انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الإسراء

تفسير البغويالآيات 61–85

تفسير سورة الإسراء آية آية، من تفسير البغوي.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ۝٦١ قَالَ أَرَءَيْتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلًا ۝٦٢ قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَآءً مَّوْفُورًا ۝٦٣ وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَٰدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ۝٦٤

في قوله عزّ وجلّ: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} أي: خلقته من طين أنا جئتُ به، وذلك ما رُوي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن الله تعالى بعث إبليس حتى أخذ كفاً من تراب الأرض من عذبها وملحها، فخلق منه آدم، فمَنْ خلَقَه من العذب فهو سعيد، وإن كان ابن كافرين، ومَنْ خلقه من الملح فهو شقي وإن كان ابن نبيين.

{قَالَ}، يعني إبليس: {أَرَأَيْتَكَ} أي أخبِرْني، والكاف لتأكيد المخاطبة، {هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} أي: فضلته عليّ: {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ} أمهلتني {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} أي: لأستأصلنّهم بالإِضلال، يقال احتنك الجراد الزرع إذا أكله كله. وقيل: هو من قول العرب حنك الدابة يحنكها: إذا شدّ في حنكها الأسفل حبلاً يقودها، أي: لأقودّنهم كيف شئت. وقيل: لأستولينّ عليهم بالإِغواء، {إِلاَّ قَلِيلاً}، يعني المعصومين الذين استثناهم الله عزّ وجلّ في قوله:

{ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ }[الحجر: 42].

{قَالَ} الله: {ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ} أي: جزاؤك وجزاء أتباعك، {جَزَاءً مَّوْفُورًا}، وافراً مكملاً، يقال: وفرته أوفره وفراً.

وقوله: {وَٱسْتَفْزِزْ}، واستخفف واستجهِدْ، {مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُم}، أي: من ذرية آدم، {بِصَوْتِكَ}، قال ابن عباس وقتادة: بدعائك إلى معصية الله، وكل داع إلى معصية الله فهو من جند إبليس.

قال الأزهري: معناه ادعهم دعاء تستفزهم به إلى جانبك، أي: تستخفهم.

وقال مجاهد: بالغناء والمزامير.

{وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ}، قيل: اجمع عليهم مكايدك وخيلك، ويقال: "أجْلَبُوا"، و"جَلَبُوا"، إذا صاحوا، يقول: صِحْ بخيلك ورجلك وحُثَّهم عليه بالإِغواء.

قال مقاتل: استعن عليهم بركبان جندك ومشاتهم، والخيل: الركبان، والرَّجِل: المشاة.

قال أهل التفسير: كل راكب وماشٍ في معاصي الله فهو من جند إبليس.

وقال مجاهد وقتادة: إن له خيلاً ورَجِلاً من الجن والإِنس، وهو كل من يقاتل في المعصية، والرَّجْل والرَّجَّالة والرَّاجلة واحد، يقال: رَاجِلٌ ورَجْل،مثل: تاجِر وتَجْر، ورَاكِب ورَكْب. وقرأ حفص ورجِلك بكسر الجيم وهما لغتان.

{وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلاَدِ}، فالمشاركة في الأموال: كل ما أصيب من حرام، أو أنفق في حرام، هذا قول مجاهد والحسن وسعيد بن جبير.

وقال عطاء: هو الربا وقال قتادة هو ما كان المشركون يحرمونه من الأنعام كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام.

وقال الضحاك: هو ما كانوا يذبحونه لآلهتهم.

وأما المشاركة في الأولاد: رُوي عن ابن عباس: أنها المؤودة.

وقال مجاهد والضحاك: هم أولاد الزنا.

وقال الحسن، وقتادة: هو أنهم هوَّدوا أولادهم، ونصّروهم ومجَّسُوهم.

وعن ابن عباس رواية أخرى: هو تسميتهم الأولاد عبدالحارث وعبد شمس، وعبدالعزى، وعبدالدار، ونحوها.

وروي عن جعفر بن محمد أن الشيطان يقعد على ذكر الرجل فإذا لم يقل "بسم الله" أصاب معه امرأته، وأنزل في فرجها كما يُنْزِل الرجل.

وروي في بعض الأخبار: إن فيكم مغرِّبين، قيل: وما المغرِّبون؟ قال: الذي يشارك فيهم الجن.

وروي أن رجلاً قال لابن عباس: إن امرأتي استيقظت وفي فرجها شعلة من نار؟ قال: ذلك من وطء الجن.

وفي الآثار: أن إبليس لما أخرج إلى الأرض، قال: يا رب أخرجتَنِي من الجنة لأجل آدم، فَسَلِّطْني عليه وعلى ذريته، قال: أنت مسلَّط، فقال: لا أستطيعه إلا بك فزدني، قال: استفزز من استطعت منهم بصوتك، الآية، فقال آدم: يا رب سلطت إبليس عليّ وعلى ذريتي وإني لا أستطيعه إلا بك، قال: لا يولد لك ولد إلاّ وكلت به من يحفظونه، قال: زدني، قال: الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها، قال: زدني، قال: التوبة معروضة ما دام الروح في الجسد، فقال: زدني، قال:

{ يَٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ }[الزمر: 53] الآية.

