انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الإسراء

تفسير البغويالآيات 5–60

تفسير سورة الإسراء آية آية، من تفسير البغوي.

فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَآ أُو۟لِى بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا۟ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا ۝٥ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَٰكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَٰكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ۝٦ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْـَٔاخِرَةِ لِيَسُـۥٓـُٔوا۟ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا۟ مَا عَلَوْا۟ تَتْبِيرًا ۝٧

{فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولَـٰهُمَا}، يعني: أولى المرتين.

قال قتادة: إفسادهم في المرة الأولى ما خالفوا من أحكام التوراة، وركبوا المحارم.

وقال ابن إسحاق: إفسادهم في المرة الأولى قتل شعياء بين الشجرة وارتكابهم المعاصي.

{بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَآ}، قال قتادة: يعني جالوت الخزري وجنوده، وهو الذي قتله داود.

وقال سعيد بن جبير: يعني سنجاريب من أهل نينوي.

وقال ابن إسحاق: بختنصر البابلي وأصحابه، وهو الأظهر.

{أُوْلِى بَأْسٍ}، ذوي بطش، {شَدِيدٍ}، في الحرب، {فَجَاسُواْ}، أي: فطافوا ودارُوا، {خِلَـٰلَ ٱلدِّيَارِ}، وسطها يطلبونكم ويقتلونكم، والجوس طلب الشيء بالاستقصاء. قال الفراء: جاسوا قتلوكم بين بيوتكم.

{وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً}، قضاء كائناً لا خلف فيه.

{ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ}، يعني: الرجعة والدولة، {عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَـٰكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَـٰكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا}، عدداً، أي: من ينفر معهم وعاد البلد أحسن مما كان.

{إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَِنفُسِكُمْ}، أي: لها ثوابها، {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}، أي: فعليها، كقوله تعالى:

{ فَسَلَـٰمٌ لَّكَ } [الواقعة: 91] أي: عليك. وقيل: فلها الجزاء والعقاب.

{فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلأَخِرَةِ} أي: المرة الأخرة من إفسادكم، وذلك قصدهم قتل عيسى عليه السلام حين رفع وقتلهم يحيـى بن زكريا عليهما السلام، فسلط الله عليهم الفرس والروم، خردوش وطيطوس حتى قتلوهم وسبوهم ونفوهم عن ديارهم، فذلك قوله تعالى: {لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ}، أي: تحزن وجوهكم، وسوء الوجه بإدخال الغم والحزن.

قرأ الكسائي ويعقوب. {لنسوء} بالنون وفتح الهمزة على التعظيم، كقوله: "وقضينا" و"بعثنا" وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر بالياء وفتح الهمزة على التوحيد، أي: ليسوء الله وجوهكم، وقيل: ليسوء الوعد وجوهكم.

وقرأ الباقون بالياء وضم الهمزة على الجمع، أي ليسوء العباد أولو البأس الشديد وجوهكم.

{وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ}، يعني: بيت المقدس ونواحيه، {كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ}، وليهلكوا، {مَا عَلَوْاْ} أي: غلبوا عليه من بلادكم {تَتْبِيرًا}.

عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَٰفِرِينَ حَصِيرًا ۝٨ إِنَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ۝٩ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ۝١٠

{عَسَىٰ رَبُّكُمْ}، يا بني إسرائيل، {أَن يَرْحَمَكُمْ}، بعد انتقامه منكم، فيردَّ الدولة إليكم، {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا}، أي: إن عدتم إلى المعصية عدنا إلى العقوبة. قال قتادة: فعادوا فبعث الله عليهم محمداً صلى الله عليه وسلم فهم يعطون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون.

{وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ حَصِيرًا}، سجناً ومحبساً من الحصر وهو الحبس.

قال الحسن: حصيراً أي: فراشاً. وذهب إلى الحصير الذي يبسط ويفرش.

{إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ}، أي: إلى الطريقة التي هي أصوب. وقيل الكلمة التي هي أعدل وهي شهادة أن لا إلٰه إلا الله، {وَيُبَشِّرُ}، يعني: القرآن، {ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَاتِ أَنَّ لَهم}، بأن لهم، {أَجْرًا كَبِيرًا}، وهو الجنة.

{وأَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}، وهو النار.

وَيَدْعُ ٱلْإِنسَٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلْإِنسَٰنُ عَجُولًا ۝١١ وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ ٱلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا۟ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَّلْنَٰهُ تَفْصِيلًا ۝١٢

وقوله تعالى: {وَيَدْعُ ٱلإِنسَـٰنُ}، حذف الواو لفظاً لاستقبال اللام الساكنة كقوله:

{ سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ }[العلق: 18]، وحذف في الخط أيضاً وهي غير محذوفة في المعنى. ومعناه: ويدعو الإِنسان على ماله وولده ونفسه، {بِٱلشَّرِّ}، فيقول عند الغضب: اللهم العنه وأهلِكْه ونحوهما، {دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ}، أي: كدعائه ربه بالخير أن يهب له النعمة والعافية ولو استجاب الله دعاءه على نفسه لهلك، ولكن الله لا يستجيب بفضله، {وَكَانَ ٱلإِنسَـٰنُ عَجُولاً} بالدعاء على ما يكره أن يستجاب له فيه. قال جماعة من أهل التفسير، وقال ابن عباس: ضَجِراً، لا صبر له على السرَّاء والضرَّاء.

قوله عزّ وجلّ: {وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيْنِ}، أي: علامتين دالَّتَيْن على وجودنا ووحدانيتنا وقدرتنا، {فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ ٱلَّيْلِ}، قال ابن عباس: جعل الله نور الشمس سبعين جزءاً، ونور القمر كذلك، فمحا من نور القمر تسعة وستين جزءاً فجعلها مع نور الشمس.

وحكى أن الله تعالى أمر جبريل فأمرَّ جناحه على وجه القمر ثلاث مرات فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور.

وسأل ابن الكوَّاء علياً عن السواد الذي في القمر؟ قال: هو أثر المحو.

{وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً}، منيرة مضيئة، يعني يبصر بها. قال الكسائي: تقول العرب أبصر النهار إذا أضاء بحيث يبصر بها، {لِّتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ}، أي: لو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما لم يعرف الليل من النهار ولم يَدْرِ الصائم متى يفطر، ولم يَدْرِ وقت الحج ولا وقت حلول الآجال ولا وقت السكون والراحة. {وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً}.

وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلْزَمْنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِى عُنُقِهِۦ وَنُخْرِجُ لَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ كِتَٰبًا يَلْقَىٰهُ مَنشُورًا ۝١٣ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ۝١٤ مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا ۝١٥

قوله عزّ وجلّ: {وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰئِرَهُ فِى عُنُقِهِ}، قال ابن عباس: عمله وما قدر عليه فهو ملازمه أينما كان.

وقال الكلبي ومقاتل: خيره وشره معه لا يفارقه حتى يحاسب به.

وقال الحسن: يمنه وشؤمه.

وعن مجاهد: ما من مولود إلا في عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد.

وقال أهل المعاني: أراد بالطائر ما قضى الله عليه أنه عامله وما هو صائر إليه من سعادة أو شقاوة سُمِّي "طائراً" على عادة العرب فيما كانت تتفاءل وتتشاءم به من سوانح الطير وبوارحها.

وقال أبو عبيدة والقتيبي: أراد بالطائر حظه من الخير والشر، من قولهم طار سهم فلان بكذا، وخص العنق من بين سائر الأعضاء لأنه موضع القلائد والأطواق وغيرهما مما يزين أو يشين، فجرى كلام العرب بتشبيه الأشياء اللازمة إلى الأعناق.

{وَنُخْرِجُ لَهُ}، يقول الله تعالى: ونحن نخرج له، {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَابًا}، وقرأ الحسن ومجاهد ويعقوب {ويَخْرُجُ له} بفتح الياء وضم الراء، معناه: ويخرج له الطائر يوم القيامة كتاباً.

وقرأ أبو جعفر {يُخْرَج} بالياء وضمها وفتح الراء.

{يَلْقَـٰهُ}، قرأ ابن عامر وأبو جعفر {يُلَقَّاه} بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف، يعني: يلقى الإِنسان ذلك الكتاب، أي: يؤتاه. وقرأ الباقون بفتح الياء خفيفة أي يراه {مَنشُوراً}، وفي الآثار: أن الله تعالى يأمر الملك بطي الصحيفة إذا تمّ عمر العبد فلا تنشر إلا في يوم القيامة.

{ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ}، أي: يقال له: اقرأ كتابك، قوله تعالى: {كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}، محاسباً. قال الحسن: لقد عدل عليك من جعلك حسيب نفسك. قال قتادة: سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئاً في الدنيا.

{مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ}، لها ثوابه، {وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا}، لأن عليها عقابه.

{وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}، أي: لا تحمل حاملة حمل أخرى من الآثام، أي: لا يؤخذ أحد بذنب أحد. {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}، إقامةً للحجة وقطعاً للعذر، وفيه دليل على أن ما وَجَبَ وَجَبَ بالسمع لا بالعقل.

وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا۟ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَٰهَا تَدْمِيرًا ۝١٦

{وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا}، قرأ مجاهد: {أمَّرنا} بالتشديد أي: سلَّطنا شرارها فعصوا، وقرأ الحسن وقتادة ويعقوب {آمرنا} بالمد، أي: أكثرنا.

وقرأ الباقون مقصوراً مخففاً، أي: أمرناهم بالطاعة فعصوا، ويحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء، ويحتمل أن تكون بمعنى أكثرنا، يقال: أمرهم الله أي كثّرهم الله. وفي الحديث:

خير المال مهرة مأمورةأي كثيرة النسل. ويقال: منه أمر القوم يأمرون أمراً إذا كثروا، وليس من الأمر بمعنى الفعل، فإن الله لا يأمر بالفحشاء.

واختار أبو عبيدة قراءة العامة وقال: لأن المعاني الثلاثة تجتمع فيها يعني الأمر والإِمارة والكثرة.

{مُتْرَفِيهَا} منعميها وأغنياءها {فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ}،، وجب عليها العذاب، {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}، أي: خربناها وأهلكنا من فيها.

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيــى بن بكر، حدثنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير أن زينب بنت أبي سلمة حدثته عن أم حبيبة بنت أبي سفيان،

عن زينب بنت جحش أنّ النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فَزَعاً وهو يقول: «لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شّرٍ قد اقترب، فُتِح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلَّق بأصبعه الإِبهام والتي تليها» قالت زينب فقلت: يا رسول الله أنهلَكُ وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث»

وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِنۢ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًا ۝١٧ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصْلَىٰهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا ۝١٨ وَمَنْ أَرَادَ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُو۟لَٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ۝١٩ كُلًّا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ۝٢٠

قوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ} أي: المكذبة، {مِن بَعْدِ نُوحٍ}، يُخوّف كفار مكة، {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا}، قال عبدالله بن أبي أوفٰى: القَرْنُ مائة وعشرون سنة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول قرن، وكان في آخره يزيد بن معاوية.

وقيل: مائة سنة. ورُوي عن محمد بن القاسم عن عبدالله بن بسر المازني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على رأسه وقال:

سيعيش هذا الغلام قرناًقال محمد بن القاسم فما زلنا نعدُّ له حتى تم له مائة سنة، ثم مات.

قال الكلبي: ثمانون سنة. وقيل: أربعون سنة.

{مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـٰجِلَةَ}، يعني الدنيا، أي: الدار العاجلة، {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ}، من البسط والتقتير، {لِمَن نُّرِيدُ}، أن نفعل به ذلك أو إهلاكه، {ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ} في الآخرة، {جَهَنَّمَ يَصْلَـٰهَا}، يدخل نارها، {مَذْمُومًا مَّدْحُورًا}، مطروداً مبعداً.

{وَمَنْ أَرَادَ ٱلأََخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا}، عمل عملها، {وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا}، مقبولاً.

{كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاَۤءِ وَهَـٰؤُلاَۤءِ}، أي: نمد كلا الفريقين من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة، {مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ}، أي: يرزقهما جميعاً ثم يختلف بهما الحال في المآل، {وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ}، رزق ربك، {مَحْظُورًا}، ممنوعاً عن عباده، فالمراد من العطاء: العطاء في الدنيا وإلا فلا حظَّ للكفار في الآخرة.

ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلْـَٔاخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ۝٢١ لَّا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا ۝٢٢ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ۝٢٣

{ٱنظُرْ}، يا محمد، {كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}، في الرزق والعمل الصالح يعني: طالب العاجلة وطالب الآخرة، {وَلَلأَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً}.

{لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ}، الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره.

وقيل: معناه لا تجعل أيها الإِنسان مع الله إِلَهاً آخر، {فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً}، مذموماً من غير حمد، مخذولاً من غير نصر.

قوله عزّ وجلّ: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ}، وأمر ربك، قاله ابن عباس وقتادة والحسن.

قال الربيع بن أنس: وأوجب ربك.

قال مجاهد: وأوصى ربك.

وحكي عن الضحاك بن مزاحم أنه قرأها: ووصّى ربك. وقال: إنهم ألصقوا الواو بالصاد فصارت قافاً.

{أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً} أي: وأمر بالوالدين إحساناً براً بهما وعطفاً عليهما.

{إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ}، قرأ حمزة والكسائي بالألف على التثنية فعلى هذا قوله: {أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلاَهُمَا}، كلام مستأنف، كقوله تعالى:

{ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ }[المائدة: 71] وقوله: { وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ }[الأنبياء: 3]، وقوله: "الذين ظلموا" ابتداء وقرأ الباقون {يَبْلُغَنَّ} على التوحيد.

{فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ}، فيه ثلاث لغات، قرأ ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب: بفتح الفاء، وقرأ أبو جعفر، ونافع، وحفص بالكسر والتنوين والباقون بكسر الفاء غير منون، ومعناها واحد وهي كلمة كراهية.

قال أبو عبيدة: أصل التف والأف الوسخ على الأصابع إذا فتلتها.

وقيل: "الأُفّ": ما يكون في المغابن من الوسخ، و"التفّ": ما يكون في الأصابع.

وقيل: "الأف" وسخ الأذن و"التف" وسخ الأظفار.

وقيل: "الأف": وسخ الظفر، و"التف" ما رفعته بيدك من الأرض من شيء حقير.

{وَلاَ تَنْهَرْهُمَا}، ولا تزجرهما.

{وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا}، حسناً جميلاً ليّناً، قال ابن المسيب: كقول العبد المذنب للسيد الفظ.

وقال مجاهد: لا تسمّيهما، ولا تكنِّهما، وقل: يا أبتاه، يا أماه.

وقال مجاهد: في هذه الآية أيضاً: إذا بلغا عندك من الكبر ما يبولان فلا تتقذرهما، ولا تقل لهما أف حين تميط عنهما الخلاء والبول كما كانا يميطانه عنك صغيراً.

وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا ۝٢٤

{وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ}، أي: ألِنْ جانبك لهما واخضع لهما. قال عروة بن الزبير: لِنْ لهما حتى لا تمتنع عن شيء أحبَّاه {مِنَ ٱلرَّحْمَةِ}، من الشفقة، {وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا}، أراد إذا كانا مسلمين.

قال ابن عباس: هذا منسوخ بقوله:

{ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ }[التوبة: 113].

أخبرنا عبدالواحد المليحي أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبدالجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن يزيد عن عطاء بن السائب، عن أبي عبدالرحمن ـ يعني السلمي ـ عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الوالد أوسط أبواب الجنة فحافظ إن شئت أو ضيّع .«

أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي الزراد، أخبرنا أبو بكر محمد بن إدريس الجرجاني، أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين الماليني، أخبرنا حسن بن سفيان، حدثنا يحيـى بن حبيب بن عدي، حدثنا خالد بن الحارث، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه عن عبدالله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

رضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد .«

أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، أخبرنا أبو عبدالله محمد ابن عبدالله الصفار، حدثنا أبو جعفر محمد بن غالب بن تمتام الضبي، حدثنا عبدالله بن مسلمة، حدثنا عبدالعزيز بن مسلم عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله:

لا يدخل الجنةَ منَّان، ولا عاقٌّ، ولا مُدمنُ خمرٍ .«

أخبرنا الإِمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو محمد عبدالله بن يوسف بن محمد بن بامويه الأصفهاني، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن زياد البصري، أخبرنا الحسن بن محمد بن الصبَّاح، حدثنا رِبْعِيٌّ بن عُلَيَّة، عن عبدالرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُرِيُّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

رَغِمَ أنفُ رجل ذُكِرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ، ورَغِمُ أنفُ رجلٍ أتى عليه شهرُ رمضان فلم يُغْفَرْ له، ورَغِم أنف رجل أدرك أبويه الكِبَرُ فلم يُدْخِلاَه الجنةَ .«

رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُوا۟ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلْأَوَّٰبِينَ غَفُورًا ۝٢٥

{رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ}، من برِّ الوالدين وعقوقهما، {إِن تَكُونُواْ صَـٰلِحِينَ}، أبراراً مطيعين بعد تقصير كان منكم في القيام بما لزمكم من حق الوالدين وغير ذلك، {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ}، بعد المعصية {غَفُوراً}.

قال سعيد بن جبير في هذه الآية: هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه لا يريد بذلك إلا الخير فإنه لا يؤاخذ به.

قال سعيد بن المسيب: "الأوّاب": الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب.

قال سعيد بن جبير: الرجّاع إلى الخير.

وعن ابن عباس قال: هو الرجَّاع إلى الله فيما يحزبه وينوبه.

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: هُمُ المسبِّحون، دليله قوله:

{ يََٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ } [سبأ: 10].

قال قتادة: هم المصلون.

قال عوف العقيلي: هم الذين يصلون صلاة الضحى.

أخبرنا أبو الحسن طاهر بن الحسين الرَّوَقي الطوسي، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب، أخبرنا أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع عن هشام صاحب الدستوائي، عن قتادة، عن القاسم بن عوف، عن زيد بن أرقم قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل قُباء وهم يصلُّون صلاة الضحى، فقال:

صلاة الأوَّابين إذا رمضت الفصال من الضحى

وقال محمد بن المنكدر: "الأواب": الذي يصلي بين المغرب والعشاء.

