وسبعين إنساناً فتوالدوا بمصر حتى بلغوا ستمائة ألف. وقال ٱبن عباس أيضاً: «مِنْ قَوْمِهِ» يعني من قوم فرعون؛ منهم مؤمنُ آل فرعون وخازنُ فرعون وٱمرأته وماشطة ٱبنته وٱمرأة خازنه. وقيل: هم أقوامٌ آباؤهم من القبط، وأُمهاتهم من بني إسرائيل فسُمّوا ذرية كما يسمى أولاد الفُرس الذين توالدوا باليمن وبلاد العرب الأبناء؛ لأن أُمهاتهم من غير جنس آبائهم؛ قاله الفراء: وعلى هذا فالكناية في «قَوْمِهِ» ترجع إلى موسى للقرابة من جهة الأُمهات، وإلى فرعون إذا كانوا من القبط.
قوله تعالى: {عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ} لأنه كان مسلَّطاً عليهم عاتيا. {وَمَلَئِهِمْ} ولم يقل وملئه؛ وعنه ستة أجوبة: أحدها ـ أن فرعون لما كان جباراً أخبر عنه بفعل الجميع. الثاني ـ أن فرعون لما ذكر علم أن معه غيرَه، فعاد الضمير عليه وعليهم؛ وهذا أحد قولي الفرّاء. الثالث ـ أن تكون الجماعة سمّيت بفرعون مثل ثمود. الرابع ـ أن يكون التقدير: على خوف من آل فرعون؛ فيكون من باب حذف المضاف مثل:
{ وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ } [يوسف: 82] وهو القول الثاني للفرّاء. وهذا الجواب على مذهب سيبويه والخليل خطأ، لا يجوز عندهما قامت هند، وأنت تريد غلامها. الخامس ـ مذهب الأخفش سعيد أن يكون الضمير يعود على الذرية، أي ملأ الذرية؛ وهو اختيار الطبري. السادس ـ أن يكون الضمير يعود على قومه. قال النحاس: وهذا الجواب كأنه أبلغها. {أَن يَفْتِنَهُمْ} وحّد «يَفْتِنَهُمْ» على الإخبار عن فرعون، أي يصرفهم عن دينهم بالعقوبات، وهو في موضع خفض على أنه بدل اشتمال. ويجوز أن يكون في موضع نصب بـ «خَوْفٍ». ولم ينصرف فرعون لأنه اسم أعجمي وهو معرفة. {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ} أي عاتٍ متكبر. {وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} أي المجاوزين الحدّ في الكفر؛ لأنه كان عبداً فٱدّعى الربوبية.
وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ٨٤ فَقَالُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٥
قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَىٰ يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ} أي صدّقتم. {بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ} أي اعتمدوا. {إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} كرر الشرط تأكيداً، وبيّن أن كمال الإيمان بتفويض الأمر إلى الله. {فَقَالُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} أي أسلمنا أُمورنا إليه، ورضينا بقضائه وقدره، وٱنتهينا إلى أمره. {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي لا تنصرهم علينا، فيكون ذلك فتنة لنا عن الدين، أو لا تمتحنّا بأن تعذّبنا على أيديهم. وقال مجاهد: المعنى لا تهلكنا بأيدي أعدائنا، ولا تعذبنا بعذاب من عندك، فيقول أعداؤنا لو كانوا على حق لم نسلَّط عليهم؛ فيُفتنوا. وقال أبو مِجْلَز وأبو الضُّحا: يعني لا تظهرهم علينا فيروْا أنهم خير منا فيزدادوا طغياناً.
وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ ٨٦
قوله تعالى: {وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ} أي خلّصنا. {مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} أي من فرعون وقومه، لأنهم كانوا يأخذونهم بالأعمال الشاقة.
وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَٱجْعَلُوا۟ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٨٧
قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً} فيه خمس مسائل:
الأُولى ـ قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا} أي ٱتخِذا. {لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً} يقال: بوّأت زيداً مكاناً، وبوّأت لزيد مكاناً. والمبوَّأ المنزل الملزوم؛ ومنه بوّأه الله منزلاً، أي ألزمه إياه وأسكنه؛ ومنه الحديث:
من كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النارقال الراجز:
نحن بنو عدنان ليس شكتبوّأ المجد بنا والملك
ومصر في هذه الآية هي الإسكندرية؛ في قول مجاهد. وقال الضحاك: إنه البلد المسمى مصر، ومصر ما بين البحر إلى أُسوان، والإسكندرية من أرض مصر.