وفي الخبر: أن إبليس قال: يا رب بعثتَ أنبياءَ وأنزلت كتباً فما قراءتي؟ قال: الشعر، قال: فما كتابي؟ قال: الوشم، قال: ومن رسلي؟ قال: الكهنة، قال: وأين مسكني؟ قال: الحمَّامات، قال: وأين مجلسي؟ قال: الأسواق، قال: أي شيء مطعمي؟ قال: ما لم يُذكر عليه اسمي، قال: ما شرابه؟ قال: كل مسكر، قال: وما حبالي؟ قال: النساء، قال: وما أذاني؟ قال: المزامير.

قوله عزّ وجلّ: {وَعِدْهُمْ}، أي: مَنِّهم الجميل في طاعتك. وقيل: قل لهم: لا جنة ولا نار ولا بعث.

{وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُورًا}، والغرور تزيين الباطل بما يظن أنه حق.

فإن قيل: كيف ذكر الله هذه الأشياء وهو يقول:

{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ }[الأعراف: 28]؟

قيل: هذا على طريق التهديد، كقوله تعالى:

{ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ }[فصِّلت: 40]، وكقول القائل: افعل ما شئت فسترى.

إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا ۝٦٥ رَّبُّكُمُ ٱلَّذِى يُزْجِى لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِى ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦٓ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ۝٦٦ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلْإِنسَٰنُ كَفُورًا ۝٦٧ أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا۟ لَكُمْ وَكِيلًا ۝٦٨ أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا۟ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِۦ تَبِيعًا ۝٦٩

قوله: {إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً}، أي حافظاً مَنْ يوكل الأمر إليه.

قوله عزّ وجلّ: {رَّبُّكُمُ ٱلَّذِى يُزْجِى لَكُمُ ٱلْفُلْكَ} أي: يسوق ويُجري لكم الفُلْك، {فِى ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ}، لتطلبوا من رزقه، {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}.

{وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ}، الشدة وخوف الغرق، {فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ}، أي: بطل وسقط، {مَن تَدْعُونَ}، من الآلهة، {إِلاَّ إِيَّـٰهُ}، إلا الله فلم تجدوا مغيثاً غيره وسواه، {فَلَمَّا نَجَّـٰكُمْ}، أجاب دعاءكم وأنجاكم من هول البحر وأخرجكم، {إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ}، عن الإِيمان والإِخلاص والطاعة، كفراً منكم لنِعَمِه، {وَكَانَ ٱلإِنسَـٰنُ كَفُورًا}.

{أَفَأَمِنتُمْ}، بعد ذلك، {أَن يَخْسِفَ بِكُمْ}، يغور بكم، {جَانِبَ ٱلْبَرِّ}، ناحية البر وهي الأرض، {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا}، أي: يمطر عليكم حجارةً من السماء كما أمطر على قوم لوط. وقال أبو عبيدة والقتيبي: الحاصب الريح التي ترمي بالحصباء، وهي الحصا الصغار، {ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً}، قال قتادة: مانعاً.

{أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ}، يعني في البحر، {تَارَةً} مرة، {أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ ٱلرِّيحِ}، قال ابن عباس: أي: عاصفاً وهي الريح الشديدة.

وقال أبو عبيدة: هي الريح التي تقصف كل شيء، أي تدقه وتحطمه.

وقال القتيبي: هي التي تقصف الشجر، أي تكسره.

{فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا}، ناصراً ولا ثائراً، و"تَبِيْعٌ" بمعنى تابع، أي تابعاً مطالباً بالثأر. وقيل: من يتبعنا بالإِنكار.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو "أن نخسف، ونرسل، ونعيدكم، فنرسل، فنغرقكم"، بالنون فيهن، لقوله "علينا". وقرأ الآخرون بالياء لقوله: "إلا إيّاه"، وقرأ أبو جعفر ويعقوب: {فتغرقكم} بالتاء يعني الريح.

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ وَحَمَلْنَٰهُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلْنَٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ۝٧٠

قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءَادَمَ}، روي عن ابن عباس أنه قال: هو أنهم يأكلون بالأيدي، وغير الآدمي يأكل بفيه من الأرض. وروي عنه أنه قال: بالعقل.

وقال الضحاك: بالنطق. وقال عطاء: بتعديل القامة وامتدادها، والدواب منكبَّة على وجوهها. وقيل: بحسن الصورة. وقيل: الرجال باللَّحٰى والنساء بالذوائب. وقيل: بأن سخر لهم سائر الأشياء. وقيل: بأن منهم خير أمة أخرجت للناس.

{وَحَمَلْنَـٰهُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}، أي: حملناهم في البر على الدواب وفي البحر على السفن.

{وَرَزَقْنَـٰهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ}، يعني: لذيذ المطاعم والمشارب. قال مقاتل: السمن، والزُّبد، والتمر،والحلوى، وجعل رزق غيرهم مالا يخفى.

{وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}، وظاهر الآية أنه فضلهم على كثير ممن خلقهم لا على الكل.

وقال قوم: فُضِّلوا على جميع الخلق إلا على الملائكة.

وقال الكلبي: فضلوا على الخلائق كلهم إلا على طائفة من الملائكة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ومَلَك الموت، وأشباههم.