وروي عن ابن عباس أنه قال: إن الملائكة لتحف بالذين يصلون بين المغرب والعشاء، وهي صلاة الأوّابين.

وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ۝٢٦ إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوٓا۟ إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِ وَكَانَ ٱلشَّيْطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورًا ۝٢٧ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا ۝٢٨

قوله تعالى: {وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ}، يعني صلة الرحم، وأراد به: قرابة الإِنسان، وعليه الأكثرون.

عن علي بن الحسين: أراد به قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم.

{وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا}، أي: لا تنفق مالك في المعصية.

وقال مجاهد: لو أنفق الإِنسان ماله كله في الحق ما كان تبذيراً، ولو أنفق مُدّاً في باطل كان تبذيراً.

وسئل ابن مسعود عن التبذير فقال: إنفاق المال في غير حقه.

قال شعبة: كنت أمشي مع أبي إسحاق في طريق الكوفة، فأتى على دارٍ بُني بجصّ وآجُرٍّ، فقال: هذا التبذير.

وفي قول عبدالله: إنفاق المال من غير حقه.

{إِنَّ ٱلْمُبَذِرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ}، أي: أولياءهم، والعرب تقول لكل ملازم سنةِ قومٍ هو أخوهم. {وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}، جحوداً لنعمه.

{وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ}، نزلت في مِهْجَع، وبلال، وصهيب، وسالم، وخبَّاب، كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم في الأحايين ما يحتاجون إليه، ولا يجد، فيعرض عنهم حياءً منهم ويمسك عن القول، فنزل {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ}، وإن تعرض عن هؤلاء الذين أمرتك أن تؤتيهم، {ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا}، انتظار رزق من الله ترجوه أن يأتيك، {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا} ليِّناً، وهي العِدَة، أي: عِدْهم وَعْداً جميلاً. وقيل: القول الميسور أن تقول: يرزقنا الله وإيّاك.

وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ۝٢٩ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًا ۝٣٠ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَٰقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْـًٔا كَبِيرًا ۝٣١

{وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ}، قال جابر:

أتٰى صبي فقال: يا رسول الله إنَّ أُمي تَسْتَكْسِيْكَ دِرْعاً، ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قميصه، فقال للصبي: «من ساعة إلى ساعة يظهر، فَعُدْ وقتاً آخر»، فعاد إلى أمه فقالت: قل له: إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم داره فنزع قميصه فأعطاه إيّاه، وقعد عرياناً، فأذَّن بلال بالصلاة، فانتظروه فلم يخرج، فشغل قلوب أصحابه، فدخل عليه بعضهم فرآه عرياناً، فأنزل الله تعالى: "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك". يعني: ولا تمسك يدك عن النفقة في الحق كالمغلولة يده لا يقدر على مدها.

{وَلاَ تَبْسُطْهَا}، بالعطاء، {كُلَّ ٱلْبَسْطِ}، فتعطي جميع ما عندك، {فَتَقْعُدَ مَلُومًا}، يلومك سائلوك بالإِمساك إذا لم تعطهم. و"الملوم": الذي أتى بما يلوم نفسه، أو يلومه غيره، {مَّحْسُوراً} منقطعاً بك، لا شيء عندك تنفقه. يقال: حسرته بالمسألة إذا ألحفت عليه، ودابَّة حسيرة إذا كانت كالَّة رازحة.

قال قتادة {مَّحْسُوراً} نادماً على ما فرط منك.

{إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ}، يوسع {ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ}، أي: يقتر ويضيق، {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا}.

قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ}، فقر، {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم}، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يئدون بناتهم خشية الفاقة فنهوا عنه، وأُخبروا أن رزقهم ورزق أولادهم على الله تعالى، {إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا}، قرأ ابن عامر وأبو جعفر {خَطئاً} بفتح الخاء والطاء مقصوراً. وقرأ ابن كثير بكسر الخاء ممدوداً وقرأ الآخرون بكسر الخاء وجزم الطاء، ومعنى الكل واحد، أي: إثماً كبيراً.

وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلزِّنَىٰٓ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا ۝٣٢ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَٰنًا فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًا ۝٣٣

{وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً}.

{وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ}، وحقها ما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

لا يَحِلُّ دمُ امرىءٍ مسلم إلاّ بإحدى ثلاث: رجل كَفَر بعد إيمانه، أو زنٰى بعد إحصانه، أو قتل نفساً بغير نفس فيقتل بها .«

{وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَـٰناً}، أي: قوةً وولاية على القاتل بالقتل، قاله مجاهد.

وقال الضحاك: سلطانه هو أنه يتخيَّر، فإن شاء استقاد منه، وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء عفا عنه.

{فَلاَ يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ}، قرأ حمزة والكسائي: {فلا تسرف} بالتاء يخاطب ولي القتيل، وقرأ الآخرون: بالياء على الغائب أي: لا يسرف الولي في القتل.

واختلفوا في هذا الإِسراف الذي منع منه، فقال ابن عباس، وأكثر المفسرين: معناه لا يقتل غير القاتل، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا قُتل منهم قتيل لا يرضون بقتل قاتله حتى يقتلوا أشرف منه.

وقال سعيد بن جبير: إذا كان القاتل واحداً فلا يقتل جماعة بدل واحد، وكان أهل الجاهلية إذا كان المقتول شريفاً لا يرضون بقتل القاتل وحده حتى يقتلوا معه جماعة من أقربائه.

وقال قتادة: معناه لا يمثل بالقاتل.

{إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا}، فالهاء راجعة إلى المقتول في قوله: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا} يعني: إن المقتول منصور في الدنيا بإيجاب القَوَدِ على قاتله، وفي الآخرة بتكفير خطاياه وإيجاب النار لقاتله، هذا قول مجاهد.

وقال قتادة: الهاء راجعة إلى ولي المقتول، معناه: إنه منصور على القاتل باستيفاء القصاص منه أو الدية.