الثانية ـ قوله تعالى: {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} قال أكثر المفسرين: كان بنو إسرائيل لا يصلّون إلا في مساجدهم وكنائسهم وكانت ظاهرة، فلما أُرسل موسى أمر فرعونُ بمساجد بني إسرائيل فخرّبت كلها ومنعوا من الصلاة؛ فأوحى الله إلى موسى وهارون أن ٱتخذا وتخيّرا لبني إسرائيل بيوتاً بمصر، أي مساجد، ولم يرد المنازل المسكونة. هذا قول إبراهيم وٱبن زيد والرّبيع وأبي مالك وٱبن عباس وغيرهم. وروي عن ٱبن عباس وسعيد بن جُبَير أن المعنى: وٱجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضاً. والقول الأوّل أصح؛ أي ٱجعلوا مساجدكم إلى القِبلة؛ قيل: بيت المقدس، وهي قبلة اليهود إلى اليوم؛ قاله ابن بحر. وقيل الكعبة. عن ٱبن عباس قال: وكانت الكعبة قِبلة موسى ومن معه، وهذا يدلّ على أن القبلة في الصلاة كانت شرعاً لموسى عليه السلام، ولم تخل الصلاة عن شرط الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة؛ فإن ذلك أبلغ في التكليف وأوفر للعبادة. وقيل: المراد صلّوا في بيوتكم سرّاً لتأمنوا؛ وذلك حين أخافهم فرعون فأمِروا بالصبر واتخاذ المساجد في البيوت، والإقدام على الصلاة، والدعاء إلى أن ينجز الله وعده، وهو المراد بقوله:
{ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ } [الأعراف: 128] الآية. وكان من دينهم أنهم لا يصلون إلا في البِيَع والكنائس ما داموا على أمن، فإذا خافوا فقد أذن لهم أن يصلوا في بيوتهم. قال ٱبن العربي: والأوّل أظهر القولين؛ لأن الثاني دعوى.
قلت: قوله: «دعوى» صحيح؛ فإن في الصحيح قوله عليه السلام:
جعلت لي الأرض مسجداً وطَهوراًوهذا مما خُصّ به دون الأنبياء؛ فنحن بحمد الله نصلِّي في المساجد والبيوت، وحيث أدركتنا الصلاة؛ إلا أن النافلة في المنازل أفضل منها في المساجد، حتى الركوع قبل الجمعة وبعدها. وقبل الصلوات المفروضات وبعدها؛ إذ النوافل يحصل فيها الرياء، والفرائض لا يحصل فيها ذلك، وكلما خلَص العمل من الرياء كان أوزن وأزلف عند الله سبحانه وتعالى. روى مسلم عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تطوّعه قالت: «كان يصلّي في بيتي قبل الظهر أربعاً، ثم يخرج فيصلّي بالناس، ثم يدخل فيصلّي ركعتين، وكان يصلّي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ثم يصلِّي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين...» الحديث. وعن ٱبن عمر قال: صلّيت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل الظهر سجدتين وبعدها سجدتين وبعد المغرب سجدتين؛ فأما المغرب والعشاء والجمعة فصليت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في بيته. وروى أبو داود عن كعب بن عُجْرة. أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أتى مسجد بني الأشهل فصلى فيه المغرب؛ فلما قضْوا صلاتهم رآهم يسبحون بعدها فقال: «هذه صلاة البيوت»
الثالثة ـ وٱختلف العلماء من هذا الباب في قيام رمضان، هل إيقاعه في البيت أفضل أو في المسجد؟ فذهب مالك إلى أنه في البيت أفضل لمن قوِي عليه، وبه قال أبو يوسف وبعض أصحاب الشافعي. وذهب ٱبن عبد الحكم وأحمد وبعض أصحاب الشافعي إلى أن حضورها في الجماعة أفضل. وقال الليث: لو قام الناس في بيوتهم ولم يقم أحد في المسجد لا ينبغي أن يخرجوا إليه. والحجة لمالك ومن قال بقوله قولُه صلى الله عليه وسلم في حديث زيد بن ثابت:
فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة خرّجه البخاريّ. احتج المخالف بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد صلاّها في الجماعة في المسجد، ثم أخبر بالمانع الذي منع منه على الدوام على ذلك، وهو خشية أن تفرض عليهم فلذلك قال لهم: فعليكم بالصلاة في بيوتكم. ثم إن الصحابة كانوا يصلونها في المسجد أوزاعاً متفرقين، إلى أن جمعهم عمر على قارىء واحد فاستقر الأمر على ذلك وثبت سُنّة.
الرابعة ـ وإذا تنزلنا على أنه كان أُبيح لهم أن يصلوا في بيوتهم إذا خافوا على أنفسهم فيستدلّ به على أن المعذور بالخوف وغيره يجوز له ترك الجماعة والجمعة. والعذر الذي يبيح له ذلك كالمرض الحابس، أو خوف زيادته، أو خوف جور السلطان في مال أو بدن دون القضاء عليه بحق. والمطرُ الوابل مع الوحل عذر إن لم ينقطع، ومن له وليِّ حميم قد حضرته الوفاة ولم يكن عنده من يمرّضه؛ وقد فعل ذلك ابن عمر.
الخامسة ـ قوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قيل: الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل لموسى عليه السلام، وهو أظهر، أي بشر بني إسرائيل بأن الله سيظهرهم على عدوّهم.
وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةً وَأَمْوَٰلًا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا۟ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ٨٨
قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ} «آتَيْتَ» أي أعطيت. {زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي مال الدنيا، وكان لهم من فُسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن الذهب والفضة والزّبرجد والزّمرد والياقوت.
قوله تعالى: {رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ} اختلف في هذه اللام، وأصح ما قيل فيها ـ وهو قول الخليل وسيبويه ـ أنها لام العاقبة والصيرورة؛ وفي الخبر:
إن لله تعالى مَلَكا ينادي كلّ يوم لِدُوا للموت وابنوا للخراب. أي لما كان عاقبة أمرهم إلى الضلال صار كأنه أعطاهم ليضِلّوا. وقيل: هي لام كيّ، أي أعطيتهم لكي يضلوا ويَبْطَروا ويتكبروا. وقيل: هي لام أجْل، أي أعطيتهم لأجل إعراضهم عنك فلم يخافوا أن تعرض عنهم. وزعم قوم أن المعنى: أعطيتهم ذلك لئلا يضلوا، فحذفت لا كما قال عز وجل: { يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } [النساء: 176]. والمعنى: لأن لا تضلوا. قال النحاس: ظاهر هذا الجواب حسن، إلا أن العرب لا تحذف «لا» إلا مع أن؛ فموّه صاحب هذا الجواب بقوله عز وجل: {أَن تَضِلُّواْ}. وقيل: اللام للدعاء، أي ٱبتلهم بالضلال عن سبيلك؛ لأن بعده: «ٱطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ». وقيل: الفعل معنى المصدر أي إضلالهم؛ كقوله عز وجل: {لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ}. قرأ الكوفيون: «لِيُضِلُّوا» بضم الياء من الإضلال، وفتحها الباقون.
قوله تعالى: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ} أي عاقبهم على كفرهم بإهلاك أموالهم. قال الزجاج: طَمْسُ الشيء إذهابه عن صورته. قال ابن عباس ومحمد بن كعب: صارت أموالهم ودراهمهم حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأثلاثا وأنصافاً، ولم يبق لهم معدن إلا طمس الله عليه فلم ينتفع به أحد بعد. وقال قتادة: بلغنا أن أموالهم وزروعهم صارت حجارة. وقال مجاهد وعطية: أهلكها حتى لا تُرَى؛ يقال: عين مطموسة، وطُمس الموضع إذا عفا ودرَس. وقال ابن زيد: صارت دنانيرهم ودراهمهم وفرشهم وكل شيء لهم حجارة. محمد بن كعب: وكان الرجل منهم يكون مع أهله في فراشه وقد صارا حجرين؛ قال: وسألني عمر بن عبد العزيز فذكرت ذلك له فدعا بخريطة أُصيبت بمصر فأخرج منها الفواكه والدراهم والدنانير وإنها لحجارة. وقال السدّي: وكانت إحدى الآيات التسع. {وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}. قال ٱبن عباس: أي امنعهم الإيمان. وقيل: قَسِّها وٱطبع عليها حتى لا تنشرح للإيمان؛ والمعنى واحد. {فَلاَ يُؤْمِنُواْ} قيل: هو عطف على قوله: «لِيَضِلُّوا» أي آتيتهم النعم ليضلوا ولا يؤمنوا؛ قاله الزجاج والمبرد. وعلى هذا لا يكون فيه من معنى الدعاء شيء. وقوله: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ} {وَٱشْدُدْ} كلام معترَض. وقال الفراء والكسائي وأبو عبيدة: هو دعاء، فهو في موضع جزم عندهم؛ أي اللهم فلا يؤمنوا، أي فلا آمنوا. ومنه قول الأعشى:
فلا ينبسطْ من بين عينَيْك ما ٱنزَوىولا تَلْقَني إلا وأنفُك راغِمُ
أي لا ٱنبسط. ومن قال «لِيَضِلّوا» دعاء ـ أي ابتلهم بالضلال ـ قال: عطف عليه «فَلاَ يُؤْمِنُوا». وقيل: هو في موضع نصب لأنه جواب الأمر؛ أي واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا. وهذا قول الأخفش والفراء أيضاً، وأنشد الفراء:
يا ناق سيري عَنَقاً فسيحاإلى سليمان فنستريحا
فعلى هذا حذفت النون لأنه منصوب. {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} قال ابن عباس: هو الغرق. وقد ٱستشكل بعض الناس هذه الآية فقال: كيف دعا عليهم وحكم الرسل استدعاء إيمان قومهم؛ فالجواب أنه لا يجوز أن يدعو نبيّ على قومه إلا بإذن من الله، وإعلام أنه ليس فيهم من يؤمن ولا يخرج من أصلابهم من يؤمن؛ دليله قوله لنوح عليه السلام: { أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ }[هود: 36] وعند ذلك قال: { رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً } [نوح: 26] الآية. والله أعلم.