وفي تفضيل الملائكة على البشر اختلاف، فقال قوم: فضلوا على جميع الخلق وعلى الملائكة كلهم، وقد يوضع الأكثر موضع الكل كما قال تعالى:{هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ} إلى قوله تعالى:

{ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ }[والشعراء: 223] أي: كلهم.

وفي الحديث عن جابر يرفعه قال:

لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة: يا ربِّ خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، فقال تعالى: لا أجعل مَنْ خلقتُه بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له: كنْ فكان

والأَوْلى أن يقال: عوامُّ المؤمنين أفضل من عوامِّ الملائكة، وخواصُّ المؤمنين أفضل من خواصِّ الملائكة. قال الله تعالى:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ }[البينة: 7].

وروي عن أبي هريرة أنه قال: "المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده".

يَوْمَ نَدْعُوا۟ كُلَّ أُنَاسٍۭ بِإِمَٰمِهِمْ فَمَنْ أُوتِىَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَٰبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ۝٧١

قوله عزّ وجلّ: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ}، قال مجاهد، وقتادة: بنبيهم. وقال: أبو صالح والضحاك: بكتابهم الذي أنزل عليهم.

وقال الحسن وأبو العالية: بأعمالهم.

وقال قتادة أيضاً: بكتابهم الذي فيه أعمالهم، بدليل سياق الآية.

{فَمَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ}، ويسمٰى الكتاب إماماً كما قال عزّ وجلّ:

{ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ فِى إِمَامٍ مُّبِينٍ } [يس: 12].

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: بإمام زمانهم الذي دعاهم في الدنيا إلى ضلالة أو هدى، قال الله تعالى:

{ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا }[الأنبياء: 73]، وقال: { وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ } [القصص: 41].

وقيل: بمعبودهم. وعن سعيد بن المسيب قال: كل قوم يجتمعون إلى رئيسهم في الخير والشر.

وقال محمد بن كعب: {بِإِمَـٰمِهِمْ}، قيل: يعني بأمهاتهم، وفيه ثلاثة أوجه من الحكمة أحدها: لأجل عيسى عليه السلام، والثاني: لشرف الحسن والحسين، والثالث لئلا يفتضح أولاد الزنا.

{فَمَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَـٰبَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} أي: لا ينقص من حقهم قدر فتيل.

وَمَن كَانَ فِى هَٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا ۝٧٢

{وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ}، اختلفوا في هذه الإِشارة، فقال قوم: هي راجعة إلى النِّعَم التي عدَّدها الله تعالى في هذه الآيات من قوله: {رَّبُّكُمُ ٱلَّذِى يُزْجِى لَكُمُ ٱلْفُلْكَ} إلى قوله {تَفْضِيلاً} يقول: ومن كان منكم في هذه النِّعم التي قد عاين أعمى، {فَهُوَ فِى}، أمر، {ٱلأَخِرَةِ}، التي لم يعايِنْ ولم يَر، {أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً}، يروى هذا عن ابن عباس.

وقال الآخرون: هي راجعة إلى الدنيا، يقول: من كان في هذه أعمى القلب عن رؤية قدرة الله وآياته ورؤية الحق، فهو في الآخرة أعمى، أي: أشد عمًى، وأضلُّ سبيلاً، أي: أخطأ طريقاً.

وقيل: من كان في هذه الدنيا أعمى عن الاعتبار، فهو في الآخرة أعمى عن الاعتذار.

وقال الحسن: ومن كان في هذه الدنيا ضالاً كافراً، فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً، لأنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل توبته.

وأمال بعض القراء هذين الحرفين، وفتحهما بعضهم، وكان أبو عمرو يكسر الأول ويفتح الثاني، فهو في الآخرة أشد عمى؛ لقوله: "وأضل سبيلاً".

وَإِن كَادُوا۟ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُۥ وَإِذًا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ۝٧٣

قوله عزّ وجلّ: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} الآية، اختلفوا في سبب نزولها.

قال سعيد بن جبير: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود فمنعته قريش، وقالوا: [لا تلم] حتى تلم بآلهتنا وتمسّها، فحدث نفسه: ما عليَّ أن أفعل ذلك، والله تعالى يعلم أني لها كاره، بعد أن يدعوني حتى أستلم الحجر الأسود.

وقيل: طلبوا منه أن يمس آلهتهم حتى يُسْلِموا ويتبعوه فحدَّث نفسه بذلك، فأنزل الله هذه الآية.

قال ابن عباس: قدم وفد ثقيف على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال، قال: وما هنّ؟ قالوا: أن لا ننحني ـ أي في الصلاة ـ ولا نكسر أصنامنا بأيدينا، وأن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود، وأما أن تكسروا أصنامكم بأيديكم فذاك لكم، وأما الطاغية ـ يعني اللات والعزى ـ فإني غير ممتعكم بها، فقالوا: يا رسول الله إنا نحب أن تسمع العرب إنك أعطيتنا ما لم تعطِ غيرنا، فإن خشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا، فقل: الله أمرني بذلك؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطمع القوم في سكوته أن يعطيهم ذلك، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ} ليصرفونك {عَنِ ٱلَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} {لِتفْتَرِىَ}، لتختلق، {عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً}، لو فعلت ما دَعَوْكَ إليه {لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} أي: وَالوكَ وصَافَوْكَ.

وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـًٔا قَلِيلًا ۝٧٤ إِذًا لَّأَذَقْنَٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ۝٧٥ وَإِن كَادُوا۟ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلًا ۝٧٦

{وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ}، على الحق بعصمتنا، {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ} أي: تميل، {إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً} أي: قريباً من الفعل.

فإن قيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم معصوماً، فكيف يجوز أن يقرب مما طلبوه وما طلبوه كفر؟.

قيل: كان ذلك خاطرَ قلبٍ، ولم يكن عزماً وقد غفر الله عزّ وجلّ عن حديث النفس.

قال قتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعد ذلك:

اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين

والجواب الصحيح هو: أن الله تعالى قال: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً } وقد ثَبَّته الله، فلم يركن، وهذا مثل قوله تعالى:

{ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلاَّ قَلِيلاً }[النساء: 83]، وقد تفضل فلم يتَّبِعوا.

{إِذًا لأَذَقْنَـٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ}، أي: لو فعلت ذلك لأذقناك ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات، يعني أضعفنا لك العذاب في الدنيا والآخرة.

وقيل: "الضعف": هو العذاب، سمي ضعفاً لتضاعف الألم فيه.

{ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا}، أي: ناصراً يمنعك من عذابنا.

قوله تعالى: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا}، اختلفوا في معنى الآية، فقال بعضهم: هذه الآية مدنية. قال الكلبي: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كره اليهود مقامه بالمدينة حسداً منهم، فأتوه وقالوا: يا أبا القاسم لقد علمت ما هذه بأرض الأنبياء فإنّ أرض الأنبياء الشام، وهي الأرض المقدسة، وكان بها إبراهيم والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن كنت نبياً مثلهم فأتِ الشام، وإنما يمنعك من الخروج إليها مخافتك الروم، وإن الله سيمنعك من الروم إن كنت رسوله، فعسكر النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أميال من المدينة. وفي رواية: إلى ذي الحُليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويخرج، فأنزل الله هذه الآية و"الأرض" هاهنا هي المدينة.

وقال مجاهد وقتادة: "الأرض" أرض مكة. والآية مكية، هَمَّ المشركون أن يُخرجوه منها، فكفّهم الله عنه حتى أمره بالهجرة، فخرج بنفسه. وهذا أليق بالآية لأن ما قبلها خبر عن أهل مكة والسورة مكية.

وقيل: هم الكفار كلهم، أرادوا أن يستفزوه من أرض العرب باجتماعهم وتظاهرهم عليه، فمنع الله عزّ وجلّ رسوله صلى الله عليه وسلم ولم ينالوا منه ما أمَّلوا، والاستفزاز هو: الإِزعاج بسرعة.

{وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلَـٰفَكَ} أي: بعدك، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص ويعقوب {خِلَـٰفَكَ} اعتباراً بقوله تعالى:

{ فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَـٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ }[التوبة: 81]، ومعناهما واحد. {إِلاَّ قَلِيلاً} أي: لا يلبثون بعدك إلا قليلاً حتى يهلكوا، فعلى هذا القول الأول: مدة حياتهم، وعلى الثاني: ما بين خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة إلى أن قتلوا ببدر.

سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا ۝٧٧

قوله عزّ وجلّ: {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا} أي: كسُنَّتنا، فانتصب بحذف الكاف. وسنة الله في الرسل إذا كذبتهم الأمم أن لا يعذبهم ما دام نبيهم بين أظهرهم، فإذا خرج نبيهم من بين أظهرهم عذبهم.

{وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً}، أي تبديلا.

أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ۝٧٨

قوله: {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} اختلفوا في الدلوك: روي عن عبدالله بن مسعود أنه قال: الدلوك هو الغروب، وهو قول إبراهيم النخعي، ومقاتل بن حيان، والضحاك، والسدي.

وقال ابن عباس: وابن عمر، وجابر: هو زوال الشمس، وهو قول عطاء، وقتادة، ومجاهد، والحسن، وأكثر التابعين.

ومعنى اللفظ يجمعهما لأن أصل الدلوك الميل، والشمس تميل إذا زالت وإذا غربت.

والحمل على الزوال أولى القولين لكثرة القائلين به، ولأنا إذا حملناه عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها؛ "فدلوك الشمس": يتناول صلاة الظهر والعصر، و"إلى غسق الليل": يتناول المغرب والعشاء، و"قرآن الفجر" هو صلاة الصبح.

قوله عزّ وجلّ: {إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ}، أي: ظهور ظلمته، وقال ابن عباس: بدُوّ الليل. وقال قتادة: وقت صلاة المغرب. وقال مجاهد: غروب الشمس.

{وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ}، يعني صلاة الفجر، سمٰى صلاة الفجر قرآناً لأنها لا تجوز إلا بقرآن، وانتصاب القرآن من وجهين؛ أحدهما: أنه عطف على الصلاة، أي: وأقم قرآن الفجر، قاله الفراء، وقال أهل البصرة: على الإِغراء أي وعليك قرآن الفجر.

{إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}، أي: يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبدالرحمن أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

تَفْضُلُ صلاةُ الجميع على صلاة أحدكم وحدَه بخمسٍ وعشرين جزءاً، وتجتمعُ ملائكةُ الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}.

وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِۦ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ۝٧٩

قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً} أي: قم بعد نومك، والتهجد لا يكون إلا بعد النوم، يقال: تهجد إذا قام بعدما نام، وهجد إذا نام.

والمراد من الآية: قيام الليل للصلاة.

وكانت صلاة الليل فريضة على النبي صلى الله عليه وسلم في الابتداء، وعلى الأمة، لقوله تعالى:

{ يَٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ قُمِ ٱلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً } [المزمل: 1-2]، ثم نزل التخفيف فصار الوجوب منسوخاً في حق الأمة بالصلوات الخمس، وبقي الاستحباب: قال الله تعالى: { فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ }[المزمل: 20]، وبقي الوجوب في حق النبي صلى الله عليه وسلم.

وروي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

ثلاث هنّ عليّ فريضة، وهنّ سنة لكم: الوتر والسواك وقيام الليل

قوله عزّ وجلّ: {نَافِلَةً لَّكَ} أي: زيادة لك، يريد: فضيلة زائدة، على سائر الفرائض، فرضها الله عليك.

وذهب قوم إلى أن الوجوب صار منسوخاً في حقه كما في حق الأمة، فصارت نافلة، وهو قول مجاهد وقتادة، لأن الله تعالى قال: "نافلة لك" ولم يقل عليك.

فإن قيل: فما معنى التخصيص وهي زيادة في حق كافة المسلمين كما في حقه صلى الله عليه وسلم؟.

قيل: التخصيص من حيث إن نوافل العباد كفارة لذنوبهم، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكانت نوافله لا تعمل في كفارة الذنوب فتبقى له زيادة في رفع الدرجات.

أخبرنا أبو محمد عبدالله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي، أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا قتيبة وبشر بن معاذ قالا: حدثنا أبو عوانة عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه، فقيل له: أتتكَّلفُ هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال:

أفلا أكون عبداً شكوراً

أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبدالصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن عبدالله بن أبي بكرة عن أبيه عن عبدالله ابن قيس بن مخرمة أنه أخبره عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: لأَرْمُقَنَّ صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: الليلة، فتوسَّدْتُ عتبته أو فسطاطه، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين، ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما، ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة.

أخبرنا أبو الحسن محمد ابن محمد السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبريِّ،

عن أبي سلمة بن عبدالرحمن أنه أخبره أنه سأل عائشة رضي الله عنها: كيف كانت صلاةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ قال: فقالت ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضانَ، ولا في غيرِه، على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً. قالت عائشة فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ فقال: «يا عائشة إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي«

أخبرنا الإِمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو نعيم عبدالملك بن الحسن الاسفرايني، أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق، أخبرنا يونس بن هارون بن عبدالأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، وابن أبي ذئب، وعمر بن الحارث، أن ابن شهاب أخبرهم عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم "يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلِّم من كل ركعتين، ثم يوتر بواحدة، ويسجد السجدة قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، فإذا سكت المؤذن من أذان الفجر، وتبَّين له الفجر، قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة فيخرج". وبعضهم يزيد على بعض.

أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، أخبرنا عبدالرحمن بن منيب، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا حميد الطويل، عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: ما كنا نشاء أن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل مصلياً إلا رأيناه، ولا نشاء أن نراه نائماً إلا رأيناه، وقال: كان يصوم من الشهر حتى نقول لا يفطر منه شيئاً، ويفطر حتى نقول لا يصوم منه شيئاً.

قوله عزّ وجلّ: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا} عسى من الله تعالى واجب، لأنه لا يدع أن يعطي عباده أو يفعل بهم ما أطعمهم فيه.

والمقام المحمود هو: مقام الشفاعة لأمته لأنه يحمده فيه الأولون والآخرون:

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبدالجبار الرياني، حدثنا حميد ابن زنجويه، أخبرنا عبدالله بن يزيد المقري، أخبرنا حياة عن كعب عن علقمة عن عبدالرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلُّوا عليّ، فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سَلُوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلَّتْ عليه الشفاعة

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عباس، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

من قال حين يسمع النداء اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمداً الوسيلةَ والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلّتْ له شفاعتي يوم القيامة

أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحِيْريّ، أخبرنا حاجب بن أحمد الطُّوسي، أخبرنا عبدالرحيم بن منيب، أخبرنا يعلى عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن لكل نبي دعوةً مستجابة، وإني اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي، وهي نائلة منكم - إن شاء الله - من مات لا يشرك بالله شيئاً.«

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل قال: وقال الحجاج بن منهال، حدثنا همام بن يحيـى، حدثنا قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

يُحْبَسُ المؤمنون يومَ القيامة حتى يهتموا بذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا، فيأتون آدم فيقولون: أنت آدم أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، وعلَّمك أسماء كل شيء، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب وأَكْلَه من الشجرة، وقد نهي عنها، ولكنِ ائتوا نوحاً أولَّ نبي بعثه الله إلى أهل الأرض.

فيأتون نوحاً فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، سؤالَه ربَّه بغير علم، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، قال: فيأتون إبراهيم، فيقول: لست هناكم ويذكر ثلاث كذبات كذبهن، ولكن ائتوا موسى عبداً آتاه الله التوراة وكلَّمه وقرَّبه نَجِيَّا.