وقيل في قوله: {فَلاَ يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ} أنه أراد به القاتل المعتدي، يقول: لا يتعدىٰ بالقتل بغير الحق، فإنه إن فعل ذلك فوليُّ المقتول منصور من قِبَلي عليه باستيفاء القصاص منه.

وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ وَأَوْفُوا۟ بِٱلْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًا ۝٣٤ وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا۟ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ۝٣٥ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا ۝٣٦

{وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ}، بالإِتيان بما أمر الله به والانتهاء عما نهى الله عنه. وقيل: أراد بالعهد ما يلتزمه الإِنسان على نفسه.

{إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}، قال السدي: كان مطلوباً. وقيل: العهد يسأل عن صاحب العهد، فيقال: فِيْمَ نقضت، كالمؤودة تَسأل فيم قُتِلت.

{وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ}، قرأ حمزة والكسائي وحفص {بالقسطاس} بكسر القاف والباقون بضمه، وهما لغتان وهو الميزان صَغُر أو كَبُرَ أي: بميزان العدل. وقال الحسن: هو القبان. قال مجاهد: هو رومي. وقال غيره: هو عربي مأخوذ من القسط وهو العدل، أي: زنوا بالعدل. {ٱلْمُسْتَقِيمِ ذََٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}، أي: عاقبةً.

{وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}، قال قتادة: لا تقل: رأيت، ولم تره، وسمعت، ولم تسمعه، وعلمت ولم تعلمه.

وقال مجاهد: لا ترمِ أحداً بما ليس لك به علم.

قال القتيبي: لا تتبعه بالحدس والظن. وهو في اللغة اتباع الأثر، يقال: قفوت فلاناً أقفوه وقفيته وأقفيته إذا اتبعت أثره، وبه سميت القافية لتتبعهم الآثار.

قال القتيبي: هو مأخوذ من القفا كأنه يقفو الأمور، أي: يكون في إقفائها يتبعها ويتعرفها.

وحقيقة المعنى: لا تتكلم [أيّها الإِنسان] بالحدس والظن.

{إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}، قيل: معناه يسأل المرء عن سمعه وبصره وفؤاده.

وقيل: يسأل السمع والبصر والفؤاد عمّا فعله المرء.

وقوله: {كُلُّ أُولـٰئِكَ} أي كل هذه الجوارح والأعضاء، وعلى القول الأول يرجع "أولئك" إلى أربابها.

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن الحسين، أخبرنا أبو علي حامد بن محمد الرَّفاء، حدثنا أبو الحسن علي بن عبدالعزيز أخبرنا الفضل بن دكين، حدثنا سعد بن أوس العبسي، حدثني بلال بن يحيـى العبسي أن شتير بن شكل أخبره عن أبيه شكل بن حميد قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله علِّمني تعويذاً أتعوَّذ به، قال: فأخذ بيدي ثم قال:

قلِ: اللهمَّ إني أعوذ بك من شرِّ سمعي، وشرِّ بصري، وشرِّ لساني، وشرِّ قلبي، وشرِّ مَنِيِّ قال: فحفظتها، قال سعد: والمني ماؤه.

وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولًا ۝٣٧

{وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا}، أي بطراً وكبراً وخيلاء، وهو تفسير المشي، فلذلك أخرجه على المصدر، {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ} أي: لن تقطعها بكبرك حتى تبلغ آخرها، {وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً} أي: لا تقدر أن تطاول الجبال وتساويها بكبرك. معناه أن الإِنسان لا ينال بكبره وبطره شيئاً، كمن يريد خرق الأرض ومطاولة الجبال لا يحصل على شيء.

وقيل: ذكر ذلك لأن من مشى مختالاً يمشي مرة على عقبيه ومرة على صدور قدميه، فقيل له: إنك لن تنقب الأرض إن مشيت على عقبيك، ولن تبلغ الجبال طولاً إن مشيت على صدور قدميك.

أخبرنا أبو محمد عبدالله بن عبدالصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا سفيان ابن وكيع، حدثنا أَبي، عن المسعودي، عن عثمان بن مسلم بن هُرْمُزٍ، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم

"إذا مشى يتكفَّأ تكفُّؤاً، كأنما يَنْحَطُ من صَبَبٍ".

أخبرنا أبو محمد الجرجاني، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كُلَيب، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي يونس، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "ما رأيتُ شيئاً أحسنَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنَّ الشمسَ تجري في وجهه، وما رأيتُ أحداً أسرعَ في مشيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما الأرضُ تُطْوَىٰ له، إنا لنُجْهدُ أنفسنا وإنه لَغَيْرُ مُكْتَرثٍ".

كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ۝٣٨ ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰٓ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلْقَىٰ فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا ۝٣٩

{كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا}، قرأ ابن عامر وأهل الكوفة: برفع الهمزة وضم الهاء، على الإِضافة، ومعناه كل الذي ذكرنا من قوله: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ} {كَانَ سَيِّئُهُ} أي: سيء ما عددنا عليك عند ربك مكروهاً؛ لأنه قد عدَّ أموراً حسنة كقوله: {وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ} {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ} وغير ذلك.

وقرأ الآخرون {سيئةً} منصوبة منونة يعني: كل الذي ذكرنا من قوله: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ} إلى هذا الموضع سيئة لا حسنة فيه، إذ الكل يرجع إلى المنهي عنه دون غيره، ولم يقل مكروهة لأن فيه تقديماً وتأخيراً، وتقديره: كل ذلك كان مكروهاً سيئةً. وقوله {مَكْرُوهًا} على التكرير، لا على الصفة، مجازه: كل ذلك كان سيئةً وكان مكروهاً، أو رجع إلى المعنى دون اللفظ، لأن السيئة الذنب وهو مذكر.

{ذَٰلِكَ}، الذي ذكرنا، {مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ}. وكلُّ ما أمر الله به أو نهى عنه فهو حكمه.

{وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ}، خاطب النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات والمراد منه الأمة، {فَتُلْقَىٰ فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا}، مطروداً مبعداً من كل خير.

أَفَأَصْفَىٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنَٰثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا ۝٤٠ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُوا۟ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا ۝٤١ قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّٱبْتَغَوْا۟ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلًا ۝٤٢ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ۝٤٣ تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ۝٤٤

قوله عزّ وجلّ: {أَفَأَصْفَـٰكُمْ رَبُّكُم}، أي: اختاركم فجعل لكم الصفوة ولنفسه ما ليس بصفوة، يعني: اختاركم، {بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ إِنَاثًا} لأنهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله، {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا}، يخاطب مشركي مكة.

قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ}، يعني: ما ذُكِر من العبر، والحِكَم، والأمثال، والأحكام، والحجج، والإِعلام، والتشديدُ للتكثير والتكرير، {لِيَذَّكَّرُواْ} أي: ليتذكروا ويتعظوا، وقرأ حمزة والكسائي بإسكان الذال وضم الكاف وكذلك في الفرقان. {وَمَا يَزِيدُهُمْ}، تصريفنا وتذكيرنا، {إِلاَّ نُفُورًا}، ذهاباً وتباعداً عن الحق.

{قُل}، يا محمد لهؤلاء المشركين، {لَّوْ كَانَ مَعَهُ ءَالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ}، قرأ حفص وابن كثير {يقولون} بالياء وقرأ الآخرون بالتاء، {إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ}، لطلبوا يعني الآلهة {إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً}، بالمبالغة والقهر ليزيلوا ملكه، كفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض.

وقيل: معناه لطلبوا إلى ذي العرش سبيلاً بالتقرب إليه.

قال قتادة: لعرفوا الله وفضله وابتغوا ما يقربهم إليه.

والأول أصح، ثم نزه نفسه، فقال عزَّ من قائل:

{سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ}، قرأ حمزة والكسائي {تقولون} بالتاء والآخرون بالياء، {عُلُوّاً كَبِيراً}.

{تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ}، قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص، ويعقوب: {تسبح} بالتاء وقرأ الآخرون بالياء للحائل بين الفعل والتأنيث.

{وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}، روي عن ابن عباس أنه قال: وإن من شيء حي إلا يسبح بحمده.

وقال قتادة: يعني الحيوانات والناميات.

وقال عكرمة: الشجرة تسبِّح، والأسطوانة لا تسبح.

وعن المقدام بن معد يكرب قال: إن التراب يسبح ما لم يبتلَّ، فإذا ابتلَّ ترك التسبيح، وإن الخرزة تسبح ما لم تُرْفَعْ من موضعها، فإذا رفعت تركت التسبيح، وإن الورقة لتسبح ما دامت على الشجرة فإذا سقطت تركت التسبيح، وإن الثوب ليسبح ما دام جديداً فإذا وسخ ترك التسبيح، وإن الماء يسبح ما دام جارياً فإذا ركد ترك التسبيح، وإن الوحش والطير تسبح إذا صاحت فإذا سكنت تركت التسبيح.

وقال إبراهيم النخعي: وإن من شيء جمادٍ وحيٍّ إلاّ يسبح بحمده حتى صرير الباب ونقيض السقف.

وقال مجاهد: كل الأشياء تسبح لله، حياً كان أو ميتاً أو جماداً، وتسبيحها سبحان الله وبحمده.

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن المثنى، أخبرنا أبو أحمد الزبير، أخبرنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله قال: كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدُّونها تخويفاً، كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقلَّ الماء فقال:

اطلبوا فضلة من ماء، فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإِناء ثم قال: حيَّ على الطهور المبارك والبركة من الله، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل".

وقال بعض أهل المعاني: تسبيح السموات والأرض والجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء ما دلَّت بلطيف تركيبها وعجيب هيئتها على خالقها، فيصير ذلك بمنزلة التسبيح منها.

والأول هو المنقول عن السلف.

واعلم أن لله تعالى علماً في الجمادات لا يقف عليه غيره، فينبغي أن يوكل علمه إليه.

{وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}، أي لا تعلمون تسبيح ما عدا من يسبح بلغاتكم وألسنتكم، {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}.

وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا ۝٤٥ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُۥ وَلَّوْا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَٰرِهِمْ نُفُورًا ۝٤٦ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰٓ إِذْ يَقُولُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا ۝٤٧

قوله عزّ وجلّ: {وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا}، يحجب قلوبهم عن فهمه والانتفاع به.

قال قتادة: وهو الأكنَّة، والمستور بمعنى الساتر كقوله:

{ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً }[مريم: 61] مفعول بمعنى الفاعل.

وقيل: مستوراً عن أعين الناس فلا يرونه.

وفسره بعضهم بالحجاب عن الأعين الظاهرة، كما روي عن سعيد بن جبير أنه

لما نزلت: {تبت يدا أبي لهب} جاءت امرأة أبي لهب ومعها حجر، والنبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكرٍ، فلم تَرَهُ، فقالت لأبي بكر: أين صاحبك لقد بلغني أنه هجاني؟ فقال: والله ما ينطق بالشعر، ولا يقوله، فرجعت وهي تقول قد كنت جئت بهذا الحجر لأرضخ رأسه، فقال أبو بكر: ما رأتك يا رسول الله، قال: لا، لم يزل مَلَكٌ بيني وبينها يسترني.

{وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً}، أغطية، {أَن يَفْقَهُوهُ}، كراهية أن يفقهوه. وقيل: لئلا يفقهوه، {وَفِىۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا}، ثقلاً لئلا يسمعوه. {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ}، يعني إذا قلت: لا إله إلا الله في القرآن وأنت تتلوه، {وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُوراً}، جمع "نافر"، مثل: قاعد، وقعود، وجالس، وجلوس، أي نافرين.

{نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ}، قيل: "به" صلة، أي: يطلبون سماعه، {إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ}، وأنت تقرأ القرآن، {وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ}، يتناجون في أمرك. وقيل: ذووا نجوى، فبعضهم يقول هذا مجنون، وبعضهم يقول: كاهن، وبعضهم يقول: ساحر، وبعضهم يقول: شاعر. {إِذْ يَقُولُ ٱلظَّـٰلِمُونَ}، يعني: الوليد بن المغيرة وأصحابه، {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا}، مطبوبا. وقال مجاهد: مخدوعاً. وقيل: مصروفاً عن الحق. يقال: ما سحرك عن كذا أي ما صرفك؟

وقال أبو عبيدة: أي رجلاً له سحر، والسحر: الرئة، أي: إنه بشر مثلكم معلل بالطعام والشراب يأكل ويشرب. قال الشاعر:

أُرَانَا مُوضِعِيْنَ لحَتْمِ غَيْبٍ ونُسْحَرُ بالطَّعامِ وبالشَّرَابِ

أي: نغذَّىٰ ونعلل.

ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَالَ فَضَلُّوا۟ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ۝٤٨ وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمًا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ۝٤٩ قُلْ كُونُوا۟ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ۝٥٠ أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبًا ۝٥١

{ٱنظُرْ}، يا محمد، {كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ}، الأشباه، فقالوا: شاعر وساحر وكاهن ومجنون، {فَضَلُّواْ}، فحاروا وحادوا، {فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً} أي: وصولاً إلى طريق الحق.

{وَقَالُوۤاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰماً} بعد الموت، {وَرُفَٰتاً} قال مجاهد: تراباً. وقيل: حطاماً. و"الرُّفات": كل ما تكسَّر وبَلَى من كل شيء، كالفتات والحطام.

{أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً}.

{قُلْ} لهم يا محمد: {كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً}، في الشدة والقوة، وليس هذا بأمر إلزام بل هو أمر تعجيز، أي: استشعروا في قلوبكم أنكم حجارة أو حديد في القوة.

{أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ}، قيل: السماء والأرض والجبال.

وقال مجاهد وعكرمة وأكثر المفسرين: إنه الموت، فإنه ليس في نفس ابن آدم شيء أكبر من الموت، أي: لو كنتم الموت بعينه لأُميتنَّكم ولأَبعثنَّكم.

{فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا}، من يبعثنا بعد الموت؟ {قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ}، خلقكم، {أَوَّلَ مَرَّةٍ}، ومن قدر على الإنشاء قدر على الإِعادة، {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ}، أي: يحرّكونها إذا قلتَ لهم ذلك مستهزئين بها، {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ}، أي: البعث والقيامة، {قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا} أي: هو قريب، لأن عسى من الله واجب، نظيره قوله تعالى:

{ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً } [الأحزاب: 63].

يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ۝٥٢ وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُوا۟ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ كَانَ لِلْإِنسَٰنِ عَدُوًّا مُّبِينًا ۝٥٣ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ۝٥٤

{يَوْمَ يَدْعُوكُمْ} من قبوركم إلى موقف القيامة، {فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ}، قال ابن عباس: بأمره. وقال قتادة: بطاعته. وقيل: مقرين بأنه خالقهم وباعثهم ويحمدونه حين لا ينفعهم الحمد. وقيل: هذا خطاب مع المؤمنين فإنهم يبعثون حامدين. {وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ}، في الدنيا وفي القبور، {إِلاَّ قَلِيلاً}، لأنّ الإِنسان لو مكث ألوفاً من السنين في الدنيا وفي القبر عدَّ ذلك قليلاً في مدة القيامة والخلود. قال قتادة: يستحقرون مدة الدنيا في جنب القيامة.

قوله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُواْ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ}، قال الكلبي: كان المشركون يؤذون المسلمين فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِى} المؤمنين {يَقُولُواْ} للكافرين {ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} ولا يكافؤوهم بسفههم. قال الحسن: يقول له: يهديك الله. وكان هذا قبل الإِذن في الجهاد والقتال.

وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب شتمه بعض الكفار فأمره الله بالعفو.

وقيل: أمر الله المؤمنين بأن يقولوا ويفعلوا التي هي أحسن أي: الخلة التي هي أحسن.

وقيل: "الأحسن": كلمة الإِخلاص لا إله إلا الله.

{إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ}، أي: يفسد ويُلْقِي العداوة بينهم، {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلإِنسَـٰنِ عَدُوًّا مُّبِينًا}، ظاهر العداوة.

{رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ}، يوفقكم فتؤمنوا، {أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ}، يميتكم على الشرك فتعذبوا، قاله ابن جريج.

وقال الكلبي: إن يشأ يرحمكم فينجيكم من أهل مكة، وإن يشأ يعذبكم فيسلطهم عليكم.

{وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} حفيظاً وكفيلاً. قيل: نسختها آية القتال.

وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعْضٍ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا ۝٥٥ قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ۝٥٦ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ۝٥٧

{وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}، أي: ربك العالم بمن في السموات والأرض فجعلهم مختلفين في صورهم وأخلاقهم وأحوالهم ومللهم.

{وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ}، قيل جعل أهل السموات والأرض مختلفين كما فضل بعض النبيين على بعض.

قال قتادة في هذه الآية: اتخذ الله إبراهيم خليلاً، وكلّم موسى تكليماً، وقال لعيسى: كن فيكون، وآتى سليمان ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وآتى داود زَبُوراً كما قال: {وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا}، والزبور كتاب علمه الله داود، يشتمل على مائة وخمسين سورة، كلها دعاء وتمجيد وثناء على الله عزّ وجلّ، وليس فيها حرام ولا حلال ولا فرائض ولا حدود.

معناه: إنكم لم تنكروا تفضيل النبيين فكيف تنكرون فضل النبي صلى الله عليه وسلم وإعطاءَه القرآن؟ وهذا خطاب مع من يقر بتفضيل الأنبياء عليهم السلام من أهل الكتاب وغيرهم.

قوله عزّ وجلّ: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ}، وذلك أن المشركين أصابهم قحط شديد حتى أكلوا الكلاب والجِيَف، فاستغاثوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليدعو لهم، قال الله تعالى: {قُلِ} للمشركين {ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ} أنها آلهة {فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ}، القحط والجوع، {عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً}، إلى غيركم، أو تحويل الحال من العسر إلى اليسر.

{أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ}، يعني الذين يدعونهم المشركون آلهة يعبدونهم.

قال ابن عباس، ومجاهد: وهم عيسى، وأمه، وعزير، والملائكة، والشمس، والقمر، والنجوم، "يبتغون" أي يطلبون إلى ربهم "الوسيلة"، أي القُرْبة. وقيل: الوسيلة الدرجة العليا، أي: يتضرعون إلى الله في طلب الدرجة العليا.