قال: فيأتون موسى، فيقول: إني لستُ هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب بقتل النفس، ولكن ائتوا عيسى، عبدَ الله ورسوله وروح الله وكلمته.

فيأتون عيسى، فيقول: لستُ هناكم ولكن ائتوا محمداً عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

قال: فيأتوني فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجداً فَيَدَعني ما شاء الله أن يدعني، فيقول ارفعْ رأسك يا محمدُ، وقلْ تُسمع واشفعْ تُشَفَّع، وسلْ تعطه، قال: فأرفع رأسي فأُثني على ربي بثناء وتحميد يعلِّمنيه، ثم أشفع فيحدّ لي حداً فأخرج، فأدخلهم الجنة.

قال قتادة: وسمعته أيضاً يقول: فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأستأذن على ربي في داره، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفعْ رأسك يا محمد، وقلْ تُسْمَعْ، واشفعْ تُشفَّعْ، وسلْ تعطه، قال: فأرفع رأسي فأُثني على ربي بثناء وتحميد يعلِّمنيه، ثم أشفع فيحدّ لي حداً فأخرج فأدخلهم الجنة، ثم أعود الثالثة فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد، وقلْ تسمعْ واشفعْ تشفعْ وسل تعطه، قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حداً فأخرج فأدخلهم الجنة

«.

قال قتادة: وقد سمعته أيضاً يقول:

«فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن»- أي وجب عليه الخلود - قال: ثم تلا هذه الآية: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا} قال: «وهذا المقام المحمود الذي وُعِده نبيكم صلى الله عليه وسلم«.

وبهذا الإِسناد قال: حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا معبد ابن هلال الغزي قال: ذهبنا إلى أنس بن مالك فذكر حديث الشفاعة، بمعناه، وقال: «فأستأذِنُ على ربي فيؤذن لي، ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد وأخرُّ له ساجداً، فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقول: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، فأنطلِقُ فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخرّ له ساجداً وذكر مثله، فيقال: انطلق فأخرِجْ من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من الإِيمان. فأنطلِقُ فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخرّ له ساجداً، وذكر مثله، ثم يقال: انطلق فأخرِجْ من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان، فأنطلق فأفعل، فلما خرجنا من عند أنس مررنا بالحسن فسلمنا عليه فحدثناه بالحديث إلى هذا الموضع، فقال: هيه، فقلنا: لم يزدنا على هذا، فقال: لقد حدثني وهو يومئذ جميع منذ عشرين سنة كما حدثكم، ثم قال: ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول يا ربي أتأذن فيمن قال لا إله إلا الله؟ فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجنَّ منها من قال لا إله إلا الله«

.

ورُوي عن عبدالله بن عمر قال: "إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم فيشفع ليقضٰى بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقه الباب، فيومئذ يبعثه الله مقاماً محموداً، يحمده أهل الجمع كلهم".

وأخبرنا الإِمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو محمد عبدالله بن يوسف بن محمد بن ماموية، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا محمد بن حموية، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا منصور بن أبي الأسود، حدثنا الليث، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أنا أولهُم خروجاً إذا بُعِثُوا، وأنا قائدُهم إذا وَفَدُوا، وأنا خطيبُهم إذا أَنْصَتُوا، وأنا شفيعهم إذا حُبِسُوا وأنا مبشِّرُهم إذا أَيِسُوا، الكرامةَ، والمفاتيحُ يومئذٍ بيدي، ولواءُ الحمدِ يومئذٍ بيدي، وأنا أكرمُ ولد آدمَ على ربي، يطوف عليّ ألف خادم كأنهم بَيْضٌ مكنون، أو لؤلؤٌ منثور.«

أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أخبرنا عبدالغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني الحكم بن موسى، حدثنا معقل ابن زياد عن الأوزاعي، حدثني أبو عمار، حدثني عبدالله بن فروخ، حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ يومَ القيامةِ، وأولُ من ينشَقُّ عنه القبر، وأولُ شافعٍ، وأول مُشَفَّعٍ

والأخبار في الشفاعة كثيرة، وأول من أنكرها عمرو بن عبيد، وهو مبتدع باتفاق أهل السنة.

ورُوي عن يزيد بن صهيب الفقير قال: كنت قد شغفني رأيٌ من رأي الخوارج، وكنت رجلاً شاباً فخرجنا في عصابةٍ، نريد أن نحجَّ، فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبدالله يحدِّث القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الجهنميين، فقلتُ له: يا صاحب رسول الله ما هذا الذي يحدثون والله عزّ وجلّ يقول:

{ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ }[آل عمران: 192] و { كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا } [السجدة: 20]؟ فقال لي: يا فتى تقرأ القرآن؟ قلت:نعم، قال: هل سمعت بمقام محمدٍ المحمودِ الذي يبعثه الله فيه؟ قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمد المحمود الذي يخرج الله به من يخرج من النار، ثم نعتَ وَضْعَ الصراط ومرَّ الناس عليه، وأن قوماً يخرجون من النار بعد ما يكونون فيها، قال: فرجعنا وقلنا أترون هذا الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

ورُوي عن أبي وائل عن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إن الله عزّ وجلّ اتخذ إبراهيم خليلاً، وإن صاحبكم حبيب الله وأكرم الخلق على الله، ثم قرأ: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا} قال: يقعد على العرش.

وعن مجاهد في قوله تعالى: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا}، قال: يجلسه على العرش. وعن عبدالله بن سلام قال: يقعده على الكرسي.

وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَٱجْعَل لِّى مِن لَّدُنكَ سُلْطَٰنًا نَّصِيرًا ۝٨٠

قوله عزّ وجلّ: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ}، والمراد من المدخل والمخرج: الإِدخال والإِخراج، واختلف أهل التفسير فيه.

فقال ابن عباس والحسن وقتادة: "أدخلني مدخل صدق": المدينة. "وأخرجني مخرج صدق": مكة، نزلت حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة.

وقال الضحاك: "وأخرجني مخرج صدق": من مكة آمناً من المشركين، "وأدخلني مدخل صدق": مكة ظاهراً عليها بالفتح.

وقال مجاهد: أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة مدخل صدق الجنة، وأخرجني من الدنيا، وقد قمت بما وجب عليّ من حقها، مخرج صدق.

وعن الحسن أنه قال: "أدخلني مدخل صدق": الجنة، "وأخرجني مخرج صدق": من مكة.

وقيل أدخلني في طاعتك، وأخرجني من المناهي، وقيل: معناه أدخلني حيث ما أدخلتني بالصدق، وأخرجني بالصدق، أي: لا تجعلني ممن يدخل بوجه ويخرج بوجه، فإنّ ذا الوجهين لا يكون آمناً ووجيهاً عند الله.

ووصف الإِدخال والإِخراج بالصدق لما يؤُول إليه الخروج والدخول من النصر والعزِّ ودولة الدين، كما وصف القدم بالصدق فقال:

{ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ }} [يونس: 2].

{وَٱجْعَل لِّى مِن لَّدُنكَ سُلْطَـٰناً نَّصِيرًا}، قال مجاهد: حجة بيّنة. وقال الحسن: ملكاً قوياً تنصرني به على من ناوأني وعزاً ظاهراً أقيم به دينك، فوعده الله لينزعنّ ملك فارس والروم وغيرهما فيجعله له.

قال قتادة: علم نبي الله صلى الله عليه وسلم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلاّ بسلطان نصير، فسأل سلطاناً نصيراً: كتابَ الله، وحدودَه، وإقامةَ دينه.

وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَٰطِلُ إِنَّ ٱلْبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا ۝٨١

قوله عزّ وجلّ: {وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ}، يعني القرآن، {وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ}، أي: ذهب الشيطان، قال قتادة، وقال السدي: "الحق": الإِسلام، و"الباطل": الشرك. وقيل: "الحق": عبادة الله، و"الباطل": عبادة الأصنام.

{إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا} ذاهباً، يقال: زهقت نفسه أي خرجت.

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد عن أبي معمر عن عبدالله، قال:

دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وحولَ البيتِ ستونَ وثلاثُمائة نُصُبٍ، فجعل يطعنُها بعُوْدٍ في يده ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل"، "جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد"

.

وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ۝٨٢ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَٰنِ أَعْرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسًا ۝٨٣

قوله عزّ وجلّ: {وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}، قيل: "من" ليس للتبعيض، ومعناه: وننزل من القرآن ما كلُّه شفاء، أي: بيان من الضلالة والجهالة، يتبين به المختلف ويتضح به المشكل، ويستشفٰى به من الشبهة، ويهتدىٰ به من الحيرة، فهو شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها ورحمة للمؤمنين.

{وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا}، لأن الظالم لا ينتفع به، والمؤمن مَنْ ينتفع به فيكون رحمة له.

وقيل: زيادة الخسارة للظالم من حيث أن كل آية تنزل يتجدد منهم تكذيب ويزداد لهم خسارة.

قال قتادة: لم يجالس هذا القرآن أحد إلاّ قام عنه بزيادة أو نقصان، قضى الله الذي قضى شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خساراً.

قوله تعالى: {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَـٰنِ أَعْرَضَ}، عن ذكرنا ودعائنا، {وَنَأَى بِجَانِبِهِ}، أي تباعد منا بنفسه، أي ترك التقرب إلى الله بالدعاء. وقال عطاء: تعظم وتكبر، ويكسر النون والهمزة حمزة والكسائي، ويفتح النون ويكسر الهمزة أبو بكر، وقرأ ابن عامر وأبو جعفر "وناء" مثل جاء قيل: هو بمعنى نأى، وقيل: ناء من النوء وهو النهوض والقيام.

{وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ}، الشدة والضر، {كَانَ يَئُوساً}، أي آيساً قنوطاً. وقيل: معناه أنه يتضرع ويدعو عند الضر والشدة، فإذا تأخرت الإِجابة يئس ولا ينبغي للمؤمن أن ييأس من الإِجابة، وإن تأخرت فيدع الدعاء.

قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا ۝٨٤ وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ۝٨٥

قوله عزّ وجلّ: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ}، قال ابن عباس: على ناحيته.

قال الحسن وقتادة: على نيّته.

وقال مقاتل: على خليقته.

قال الفراء على طريقته التي جبل عليها.

وقال القتيبي: على طبيعته وجبلَّته.