وقيل: الوسيلة كلُّ ما يتقرب به إلى الله تعالى

وقوله: {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ}، معناه: ينظرون أيهم أقرب إلى الله فيتوسلون به. وقال الزجَّاج: أيهم أقرب يبتغي الوسيلة إلى الله تعالى ويتقرب إليه بالعمل الصالح، {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ}، جنته، {وَيَخَـٰفُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}، أي يطلب منه الحذر.

وقال عبدالله بن مسعود: نزلت الآية في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن فأسلم الجنيّون ولم يعلم الإِنس الذين كانوا يعبدونهم بإسلامهم، فتمسكوا بعبادتهم فعيّرهم الله وأنزل هذه الآية.

وقرأ ابن مسعود {أولئك الذين تدعون} بالتاء.

وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْكِتَٰبِ مَسْطُورًا ۝٥٨

{وَإِن مِّن قَرْيَةٍ} وما من قرية، {إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ}، أي: مخربوها ومهلكوا أهلها، {أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا}، بأنواع العذاب إذا كفروا وعصوا. وقال مقاتل وغيره: مهلكوها في حق المؤمنين بالإِماتة ومعذِّبوها في حق الكفار بأنواع العذاب.

قال عبدالله بن مسعود: إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله في إهلاكها.

{كَانَ ذَٰلِك فِى ٱلْكِتَـٰبِ}، في اللوح المحفوظ، {مَسْطُورًا}، مكتوبا.

قال عبادة بن الصامت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إن أول ما خلق الله القلم فقال اكتب، قال: ما أكتب؟ قال القدر، وما كان وما هو كائن إلى الأبد

.«

وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْـَٔايَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا۟ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْـَٔايَٰتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ۝٥٩ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِىٓ أَرَيْنَٰكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَٰنًا كَبِيرًا ۝٦٠

قوله عزّ وجلّ: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلأَيَـٰتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ}، قال ابن عباس: سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً وأن يُنَحِّيَ الجبال عنهم فيزرعوا، فأوحى الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن أستأني بهم فعلتُ، وإن شئتَ أن أوتيهم ما سألوا فعلتُ، فإن لم يؤمنوا أهلكتهم كما أهلكتُ مَنْ كان قبلهم من الأمم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

لا بل تستأني بهم، فأنزل الله عزّ وجلّ:

{وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلأَيَـٰتِ} التي سألها كفار قومك {إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} فأهلكناهم، فإن لم يؤمن قومك بعد إرسال الآيات أهلكتهم، لأن من سنتنا في الأمم إذا سألوا الآيات، ثم لم يؤمنوا بعد إتيانها، أن نهلكهم ولا نمهلهم، وقد حكمنا بإمهال هذه الأمة في العذاب، فقال جلّ ذكره:

{ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ } [القمر: 46]، ثم قال:

{وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً}، مضيئة بينة، {فَظَلَمُواْ بِهَا}، أي: جحدوا بها أنها من عند الله كما قال:

{ بِمَا كَانُواْ بِآيَـٰتِنَا يَظْلِمُونَ }[الأعراف: 9]، أي: يجحدون. وقيل: ظلموا أنفسهم بتكذيبها يريد فعاجلناهم بالعقوبة.

{وَمَا نُرْسِلُ بِٱلأَيَـٰتِ} أي: العبر والدلالات، {إِلاَّ تَخْوِيفًا}، للعباد ليؤمنوا.

قال قتادة: إن الله تعالى يُخوّف الناس بما شاء من آياته لعلّهم يرجعون.

قوله عزّ وجل: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ}، أي: هم في قبضته، لا يقدرون على الخروج من مشيئته، فهو حافظك ومانعك منهم، فلا تهبهم وامضِ لما أمرك الله به من تبليغ الرسالة، كما قال:

{ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ } [المائدة: 67].

{وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِى أَرَيْنَـٰكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ}، فالأكثرون على أن المراد منه ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج من العجائب والآيات.

قال ابن عباس: هي رؤيا عين أُريها النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول سعيد بن جبير، والحسن، ومسروق، وقتادة، ومجاهد، وعكرمة، وابن جريج والأكثرين. والعرب تقول: رأيت بعيني رؤية ورؤيا، فلما ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس أنكر بعضهم ذلك، وكذبوا فكان فتنة للناس.

وقال قوم: أسرى بروحه دون بدنه.

وقال بعضهم: كان له معراجان: معراج رؤية بالعين، ومعراج رؤيا بالقلب.

وقال قوم. أراد بهذه الرؤيا ما رأى صلى الله عليه وسلم عام الحديبية أنه دخل مكة هو وأصحابه، فجعل السير إلى مكة قبل الأجل فصدّه المشركون، فرجع إلى المدينة، وكان رجوعه في ذلك العام بعد ما أخبر أنه يدخلها فتنة لبعضهم، حتى دخلها في العام المقبل، فأنزل الله تعالى:

{ لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقِّ }[الفتح: 27].

{وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلقُرْءَانِ}، يعني شجرة الزقوم، مجازه: والشجرة الملعونة المذكورة في القرآن، والعرب تقول لكل طعام كريه: طعام ملعون. وقيل: معناه الملعون أكلها، ونصب الشجرة عطفاً على الرؤيا، أي: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة إلا فتنة للناس، فكانت الفتنة في الرؤيا ما ذكرنا.

والفتنة في الشجرة المعلونة من وجهين؛ أحدهما: أن أبا جهل قال: إن ابن أبي كبشة يوعدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يزعم أنه ينبت فيها شجرة، وتعلمون أن النار تحرق الشجرة.

والثاني: أن عبدالله بن الزبعري قال: إن محمداً يخوِّفنا. بالزقوم ولا نعرف الزقوم إلا الزبد والتمر، وقال أبو جهل: يا جارية تعالي فزقمينا فأتت بالتمر والزبد، فقال: يا قوم تزقموا فإن هذا ما يخوِّفكم به محمد، فوصفها الله تعالى في الصافات.

وقيل: الشجرة الملعونة هي: التي تلتوي على الشجر فتجففه، يعني الكشوث.

{وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ}، التخويف، {إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا} أي: تمردا وعتوا عظيما.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