وقيل: على السبيل الذي اختاره لنفسه، وهو من الشكل، يقال: لستَ على شكلي ولا شاكلتي، وكلها متقاربة، تقول العرب: طريق ذو شواكل إذا تشعبت منه الطرق، ومجاز الآية: كل يعمل على ما يشبهه، كما يقال في المثل: كل امرىء يشبهه فعله.

{فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً} أوضح طريقاً.

قوله تعالى: {وَيَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى}، الآية.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قيس بن حفص، حدثنا عبدالواحد ـ يعني ابن زياد ـ حدثنا الأعمش عن إبراهيم، عن علقمة

عن عبدالله قال: بينا أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حَرْثِ المدينة، وهو يتوكأ على عَسِيْبٍ معه، فمرّ بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، لا يجيء فيه بشيء تكرهونه، فقال بعضهم: لنسألنَّه، فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم ما الرُّوح؟ فسكت، فقلت: إنه يُوْحَٰى إليه، فقمت، فلما انجلى عنه الوحي، قال: {وَيَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} قال الأعمش: هكذا في قراءتنا.

ورُوي عن ابن عباس أنه قال:

إن قريشاً قد اجتمعوا وقالوا: إن محمداً نشأ فينا بالأمانة والصدق وما اتهمناه بكذب، وقد ادعى ما ادعى، فابعثوا نفراً إلى اليهود بالمدينة واسألوهم عنه فإنهم أهل كتاب فبعثوا جماعة إليهم، فقالت اليهود: سلوه عن ثلاثة أشياء، فإن أجاب عن كلها أو لم يجب عن شيء منها، فليس بنبي، وإن أجاب عن اثنين ولم يجب عن واحدة فهو نبي فسلوه عن فتية فقدوا في الزمن الأول، ما كان من أمرهم؟ فإنه كان لهم حديث عجيب، وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها ما خبره؛ وعن الروح، فسألوه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أخبركم بما سألتم غداً ولم يقل إن شاء الله، فلبث الوحي - قال مجاهد: اثني عشرة ليلة، وقيل: خمسة عشر يوماً. وقال عكرمة: أربعين يوماً - وأهل مكة يقولون: وعدنا محمد غداً وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء، حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم من مكث الوحي وشقَّ عليه ما يقوله أهل مكة، ثم نزل جبريل بقوله: "ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله"، ونزلت قصة الفتية "أم حسبتَ أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً"، ونزل فيمن بلغ الشرق والغرب "ويسئلونك عن ذي القرنين"، ونزل في الروح "ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي".

واختلفوا في الروح الذي وقع السؤال عنه، فرُوي عن ابن عباس: أنه جبريل، وهو قول الحسن وقتادة.

ورُوي عن علي أنه قال: هو ملك له سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان، يسبِّح الله تعالى بكلها.

وقال مجاهد: خَلْقٌ على صُوَرِ بني آدم، لهم أيدٍ وأرجل ورؤوس، وليسوا بملائكة، ولا ناس، يأكلون الطعام.

وقال سعيد بن جبير: لم يخلق الله تعالى خلقاً أعظم من الروح غير العرش، لو شاء أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع ومن فيها بلقمة واحدة لفعل، صورة خلقه على صورة خلق الملائكة وصورة وجهه على صورة الآدميين، يقوم يوم القيامة عن يمين العرش وهو أقرب الخلق إلى الله عزّ وجلّ اليوم عند الحجب السبعين، وأقرب إلى الله يوم القيامة وهو ممن يشفع لأهل التوحيد، ولولا أن بينه وبين الملائكة ستراً من نور لاحترق أهل السموات من نوره.

وقيل: الروح هو القرآن.

وقيل: المراد منه عيسى عليه السلام، فإنه روح الله وكلمته، ومعناه: أنه ليس كما يقول اليهود ولا كما يقوله النصارى.

وقال قوم: هو الروح المركب في الخلق الذي يحيا به الإِنسان، وهو الأصح.

وتكلم فيه قوم فقال بعضهم: هو الدم، ألا ترى أن الحيوان إذا مات لا يفوت منه شيء إلا الدم؟

وقال قوم: هو نَفَسُ الحيوان، بدليل أنه يموت باحتباس النفس.

وقال قوم: هو عَرَض.

وقال قوم: هو جسم لطيف.

وقال بعضهم: الروح معنًى اجتمع فيه النور والطيب والعلوُّ والبقاء، ألا ترى أنه إذا كان موجوداً يكون الإِنسان موصوفاً بجميع هذه الصفات، فإذا خرج ذهب الكل؟

وأولى الأقاويل: أن يوكل علمه إلى الله عزّ وجلّ، وهو قول أهل السنة. قال عبدالله بن بريدة: إن الله لم يُطْلِعْ على الروح مَلَكاً مقرَّباً، ولا نبياً مرسلاً.

وقوله عزّ وجلّ: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى} قيل: من علم ربي.

{وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} أي: في جنب علم الله. قيل: هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم.

وقيل: خطاب لليهود لأنهم كانوا يقولون أوتينا التوراة وفيها العلم الكثير.

وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم معنى الروح، ولكن لم يخبر به أحداً لأن ترك إخباره به كان عَلَماً لنبوته.

والأول أصح؛ لأن الله عزّ وجلّ استأثر بعلمه.

الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